النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ كتاب العلم مَسْكَنَ الْمُؤْمِنِ فِي الْجَنَّةِ فَقَالَ: مَا يَضُرُّ عَبْدِيَ الْمُؤْمِنَ مَا أَصَابَهُ بَعْدَ أَنْ يَصِيرَ إِلَى هَذَا، وَأَرَاهُ مَسْكَنَ الْكَافِرِ فِي النَّارِ فَقَالَ: هَلْ يُغْنِي عَنْهُ شَيْءٌ أَصَابَهُ فِي الدُّنْيَا ؟ قَالَ: لاَ وَاللهِ يَا رَبِّ. أعجوبة أخرى: في آخر صفوة الصفوة (١) عن أبي العباس بن مسروق قال: كنت باليمن فرأيت صيادًا يصطاد السمك على بعض السواحل وإلى جانبه ابنة له كلما اصطاد سمكة فتركها في درخلة معه ردتها الصبية إلى الماء فالتفت الرجل فلم يجد شيئًا، فقال: يا بنية، أي شيء عملت بالسمك؟ قالت: يا أبت أليس سمعتك تروي عن رسول الله وَ خلال أنه قال: ((لا تقع سمكة في شبكة إلا إذا غفلت عن ذكر الله تعالى))، فلم نحب أن نأكل شيئًا غفل عن ذكر الله تعالى فبكى الرجل ورمى بالصنارة، انتهى، قاله الكمال الدميري في كتابه حياة الحيوان(٢). قوله: ((في مكتل)) المكتل بكسر الميم وفتح التاء المثناة فوق وهو القفة الكبيرة، وتجمع على مكاتل، وقيل: المكاتل القفاف، وقيل: المكتل شبه الزنبيل، قال ابن وهب: المكتل تسع من خمسة عشر صاعًا إلى عشرين، وكذا قاله عياض، وقيل: هو خرج من سعف أو حلفا يحمل على الدابة، قال ابن دريد سمى زنبيلا، لأنه يحمل به، والزبل هو العرق المذكور في حديث الرجل الذي وقع على امرأته في رمضان فأتى بعرق وهو بفتح العين المهملة (١) صفة الصفوة (٢/ ٥٣٥). (٢) حياة الحيوان (٢/ ٤١). ١٢٢ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب والراء، هذا الصواب المشهور في الرواية واللغة، وكذا حكاه القاضي عن رواية الجمهور، ثم قال: ورواه کثیر من شيوخنا فوهم بإسكان الراء وليس بشيء وهو جمع عرقة وهي الضفيرة من الخوص يصنع منها القف وغيرها، قاله في العلم المشهور(١)، والفرق عن الفقهاء ما يتسع خمسة عشر صاعا وهي ستون مدا، والله أعلم. قوله: «فإذا فقدته)) أي: ذهب منك. قوله: ((فهو ثُمَّ))، هو بفتح الثاء المثلثة أي: هناك إشارة إلى المكان. تنبيه: جعل الله تعالى الحوت له آية أي علامة لمكان الخضر ولقائه ولذلك أنه لما قال موسى: أين أطلبه؟ قال الله عز وجل على الساحل عند الصخرة، قال: يا رب كيف لي به؟ قال: تأخذ حوتًا في مكتل فحيث فقدته فهو هناك، فقيل: أخذ سمكة مملوحة، وقال لفتاه: إذا فقدت الحوت فأخبرني وكان يمشي ويتبع أثر الحوت، أي: ينتظر فقدانه، فرقد موسى بَ يَّام فاضطرب الحوت ووقع في البحر. قيل: إن يوشع حمل الخبز والحوت في المكتل فنزلا ليلة على شاطئ عين تسمى عين الحياة، فلما أصاب السمكة روح الماء وبرده عاشت، وقيل: توضأ يوشع من تلك العين فانتضح الماء على الحوت فعاش ووقع في الماء؛ ويوشع: بضم الياء التحتانية وبفتح الشين المعجمة وإهمال العين ابن نون (١) العلم المشهور (لوحة ٤٦). ١٢٣ كتاب العلم وهو مصروف كنوح، وإنما قيل فتاه: لأنه كان يخدمه ويتبعه، وقيل: كان يأخذ العلم منه، انتهى، قاله الكرماني(١). قوله: ((فانطلقا يمشيان على ساحل البحر)) أي: يطلبان السفينة. قوله: ((فمرت بهما سفينة)) فكلموهم أن يحملوهما فعرف الخضر فحملوهما بغير نول هو بفتح النون أي بغير جعل ولا أجر، والنول والنوال بالواو العطاء، والمنال والمنالة الجعل، والنيل بالياء النوال، قاله عياض (٢)، والفعل منه نلته ونولته: [١٢٧ / أ] بمعنى أعطيته، وفي رواية: ((فحملوهما بغير أجر))، والخضر بفتح الخاء وكسر الضاد وهو الذي ثبت عن رسول الله وَخلال ضبطه، وقيل: في ضبطه غير ذلك، وإنما سمى الخضر خضرًا لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا تهتز من خلفه خضراء. والفروة بالفاء والراء المهملة، قال ابن الأثير(٣): هي الأرض اليابسة التي لا نبات فيها، وقيل: قطعة من حشيش يابس، قاله الحربي، وقال عبد الرزاق: هي الأرض اليابسة يعني