النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
كتاب العلم
١٩٧- وَعَنْ عَلَيّ رَهُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قُوَأْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ
نَارًا﴾(١) قَالَ: «علمُوا [أَنْفُسَكُمْ وَ](٢) أَهْلِيكُمُ الْخَيْرَ)). رَوَاهُ الْحَاكِمِ مَوْقُوفًا
وَقَالَ صَحِيحٍ على شَرطهمَا(٣).
قوله: عن علي، تقدم الكلام على مناقبه.
قوله: في قوله تعالى ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوْ أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا
وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ قال: ((علموا أهليكم الخير))، وقال علي بن أبي طالب
ومجاهد وقتادة معناه: علموهم ما ينجون به من النار، وهذا ظاهر، وثبت في
الصحیحین عن ابن عمر عن رسول الله څآ: «کلکم راع ومسؤول عن رعيته)).
لطيفة: قد روي أن عيسى عليه الصلاة والسلام اجتاز في سياحة فرأى
حجرًا صغيرًا ينبع منه ماء كثيرًا فوقف عنده وتعجب من كثرة ذلك الماء
فسأل الله تعالى أن يكلمه ذلك الحجر ليسأله عن ذلك، فقال الحجر: يا روح
الله منذ سمعت قوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ فأنا أبكي خوفا من
تلك النار، فسأل عيسى عليه الصلاة والسلام من الله عز وجل أن يجير ذلك
الحجر من النار فأجاره الله عز وجل فأعلمه بذلك ثم أتى عليه بعد حين
(١) سورة التحريم، الآية: ٦.
(٢) سقط من الأصل.
(٣) أخرجه الحاكم (٤٩٤/٢)، والبيهقى في المدخل (٣٧٢) والشعب (١٥٦/١١ رقم
٨٣٣١). وصححه الحاكم على شرطهما ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح
الترغيب (١١٩).

٦٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فوجده باكيًا كما كان، فقال عيسى ◌ِالسَّلام [١١٩ / أ] ((ما هذا البكاء، وقد
أجرت من النار)) فقال: يا روح الله، ذلك بكاء الخوف وهذا بكاء السرور
شكرًا لله عز وجل، وكفى هذا موعظة وحسرة أن الحجارة أعقل من الإنسان،
وقد دل على ذلك آيات أصرح ما فيها قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن
بَعْدِ ذَلِكَ فَهِىَ كَاً لِحِجَارَةٍ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٌ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ
اُلْأَنْهَرْ﴾ (١) الآية، قاله في مختصر مجمع الأحباب.
(١) سورة البقرة، الآية: ٧٤.

٦٣
كتاب العلم
الترهيب من كتم العلم
١٩٨ - عَن أبي هُرَيْرَة ◌َّ لَهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله وَّهِ: ((من سُئِلَ عَن علم
فكتمه أَلْجم يَوْم الْقِيَامَة بلجام من نار)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدْ وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن
مَاجَهُ وَابْنِ حبَان فِي صَحِيحِهِ وَالْبَيْهَقِيّ وَرَوَاهُ الْحَاكِمِ بِنَحْوِهِ وَقَالَ صَحِيح
على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ. وَفِي رِوَايَة لِاِبْنِ مَاجَه قَالَ: «مَا من رجل
يحفظ علما فيكتمه إِلَّ أَتَّى يَوْم الْقِيَامَة ملجوما بلجام من نَار))(١).
قوله: عن أبي هريرة، تقدم.
قوله وقال: ((من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار))
الحديث، الممسك عن الكلام ممثل بمن ألجم نفسه بلجام، قال الخطابي:
والمراد بالعلم ما يلزمه تعلیمه إياه، ویتعین علیه فرضه کمن یری کافرا یرید
الإسلام يقول: علموني الإسلام وكمن يرى رجلا حديث عهد بالإسلام ولا
يحسن الصلاة وقد حضر وقتها فيقول: علموني كيف أصلي وكمن جاء
مستفتيًا في حلال أو حرام فيقول: أفتوني وأرشدوني فإنه يلزمه في هذا وأمثاله
تعريف الجواب، ومن منعه استحق الوعيد، وليس كذلك الأمر في نوافل
العلم التي لا ضرورة للناس إلى معرفتها، ومنهم من يقول إنه علم الشهادة،
قال سحنون: هذا الحديث إنما حكم في الشهادة، قال ابن العربي: الصحيح
(١) أخرجه أبو داود (٣٦٥٨)، والترمذى (٢٦٤٩)، وابن ماجه (٢٦١) و(٢٦٦) والحاكم
١/ ١٠١. وقال الترمذى: حديث أبي هريرة حديث حسن. وصححه الحاكم ووافقه
الذهبى. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٢٠).

