النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
كتاب الطهارة
في الخلاء في غیر مَا حَدِیث صحِيح مَشْهُور تغني شهرته عن ذكره لگونه نهیا
مُجَردا وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أعلم.
قوله: عن أبي هريرة، تقدم.
قوله ولية: ((من لم يستقبل القبلة ولم يستدبرها في الغائط كتب له حسنة
ومحي عنه سيئة))، قال الحافظ - رحمه الله -: وقد جاء النهي عن استقبال
القبلة واستدبارها في الخلاء في غير حديث نهيا مجردًا، والله أعلم، لما روي
الشافعي عن أبي هريرة زَّوَّهُ عن رسول الله وَّه قال: ((إنما أنا لكم مثل الوالد
أعلمكم، فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها بغائط
ولا بول)) قال البغوي في شرح السنة: هذا حديث صحيح، هذا كلام بسط
وتأنيس للمخاطبين لئلا يستخشنونه ولا يستحيوا من مسألته فيما يعرض لهم
من أمر دينهم كما لا يستحيي الولد من مسألة الوالد فيما عز وعرض له من
أمر، قال: وفي هذا بيان وجوب طاعة الآباء وأن الواجب عليهم تأديب
الأولاد وتعليمهم ما يحتاجون إليه من أمر الدين، وفيه دليل على أنه مختص
بالصحراوية، صرح أصحاب الشافعي لأن الغائط بها يكون دون البنيان.
وقوله: في هذا الحديث: ((فإذا ذهب أحدكم)) يدل عليه لأن الذاهب إنما
يطلق على التوجه إلى الصحراء ويقال في البنيان دخل، قال النووي (١): وقد
=
ورجاله رجال الصحيح، إلا شيخ الطبراني وشيخ شيخه، وهما ثقتان. وصححه الألباني
في الصحيحة (١٠٩٨) وصحيح الترغيب (١٥١).
(١) شرح النووي على مسلم (١٥٤/٣ - ١٥٥).

١٨٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
اختلف العلماء في النهي عن استقبال القبلة بالبول والغائط على مذاهب
[١٣٦/أ] أحدها: مذهب مالك والشافعي أنه يحرم استقبال القبلة في
الصحراء بالبول والغائط، ولا يحرم ذلك في البنيان، وهذا مروي عن العباس
بن عبد المطلب وعبد الله بن عمر وعن الشعبي وإسحاق بن راهويه وأحمد
بن حنبل في إحدى الروايات عنه، والمذهب الثاني: إنه لا يجوز ذلك لا في
البنيان ولا في الصحراء وهو قول أبي أيوب الأنصاري الصحابي ومجاهد
وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري وأبو ثور وأحمد في رواية، والمذهب
الثالث: جواز ذلك في الصحراء والبنيان جميعًا وهو مذهب عروة بن الزبير
وربيع شيخ مالك وداود الظاهري؛ والمذهب الرابع: لا يجوز الاستقبال لا
في الصحراء ولا في البنيان ويجوز الاستدبار فيهما وهو إحدى الروايتين عن
أبي حينفة وأحمد رحمهما الله، واحتج المانعون مطلقا بالأحاديث
الصحيحة الواردة في النهي مطلقًا، واحتج من أباح مطلقا بحديث ابن عمر
أنه رأى النبي وَّله مستقبلًا بيت المقدس مستدبرًا القبلة، وبحديث عائشة أن
النبي وَيّ بلغه أن ناسا يكرهون استقبال القبلة بفروجهم فقال ◌َ له: ((أو قد
فعلوها)) حولي بمقعدتي، أي: إلى القبلة، رواه أحمد وإسناده حسن، واحتج
من أباح الاستدبار دون الاستقبال بحديث سلمان، واحتج من حرج
الاستقبال والاستدبار في الصحراء وأباحهما في البنيان حديث ابن عمر
وحديث عائشة وبحديث جابر وبحديث مروان الأصفر، فهذه أحاديث
صحيحة مصرحة بالجواز في البنيان وحديث أبي أيوب وسلمان وأبي هريرة

١٨٣
كتاب الطهارة
وغيرها وردت بالنهي، فتحمل على الصخر التجمع بين الأحاديث، ولا
خلاف بين العلماء أنه إذا أمكن الجمع بين الأحاديث لا يصار إلى ترك
بعضها بل يجب الجمع بينهما والعمل بجميعها، وقد أمكن الجمع على ما
ذكرنا فوجب المصير إليه، والله أعلم.
قوله: ((أو قد فعلوا)) هو بفتح الواو وهي واو العطف، وهو استفهام توبيخ
وتقريع (١)، والمقعدة موضع القعود لقضاء حاجة الإنسان(٢)، انتهى، قاله في
الديباجة.
مسائل أربع، لما تعلق بما تقدم، ذكرها النووي في شرح مسلم(٣):
المسألة الأولى: حيث جوزنا الاستقبال والاستدبار، قال جماعة من
أصاحبنا هو مكروه، ولم يذكر الجمهور الكراهة، والمختار أنه إن كان عليه
مشقة في كليف التحرف عن القبلة فلا كراهة، وغن لم يكن مشقة فالأولى تجنبه
للخروج من خلاف العلماء، ولا يطلق عليه الكراهة للأحاديث الصحيحة.
المسألة الثانية: إذا تجنب استقبال القبلة واستدبارها حال خروج البول
والغائط، ثم أراد الاستقبال أو الاستدبار حال الاستنجاء جاز، والله أعلم.
المسألة الثالثة: لا يحرم استقبال بيت المقدس ولا استدباره بالبول
والغائط، لكن يكره، والله أعلم.
(١) مشارق الأنوار (٥٣/١).
(٢) تهذيب الأسماء واللغات (٤ /٩٨).
(٣) شرح النووي على مسلم (١٥٥/٣-١٥٦).