الهشيم (٤). وقوله: فإذا هي تهتز من تحته خضراء، يقال: اهتزت الأرض إذا أنبتت، واهتز النبات إذا طال وهزته الريح، قاله الخليل بن أحمد، وقال غيره: (١) الكواكب الدرارى (٤٦/٢-٤٧). (٢) مشارق الأنوار (٢/ ٣٢). (٣) النهاية (٤٤١/٣). (٤) مشارق الأنوار (٢ / ١٥٤). ١٢٤ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب تحركت بالنبات عند وقوع المطر عليها(١)، وهذا من آيات الخضر أنه يجلس على الأرض لا نبات فيها فتنبت لحينها، وعلى حشيش يابس فيخضر من ساعته(٢). وقوله: خضراءً على وزن فعلاء، ومنهم من رواه: خضرًا بفتح الخاء وكسر الضاء، أي: نباتًا أخضر غضا ناعمًا، وفي رواية: خضيرًا وكلاهما (٣) صحيح (٣). وكنية الخضر أبو العباس، واختلفوا في اسمه اختلافا كثيرًا، فقيل: اسمه عامر حكاه أبو جعفر النسابة، وقال ابن منبه: اسمه إيليا بن ملكان بن فالغ بن غابر بن ثالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح ،فَلَمْ﴾، وقيل: اسمه خضرون بن قابيل بن آدم مثَّلام)، وقيل: هو من ولد عيص بن إسحاق وأن أباه ملكا عظيمًا في حكاية يطول ذكرها، وقيل: هو أرميا، وأغرب ما روي في ذلك قول من قال إنه ابن فرعون صاحب موسى على نبينا وعليه السلام، ذكره النقاش في تفسيره، وحكى أبو محمد الحسن بن إسماعيل الضراب في تأليفه في أخبار مصر وفضائلها، فذكر الخضر وأنه من فرعون موسى لصلبه، وكان آمن بموسى ولحق به مع من لحق من بني إسرائيل(٤)، وقيل: من أبناء الملوك (١) مشارق الأنوار (٢٦٨/٢). (٢) العلم المشهور (لوحة ٣٩). (٣) مطالع الأنوار (٢ / ٤٦٨-٤٦٩). (٤) العلم المشهور (لوحة ٣٩) وانظر حياة الحيوان (٢٣٨/١) وقصص الأنبياء (٢١٧/٢-٢١٨). ١٢٥ كتاب العلم الذين زهدوا في الدنيا، وكان في أيام أفريدون قبل موسى ◌َليسَلها، وكان على مقدمة ذي القرنين الأكبر وبقى إلى أيام موسى، قاله جار الله(١). قوله ◌َله: ((فجاء عصفور فوقع على حرف السفينة)) الحديث، العصفور: بضم العين، وحكى ابن رشيق في كتاب الغرائب: والشذوذ عصفور بالفتح والأنثى عصفورة، قال حمزة: سمي عصفورًا لأنه عصى وفر وهو أنواع منها ما هو مطرب بصوته ويعجب بصوته وحسنه ويتميز الذكر منها بلحية سوداء كما للرجل والتيس والديك، وليس في الأرض طائر ولا سبع ولا بهيمة أحنى من العصفور على ولده ولا أشد له عشقا، وذلك مشاهد عند أخذ فراخها، ووكره في العمران تحت السقوف خوفا من الجوارح، وإذا خلت مدينة عن أحلها ذهبت العصافير منها، فإذا عادوا إليها عادت العصافير. تنبيه: روى البيهقي وابن عساكر بسندهما إلى أبي مالك قال: مَرَّ بِعُصْفُورِ يَدُورُ حَوْلَ عُصْفُورَةٍ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: هَلْ تَدْرُونَ مَا يَقُولُ لَهَا؟ قَالُوا: لَا يَا نَبِيَّ اللهِ. قَالَ: إِنَّهُ يَخْطُبُهَا لِنَفْسِهِ [١٢٧ / ب] وَيَقُولُ لَهَا زَوِّجِينِي نَفْسَك أُسْكِنُكِ أَيَّ غُرَفِ دِمَشْقَ شِئْتِ. وَقَالَ سُلَيْمَانُ: كَذَبَ الْعُصْفُورُ فَإِنَّ غُرَفَ دِمَشْقَ مَبْنِيَّةٌ بِالصُّخُورِ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُسْكِنَهَا هُنَاكَ، وَلَكِنْ كُلُّ خَاطِبٍ كَاذِبٌ. وكان سليمان بالسلم يعرف ما يتخاطب به الطيور بلغاتها ويعبر للناس عن مقاصدها وإرادتها، قال الله سبحانه وتعالى حكاية عنه: ﴿يَأْيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ (١) تفسير الكشاف (٢/ ٧٣١)، وانظر تاريخ الرسل والملوك (٣٦٥/١-٣٦٦). ١٢٦ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب الطَّيْرِ [النمل: ١٦] وكذلك كان يعرف لغات ما عداها من الحيوانات وسائر صنوف المخلوقات والله أعلم قاله في حياة الحيوان(١). قوله: (فنقر)) أي: العصفور ((نقرة أو نقرتين في البحر)) فقال الخضر: يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كنقرة هذا العصفور في هذا البحر، الحديث، قال