٦٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
خلافه لأن في الحديث من سئل عن علم ولم يقل شهادة ونحن مأمورون
بالعمل بالظاهر حتى يرد ما يلزمه، وروى الحافظ أبو نعيم في فضل العالم
العفيف عن ابن مسعود عن أبي هريرة أن النبي وَلّم قال: «ما أتى الله عالمًا إلا
أخذ عليه من الميثاق ما أخذ من النبيين أن يبينه ولا يكتمه)) انتهى، قاله في
الديباجة، فليحذر العالم من ذلك؛ وقوله ((فكتمه)) يقتضي أنه لا يرد جواب
سائله لقوله؛ والمراد: ما يجب بذله، وأما السائل فلا تنهر، قال: من نهر
السائل، أي: رده بلا جواب، قاله في حدائق الأولياء(١).
١٩٩ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو أَن رَسُول الله ◌َّ قَالَ: ((من كتم علما ألْجمهُ
الله يَوْمِ الْقِيَامَة بلجام من نَار)) رَوَاهُ ابْنِ حَبَان فِي صَحِيحِه وَالْحَاكِمِ وَقَالَ
صَحِيحِ لَا غُبَار عَلَيْهِ (٢).
٢٠٠- وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُول الله وَّ: ((من
سُئِلَ عَن علم فكتمه جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة مُلجمًا بلجام من نَار وَمن قَالَ فِي الْقُرْآن
بِغَيْرِ مَا يعلم جَاءَ يَوْمِ الْقِيَامَة مُلجمًا بلجام من نار)). رَوَاهُ أَبُو يعلى وَرُوَاته
ثِقَات مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيحِ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط بِسَنَد جيد
بالشطر الأول فَقَط(٣).
(١) حدائق الأولياء (٢/ ٣٩١).
(٢) أخرجه ابن حبان (٩٦)، والحاكم (١٠٢/١). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٢١).
(٣) أخرجه أبو يعلى (٢٥٨٥)، والطبراني في الأوسط (٧/ ١٧١ رقم ٧١٨٧) والكبير (٥/١١
رقم ١٠٨٤٥) و(١٤٥/١١ رقم ١١٣١٠). قال الهيثمي في المجمع ١٢٤/١: رواه
الطبراني في الأوسط، وفيه عبد الله بن خراش، ضعفه البخاري وأبو زرعة وأبو حاتم وابن
=

٦٥
كتاب العلم
قوله: عن ابن عباس، تقدم. قوله وَجقال: ((من سئل عن علم فكتمه جاء يوم
القيامة ملجما بلجام من نار، ومن قال في القرآن بغير ما يعلم)) الحديث، قال
ابن النحاس في كتابه تنبيه الغافلين: ومن الكبائر أن يسأل عن علم شرعي
فيكتمه مع تعين الجواب عليه، وقد عده الذهبي وابن القيم من الكبائر ومن
غير تقييد، والذي يظهر أنه لا يكون من الكبائر إلا إذا تعين الجواب عليه كما
ذكرنا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ
وَالْهُدَى﴾(١) الآية، ومنها: تفسير القرآن برأيه وتفسير القرآن بالرأي هو من
أنواع قول الزور، والإخبار عن الله تعالى بأنه أراد ما يتحقق إرادته إياه، والله
أعلم.
قوله: عن أبي سعيد الخدري، تقدم الكلام على مناقبه.
قوله وَجّ: ((من كتم علما مما ينفع الله به الناس في أمر الدين ألجمه الله يوم
القيامة بلجام من نار)) فخرج بهذا الحديث أنه يجوز كتم علم لم ينفع الله به
الناس كالسحر ونحوه.
وقوله: ((ألجم يوم القيامة بلجام من نار)) وإنما عذب فمه لأن الفم موضع
خروج العلم، فلما لم يُجب السائل وسكت جازاه الله عن سكوته بلجام من
النار، والله أعلم.
=
عدي، ووثقه ابن حبان. وقال في ١/ ١٦٣: رواه أبو يعلى والطبراني في الكبير باختصار قوله:
في القرآن، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٩٤).
(١) سورة البقرة، الآية: ١٥٠.

٦٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
تتمة: قد صح عن أبي هريرة أنه قال: حفظت عن رسول الله وَ﴾ جرابين،
فأما أحدهما فبثثته فيكم وأما الآخر فلو بثته قطع هذا البلعوم (١)، أما
الجواب على حديث [١١٩/ ب] أبي هريرة فقيل: إن الذي كتمه هو ما
يتعلق بالفتن، وما شجر بين الصحابة فلهذا كتمه خوفا على نفسه ونحو
ذلك، فأما الأحكام وما فيه وعد ووعيد وترغيب وصلاح الأمة فهذا هو
المنهي عن كتمه(٢)، والله أعلم.
٢٠١ - وَرُوِيَ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ◌َّهُ قَالَ: قَالَ رَسُول اللّهِ وَّ: (من
كتم علما مِمَّ ينفع الله بِهِ النَّاس فِي أَمر الدّين ألْجمهُ الله يَوْمِ الْقِيَامَة بلجام من نَار)»
رَوَاهُ ابْنِ مَاجَهَ (٣) قَالَ الْحَافِظ: وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِیث دون قَوْله مَا ینفع الله بِهِ عَن
جمَاعَة من الصَّحَابَة غير من ذكر مِنْهُم جَابر بن عبد الله وَأنس بن مالك وَعبد الله
بن عَمْرو وَعبد الله بن مَسْعُودٍ وَعَمْرو بن عبسة وَعلي بن طلق وَغَيرهم.
٢٠٢ - وَرُوِيَ عَنِ جَابر بن عبد الله رَظْ لَهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّةٍ إِذا لعن
آخر هَذِه الأمة أُولِهَا فَمن کتم حَدِيثا فقد کتم مَا أنزل الله رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَفِیه
انْقِطَاعِ وَالله أعلم(٤).
(١) أخرجه البخارى (١٢٠).
(٢) شرح الصحيح (١٩٥/١) لابن بطال.
(٣) أخرجه ابن ماجه (٢٦٥). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٩٥).
(٤) أخرجه البخارى في التاريخ الكبير (١٩٧/٣)، وابن ماجه (٢٦٣)، والآجرى في الشريعة
(١٩٨٥ و١٩٨٦). وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (١٥٠٧) وضعيف الترغيب (٩٦).