١٨٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
المسألة الرابعة: يجوز الجماع مستقبل القبلة في الصحراء والبنيان، هذا
مذهبنا ومذهب أبي حنيفة وأحمد وداود، واختلف فيه أصحاب مالك
فجوزه ابن القاسم وكرهه ابن حبيب، والصواب: الجواز، فإن التحريم إنما
يثبت بالشرع ولم يرد فيه نهي، والله أعلم.
فائدة [١٣٦/ ب]: والفرق من حيث المعنى بين الصحاري والبيوت، أن
الصحاري لا تخلوا عن مصل من ملك أو جني أو إنسي، فربما وقع بصره
على فرجه فيتأذى به، وأما الحس في البنيان فموضع الشياطين، وأيضًا لا
مشقة في تجنبه في الصحراء بخلاف البيوت، وهذه الأدلة تدل على عدم
التحريم في البنيان لكن الأدب أن يتوقى ذلك، وفي أثر: ((أن الله خلقًا من عباده
يصلون في الصحراء فلا تستقبلوهم ولا تستدبروهم، وأما بيوتكم هذه التي
تتخذونها للنتن فلا قبلة لها)»(١).
فائدة أيضًا: واختلفوا في علة النهي عن استقبال القبلة واستدبارها فالأصح
أنه لاحترام عين الكعبة لما روى من حديث سراقة بن مالك عن رسول الله
وَ ◌ّه قال: ((إذا أتى أحدكم البراز فليكرم قبلة الله عز وجل ولا يستقبل
القبلة)) (٢) وعلى هذا فيحرم استقبال المصحف واستدباره بالبول والغائط
لأنه أعظم حرمة من الكعبة(٣)، والله أعلم.
(١) انظر شرح السنة (١/ ٣٦٢)، والمجموع (٨٢/٢-٨٣)، وكفاية النبيه (٤٤٤/١).
(٢) أخرجه الخطابى في غريب الحديث (٥٥٩/٢) موقوفًا.
(٣) انظر إحكام الأحكام (٩٦/١)، والعدة في شرح العمدة (١١٩/١)، والمفهم (١٤٧/٣).

١٨٥
كتاب الطهارة
الترهيب من البول في الماء والمغتسل والحجر
٢٤٧ - عَنِ جَابِرِ رَّهُ عَنِ النَِّ وَِّ أَنْه نهى أَن يبال فِي المَاء الراكد رَوَاهُ
مُسلمٍ وَابْن مَاجَهِ وَالنَّسَائِيّ(١).
قوله: عن جابر، تقدم الكلام عليه.
قوله: نهى رسول الله وَل أن يبال في الماء الراكد، وعن ابن عمر قال: قال
رسول الله وَله: ((لا يبولن أحدكم في الماء الناقع))(٢) انفرد به ابن ماجه، الناقع:
الطويل المكث، وفي حديث آخر: (الذي لا يجري)) (٣) تفسير للدائم وإيضاح
لمعناه، ویحتمل أنه احترز به عن راكد لا يجري بعضه كالبرك ونحوها، فالراكد
هو الدائم الساكن(٤) (قال بعض العلماء: وإنما نهى عن البول في الماء الراكد
لأنه ما دون القلتين فيتنجس بملاقاة البول، وإن كان قلتین فلعله يتغير ويبول فيه
واحد بعد واحد فيؤدي إلى التغير(6)، والله تعالى أعلم).
(١) أخرجه مسلم (٩٤ - ٢٨١)، وابن ماجه (٣٤٣)، والنسائي في المجتبى ٢٤٠/١ (٣٥).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٤٥)، والطبراني في الأوسط (١٦٨/٣ رقم ٢٨٢٢)، وأبو نعيم في
أخبار أصبهان (٢٢٨/٢). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن ابن أبي فروة إلا عبد
السلام، تفرد به: سليمان. قال البوصيرى في الزجاجة ١/ ٥١: هذا إسناد ضعيف ابن أبي
فروة اسمه إسحاق متفق على تركه. وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (٤٨١٤) وضعيف
الجامع (٦٣٢٣).
(٣) أخرجه البخارى (٢٣٩)، ومسلم (٩٥ و٩٦ - ٢٨٢) عن أبى هريرة.
(٤) شرح النووي على مسلم (١٨٧/٣).
(٥) المفاتيح (٤٢٦/١).