العلماء رضي الله عنهم: لفظ النقص هنا ليس على ظاهره وإنما معناه: أن علمي وعلمك بالنسبة إلى علم الله كنسبة ما نقره هذا العصفور إلى ماء البحر، وهذا على التقريب إلى الأفهام وإلا فنسبة علمهما أقل وأحقر، أي: إن علم الله تعالى لا يدخله نقص، وإنما المقصود بذلك التمثيل بعدم النقص إذ كان نقصه العصفور من البحر لا يظهر لرائيه فكأنه لم ينقص منه شيئا فكذلك هذا في علم الله تعالى، وذكر النقص هنا مجاز على كل وجه ومحال في علم الله تعالى ومعلوماته في حقه سبحانه وتعالى، وإنما يتصور في حقنا، وقد جاء في رواية البخاري: ما علمي وعلمك في جنب علم الله تعالى إلا كما أخذ هذا العصفور بمنقاره، أي: جنب معلوم الله تعالى، وقد يطلق العلم بمعنى المعلوم وهو من إطلاق المصدر ولإرادة المفعول كقولهم: درهم ضرب السلطان، أي: مضروبه، وقد جاء في طرق الروايات الصحيحة: ((ما علمك وعلمي وعلم الخلائق في علم الله إلا مقدار غمس هذا العصفور بمنقاره))(٢). (١) تاريخ دمشق (٢٣٢/٢٣) وحياة الحيوان (١٦٠/٢-١٦١). والبداية والنهاية (٣٢٤/٢). (٢) شرح النووي على مسلم (١٤١/١٥-١٤٢). ١٢٧ كتاب العلم قال الإمام فخر الدين الرازي(١): نسبة ذلك القدر القليل الذي أخذه ذلك العصفور من ذلك إلى كلية ذلك الماء مسبة متناه إلى غير متناه، فأين إحدى النسبتين من الأخرى، انتهى. قوله: وفي رواية: ((بينا موسى يمشي في ملأ من بني إسرائيل)) الملأ بالقصر الجماعة، وهذه القصص التي أخبر الله تعالى بها محمدًاً وَ لّ عن موسى وصاحبه الخضر عليهما الصلاة والسلام تأديب منه له، وفي هذا الحديث فضل عظيم للخضر لأن كليم الله موسى عَل ذهب في الساعة ليتعلم من علمه مع عظم شأنه في أنبياء الله. تنبيه: في قوله تعالى في قصة الخضر وموسى عليهما السلام أيضًا: ﴿لَّ أَبْرَعُ حَتَّىَ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِىَ حُقُبًا﴾ [الكهف: ٦٠] أي: دهرًا وزمانًا غير محدود بل يسير أبدًا، وقال ابن عمر: الحقب ثمانون سنة، وقال مجاهد: سبعون سنة، وقيل: ثلاثمائة سنة كل سنة ثلاثمائة وستون يوما كل يوم كألف سنة مما تعدون، وأقل ما قيل فيه أن الحقب سنة(٢)، فهذا نبي الله وصفيه وأشرف الخلق نفسًا وأكملهم عقلًا وأوفاهم عصمة، أعني في زمانه أجمع على أن يمشي طول عمره في طلب زائد علم لا يجب عليه فكيف بطلب علم واجب تفتقر الشريعة إليه، والله أعلم. (١) مفاتيح الغيب (٤٧٨/٢١-٤٧٩). (٢) انظر تفسير القرطبى (١١/١١) و(١٧٧/١٩ -١٧٨). ١٢٨ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب وحديث الخضر هذا يشتمل على فوائد كثيرة منها: وجوب التواضع لأن الله تعالى عاتب موسى عليه الصلاة والسلام حين لم يرد [١٢٨ / أ] العلم إليه، وأراه من هو أعلم منه، ومنها: استدل العلماء بسؤال موسى السبل إلى لقاء الخضر بعالسلام على استحباب الرحلة في طلب العلم واستحباب الإكثار منه، ومنها: أنه يستحب للعالم الرغبة في التزيد من العلم والحرص عليه ولا يقنع بما عنده وإن كان من العلم بمحل عظيم أن يأخذ ممن هو أعلم منه ويسعى إليه في تحصيله كما لم يكتف موسى الكاما بعلمه، ومنها: حمل الزاد وإعداده للسفر بخلاف قول السادة الصوفية، ومنها: الأدب مع العالم وحرمة المشايخ وترك الاعتراض عليهم وتأويل ما لا يفهم ظاهره من أفعالهم وحركاتهم وأقوالهم والوفاء بعهودهم والاعتذار عند مخالفة عهدهم، ومنها: إثبات كرامات الأولياء على قول من يقول الخضر ولي، ومنها: جواز سؤال الطعام عند الحاجة وجواز الإجارة وجواز إجارة السفينة وجواز ركوب السفينة والدابة وسكنى الدار ولبس الثوب ونحو ذلك بغير أجرة برضا صاحبه لقوله وَله: ((فحملوهما بغير نول))، ومنها: أنه لا بأس على العالم والفاضل أن يخدمه المفضول ويقضي له حاجته ولا يكون هذا من أخذ العوض على تعليم العلم والآداب بل من مروءات الأصحاب وحسن العشرة ودليله حمل فتاه