٦٧
كتاب العلم
قوله: عن جابر، هو: ابن عبد الله، تقدم الكلام عليه.
قوله وَ له: ((إذا لعن آخر هذه الأمة أولها)) الحديث، هو على ظاهره،
ويدخل في ذلك الرافضة وغيرهم الذين يلعنون أكابر الصحابة ويكفرون
الأمة، انتهى، قاله في التنقيح(١)، وقال صاحب كنز الدرر(٢): قال هشام بن
عبد الملك لزيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب القرشي
الهاشمي: بلغني أن أباك يريد الخلافة ولا تصلح لك لأنك ابن أمة فقال زيد:
قد كان إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام ابن أمة وإسحاق ابن حرة
وأخرج الله تعالى من صلب إسماعيل خير ولد آدم، فقال له هشام: قم عني،
فقال زيد: لا تراني بعدها إلا حيث تكره، ولما جرى ما جرى، والقصة
مطولة، وقتل زيد في سنة اثنتين وعشرين ومائة وصلب ولم يزل مصلوبا إلى
سنة ست وعشرين ثم أنزل بعد أربع سنين وأخرق، ولما قتل زيد في خلافة
هشام بن عبد الملك قام بالأمر بعده ولده يحيى ومضى إلى خراسان فاجتمع
بها معخلق كثير وبايعوه ووعدوه بالقيام معه ومقاتلة الأئمة وبذلوا له الطاعة
فبلغ ذلك جعفر بن محمد الصادق فكتب إليه ينهاه عن ذلك ويعرفه أن
مقتول كما قتل أبوه، وكان كما أخبر جعفر بن محمد الصادق، فإن أمير
خراسان قتله بجرجان ثم تفرقت الزيدية ثلاث فرق: جارودية وسليمانية
وبترية بفتح التاء، فالجارودية، قال ابن السمعاني في الأنساب (٣): الجارودية
(١) كشف المناهج (٤ / ٤٩٦).
(٢) لم أجده في كنز الدرر وإنما ذكره ابن عبد ربه في العقد الفريد (٤/ ١١٧).
(٣) الأنساب (١٦٨/٣).

٦٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فرقة من الزيدية وهم أصحاب أبي الجارود بن المنذر وكان من أصحاب
زيد بن علي زعموا أن النبي وَّ نص على خلافة علي بن أبي طالب وأن
الناس كفروا بنصب غيره وأن علي بن ابي طالب أفضل الخلق بعد رسول الله
وَل وأولاهم بالأمر من جميع الناس وَتَبرَّوا من أبي بكر وعمر وزعموا أن
الإمامة مقصورة في ولد فاطمة وزعموا أن النبي وَلّ نص على إمامة علي
رَّة بالوصف دون التسمية، وأن الناس كفروا بترك الاقتداء به بعد النبي وَالخلال
ثم بعده الحسن ثم بعده الحسين ثم إن الأمر شورى بعدهم فمن خرج منهم
داعيا إلى ربه وكان عالما فاضلا فهو الإمام، وقال١): السليمانية منسوبون إلى
سليمان بن جرير من الزيدية أثبتوا إمامة أبي بكر وعمر وزعموا أن الأمة
أخطأت في البيعة لهما مع وجود علي خطأ لا يبلغ درجة الفسق، وكفروا
عثمان وطلحة والزبير وعائشة رضي الله عنهم، انتهى.
٢٠٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة رَهُ أَن رَسُول الله وَِّ قَالَ مثل الَّذِي يَتَعَلَّمَ الْعلم
ثُمَّ لا يحدث بِهِ كَمثل الَّذِي يكنز الْكَنْزِ ثُمَّ لَا ينْفق مِنْهُ رَوَاهُ الطََّرَانِيّ فِي
الْأَوْسَط وَفِي إِسْنَاده ابْن ◌َهِيعَةٍ(٢) .
قوله: عن أبي هريرة، تقدم.
(١) الأنساب (١٩٩/٧).
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (١/ ٢١٣ رقم ٦٨٩)، وابن عدى في الكامل (٤٩٢/٤). قال
الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد، تفرد به ابن لهيعة. وقال
الهيثمي في المجمع ١٦٤/١: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف.
وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٢٢) والصحيحة (٣٤٧٩).