١٨٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ففي هذا الحديث دليل على أن البول في الماء الراكد مكروه أو حرام
وأصحاب الشافعي فصلوا فقالوا إن كان الماء الراكد كثيرًا يكره ولا يحرم،
ولو قيل يحرم لم يكن بعيدًا فإن النهي يقتضي التحريم على المختار عند
المحققين، والأكثر من أهل الأصول وفيه من المعنى أنه يقذره، لأن النفوس
تعافه، ويحدث بسبب ذلك لها الوسواس في الطهارة، وربما أدى إلى تنجسه
بالإجماع لتغيره أو إلى تنجيسه عند أبي حنيفة ومن وافقه في أن الغدير الذي
يتحرك طرفه بتحريك الطرف الآخر ينجس بوقوع نجاسة فيه، وأما الماء
الراكد القليل فقد أطلق جماعة من أصحاب الشافعي أنه مكروه، والصواب
المختار أنه يحرم البول فيه لأنه ينجسه ويتلف بالميتة ويضر غيره باستعماله(١).
قال النووي(٢): قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: والتغوط في الماء
كالبول فيه وأفحش من البول، وفي الليل أشد كراهة لما قيل إن الجن بالليل
تأوي إليه فتخشى من آفة تصيبه من جهتهم (٣)، وكذلك إذا بال في إناء ثم صبه
في الماء، وكذلك إذا بال بقرب البئر بحيث يجري إليه فجرى إليه لعموم نهي
النبي ◌َّ عن البراز في الموارد، ولما فيه من إيذاء المارين بالماء، وكله
مذموم قبيح منهي عنه على التفصيل ولم يختلف في هذا أحد من العلماء (٤).
(١) شرح النووي على مسلم (١٨٧/٣-١٨٨).
(٢) المصدر السابق (١٨٨/٣)، وروضة الطالبين (٦٥/١).
(٣) طرح التثريب (٣٥/٢)، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٢٧٧/١-٢٧٨).
(٤) شرح النووي على مسلم (١٨٨/٣)، والنفح الشذى (١٤٧/٢).

١٨٧
كتاب الطهارة
تنبيه: وملخص الحكم في المسألة إذا وقع في الماء الراكد نجاسة ولم
يتغير في ذلك مذاهب السلف أشهرها إن كان قلتين فأكثر لم ينجس، وإن كان
دونهما ينجس وهذا مذهبنا ومذهب ابن عمر وسعيد بن جبير ومجاهد
وأحمد وإسحاق(١).
فرع في حد القلتين: قال بعضهم: إن أردت أن تعرف القلتين في موضع
يكون قدر ذلك ذراعًا وربعًا في ذراع وربع طولًا وعرضًا وعمقًا، هذا إذا كان
الموضع مربعًا، وإن كان ممدودًا فذراعان طولًا في عرض ذراع، والله أعلم (٢)
[١٣٧/ أ].
والثاني: إن بلغ أربعين قلة لم ينجسه شيء، وإليه ذهب عبد الله بن عمرو
بن العاصي ومحمد بن المنكدر؛ والثالث: إن بلغ ذنوبين لم ینجس، روي
عن ابن عباس وعكرمة؛ والرابع: إن بلغ أربعين دلوا لم ينجس روي عن أبي
هريرة؛ والخامس: إن كان بحيث لو حرك جانبه تحرك الجانب الآخر ينجس
وإلا فلا؛ والسادس: لا يتحرك كثير الماء ولا قليله إلا بالتغير، حكي عن ابن
عباس وابن المسيب والحسن وعكرمة والأوزاعي وسفيان الثوري وداود
النخعي، قال ابن المنذر: بهذا المذهب أقول، واختاره الغزالي في الإحياء
والروماني في الحلية، وقال في البحر: وأما إحكام المسألة هو اختياري
(١) المجموع (١١٢/١).
(٢) انظر: أسنى المطالب (١٤/١)، والفتاوى الفقهية (٢٢/١) الهيتمى، والإقناع (٢٨/١)،
ومغنى المحتاج (١٢٩/١ -١٣٠).

١٨٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
واختاره جماعة رأيتهم بخراسان والعراق، قال النووي: وهذا المذهب
أصحها بعد مذهبنا (١)، والله أعلم، قاله في الديباجة.
فائدة: روى الزهري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: خمس تورث
النسيان، أكل التفاح الحامض، والبول في الماء الراكد، والحجامة على نقرة
القفا، وإلقاء القمل في التراب، وأكل سؤر الفأرة، قاله أبو الليث السمر قندي
في كتابه البستان(٢).
تنبيه: قال العلماء من أصحابنا وغيرهم: يكره الاغتسال في الماء الراكد
قليلا كان أو كثيرًا، وكذلك يكره الاغتسال في العين الجارية، قال الشافعي في
البويطي: أكره للرجل الجنب أن يغتسل في البئر معينة كان أو دائمة، وفي الماء
الراكد الذي لا يجري، قال الشافعي: سوءا قليل الراكد وكثيره أكره
الاغتسال فيه، هذا نصه، وكذا صرح الأصحاب وغيرهم بمعناه، وهذا كله
على كراهة التننزيه ولا للتحريم، وإذا اغتسل فيه من الجنابة فهل يصير الماء
مستعملًا؟ فيه تفصيل معروف عند أصحابنا وهو إن كان قلتين فصاعدًا لم
يصر مستعملًا، ولو اغتسل فيه جماعات في أوقات متكررات، وإنما إذا كان
الماء دون قلتين فإن انغمس فيه الجنب بغير نية ثم لما صار تحت الماء نوى
ارتفعت جنابته وصار الماء مستعملًا(٣) والله أعلم، قاله في الديباجة.
(١) المجموع (١/ ١١٢ - ١١٣).
(٢) بستان العارفين (ص ٣٦٨).
(٣) شرح النووي على مسلم (١٨٩/٣).