غداءهما، والله أعلم، ومنها: الحكم بالظاهر حتى يتبين خلافه لإنكار موسى ◌َليم (١). (١) شرح النووی علی مسلم (١٤٢/١٥ -١٤٧) باختصار. ١٢٩ كتاب العلم ٢٢٧ - وَعَن عمر بن الخطاب رََّهُ قَالَ: قَالَ رَسُول اللّهِ وَِّ: ((يَظْهر الْإِسْلَامِ حَتَّى تخْتَلف التُّجَّار فِي الْبَحْرِ وَحَتَّى تخوض الْخَيلِ فِي سَبِيل الله ثمَّ يظْهر قوم يقرؤون الْقُرْآن يَقُولُونَ من أَقرَأْ منا من أعلم منا من أفقه منا ثمَّ قَالَ لاصحابه هَل فِي أُولَئِكَ من خير وَقَالُوا: الله وَرَسُوله أعلم، قَالَ أُولَئِكَ مِنْكُم من هَذِه الأمة وَأُولَئِكَ هم وقود النَّار)). رَوَاهُ الطََّرَانِيّ فِي الْأَوْسَطِ وَالْبَزَّار بِإِسْنَادِ لَا بَأْس بِهِ(١) وَرَوَاهُ أَبُو يعلى وَالْبَزَّارِ وَالطََّرَانِيّ أَيْضًا من حَدِيث الْعَبَّاس بن عبد المطلب(٢). قوله: عن عمر بن الخطاب، تقدم الكلام على بعض مناقبه مبسوطا، والله أعلم. قوله وَالله: ((يظهر الإسلام حتى يختلف التجار في البحر)) التجار بكسر التاء مع تخفيف الجيم وبضم التاء مع تشديد الجيم جمع تاجر، قاله في الصحاح. (١) أخرجه البزار (٢٨٣)، والطبراني في الأوسط (٢٢١/٦ رقم ٦٢٤٢). قال البزار: لم يرو هذا الحديث عن عبدالله بن زيد بن أسلم إلا خالد بن يزيد العمري. وقال الهيثمي في المجمع ١٧٦/١: رواه الطبراني في الأوسط والبزار، ورجال البزار موثقون. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٣٥). (٢) أخرجه ابن أبى عمر كما في اتحاف الخيرة (١/ ٢٥٠ رقم ١/٣٨٠)، وابن أبى شيبة كما فياتحاف الخيرة (١ / ٢٥٠ رقم ٣/٣٨٠)، وإسحاق كما في اتحاف الخيرة (١ / ٢٥٠ رقم ٢/٣٨٠)، والبزار (١٣٢٣)، وأبو يعلى (٦٦٩٨)، وأبو بكر الشافعى في الغيلانيات (٢٨٤) و(٢٩٩). وقال الهيثمي في المجمع ١٨٥/١- ١٨٦: رواه أبو يعلى والبزار والطبراني في الكبير، وفيه موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٣٦). ١٣٠ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب قوله: عن ابن عباس، تقدم الكلام علی مناقبه. قوله: عن رسول الله وَّل أنه قام ليلة بمكة من الليل فقال: ((اللهم هل بلغت)) ثلاث مرات، الحديث؛ معنى الحديث، والله أعلم، التبليغ واجب علىَّ، وقد بلغت فاشهد لي به، قال ابن بطال(١): لما أخذ الله تعالى على أنبيائه الميثاق في تبليغ دينهم لأممهم وجعل العلماء ورثة الأنبياء وجب عليهم أيضًا التبليغ والنشر حتى يظهر على جميع الأديان وكان في عصره وَل فرض عين، وأما اليوم فهو فرض كفاية لانتشار الدین وعمومه. قوله: فقام عمر بن الخطاب زَّهُ وكان أواها فقال: اللهم ونعم وحرضت وجهدت ونصحت، اختلفوا في معنى الأواه الذي جاء في الحديث، الأواه: الخاشع المتضرع (٢)، وقال ابن مسعود: الأواه الدعاء، وعليه أكثر المفسرين، وقال الحسن وقتادة: الأواه الرحيم بعباد الله، وقال كعب الأحبار: الأواه الذي يكثر التأوه، وكان إبراهيم عليه الصلاة والسلام يكثر أن يقول: آه من النار قبل أن لا ينفع آه، وقيل: هو الذي يتأوه من الذنوب، وقال عقبة بن عامر: الأواه الكثير الذكر لله عز وجل، قيل: هو الخائف من النار، وأصله من التأوه، وهو أن يسمع للصدر صوت من تنفس الصعداء، قاله البغوي (٣)، وقيل: الأواه الرجاع، وقيل: المراد بالأواه الحزين الذي غلب عليه الخوف (١) شرح الصحيح (١٧٩/١). (٢) قاله عبد الله بن شداد كما في تفسير الطبرى (٤٢/١٢) وتفسير ابن أبى حاتم (١٨٩٥/٦). (٣) تفسير البغوى (١٠٢/٤-١٠٣). ١٣١ كتاب العلم وكأنه اشتق من التأوه وهو التوجع يطلق لفظ الأواه عليه لكثرة قوله آه، ويقال: رقيق [١٢٨ / ب] القلب ويقال: موقن، وقال أبو عبيدة: الأواه المتأوه شفقا المتضرع يقينا ولزوما للطاعة (١)، وقال الأزهري: الأواه الكثير التأوه خوفا من الله تعالى(٢)؛ سؤال: فإن قيل: ما الحكمة؟ وما معنى التأوه الذي سمى الله به إبراهيم، فقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأوَّهُ حَلِيمٌ﴾ (٣)؟ الجواب عنه: أن يقال إن الله سبحانه وتعالى سماه أواها من كثرة ما ينوح على نفسه، والثاني: ما قيل إن الأواه الدعاء وكان إبراهيم عليه الصلاة والسلام أكثر الناس دعاء فكذلك سماه أواهًا، الثالث: الأواه: الخائف كما تقدم فلما كان إبراهيم أشد الناس خوفا سماه أواها، الرابع: ما قيل إن الأواه السيد وهو ما روي أن رجلاً قال لرسول الله وَله: يا سيد، فقال: ذاك أبي إبراهيم وَلَّه فلذلك سماه أواهًا، والله اعلم، قاله في كشف الأسرار. ٢٢٨ - وَعَن عبد الله بن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا عَن رَسُول الله ◌َِّ أَنْه قَامَ لَيْلَة بِمَكَّة من اللَّيْلِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَل بلغت ثَلَاث مَرَّاتٍ فَقَامَ عمر بن الخطاب وَكَانَ أواها فَقَالَ اللَّهُمَّ نعم وحرضت وجهدت وَنَصَحْتِ فَقَالَ لَيَظْهرَن الإِيمَان حَتَّى يرد الْكفْر إِلَى مواطنه ولتخاضن البحار بالإس وليأتين على النَّاسِ زمَان يتعلمون فِيهِ الْقُرْآن يتعلمونه ويقرؤونه ثمَّ يَقُولُونَ قد قَرَأْنَا وَعلمنا (١) المصدر السابق. (٢) شرح السنة (١٤/ ٣٦٧). (٣) سورة التوبة، الآية: ١١٤. ١٣٢ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب فَمِن ذَا الَّذِي هُوَ خير منا فَهَل فِي أُولَئِكَ من خيرٍ قَالُوا يَا رَسُول الله من أُولَئِكَ قَالَ أُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولَئِكَ هم وقود النَّار. رَوَاهُ الطََّرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ وَإِسْنَاده حسن إِن شَاءَ الله تَعَالَى(١). ٢٢٩- وَعَن مُجَاهِد عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا لَا أعلمهُ إِلَّا عَنِ النَّبِي ونَ﴿ قَالَ من قَالَ إِنِّي عَالمِ فَهُوَ جَاهِل. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ عَن لَيْث هُوَ ابْن أبي سليم عَنْهُ وَقَالَ لَا يُرْوِى عَنِ النَّبِيِّهِ إِلَّ بِهَذَا الْإِسْنَاءِ(٢). قَالَ الْحَافِظِ وَسَتَأْتِي أَحَادِيث تنتظم فِي سلك هَذَا الْبَابِ فِي الْبَابِ بعده إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قوله: عن مجاهد، هو: مجاهد بن جبر بفتح الجيم وإسكان الموحدة وبالراء أبو الحجاج المكي المقرئ المفسر الإمام مولى السائب بن أبي السائب المخزومي رأى ابن عباس وقرأ عليه القرآن ثلاثين مرة، وروى عن عائشة وأم سلمة وأبي هريرة وغيرهم، قال ابن معين وأبو زرعة وغيرهما: ثقة، وقال ابن عمر له: وددت أن نافعًا حفظ حفظك، وقال الأعمش: ما لهم (١) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢ / ٢٥٠ رقم ١٣٠١٩) عن أم الفضل وعبد الله بن عباس. قال الهيثمي في المجمع ١/ ١٨٦: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات، إلا أن هند بنت الحارث الخثعمية التابعية لم أر من وثقها ولا جرحها. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٣٧). (٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٥٩/٧ رقم ٦٨٤٦). وقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن رسول الله وَلَو إلا بهذا الإسناد، تفرد به: محمد بن كثير. وقال الهيثمي في المجمع ١٨٦/١: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١١٢). ١٣٣ كتاب العلم يتقون تفسير مجاهد، قال: كانوا يرون أنه يسأل أهل الكتاب، وقال: وكان لا يسمع بأعجوبة إلا ذهب فنظر إليها، ذهب إلى حضرموت إلى بئر برهوت، وذهب إلى بابل وعليها وال صديق له، فقال: تعرض علىّ هاروت وماروت فدعا رجلا من الشجرة، فقال: اذهب بهذا، فقال: بشرط أن لا تدعو الله عندهما، قال مجاهد: وذهب بي إلى قلعة فقلع حجرًا، وقال: خذ برجلي فهوي به حتى انتهي إلى جفوة، فإذا هما معلقين منكسين كالجبلين العظيمين فلما رأيتهما