٦٩
كتاب العلم
قوله وسيلة: ((مثل الذي يعلم العلم ولا يحدث به كمثل الذي يكنز الكنز ولا
ينفق منه)) الحديث، الكنز: هو ما لم تؤد زكاته، وما أدی زكاته فليس بكنز
وإن كان مدفونًا تحت سبع أرضين(١).
قوله: وفي إسناده ابن لهيعة، ابن لهيعة: اسمه عبد الله، تقدم الكلام عليه
مبسوطًا، والله أعلم [١٢٠ / أ].
٢٠٤ - وَعَن عَلْقَمَة بن سعيد بن عبد الرَّحْمَن بن أَبْزَى عَن أَبِيه عَن جده
قَالَ خطب رَسُول الله وَِّ ذَات يَوْمٍ فَأَثْنى على طوائف من الْمُسلمين خيرا ثمَّ
قَالَ مَا بَال أَقوام لَا يفقهُونَ جيرانهم وَلا يعلمونهم وَلَا يعظونهم وَلَّا يأمرونهم
وَلَا ينهونهم وَمَا بَال أَقوام لا يتعلمون من جيرانهم وَلا يتفقهون وَلَّا يتعظون
وَالله ليعلمن قوم جيرانهم ويفقهونهم ويعظونهم ويأمرونهم وينهونهم
وليتعلمن قوم من جيرانهم ويتفقهون ويتعظون أو لأعاجلنهم الْعقُوبَة ثمَّ نزل
فَقَالَ قوم من تَرَوْنَهُ عَنى بهؤلاء قَالَ الْأَشْعَرِبين هم قوم فُقَهَاء وَلَّهُم جيران
جُفَاة من أهل الْمِيَاه والأعراب فَبلغ ذَلِك الأَشْعَرِبين فَأتوا رَسُول الله ◌ِوَّ
فَقَالُوا يَا رَسُول الله ذكرت قوما بِخَير وذكرتنا بشر فَمَا بالنا فَقَالَ ليعلمن قوم
جيرانهم وليعظنهم وليأمرنهم ولينهونهم وليتعلمن قوم من جيرانهم ويتعظون
ويتفقهون أَو لأعاجلنهم الْعِقُوبَة فِي الدُّنْيَا فَقَالُوا يَا رَسُول الله أنفطن غَيرِنَا
فَأَعَادَ قَوْله عَلَيْهِمْ فَأَعَادُوا قَوْلهم أنفطن غَيرِنَا فَقَالَ ذَلِك أَيْضا فَقَالُوا أمهلنا
سنة فأمهلهم سنة ليفقهوهم ويعلموهم ويعظوهم ثمَّ قَرَأْ رَسُول الله وَِّ هَذِه
(١) الحاوى (٣/ ٧٢).

٧٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الْآيَة ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ بَنِىّ إِسْرَاءِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ
مَرْيَمْ﴾ (١) الْآيَة رَوَاهُ الطََّرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ عَن بكير بن مَعْرُوف عَن عَلْقَمَةٍ(٢).
قوله: عن علقمة بن سعيد بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده، عبد الرحمن
بن أبزى مولى نافع بن عبد الحارث، مختلف في صحبته، سكن الكوفة، وقال
البخاري: له صحبة، ذكره غير واحد من الصحابة، وقال أبو حاتم: أدرك
النبي وَلَه وصلى خلفه، وقال ابن عبد البر: استعمله علي زَقْ لَهُ على
خراسان، روى له الجماعة، وابناه: سعيد بن عبد الرحمن وعبد الله بن عبد
الرحمن بن أبزى.
قوله مدير: ((ما بال أقوام لا يفقهون جيرانهم)) الحديث، كان النبي
صَ لّه
وسلم
(يستعمل على الناس من يعلمهم ويفقههم في الدين ويأمرهم بالمعروف
والأعراب: ساكنو البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار ولا
يدخلونها إلا لحاجة. والعرب: اسم لهذا الجيل المعروف من الناس. ولا
واحد له من لفظه. وسواء أقام بالبادية أو المدن. والنسب إليهما: أعرابي
وعربي وفي حديث سطيح ((يقود خيلًا عرابًا)) أي عربية منسوبة إلى العرب،
فرقوا بين الخيل والناس، فقالوا في الناس: عرب وأعراب، وفي الخيل:
(١) سورة المائدة، الآية: ٧٨.
(٢) أخرجه الطبراني في جامع المسانيد (٦٨٥٥)، وعنه أبو نعيم في معرفة الصحابة (١١١٨).
قال الهيثمي في المجمع ١٦٤/١: رواه الطبراني في الكبير، وفيه بكير بن معروف، قال
البخارى: ارم به، ووثقه أحمد في رواية، وضعفه في أخرى، وقال ابن عدى أرجو أنه لا
بأس به. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٩٧).