١٨٩
كتاب الطهارة
٢٤٨ - وَعنْهُ قَالَ: ((نهى رَسُول اللهِ وَِّ أَن يبال فِي المَاءِ الْجَارِي)) رَوَاهُ
الطَّبَرَانِيّ فِي الأَوْسَط بِإِسْنَاد جید.
قوله: وعنه، تقدم الكلام علیه.
قوله: نهى رسول الله وسلّر أن يبال في الماء الجاري، الحديث؛ وهذا النهي
في بعض المياه للتحريم، وفي بعضها للكراهة، ويؤخذ ذلك من حكم
المسألة، فإن كان الماء كثيرًا جاريا لم يكره البول فيه لمفهوم الحديث،
ولكن الأولى اجتبابه وإن كان قليلا جاريًا يكره فقد قال جماعة من أصحابنا،
وينبغي أن يحرم البول في القليل مطلقا لأنه يقذره وينجسه على المشهور من
مذهب الشافعي وغيره، وشذ غيره فيستعمله مع أنه نجس(١)، والمختار أنه
لا يحرم، وفي المسألة اضطراب للنووي، والله أعلم.
٢٤٩ - وَعَن بكر بن مَاعِزِ قَالَ: سَمِعت عبد الله بن يزِيد يحدث عَن النِّي
وَِّ قَالَ: «لَا ينقع بَوْل فِي طست فِي الْبَيْت فَإِن الْمَلَائِگَة لا تدخل بَيْتا فِیهِ بَوْل
منتقع وَلَا تبولن فِي مغتسلك)) رَوَاهُ الطَّرَانِيّ فِي الْأَوْسَط بِإِسْنَاد حسن
وَالْحَاكِمِ وَقَالَ صَحِيحِ الْإِسْنَادُ(٢).
(١) شرح النووي على مسلم (١٨٧/٣ -١٨٨).
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣١٢/٢ رقم ٢٠٧٧). وقال الطبراني: لا يروى عن ابن يزيد
إلا بهذا الإسناد، تفرد به: يحيى بن عباد. قال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٠٤: رواه الطبراني
في الأوسط، وإسناده حسن. وقال السيوطى في حاشيته على سنن النسائي (٣٢/١): وقال
الشيخ ولي الدين يعارضه ما رواه الطبراني في الأوسط بإسناد جيد. وصححه الألباني في
الصحيحة (٢٥١٦)، وصحيح الترغيب (١٥٣).

١٩٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: عن بكر بن ماعز (بكر بن ماعز بن مالك الكوفي، كنيته أبو حمزة،
روى عن: الربيع بن خثيم، وعبد الله بن يزيد الأنصاري الخطمي وله صحبة،
روى عنه: سعيد بن مسروق الثوري، وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله
السبيعي، وأبو طعمة نسير بن ذعلوق الثوري، ويونس بن أبي إسحاق
السبيعي، وثقه ابن معين والعجلى وابن حبان(١).
قوله: سمعت عبد الله بن يزيد يحدث عن رسول الله صلاته هو: عبد الله بن
يزيد (عبد الله بن يزيد بن زيد بن حصين بن عمرو الحارث بن خطمة،
واسمه: عبد الله بن جشم بن مالك بن الأوس الأنصاري، أبو موسى
الخطمي، وإنما سمي خطمة، لأنه ضرب رجلا على خطمه، شهد الحديبية
مع رسول الله وَّةٍ، وهو ابن سبع عشرة سنة، وشهد الجمل وصفين،
والنهروان مع علي بن أبي طالب، وكان أميرا على الكوفة روى عنه: ابنه
موسى، وعدي بن ثابت الأنصاري، وهو ابن ابنته، وأبو بردة بن أبي موسى،
والشعبي، وكان الشعبي كتابه، وكان من أفاضل الصحابة، وصحب أبوه
النبي ◌َّ وشهد أحدا وما بعدها، وهلك قبل فتح مكة(٢).
قوله: ((لَا ينقع بَوْل فِي طست فِي الْبَيْت فَإِن الْمَلَائِگَة لا تدخل بَيْا فِیهِ بَوْل
منتقع)) الحديث، والمراد بالملائكة: الذين ينزلون بالبركة والرحمة دون
الحفظة، فإنهم لا يفارقون الإنسان [١٣٧ / ب] على حال من الأحوال(٣).
(١) انظر: تهذيب الكمال (٤ / الترجمة ٧٥٤)، وتذهيب تهذيب الكمال (٢/ الترجمة ٧٥٦).
(٢) أسد الغابة (٣/ الترجمة ٣٢٥١)، وتهذيب الكمال (١٦ / الترجمة ٣٦٥٦).
(٣) معالم السنن (٧٥/١).، والميسر (١٥٧/١).

١٩١
كتاب الطهارة
فائدة: قال أبو الليث السمرقندي: اختلف الناس في ذكر الحفظة وهم
الكرام الكاتبون، فقال بعضهم: يكتبون جميع أفعال بني آدم وأقوالهم، وقال
بعضهم: لا يكتبون إلا ما كان فيه أجر أو إثم، وقال بعضهم: يكتبون الجميع،
فإذا صعدوا إلى السماء حذفوا ما لا أجر ولا إثم عليه، ومعنى قوله: ﴿يَمْحُواْ
اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِثُ﴾(١) یمحو ما لا أجر فیه ولا إثم عليه، ويثبت ما فيه أجر
أو إثم، ثم روى هشام بن حسان عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى:
﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾﴾(٢) قال: يكتب من قول ابن
آدم الخير والشر ولا يكتب ما سوى ذلك، قال هشام: نحو قولك: يا غلام
اسقني ويا غلام اعلف الدابة.
وقال الحسن البصري: يكتب جميع ما يلفظ به، وقال ابن جريج: هما
ملكان أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، لا يكتب إلا بشهادة صاحبه إن
قعد فأحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، وإن مشى فأحدهما أمامه والآخر
خلفه، وإن نام فأحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، وقال بعضهم: هم
أربعة اثنان بالنهار واثنان بالليل؛ [وقال عبد الله بن المبارك: هم خمسة اثنان
في الدنيا واثنان في الآخرة] والخامس لا يفارقه ليلاً ولا نهارًا، واختلف في
الكفار هل يكون عليهم حفظة قال بعضهم: لا يكون عليهم حفظة لأن
أمرهم ظاهر وعملهم واحد، وقال تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَهُمْ﴾(٣)
(١) سورة الرعد، الآية: ٣٩.
(٢) سورة ق، الآية: ١٨.
(٣) سورة الرحمن، الآية: ٤١.