قلت: سبحان الله خالقكما فاضطربا فكأن جبال الدنيا تدكدكت فغضى علي وعلى اليهودي، ثم أفاق قبلي فقال: أهلكت نفسك وأهلكتني، مات رحمه الله سنة ثلاث ومائة، وقيل: سنة أربع (١)، انتهى، قاله في شرح الإلمام. قوله: عن ابن عمر، لا أعلمه إلا عن النبي وَّ، الحديث، كان ابن عمر رَّهُ شديد الاتباع لآثار رسول الله وَّة، ويبرك ناقته في تبرك ناقته وَالت، وقيل: إن النبي ◌ّ كان يبرك تحت شجرة فكان ابن عمر يتعاهدها بالماء لئلا تيبس، بل قل نظيره في المتابعة لرسول الله وَّله من الأقوال والأفعال وفي الزهد في الدنيا، وقال نافع: لما مات ابن عمر كان قد أعتق ألف إنسان أو أكثر من ذلك، وكان ◌َّمَه أكثر أكله مع المساكين، وكان لا توضع له مائدة إلا وعليها يتيم، وكان رَّالَّهُ ثوبه إلى نصف الساق، وكان ابن عمر إذا فاتته صلاة العشاء مع الجماعة أحيا بقية ليله، وسمع ابن عمر رجلا يقول: أين الزاهدون في الدنيا الراغبون في الآخرة فأراه [١٢٩/ أ] قبر النبي ◌َّيل وأبي بكر وعمر، (١) تذهيب تهذيب الكمال (٨/ الترجمة ٦٥٢٨). ١٣٤ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب فقال: هؤلاء، وكان رَوِّه إذا أتى المدينة أتى قبر النبي فسلم عليه ثم سلم على أبي بكر ثم سلم على عمر ثم يبكي ويقول: يا أبتاه يا أبتاه(١)، انتهى، قاله في مجمع الأحباب، وتقدم الكلام على مناقبه في أوائل هذا التعليق مبسوطًا. قوله وَيقة: ((من قال إني عالم فهو جاهل)) الحديث، كما قيل العالم عالم ما کان یری نفسه أنه جاهل، فإذا رأی نفسه أنه عالم فقد جهل، بل مسترشد متعلم يقعد مع إخوانه يرشدهم ويسترشد منهم ويعلمهم ويتعلم منهم، انتهى. قوله: رواه الطبراني عن ليث بن أبي سليم، هو: ليث بن أبي سليم، واسمه: (ليث بن أبي سليم بن أبي ذنيم الكوفي القرشي أبو بكير، مولاهم مولى عتبة أو عنبسة بن أبي سفيان، واسم أبي سليم أيمن، ويقال: أنس. روى ليث عن مجاهد، وطاووس، وعطاء بن أبي رباح، وابن الزبير، وابن أبي مليكة، والشعبي، وطلحة بن مصرف، وأبي بردة، وآخرين. روى عنه الثوري، وشعبة، وزائدة، وشريك، وزهير بن معاوية، والحسن بن صالح، وإسماعيل بن علية، وأبو إسحاق الفزاري، وآخرون. واتفق العلماء على ضعفه، واضطراب حديثه، واختلال ضبطه. توفي سنة ثلاث وأربعين ومائة، رحمه الله تعالى(٢). (١) انظر ترجمته من حلية الأولياء (٢٩٢/١ - ٣١٤). (٢) تهذيب الأسماء واللغات (٧٤/٢ - ٧٥ ترجمة ٥٣٧). ١٣٥ كتاب العلم الترهيب من المراء والجدال -وهو: المخاصمة والمحاججة وطلب القهر والغلبة - والترغيب في تركه للمحق والمبطل و ٢٣٠ - عَن أبى أَمَامَة رَوَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله وَِّ مِن ترك المراء وَهُوَ مُبْطل بني لَهُ بَيتِ فِي ربض الْجِنَّة وَمن تَركه وَهُوَ محق بني لَهُ فِي وَسطهَا وَمن حسن خلقه بني لَهُ فِي أَعْلَاهَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظِ لَهُ وَابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسنٍ(١) وَرَوَاهُ الطَّرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (٢) من حَدِيث ابْن عمر وَلَفظه قَالَ رَسُول الله ◌َّ أَنا زعيم بِبَيْت فِي ربض الْجَنَّة لمن ترك المراء وَهُوَ محق وببيت فِي وسط الْجنَّة لمن ترك الْكَذِب وَهُوَ مازح وببيت فِي أَعلَى الْجنّة لمن حسنت سَرِیرَته. (١) أخرجه أبو داود (٤٨٠٠)، والبيهقى في الآداب (٣٢٢) والكبرى (٤٢٠/١٠ رقم ٢١١٧٦) والشعب (١٩٤/٧ رقم ٤٨٦٧ و٣٧٦/١٠ رقم ٧٦٥٣) عن أبى أمامة. وحسنه الألباني في الصحيحة (٢٧٣) وصحيح الترغيب (١٣٨) و(٢٦٤٨). وأخرجه الترمذى (١٩٩٣)، وابن ماجه (٥١)، والبزار (٦٦٢٦) عن أنس بن مالك. وقال الترمذى: وهذا الحديث حديث حسن، لا نعرفه إلا من حديث سلمة بن وردان، عن أنس بن مالك. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٠٥٦). (٢) أخرجه ابن أبى خيثمة في التاريخ الكبير - السفر الثانى ٩٢٣/٢ (٣٩٤٦)، والطبراني في الأوسط (٢٦٩/١ رقم ٨٧٨) وقال: لم يرو هذه الأحاديث عن عبد الله بن عمر إلا عقبة، تفرد بها: عتيق. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٥٧: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عقبة ابن علي، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١١٣) والضعيفة (٥٥٣٦). ١٣٦ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب ربض الْجنَّةُ: هُوَ بِفَتْحِ الرَّاء وَالْبَاء الْمُوَحِدَة وبالضاد الْمُعْجَمَة وَهُوَ مَا حولهَا. قوله: عن أبي أمامة، هو: الباهلي، واسمه: صدي بن عجلان، تقدم الكلام على مناقبه. قوله وَله: ((من ترك المراء وهو مبطل بني له ربض في الجنة، ومن تركه وهو محق بني له في وسطها)) الحديث، المراء: الجدال والتماري، والمماراة المجادلة على مذهب الشك، ويقال للمناظرة مماراة لأن كل واحد منهما يستخرج ما عند صاحبه، ويمتريه كما يمترى الحالب اللبن من الضرع(١)، وهو المنازعة في القول أو العمل أو الاعتقاد بقصد الباطل، فإن كان يقصد الحق فهو جدال، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُجَدِلُوْ أَهْلَ اُلْكِتَبِ إِلَّ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾(٢) الآية، وحد المراء(٣): كل اعتراض على كلام الغير بإظهار خلل فيه إما في اللفظ وإما في المعنى، والباعث عليه إما الترفع بإظهار الفضل أو إلى تنقيص الغير، وإنما كان لتارك المراء وهو محق بيتا في الجنة لشدة ذلك على النفس وأكثر ما يغلب على المذاهب والعقائد، فإن المراء طبع فإذا ظن أن له عليه ثوابًا اشتد حرصه عليه، وينبغي للإنسان أن يكف لسانه عن أهل القبلة، وإذا رأى مبتدعًا تلطف في نصحه في خلوة لا بطرق المجادلة فإذا عرف أن النصح لا ينفع اشتغل بنفسه وتركه، قال رَدية: ((رحم الله من كف (١) النهاية (٣٢٢/٤) وكشف المناهج (٢٤١/٤). (٢) سورة العنكبوت، الآية: ٤٦. (٣) إحياء علوم الدين (١١٧/٣)، والأربعين في أصول الدين (ص ٧٥) للغزالى. ١٣٧ كتاب العلم لسانه عن أعراض الناس)) وفي رواية: ((رحم الله من كف لسانه عن أهل القبلة إلا بأحسن ما يقدر عليه)) قال هشام بن عروة: كان يردد،فَ لَّا قوله هذا سبع مرات، وكل من تعود أن يجادل الناس مدة وأثنى عليه الناس ووجد لنفسه بسبب ذلك عزا وقبولا تقوت فيه هذه المهلكات ولا يستطيع عنها نزوعًا إذا اجتمع عليه سلطان الكبر والغضب والرياء وحب الجاه والتقدم بالفضل، وآحاد هذه الصفات تشق مجاهدتها فكيف بمجموعها(١). ولما كان المراء أمره أصعب من ترك الكذب كان جزاء تاركه قصرا في وسط الجنة، ((ومن تركه وهو محق بني له في وسطها)) المحق: المتكلم بالحق يعني من ترك المجادلة مع أن ما يقوله حق استحق أن يسكن وسط الجنة (٢)، وربض الجنة: بفتح الراء والباء الموحدة وبالضاد المعجمة وهو ما حولها، انتهى، قاله الحافظ المنذري، وقال ابن الأثير (٣): ما حولها خارجا عنها تشبيها بالأبنية التي تكون تحت المدن وتحت القلاع، وقال بعض العلماء أيضًا: ربض الجنة حواليها من داخلها لا من خارجها، [١٢٩ / ب] والمراد بالبيت هنا القصر. قوله: ((ومن حسن خلقه بنى الله له في أعلاها)) سيأتي الكلام على حسن الخلق في بابه مبسوطا إن شاء الله تعالى. (١) إحياء علوم الدين (١١٨/٣). (٢) المفاتيح (١٧٩/٥). (٣) النهاية (١٨٥/٢). ١٣٨ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب قوله وَجّ في رواية الطبراني: ((أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وهو محق)) الحديث، قال أبو سليمان الخطابي(١): الزعيم في اللغة هو الضامن والكفيل والزعامة الكفالة، والزعيم أيضًا الحميل، ومنه قوله عز وجل: ﴿وَلِمَن جَآءَ بِهِ، حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ، زَعِيمٌ﴾(٢) انتهى. وفي حديث آخر: ((الزعيم