٧١
كتاب العلم
عراب(١)، وتقدم الكلام على الفقه في أول كتاب العلم.
قوله: ((فقال: قوم من تَرَوْنَهُ عَنى بهؤلاء قَالَ الْأَشْعَرِبين هم قوم فُقَهَاء وَلَّهُم
جيران جُفَاة من أهل البادية والأعراب))، والأعراب: ساكنوا البادية، والأشعريون:
أهل قبيلة منسوبة إلى أشعر، وأشعر أبو قبيلة من اليمن وهو أشعر بن سبأ بن
يشجب بن يعرب بن قحطان، تقول العرب: جاءني الأشعرون بحذف ياء
النسب (٢)، وقال شارح مشارق الأنوار: صوابه الأشعرين، وذلك لأنهم
يقولون: يمانون وتهامون وسعدون وأشعرون(٣)، انتهى.
قوله: رواه الطبراني عن بكير بن معروف (الأسدي أبو معاذ، وقيل: أبو
الحسن النيسابوري، ويقال: الدامغاني، صاحب التفسير: كان على قضاء
نيسابور، ثم سكن دمشق وهاه ابن المبارك وقد وثقه غيره، وقال ابن عدي:
أرجو أنه لا بأس به ليس حديثه بالمنكر جدًا).
٢٠٥ - وَعَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا أَن النَّبِي
وََّ قَالَ: ((تناصحوا فِي
الْعلم فَإِن خِيَانَة أحدكُم فِي علمه أَشد من خيانته فِي مَاله وَإِن الله مسائلكم))
رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ أَنْضًا وَرُوَاتِهِ ثِقَاتٍ إِلَّا أَبَا سعيد الْبَقَّل واسْمه سعيد
بن الْمَرْزُبَانِ فِيهِ خلاف يَأْتِي(٤).
(١) النهاية (٣/ ٢٠٢- ٢٠٣).
(٢) الصحاح (٢ / ٧٠٠).
(٣) انظر التوضيح (٢٤١/١٩)، وعمدة القارى (١٩٢/١٥).
(٤) أخرجه ابن أبى الدنيا في العقل (١١١)، والطبراني في الكبير (٢٧٠/١١ رقم ١١٧٠١)،
وتمام في الفوائد (١٥١٩)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٢٠)، والخطيب في الجامع (١٤٤٩
=

٧٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: عن ابن عباس، تقدم.
قوله: ((تناصحوا في العلم، فإن خيانة أحدكم في علمه أشد من خيانته في
ماله)) الحديث، وفي رياضة الدينوري: ((تناصحوافي العلم، ولا يكتمن
بعضكم بعضًا، فإن خيانة الرجل في العلم أشد من خيانته في المال)) (١) وقال
أبو الدرداء: أحب عباد الله إلى الله الذي يحببون عباد الله إلى الله ويحببون الله
إلى عباده، والذي يراعون الشمس والقمر والنجوم والأظلة بذكر الله، وقال
يحيى بن معاذ: إن العبد إذا صدق فيما بينه وبينه الله تعالى جعل الله كلامه
جلاء في قلوب المؤمنين وشكرا في أفواه المذنبين وروضة في عيون الصادقين
وريحانة لأنوف المخلصين، وقال مالك بن دينار: بلغني أنه يدعى يوم
القيامة المذكر الاصدق فيوضع على رأسه تاج الملك ثم يؤمر به إلى الجنة
فيقول: إلاهي إن أقواما كانوا يعينوني في الدنيا على ما كنت فيه، قال: فيفعل
بهم مثل ما فعل به ثم ينطلق به إلى الجنة لكرامته على الله عز وجل، وقال أبو
مكين: لم يتصدق المتصدق بصدقة أفضل من عبد وعظ قوما من المسلمين
موعظة قاموا عنده بخير.
==
و١٤٥٠) وتاريخ بغداد (٦٨/٤ و٣٧٦/٧ و٤٢٤/٧). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٤١ :
رواه الطبراني في الكبير، وفيه أبو سعد البقال، قال أبو زرعة: لين الحديث، مدلس، قيل: هو
صدوق؟ قال: نعم، كان لا يكذب. وقال أبو هشام الرفاعي: حدثنا أبو أسامة قال: حدثنا أبو
سعد البقال، وكان ثقة. وضعفه شعبة لتدليسه والبخاري ويحيى بن معين، وبقية رجاله
موثقون. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٧٨٣) وضعيف الترغيب (٩٨).
(١) أخرجه الدينورى في رياضة المتعلمين (مخ / لوجة ٢١) وزاد وإن الله عز وجل سائلكم عنه.

٧٣
كتاب العلم
الترهيب من أن يعلم ولا يعمل بعلمه، ويقول ما لا يفعله
٢٠٦ - عَن زيد بن أَرقمِ رَّهُ أَن رَسُول الله ◌َّهِ كَانَ يَقُول: «اللَّهُمَّ إِنِّي
أعوذ بك من علم لا ينفع وَمن قلب لا يخشع وَمن نفس لا تشبع وَمن دَعْوَة لَا
يُسْتَجَابِ لَهَا)). رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْ مِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَهُوَ قِطْعَة من حَدِيث(١).
قوله: عن زيد بن أرقم، هو: أبو عمر، وقيل: أبو عامر، وقيل: أبو سعيد،
وقيل: أبو حمزة، وقيل: أبو أنيسة زيد بن أرقم بن زيد بن قيس بن النعمان بن
مالك الأنصاري الخزرجي المدني، غزا مع رسول الله وَّخلال سبع عشرة غزوة،
استصغره رسول الله وَّه يوم أحد، وكان يتيمًا في حجر عبد الله بن رواحة
وسار معه في غزوة مؤتة، روي له عن رسول الله وآ له سبعون حديثا، اتفقا على
أربعة وللبخاري حديثان ولمسلم ستة، نزل الكوفة، وتوفي بها سنة ست
وخمسين، وقال محمد بن سعد وآخرون سنة ثمان وستين، ومناقبه كثيرة
مشهورة(٢).
(١) أخرجه مسلم (٧٣-٢٧٢٢)، والنسائي في الكبرى (٧٨١٥ و٧٨١٦) و(٧٨٤٣)
والمجتبى ٣٤٦/٨ (٥٥٠٢) و٣٩١/٨ (٥٥٨٢). وأخرجه الترمذى (٣٤٨٢) والنسائى
في الكبرى (٧٨٢٥) والمجتبى ٣٣٥/٨ (٥٤٨٦) عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
وصححهما الألباني في صحيح الترغيب (١٢٣) و(٨٢٦) وصحيح الجامع (١٢٨٦)
و(١٢٩٧).
(٢) تهذيب الأسماء واللغات (١٩٩/١ الترجمة ١٨٤).