١٩٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قال أبو الليث: لا نأخذ بهذا القول بل عليهم الحفظة، والآية تذكر الحفظة في
شأن الكفار، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿كَلَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ﴾ وَإِنَّ
عَلَيْكُمْ لَحَفِظِينَ ﴾ كِرَامًا كَتِبِينَ ﴾﴾(١)، وقال في آية أخرى: ﴿وَأَمَّا
مَنْ أُوتِيَ كِتَبَهُ﴾(٢) فاخبر الله تعالى أن الكفار يكون لهم كتابًا ويكون
عليهم حفظة، فإن قيل: الذي يكون عن يمينه إذا لم يكن له حسنة، إيش
يكتب؟ قيل له: الذي يكتب عن شماله يكتب بإذن صاحبه ويكون شاهدًا
علی ذلك وإن لم يكتب(٣).
قوله وَّل: ((ولا تبولن في مغتسلك)) قال المنذري: وإنما نهى عن ذلك إذا
لم يكن له مسلك يذهب فيه البول، وإن كان المكان صلبًا فيخيل إليه أنه
يصيبه شيء من رشاشه فيحصل منه الوسواس(٤)، انتهى.
فائدة: یکره أن یبول قائمًا بلا عذر أو يتغوط لما روى ابن ماجه وابن حبان
والبيهقي عن عمر أنه قال: رآني رسول الله وَله وأنا أبول قائمًا، فقال: ((يا عمر،
لا تبل قائمًا)) قال: فما بلت بعدها قائمًا (٥)؛ وفي الترمذي والنسائي وابن ماجه
(١) سورة الانفطار، الآيات: ٩- ١١.
(٢) سورة الانشقاق، الآية: ١٠.
(٣) بستان العارفين (ص ٣٧٤ - ٣٧٥).
(٤) قاله الخطابى في معالم السنن (٢٢/١)، وعنه النووى كما في تهذيب الأسماء واللغات
(٧٢/٣)، وابن الأثير كما في النهاية (١ /٤٤٥).
(٥) أخرجه ابن ماجه (٣٠٨)، وابن حبان (١٤٢٣)، والحاكم ١/ ١٨٥، والبيهقي في الكبرى
(١٦٥/١ رقم ٤٩٣). قال الترمذى عقب حديث (١٢): وحديث عمر إنما روي من
=

١٩٣
كتاب الطهارة
بإسناد حسن عن عائشة قالت: من حدثكم أن النبي كان يبول قائمًا فلا
تصدقوه(١)؛ لكن في الشيخين عن حذيفة بن اليمان أن النبي وسلو أتى سباطة
قوم فبال قائمًا (٢)؛ السباطة: الموضع الذي يرمي فيه القمامة والأوساخ، فإن
قيل: كيف بال قائما وقد نهى عن ذلك؟ قالوا فيه من أربعة أوجه، أحدها: أنه
قيل إنه منسوخ بنهيه عن البول قائمًا بعد ذلك؛ والثاني: أنه كان لمرض منعه
من القعود، وقال أبو هريرة: بال رسول الله وَل قائما لجرح كان بمأبضه، قال
الزجاج: المأبض بطن الركبة؛ والثالث: أنه استشفى بذلك من مرض كان به،
وقال الشافعي: كانت العرب تستشفي لوجع الصلب بالبول قائمًا [١٣٨/ أ].
والرابع: يحتمل أنه يكون البول أعجله ولم يجد سوى ذلك المكان ولم
يتمكن من القعود لكثرة الأنجاس؛ فإن قيل: كيف قال لحذيفة زَقِّوَّهُ إذن،
وقد كان إذا أراد الخلاء أبعد؟ فالجواب: أن السباطة تكون في الأفنية فأراد
أن يستتر به من الناس، والله أعلم(٣).
=
حديث عبد الكريم بن أبي المخارق، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، قال: رآني النبي
وَالتّ أبول قائمًا، فقال: يا عمر، لا تبل قائمًا، فما بلت قائما بعد. وضعفه الألباني في
المشكاة (٣٦٣)، الضعيفة (٩٣٤).
(١) أخرجه ابن ماجه (٣٠٧) والترمذى (١٢) والنسائى في المجتبى ٢٣٤/١ (٢٩) قال الترمذى:
حديث عائشة أحسن شيء في الباب وأصح. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٠١).
(٢) أخرجه البخارى (٢٢٤) و(٢٢٥) و(٢٢٦) و(٢٤٧١)، ومسلم (٧٣ و٧٤ - ٢٧٣).
(٣) انظر: كشف المشكل (٣٧٨/١) لابن الجوزى، وشرح النووي على مسلم (١٦٥/٣ -
١٦٦)، والكواكب الدرارى (٧٤/٣-٧٥).