غارم)) [الزعيم: الكفيل،] والغارم الضامن(٣)، والكفيل أيضًا الضامن وكافل اليتيم القائم بأمره والكفالة الحمالة والكفيل والضمين، والزعيم بمعنى (٤). قال الماوردي: غير أن العرف جار بأن الضمين مستعمل في الأموال والحميل في الديات والزعيم في الأموال العظام والكفيل في النفوس (٥). والكفيل من أسماء الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾(٦) وأجمعت عليه الأمة(٧)، ولهذا استدل البيهقي للكفالة بالبدن بحديث البخاري الذي فيه أن رجلًا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل (١) معالم السنن (١١٠/٤). (٢) سورة يوسف، الآية: ٧٢. (٣) النهاية (٣٠٣/٢). (٤) كشف المناهج (١٠٩/٢). (٥) كفاية النبيه (١٢١/١٠)، ومغنى المحتاج (١٩٨/٣). (٦) سورة النحل، الآية: ٩١. (٧) الأسماء والصفات (١/ ١٧٣). ١٣٩ كتاب العلم أن يسلفه ألف دينار، وفيه: فأتني بالكفيل، فقال: كفى بالله وكيلاً(١)، واستدل به الشيخ في المهذب بصحة الكفالة بالبدن، والمذهب صحة الكفالة بالبدن(٢) وهي أنواع من الضمان لأن المضمون ينقسم إلى حق في الذمة وإلى عين وبصحتها قال الأئمة الثلاثة، وكافة العلماء مستدلين بقوله تعالى: ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَةُرَ﴾(٣) أي كفيلاً عنه، وبحديث الخشبة الذي يقدم، ولأن بالناس حاجة إليها كما في كفالة المال، فإذا تكفل ببدن من عليه مال لم يشترط العلم بقدره لأنه تكفل بالبدن لا بالمال، وقيل: يشترط بناء على أنه إذا مات غرم الكفيل ما عليه من الدين، والمذهب صحتها ببدن من عليه عقوبة لآدمي كقصاص وحد قذف، ومنعها في حدود الله تعالى كحد السرقة والخمر والزنا للأمر بسترها والسعي في إسقاطها ما أمكن، والله أعلم(٤). قوله: ((وببيت في الجنة لمن حسنت سريرته)) السريرة ما يكتم عن الخلق، اعلم أنه لما كان المراء أمره أصعب من ترك الكذب كان جزاء تاركه قصرًا في وسط الجنة، وأما تحسين الخلق فإنه أعلى من ذلك رتبة وأعرق منزلة، فكان قصر صاحبه في أعلى الجنة، قال الله تعالى لأشرف المرسلين: ﴿وَإِنَّكَ (١) السنن الكبرى (١٢٦/٦) بوب عليه فقال: باب ما جاء في الكفالة ببدن من عليه حق ولفظ الحديث: قال: فأتني بكفيل، قال: كفى بالله كفيلًا. (٢) المهذب (٢/ ١٥٣). (٣) سورة يوسف، الآية: ٧٨. (٤) انظر المجموع (٤٦/١٤-٤٩)، وكفاية النبيه (١٦٦/١٠-١٦٨)، وكفاية الأخيار (٣٦٨/١-٣٦٩). ١٤٠ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمِ ﴾﴾(١) والخلق بضم لامه وسكونها الدين والطبع والسجية، وحقيقته أنه صورة الإنسان الباطنة وهي نفسه وأوصافها ومعانيها المختصة بها بمنزلة الخلق لصورتها الظاهرة وأوصافها ومعانيها ولهما أوصاف حسنة وقبيحة، والثواب والعقاب يتعلقان بأوصاف الصورة الباطنة أكثر مما يتعلقان بأوصاف الصورة الظاهرة، ولهذا تكررت الأحاديث في مدح حسن الخلق في غير موضع (٢). قال الغزالي في الإحياء(٣): من الآفة الرابعة من آفات اللسان المراء والمجادلة بعد أن ذكر هذا الحديث وغيره قال مسلم بن يسار: إياكم والمراء فإنها ساعات جهل العالم وعندها يبتغي الشيطان زلته، وقيل: ما ضل قوم بعد أن هداهم الله إلا بالجدل، وقال مالك بن أنس: ليس هذا الجدال من الدين بشيء، وقال أيضًا: المراء يقسي القلب ويورث الضغائن، وقال لقمان لابنه: يا بني لا تجادل العلماء فيمقتوك، انتهى، قاله في الديباجة. [١٣٠ / أ] ٢٣١- وَرُوِيَ عَن أبي الدَّرْدَاء وَأبي أَمَامَة وواثلة بن الأَسْقَع وَأنس بن مَالك رَضِي الله عَنْهُم قَالُوا خرج علينا رَسُول الله ێ یَوْمًا ونحن نتماری فِي شَيْء من أَمر الدّين فَغَضب غَضبا شَدِيدا لم يغْضب مثله ثمَّ انتهرنا فَقَالَ مهلا يَا أمة مُحَمَّد إِنَّمَا هلك من كَانَ قبلكُمْ بِهَذَا ذَروا المراء لقلَّة خَيرِه ذَروا المراء (١) سورة القلم، الآية: ٤. (٢) النهاية (٢ / ٧٠). (٣) الإحياء (١١٦/٣ - ١١٧).