٧٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: كان رسول الله وَثل يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع))
الحديث، وفي الحديث أيضًا عن جابر أن النبي وَّ قال: ((سلوا الله علما نافعا
وتعوذوا بالله من علم لا ينفع))(١) ذكره أبو عمر.
قال الغزالي في الإحياء (٢): ولا ينكر كون العلم ضارا لبعض الناس كما
يضر لحم الطير وأنواع الحلاوة اللطيفة بالطفل الرضيع، بل رب شخص
ينفعه الجهل في بعض الأمور، فقد حكي أن بعض الناس شكى إلى طبيب
عقم زوجته وأنها لا تلد، فجس الطبيب نبضها، وقال: لا حاجة بك إلى دواء
الولادة فإنك ستموتين بعد أربعين يومًا، وقد دل النبض على ذلك،
فاستشعرت المرأة خوفًا عظيمًا وتنغص عليها عيشها وأخرجت أموالها
وأوصت وبقيت لا تأكل ولا تشرب حتى انقضت المدة فلم تمت فجاء
زوجها إلى الطبيب فقال: لم تمت، فقال الطبيب: قد علمت ذلك فجامعها
الآن فإنها تلد، فقال: كيف ذاك، قال: رأيتها سمينة وقد انعقد الشحم على
فرجها وعلمت أنها لا تهزل إلا بخوف الموت فخوفتها بذلك حتى هزلت
وزال المانع من الولادة، قال: فلهذا تعوذ النبي وَّ من علم لا ينفع، فاعتبر
بهذه الحكاية، ولا تكن باحثًا [١٢٠ / ب] عن علوم ذمها الشرع وزجر عنها،
انتهى، قاله في الديباجة.
(١) أخرجه ابن ماجه (٣٨٤٣)، وأبو يعلى (١٩٢٧) و(١٩٨٠) و(٢١٩٦). وحسنه الألباني
في الصحيحة (١٥١١).
(٢) إحياء علوم الدين (١/ ٣٠-٣١).

٧٥
كتاب العلم
قوله: ((ومن قلب لا يخشع)) الخشوع: الخضوع.
قوله: ((ومن نفس لا تشبع)) استعاذة من الحرص والطمع والشره، وتعلق
النفس بالآمال البعيدة، ويحتمل وجهين، أحدهما: أنها لا تقنع بما آتاها الله تعالى
ولا يفتر عن الجمع لشدة ما فيها من الحرص الإنساني أن يراد به كثرة الأكل(١).
قوله: ((ومن دعاء لا يستجاب)) أي: لا يستجاب ولا يعتد به فكأنه غير مسموع،
وقال الخطابي(٢): الدعاء الذي لا يسمع معناه: لا يجاب، ومن هذا قول
المصلي: سمع الله لمن حمده، يريد استجاب الله دعاء من حمده، قال الشاعر:
دَعَوْتُ اللهَ حَتى خِفْتُ أَنْ لا يَكْونَ اللهُ يَسْمَعُ مَا أَقُولُ
وقال القرطبي (٣): العلم الذي لا ينفع هو الذي لا يعمل به كما قال عليه
الصلاة والسلام: ((العلم الذي لا يعمل به كالكنز الذي لا ينفق منه وأتعب
صاحبه نفسه في جمعه ثم لم يصل إلى نفعه))(٤) انتهى، وفي رواية البيهقي:
(اللهم إني أعوذ بك من شر هذه الأربع))، وروى عنه وَّل أنه كان يقول:
(١) الميسر (٥٧٨/٢).
(٢) معالم السنن (٢٩٦/١).
(٣) المفهم (٢٢ /١٠٠).
(٤) أخرجه الذهبى في ميزان الاعتدال (٢/ ٥٠)، وابن خير في فهرسته (ص ٩) من طريق
الطبراني قال: حدثنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله بن مسلم الكجي ويقال الكشي قال
حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد النبيل عن محمد بن عجلان عن المقبري عن أبي
هريرة. قال الذهبى: هذا يتهم به زيد، وقال: رفاعة الهاشمي، هو زيد بن عَبد الله بن
مسعود الأدیب، کذاب أشر، رکب أسانید لأربعین حدیثًا فسرقها منه ابن ودعان وادعاها.