١٩٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وفيه: أن مدافعة البول مكروهة لأنه بال على السباطة قائمًا ولم يؤخره(١)،
وفي الإحياء: عن الأطباء أن بولة في الحمام في الشتاء قائما خير من شربة
دواء(٢)، انتھی.
٢٥٠ - وَعَن حميد بن عبد الرَّحْمَن قَالَ لِقِيت رجلا صحب النَّبِي وَّ كَمَا
صَحِبِهِ أَبُو هُرَيْرَة قَالَ نهى رَسُول الله ◌ِ أَن يمتشط أَحَدنَا كل يَوْم أَو يَبُول فِي
مغتسله رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ فِي أول حَدِيث(٣).
قوله: عن حميد بن عبد الرحمن (الحميري البصري، روى عن: أهبان ابن
امرأة أبي ذر الغفاري، وسعد بن هشام بن عامر الأنصاري، وعبد الله بن
عباس، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وأبي بكرة الثقفي، وأبي هريرة،
وثلاثة من ولد سعد بن أبي وقاص، وروى عنه جعفر بن أبي وحشية،
والحسن البصري، وقتادة، ومحمد بن سيرين وأبو التياح يزيد بن حميد
الضبعي، متفق على توثيقه وكان ابن سيرين يقول: كان حميد بن عبد
الرحمن أفقه أهل البصرة قبل أن يموت بعشر سنين (٤).
قوله: لقيت رجلًا صحب النبي وسير كما صحبه أبو هريرة، الحديث.
(١) قاله الخطابي في المعالم (٢١/١)، والنفح الشذى (١/ ١٦٠)، والنجم الوهاج
(١/ ٢٩٢).
(٢) النجم الوهاج (١/ ٢٩٢).
(٣) أخرجه أبو داود (٨١)، والنسائى في المجتبى ٣٩٦/١ (٢٤٣). وصححه الألباني في
صحيح أبي داود (٢٢)، وصحيح الترغيب (١٥٤)، والمشكاة (٤٧٢).
(٤) تهذيب الكمال (٧ / الترجمة ١٥٣٣).

١٩٥
كتاب الطهارة
والرجل المبهم هل هو الحكم بن عمرو، وجزم به ابن السكن، وقيل: عبد الله
بن سرجس، وقيل: ابن مغفل (١) وهو الراجح، فقد جاء مصرحًا به (٢).
قوله: ((نهى رسول الله يسير أن يمتشط أحدنا كل يوم أو يبول في مغتسله))
الحديث؛ فيه: النهي عن البول في المغتسل، [وعن الامتشاط كل يوم، بل
يكون وقتًا دون وقت كما أن الأوجه كذلك، ويدل على ذلك قوله،َ ليتكلامه]،
وتقدم الكلام على البول في المغتسل مبسوطًا، قال العلماء في كتب الفقه:
والمستحب أن يستاك عرضًا، ويدهن غبًّا، ويكتحل وترًا(٣)، والإمتشاط
مقتبس من الإدهان، وقد روى أنه وَلّ قال: ((استاكوا عرضًا وادهنوا غبًّا
واكتحلوا وترًا))(٤) لكنه ضعيف لا يحتج به كما قال النووي(٥)، والغب: قال
ابن فارس(٦): أن ترد الإبل الماء وتدعه يومًا، وبهذا فسره الإمام أحمد بن
(١) الأحكام الوسطى (١٢٧/١)، وبيان الوهم والإيهام (٢٢٧/٥)، والإمام (١/ ١٥٤)،
والمحرر (ص ٨٦).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٠٤)، وأبو داود (٢٧)، والترمذى (٢١)، والنسائى في المجتبى
١/ ٢٤٠ (٣٦) عن عبد الله بن مغفل ولفظه: لا يبولن أحدكم في مستحمه؛ فإن عامة
الوسواس منه. قال الألباني: صحيح، دون قوله: فإن عامة الوسواس منه ، وانظر المشكاة
(٣٥٣)، وصحيح الجامع الصغير (٦٨١٥ و ٧٥٩٧).
(٣) انظر التنبيه (ص ١٤)
(٤) قال النووي في المجموع (١/ ٢٨٠): هذا الحديث ضعيف غير معروف قال الشيخ أبو
عمرو بن الصلاح رحمه الله بحثت عنه فلم أجد له أصلًا ولا ذكرًا في شئ من كتب
الحديث واعتنى جماعة بتخريج أحاديث المهذب فلم يذكروه أصلًا.
(٥) المجموع (١ / ٢٨٠).
(٦) مجمل اللغة (ص ٦٨٠).

١٩٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
حنبل في حديث(١)، وبه قال بعض الشارحين(٢)، وقيل: أن يدهن ثم يترك إلى
أن يجف ثم يدهن، وهو قول من فسر الغب بالوقت، والله أعلم.
٢٥١ - وَعَن عبد الله بن مُغفل رَهُ أَن النَّبِي ◌َّ نهى أَن يَبُول الرجل فِي
مستحمه وَقَالَ إِن عَامَّة الوسواس مِنْهُ)) رَوَاهُ أَحْمِد وَالنَّسَائِيّ وَابْنِ مَاجَه
وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظِ لَهُ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب لا نعرفه مَرْفُوعًا إِلَّا من حَدِيث
أَشْعَث بن عبد الله وَيُقَال لَهُ أَشْعَتِ الْأَعْمَى (٣). قَالَ الْحَافِظِ إِسْنَاده صَحِيح
(١) كفاية النبيه (٢٤٩/١)، وقول أحمد بن حنبل في الوقوف والترجل (ص ١١٦) وعقبه
بحديث عبد الله بن مغفل قال: نهى رسول الله و له أن يترجل الرجل إلا غبًّا. وأخرجه
أحمد ٨٦/٤ (١٦٧٩٣)، أبو داود (٤١٥٩)، والترمذي في السنن (١٧٥٦)، وفي الشمائل
(٣٤)، والحربي في غريب الحديث ص ٤١٥، والنسائى في المجتبى ٢٠/٨ (٥٠٩٩)
والكبرى (٩٢٦٤)، وابن حبان (٥٤٨٤)، والبغوي في شرح السنة (٣١٦٥)، وابن ماسى
في نسخة محمد بن عبد الله الأنصارى (٥٤). وقال الترمذى: هذا حديث حسن
صحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (٥٠١).
(٢) قاله العمرانى في البيان (٩٣/١)، وعنه نقله النووى في المجموع (١ / ٢٨١) وتهذيب اللغة
(٤ / ٥٧).
(٣) أخرجه أحمد ٥٦/٥ (٢٠٥٦٣) و(٢٠٥٦٩) و(٢٠٥٧٠)، وابن ماجه (٣٠٤)، وأبو داود
(٢٧)، والترمذى في السنن (٢١) والعلل الكبير (١٢)، والنسائى في المجتبى ٢٤٠/١
(٣٦). قال الترمذى: سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: لا يعرف هذا الحديث إلا من
هذا الوجه، ويرون أن أشعث هذا هو ابن جابر الحداني، وروى معمر فقال: عن أشعث بن
عبد الله عن الحسن. وقال في السنن: هذا حديث غريب، لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث
أشعث بن عبد الله، ويقال له أشعث الأعمى. وحسنه النووى في تهذيب الأسماء واللغات
(٢٩١/١). قال الألباني: صحيح، دون قوله: فإن عامة الوسواس منه، وانظر المشكاة
(٣٥٣)، وصحيح الجامع الصغير (٦٨١٥ و٧٥٩٧). وضعفه في ضعيف الترغيب (١١٩).

١٩٧
كتاب الطهارة
مُتَّصِل وَأَشْعَث بن عبد الله ثِقَة صَدُوق وَكَذَلِكَ بَقِيَّة رُوَاته وَالله أعلم.
قوله: عن عبد الله بن مغفل، بضم الميم وفتح الغين المعجمة والفاء
المشددة، كنيته: أبو معبد، وقيل: أبو سعيد، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل:
أبو زياد عبد الله بن مغفل بن عبد غنم المزني المدني البصري، وكان عبد الله
من أهل بيعة الرضوان، قال: إني من رفع أغصان الشجرة عن رسول الله وجل اله
سكن المدينة ثم تحول إلى البصرة فابتنى بها دارا قرب الجامع وكان أحد
البكائين الذين نزل فيهم قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ
لِتَحْمِلَهُمْ﴾ (١) الآية، قال السهيلي: والبكاؤون بنو مقرن المازني وهم سبعة:
النعمان، ونعيم، ومعقل، وعقيل، وسويد، وسنان، وعبد الرحمن، سبعة
إخوة هاجروا وصحبوا رسول الله وَّله ولم يشاركهم في هذه المكرمة أحد
غيرهم، وقيل: إنهم شهدوا الخندق کلهم، وروي أنهم قدموا على رسول الله
وَله في أربعمائة راكب من مزينة، قال ابن مسعود: إن للإيمان بيوتًا وإن
للنفاق بيوتًا، وإن من بيوت الإيمان بيت ابن مقرن، ومن البكائين علية بن
زيد وعبد الله بن مغفل والعرباض بن سارية وأبو ليلى واسمه عبد الرحمن
بن عمرو وسالم بن عمير، انتهى، وكان عبد الله بن مغفل أحد العشرة الذين
بعثهم عمر بن الخطاب إلى البصرة يفقهون الناس، وهو أول من دخل مدينة
تستر حين فتحها المسلمون، روي له عن رسول الله ◌َا﴾ [١٣٨/ ب] ثلاثة
وأربعون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم منها على أربعة، وانفرد البخاري
(١) سورة التوبة، الآية: ٩٢.

١٩٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
بحديث ومسلم بآخر، روى عنه جماعات من التابعين، منهم الحسن
البصري ومطرف وأبو العالية وغيرهم، توفي ركّال بالبصرة سنة ست وستين،
وقيل: سنة تسع وخمسين، وصلى عليه أبو برزة الأسلمي لوصيته بذلك،
ومناقبه كثيرة مشهورة، ووالده مغفل، ذكره ابن عبد البر في الصحابة، وقال
أبو جعفر الطبري: مغفل هذا هو أخو ذي النجاد المزني، توفي مغفل بطريق
مكة قبل أن يدخلها قبل فتح مكة بقليل سنة ثمان(١)، قاله في الديباجة.
قوله: ((نهى رسول الله وَّير أن يبول الرجل في مستحمه، وقال: إن عامة
الوسواس منه))، هذا الحديث رواه الأربعة، والمراد بالمستحم الموضع الذي
يغتسل فيه بالحميم، وهو في الأصل الماء الحار، ثم قيل للاغتسال بأي ماء كان
استحمام (٢)، وهذا الحديث ترجم عليه ابن حبان فقال: باب ذكر الزجر عن
البول في المغتسل الذي مجري له، وما فهمه أبو حاتم صحيح، والسبب في ذلك
أنه إذا كانا له مجري اندفع ما فيه من البول بأول اغتساله(٣)، انتهى.
فيستحب لمن بال أو تغوط وأراد أن يغتسل بالماء أن ينتقل عن مجلسه
لئلا يلحقه الرشاش الذي عامة الوسواس منه، وقد حرم قوم من أهل العلم
البول في المغتسل، وقالوا: عامة الوسواس منه، ورخص فيه بعضهم منهم
(١) انظر: تهذيب الأسماء واللغات (٢٩٠/١-٢٩١ ترجمة ٣٣٤)، وتهذيب الكمال (١٦/
ترجمة ٣٥٩٠).
(٢) النهاية (١ /٤٤٥).
(٣) كشف المناهج (١٩٨/١).