٧٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
((اللهم انفعني بما علمتني وعلمني ما ينفعني وزدني علما)) والحمد لله على
كل حال [حديث زيد بن أرقم هذا أو غيره من الأدعية المسجوعة، دليل لما
قاله العلماء أن السجع المذموم في الدعاء هو المكلف، فإنه يذهب الخشوع
والخضوع والإخلاص ويلهي عن الضراعة والافتقار وفراغ القلب، فأما ما
يحصل بلا كلفة ولا إعمال فكر لكمال الفصاحة ونحو ذلك أو كان محفوظا
فلا بأس به بل هو حسن، والله أعلم(١)].
٢٠٧ - وَعَن أُسَامَة بن زيد رَّ تَهُ أَنْه سمع رَسُول اللهِ وَّهِ يَقُول يجاء
بِالرجلِ يَوْم الْقِيَامَة فَيلقى فِي النَّار فتندلق أقتابه فيدورها كَمَا يَدُور الْحمار
برحاه فتجتمع أهل النَّار عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ يَا فِلَان مَا شَأْنِك أَسْت كنت تَأمر
بِالْمَعْرُوفِ وتنهى عَن الْمُنكر فَيَقُول كنت آمَركُم بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتيه وأنهاكم
عَن الشَّ وآتيه، قَالَ: وَإِنِّي سمعته يَقُول يَعْنِي النَّبِي ◌َِّ مَرَرْت لَيْلَة أَسرِي بِي
بأَقْوَام تقْرض شفاههم بمقاريض من نَار قلت من هَؤُلاءِ يَا جِبْرِيل قَالَ خطباء
أمتك الَّذين يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ))، رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ(٢) وَرَوَاهُ
ابْنِ أبِي الدُّنْيَا وَابْن حبَان وَالْبَيْهَِيّ من حَدِيث أنس وَزَاد ابْن أبي الدُّنْيَا
وَالْبَيْهَقِيّ فِي رِوَايَة لَهما ويقرؤون كتاب الله وَلَا يعْمِلُونَ بِهِ (٣).
(١) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٤١)، وكشف المناهج (٣٣٥/٢).
(٢) أخرجه البخارى (٣٢٦٧) و(٧٠٩٨)، ومسلم (٥١ - ٢٩٨٩).
(٣) أخرجه ابن أبى الدنيا في الصمت (٥٠٩) و(٥٧٠) وذم الكذب (٤٥) و(١٠٨)، وابن حبان
(٥٣)، والبيهقى في الكبرى (٢٧٠/٣- ٢٧١ رقم ١٦٣٧) و(٣٨/٧ رقم ٤٦١١) و(٣٩/٧
رقم ٤٦١٤). وصححه الألباني في الصحيحة (٢٩١) وصحيح الترغيب (١٢٥) و(٢٣٢٧).

٧٧
كتاب العلم
قَالَ الْحَافِظِ: وَسَيَأْتِي أَحَادِيث نَحوه فِي بَاب من أَمر بِمَعْرُوف أَو نهى عَن
مُنكر وَخَالف قَوْله فعله.
قوله: عن أسامة بن زيد، هو مولى رسول الله وَخله وابن مولاه وابن مولاته
وحِبّه، كنيته: أبو محمد، وقيل: أبو زيد، وقيل: أبو يزيد، وقيل: أبو خارجة
أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى الكلبي
الهاشمي، وأمه: أم أيمن (بَرَكَةُ)، وفي صحيح البخاري عن أسامة نَّ الَّهُ أن
رسول الله وَّله كان يأخذه والحسن بن علي فيقول: ((اللهم أحبهما فإني
أحبهما)) ويقال في رواية له أيضًا قال: كان النبي وَ ل يقعدني على فخذه ويقعد
الحسن على فخذه الأخرى ثم يضمهما ثم يقول: ((اللهم إني أرحمهما
فارحمهما))، وفي الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت: أراد النبي وَالل أن
ينحي كخاط أسامة، فقلت: دعني أفعل، فقال: يا عائشة أحبيه فإني أحبه، قال
الترمذي: هذا حديث حسن، وولاه رسول الله وَلَه إمراة الجيش وفيهم عمر
بن الخطاب، وعقد له اللواء، وتوفي رسول الله وح له وله عشرون سنة، وقيل:
تسع عشرة سنة، وقيل: ثماني عشرة سنة، وثبت في الصحيح عن عائشة رضي
الله عنها قالت: دخل علي قائف [القائف في اللغة: متبع الآثار، والجمع: قافة
كبائع وباعة] والنبي وَّ شاهد وأسامة بن زيد وزيد مضطجعان فقال: إن هذه
الأقدام بعضها من بعض، فسر بذلك النبي ◌َّ فأعجبه، قال العلماء رضي
الله عنهم: سبب سروره ◌َ له أن أسامة كان لونه أسود وكان طويلا خرج إلى
أمه، وكان أبوه زيد قصيرًا أبيض، وقيل بين البياض والسواد، وكان بعض

٧٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
المنافقين قصد المغايظة والإيذاء فدفع الله ذلك، وله الحمد والمنة(١).
فائدة: في ذكر موالي رسول الله وَ﴾ منهم: زيد بن حارثة وثوبان بن يجدد
وأبو كبشة واسمه سليم، ورويفع وأبو بكر وهرمز وآنسة ورباح وأبو رافع
ورافع ومدعم الأسود وهو الذي قتل بوادي القرى وكركرة الذي كان على
ثقل رسول الله وَ﴾ وسفينة وسلمان الفارسي وأيمن وهم كثيرون. واعلم أن
هؤلاء الموالي لم يكونوا موجودين في وقت واحد للنبي وَلاٍ. [١٢١ / أ]
بل كان بعض منهم في وقت، قال عبد الله بن المبارك وغيره: إذا أقام إنسان
في بلد أربع سنين نسب إليه، وينسبون إلى القبيلة مولاهم، وتقدم شيء من
ذلك مبسوطًا (٢).
قوله: ((يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه)) الحديث،
الإندلاق: خروج الشيء من مكانه بسرعة، يريد: خروج أمعائه من جوفه،
ومنه اندلق السيف من جفنه إذا شقه وخرج منه، قاله في النهاية(٣)، والأقتاب:
الأمعاء واحدتها عند الكسائي قتبة بالكسر وهي مؤنثة، وعند الأصمعي قتبة،
وتصغيرها قتيبة، وبها سمى الرجل قتيبة قاله أبو عبيد(٤)، وروي: (فتنفلق))
بدل (فتندلق)».
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١١٣/١-١١٥ الترجمة ٤٩).
(٢) تهذيب الأسماء واللغات (١٤/١ و٢٨).
(٣) النهاية (١٣٠/٢).
(٤) غريب الحديث (٢/ ٣١).

٧٩
كتاب العلم
قوله: وزاد ابن أبي الدنيا والبيهقي في رواية لهما: ((ويقرؤون كتاب الله ولا
يعملون به)) وذكر أبو عمر عن أبي هريرة رَقَ الَّهُ قال: إن في جهنم أرجاء تدور
بعلماء السوء فيشرف عليهم بعض من كان يعرفهم فيقول: ما صيركم إلى هذا،
وإنما كنا نتعلم منكم، قالوا: إنا كنا نأمركم بالأمر ونخالفكم إلى غيره(١)، وروى
عن أبي أمامة رَّ اللّه قال: قال رسول الله وَّه: ((إن الذين يأمرون الناس بالصبر
وينسون أنفسهم يجرون قصبهم في نار جهنم فيقال لهم: من أين أنتم؟
فيقولون: نحن الذين كنا نأمر الناس بالخير وننسى أنفسنا)»(٢)، القصب: بضم
القاف الأمعاء، وجمعه: أقصاب وهي المصارين(٣)، وقد وصف كعب
الأخبار علماء السوء فقال: يكون في آخر الزمان علماء يزهدون الناس في
الدنيا ولا يزهدون ويخوفون ولا يخافون وينهون عن غشيان الولاة ويأتون،
يؤثرون الدنيا على الآخرة، يقربون الأغنياء دون الفقراء يتغايرون على العلم
كما يتغاير النساء على الرجال، يغضب أحدهم على جليسه إذا جالس غيره
أولئك الجبارون أعداء الرحمن؛ وقال ابن مسعود نَّهُ: سيأتي على الناس
زمان ملح فيه عذوبة القلوب فلا ينتفع يومئذ بالعلم عالمه ولا متعلمه فتكون
قلوب علمائهم مثل الصباح ذوات الملح ينزل عليها قطر السماء فلا يوجد
لها عذوبة، وذلك إذا مالت قلوبهم إلى حب الدنيا وإيثارها على الآخرة فعند
(١) التذكرة (ص ٨٧٧). والخبر أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (١١٧٧).
(٢) أخرجه ابن بهلول في أماليه (١١).
(٣) النهاية (٤ /٦٧ و٣٤٤).

٨٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ذلك يسلبها الله عز وجل ينابيع الحكمة وتطفئ مصابيح الهدى من قلوبهم،
فما أخصب الألسن يومئذ وما أجدب القلوب (١).
قال الغزالي في الباب السادس من آفات العلم(٢): العلماء السوء علماء
الدنيا الذين قصدهم من العلم التنعم بالدنيا والتوصل إلى الجاه والمنزلة عند
أهلها ؛ وقال مالك بن دينار: قرأت في بعض الكتب أن الله تعالى يقول: ((إن
أهون ما أصنع بالعالم إذا أحب الدنيا أن أخرج حلاوة مناجاتي من قلبه)) يا
معشر القراء يا ملح البلد من يصلح الملح إذا الملح فسد؛ وقال عبد الله بن
وهب: بلغني أن القضاة يحشرون مع السلاطين وأن العلماء يحشرون مع
الأنبياء؛ قال الغزالي: ومعنى القضاة كل فقيه طلب الدنيا بعلمه، وروى الدارمي
عن النبي وَّ قال: ((خيار الناس خيار العلماء وشرار الناس شرار العلماء)).
قوله: وإني سمعت رسول الله وَل يقول: ((مررت ليلة أسري بي بأقوام
تقرض شفاههم بمقاريض من نار)) الحديث، اختلف الناس في تاريخ
الإسراء، فقال ابن الأثير (٣): الصحيح عندي أنه كان ليلة الاثنين ليلة سبع
وعشرين من شهر ربيع الأول قبل الهجرة [١٢١/ ب] بسنة، وبهذا جزم شيخ
الإسلام النووي في شرح مسلم (٤) وجزم في فتاويه(٥) في كتاب الصلاة بأنه
(١) إحياء علوم الدين (١ / ٦٤).
(٢) إحياء علوم الدين (١ / ٥٨ - ٦٣).
(٣) الكامل (١ / ٥١).
(٤) شرح صحيح مسلم (٢/ ٥٦٨).
(٥) فتاوى الإمام النووي (ص: ٣٥).