١٩٩
كتاب الطهارة
ابن سيرين، وقيل له: إنه يقال إن عامه الوسواس منه فقال: ربنا الله لا شريك
له(١)، إن الوسواس من الشيطان فلم يلتفت إليه فإن شرك، وقال ابن المبارك:
قد وسع في المغتسل إذا جرى فيه الماء، واعلم أن الماء الوارد على النجاسة
يدفعها ويحكم بطهارة الماء إذا زالت أو استهلكت وتغير به، وكذا لو زالت
بشمس ونحوها ثم صب الماء عليها طهر المحل، وفي الحديث أنه يستحب
أن يتقى الإنسان مكان التهم والمخاوف وأن يسد باب الشيطان ما أمكنه،
وفيه: الأمر بالانتقال إلى مكان آخر، وهذا إذا استنجي بالماء بخلاف الحجر
فإن تجمر به فلا ينتقل لئلا يجف الخارج أو يطرأ نجس آخر أو ينتشر فيمتنع
الاستجمار، ويستثنى الأخلية المتخذة لذلك فلا ينتقل فيها مطلقًا، وفيه: إنه
يأخذ بأصل الطهارة إذا حصل شك في وصول الرشاش فغنه سماه وسواسًا
لكن الاحتياط بغسل محل الشك أولى، وقد أغرب الذهبي فغير الوسواس
هنا بالجنون، ذكره في مختصر البيهقي، وفيه: استعمال الحمية خوفًا من
الوقوع فيما يضر، والتحفظ من المؤذيات، والله أعلم، قاله في شرح الإلمام.
قال الخطابي (٢): وإنما نهى عن ذلك إذا لم يكن له مسلك يذهب فيه
البول ويسيل منه الماء، أي: كالأخلية المعدة لذلك، أو كان المكان صلبًا أو
مبلطًا یتخيل المغتسل أنه أصابه شيء من رشاشه فیحصل منه الوسواس، انتهى.
(١) شرح السنة (٣٨٤/١).
(٢) معالم السنن (٢٢/١)، وتهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٧٢).

٢٠٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٢٥٢ - وَعَن قَتَادَة عَن عبد الله بن سرجس زَّو ◌َّهُ قَالَ نهى رَسُول الله وَلَةٍ أَن
يبال فِي الْجُحرِ قَالُوا لِقَتَادَة مَا يكره من الْبَوْلِ فِي الْجُحرِ قَالَ يُقَال إِنَّهَا مسَاكِن
الْجِنّ رَوَاهُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُدْ وَالنَّسَائِيّ(١).
قوله: عن قتادة عن عبد الله بن سرجس، وسرجس: بفتح السين المهملة
وكسر الجيم المزني البصري حليف بني مخزوم، وفي صحيح مسلم عن
عاصم الأحول عن عبد الله بن سرجس قال: رأيت رسول الله وَله وأكلت
معه خبزًا أو قال ثريدًا، فقلت: يا رسول الله غفر الله لك، قال: ((ولك)) قال
عاصم: استغفر لك يا رسول الله، قال: ((نعم ولك)) ثم تلا: ﴿وَأَسْتَغْفِرْ لِذَثِكَ
وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ (٢) روي له عن رسول الله وَلَّهِ [١٣٩ / أ] سبعة عشر
حديثًا، روى له مسلم منها ثلاثة أحاديث، ومناقبه كثيرة مشهورة (٣).
قوله: ((نهى رسول الله ◌َيهر أن يبال في الجحر))، قالوا لقتادة: ما يكره من
البول في الجحر، قال: يقال إنها مساكن الجن، الحديث؛ الجحر: بضم الجيم
وسكون الحاء الثقب المستدير النازل، وهو ما استدار، ويعبر عنه بالبخش،
وألحق بالجحر السرب وهو بفتح السين والراء وهو المنبطح، وقال بعضهم:
وهو المستطيل(٤)، أي: ويجتنب أن يبول في ثقب أو سرب لأنه وَخلّ نهى أن
(١) أخرجه أحمد ٨٢/٥ (٢٠٧٧٥)، وأبو داود (٢٩)، والنسائى في المجتبى ٢٣٩/١ (٣٤)
والكبرى (٣٠). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٢٠)، الإرواء (٥٥).
(٢) سورة محمد، الآية: ١٩.
(٣) تهذيب الأسماء واللغات (٢٦٩/١ الترجمة ٣٠٠).
(٤) انظر: تحرير ألفاظ التنبيه (ص ٣٧)، كفاية النبيه (٤٣٩/١)، وكفاية الأخيار (ص ٣٤)،
والنجم الوهاج (٢٩٢/١).