النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ كتاب العلم ١٨١ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة رَّ لَهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَِّ من تعلم العلم ليباهي بِهِ الْعلمَاء ويماري بِهِ السُّفَهَاء وَيصرف بِهِ وُجُوه النَّاس أدخلهُ الله جَهَنَّم. رَوَاهُ ابْن مَاجَهُ أَيْضًا(١). ١٨٢ - وَعَن ابْن عمر عَنِ النَِّي وَِّ قَالَ من تعلم علما لغير الله أَو أَرَادَ بِهِ غير الله فَليَتَبَوَّأْ مَقْعَده من النَّارِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه كِلَاهُمَا عَن خَالِد بن دريك عَن ابْن عمر وَلم يسمع مِنْهُ وَرِجَال إسنادهما ثِقَات(٢) . قوله: عن ابن عمر، تقدم الكلام على مناقبه. قوله وَجقة: ((من تعلم علما لغير الله أو أراد به غير الله فليتبوأ مقعده من النار)) الحديث، قوله ((فليتبوأ)) بكسر اللام هو الأصل وبالسكون هو المشهور، والتبوء: إتخاذ المبأة أي المنزل، يقال: تبوأ الرجل المكان إذا تاخذه موضعا لمقامه، قال أبو سليمان الخطابي: وهو أمر يشبه التهديد والوعيد، ومعناه: لينزلن منزلة منها، وتقدم الكلام على ذلك مبسوطًا في الكذب على رسول الله وَالم قوله: عن خالد بن دريك (بضم أوله وفتح الراء عن ابن عمر وعائشة مرسلا وعن عبد الله بن محيريز وعنه قتادة وأيوب وثقه النسائي وابن معين وابن حبان). (١) أخرجه ابن ماجه (٢٦٠). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١١٠). (٢) أخرجه الترمذى (٢٦٥٥)، وابن ماجه (٢٥٨). قال الترمذى: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث أيوب إلا من هذا الوجه. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٨٥). ٤٢ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب ١٨٣ - وَعَن ابْن عَبَّاس عَنِ النَّبِيِ وَّ قَالَ: ((إِن نَاسًا من أمتِي سيتفقهون فِي الدّين يقرؤون الْقُرْآن يَقُولُونَ نأتي الأُمَرَاء فنصيب من دنياهم ونعتز لَّهُم بديننا وَلَا يكون ذَلِك كَمَا لَا يجتنى من القتاد إِلَّ الشوك كَذَلِك لا يجتنى من قربهم إِلَّا)) قَالَ ابْن الصَّباحِ كَأَنَّهُ يَعْنِي الْخَطَايَا. رَوَاهُ ابْنِ مَاجَه وَرُوَاتِهِ ثِقَات(١). قوله: عن ابن عباس، تقدم. قوله وَّل: ((إن ناسًا من أمتي سيتفقهون في الدين يقرؤون القرآن يقولون: نأتي الأمراء فنصیب من دنياهم ونعتز لهم بديننا ولا یکون ذلك كما لا يجتنی من القتاد إلا الشوك)) الحديث، القتاد: شجر كثير الشوك ينبت بنجد وتهامة وهو أعظم وأصغر، فالأعظم الذي له شوك، والأصغر التي التي ثمرها نفاخة كنفاخة العشر، والمراد هنا: التقاد الأعظم، قاله في الصحاح. قوله: ((كذلك لا يجتنى من قربهم إلا)) قال ابن الصلاح: كأنه يعني الخطايا ؛ ابن الصباح: اسمه محمد بن الصباح البغدادي. وقوله: ((إلا)) من الاكتفاء، فحديث ابن عباس حديث حسن، وهو علم من أعلام النبوة، فإن كثيرا من العلماء الذي يقرؤون القرآن وهم كما قال الله: ﴿قُلْ هَلْ نُنَّبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَلًا ﴾ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى الْخَيَوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ (١) أخرجه ابن ماجه (٢٥٥)، والطبراني في الأوسط (١٥٠/٨ رقم ٨٢٣٦) والشاميين (٢٥٥٦). قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد، تفرد به: هشام بن عمار. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٨٦) و(١٣٥٧)، المشكاة (٢٦٢)، الضعيفة (١٢٥٠). ٤٣ كتاب العلم يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾﴾(١) الآية، قاله في الديباجة (٢)، وخرجه الطبراني ولفظه: ((أن ناسًا من أمتي يقرؤون القرآن ويتعمقون في الدين يأتيهم الشيطان يقول: لو أتيتم الملوك فأصبتم من دنياهم واعتزلتموهم بدینکم إلا،ولا يكون ذلك كما لا يجتنى من القتاد إلا الشوك كذلك لا يجتنى من قربهم إلا الخطايا». لطيفة: روى البيهقي في الشعب عن مالك بن دينار قال: مثل قراء هذا الزمان مثل رجل نصب فخًا فجاء عصفور فوقع في فخه فقال: ما لي أراك متغيبًا في التراب، قال: للتواضع، قال: فمم خببت؟ قال: من طول العبادة، قال: فما هذه الحبة فيك؟ قال: أعددتها للطائعين، فلما أمسى تناول الحبة فوقع الفخ في عنقه فخنقه، فقال العصفور: إن كان العباد يخنقون خنقك فلا خير في العبادة اليوم، قاله في حياة الحيوان(٣). ١٨٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ◌ََّّهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله وَِّ: ((من تعلم صرف الْكَلَامِ لِيَسْبِيَ بِهِ قُلُوب الرِّجَالِ أَو النَّاس لم يقبل الله مِنْهُ يَوْمِ الْقِيَامَة صرفا وَلَا عدلًا)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد(٤) قَالَ الْحَافِظ: يشبه أَن يكون فِيهِ انْقِطَاعٍ فَإِن الضَّحَّاك بن شُرَحْبِيل ذكره البُخَارِيّ وَابْن أبي حَاتِم وَلم يذكرُوا لَهُ رِوَايَة عَن الصَّحَابَة وَالله أعلم. (١) سورة الكهف، الآيتان: ١٠٣- ١٠٤. (٢) الديباجة (ص ٢٥٧ / رسالة علمية). (٣) الشعب (٢١٤/٩- ٢١٥ رقم ٦٥٥٦) وحياة الحيوان (٢/ ١٦١-١٦٢). (٤) أخرجه أبو داود (٥٠٠٦) ومن طريقه البيهقي في الشعب (٤٤/٧-٤٥ رقم ٤٦٢٠)، وفي الآداب (٣٩١). وضعفه الألباني في المشكاة (٤٨٠٢)، وضعيف الترغيب (٨٧). ٤٤ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب قوله: ((وعن أبي هريرة))، تقدم الكلام عليه. قوله وَله: ((من تعلم صرف الكلام ليسبي به قلوب [١١٦/ ب] الرجال)) الحديث، صرف الكلام: هو بفتح الصاد أي: من تعلم فصاحة الكلام وأنواع البلاغة من أنواع الشعر وغيره من العلوم ليجعل قلوب الناس مائلة إليه لم يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا(١)، والمراد من صرف الكلام هو فضله وما يتكلفه الإنسان فوق الحاجة فيه، وإنما كره النبي ◌َّ ذلك لما يدخله من الرياء والتصنع ولما يخالطه من الكذب والتزيد (٢)، يقال: فلان لا يحسن صرف الكلام أي فضل بعضه على بعض وهو من صرف الدراهم وتفاضلها (٣)، فأمر النبي ◌َّ أن يكون الكلام قصدًا بقدر الحاجة غير زائد عليها ليوافق ظاهره باطنه وسره علنه (٤)، وحينئذ: ففي الحديث من أنواع الجناس التام بين صرف وصرف، وهو أشرف أنواع الجناس كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ﴾(٥). قوله: ((لم يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا)) يعني: فريضة ولا نافلة على أحد التفاسير(٦)، وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطًا فيمن أخاف أهل المدينة أو أرادهم بسوء. (١) المفاتيح (١٦٨/٥). (٢) معالم السنن (١٣٦/٤). (٣) النهاية (٢٤/٣). (٤) معالم السنن (١٣٦/٤). (٥) سورة الروم، الآية: ٥٥. (٦) المفاتيح (١٦٨/٥). ٤٥ كتاب العلم ١٨٥- وعن ابن مسعود رَّالّله؛ أنه قال: «كيف بكم إذا لبستكم فتنةٌ، یَربو فيها الصغيرُ، ويَهرَمُ فيها الكبيرُ، وتُتَّخَذُّ سنةً، فإن غُيَّرَتْ يومًا قيلَ: هذا منكرٌ! قيل: ومتى ذلك؟ قال: إذا قلَّت أُمناؤكم، وكَثُرتْ أُمراؤُكُم، وقَلَّتْ فقهاؤكُم، وكَثُرتْ قراؤكم، وتُفُقِّهَ لِغيرِ الدين، والتُمست الدنيا بعملِ الآخرةِ)). رواه عبدالرزاق في ((كتابه)) موقوفًا (١). قوله: عن ابن مسعود، فهو: عبد الله بن مسعود، يقال له: ابن أم عبد، أم عبد الله بن مسعود وهي بنت عبد ود من هذيل بن مدركة، أسلمت وبايعت النبي وَّ، ذكر مصعب بن سعد أن عمر رَّهُ فرض الأعطية ففرض لأم عبد ألف درهم، حكاه ابن سعد في الطبقات الصغرى، انتهى. قوله: ((كيف بكم إذا ألبستكم فتنة يربو فيها الصغير ويهرم فيها الكبير)) الحديث، وهذا يدل على أن العمل إذا جرى على خلاف السنة فلا عبرة به ولا التفات إليه، فإن العمل قد جرى على خلاف السنة منذ زمن أبي الدرداء وأنس، وهذه هي الفتنة العظمى. ١٨٦ - وَعَن عَلَيّ رََّّهُ أَنْه ذكر فتنا تكون فِي آخر الزَّمَان فَقَالَ لَهُ عمر مَتى ذَلِك يَا عَليّ قَالَ إِذا تفقه لغير الدّين وَتعلم الْعلم لغيرِ الْعَمَل والتمست الذُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَة رَوَاهُ عبد الرَّزَّاقِ أَيْضًا فِي كِتَابِه مَوْقُوفًا(٢) وَتقدم حَدِيث ابْن (١) أخرجه عبدالرزاق في الجامع (٢٠٧٤٢)، وابن أبى شيبة في المصنف (٣٧١٥٦)، والدارمى (١٩١) و(١٩٢)، والحاكم ٥١٤/٤-٥١٥. وصححه الحاكم. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١١١). (٢) أخرجه عبد الرزاق في الجامع (٢٠٧٤٣). وضعفه الألباني جدًّا في ضعيف الترغيب (٨٨). ٤٦ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب عَبَّاسِ الْمَرْفُوعِ وَفِيه وَرجل آتاهُ الله علمًا فبخل بِهِ عَن عباد الله وَأخذ عَلَيْهِ طَمَعا وشرى بِهِ ثمنا فَذَلِك يلجم يَوْم الْقِيَامَة بلجام من نار وينادي مُنَاد هَذَا الَّذِي آتَاهُ الله علما فبخل بِهِ عَن عباد الله وَأخذ عَلَيْهِ طَمَعًا وَاشْترى بِهِ ثمنًا وَكَذَلِكَ حَتَّى يفرغ الحساب. قوله: عن عليّ، تقدم الكلام على مناقبه. قوله: أن عليًّا ذكر فتنا تكون في آخر الزمان، فقال عمر: متى ذلك أي علي؟ قال: إذا تفقه لغير الله وتعلم العلم لعير العمل، الحديث، وقال علي أيضًا رَظْوَّهُ: إذا كان الفقه لغير الدين وطلب العلم لغير العمل به وطلبت الدنيا بأعمال الآخرة فحينئذ تدفهم الفتن دف الرحى تفالها، وقال: جلس ابن مسعود يوما فنظر إلى قوم قد اجتمعوا حوله يطلبون الحديث فالتفت إلى حارثة وقال: يا حارثة ألم تر إلى هؤلاء قد اجتمعوا ليتعلموا، فقال حارثة: قد اجتمعوا ليتعلموا ثم يتركوا، فقال ابن مسعود: صدقت والله الذي لا إله إلا هو، واجتمع أصحاب الحديث على باب الفضيل فاطلع عليهم من كومة وهو يبكي ولحيته ترجف، فقال: عليكم بالقرآن عليكم بالطواف عليكم بالعبادة، ويحكم، ليس هذا زمان حديث إنما زمان بكاء وتضرع واستكانة ودعاء كدعاء الغريق، وإنما هذا زمان السوء، احفظ لسانك وأخف بكائك وعالج قلبك وخذ ما تعرف ودع ما تنكر(١). (١) خرجه ابن أبي الدنيا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (١٠٩)، وانظر الآثار السابقة في مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي (١ / ٨١). ٤٧ كتاب العلم قوله: فاطلع من كومة، بفاح الكاف على اللغة المشهورة، قال صاحب المطالع، وحكي فيها الضم(١)، وقال الحسن: لا يكون حظ أحدكم من العلم أن يقول له الناس عالمًا، وفي بعض الآثار: أن عيسى عليه الصلاة والسلام قال: كيف يكون من أهل العلم من يطلب العلم ليحدث به ولا يطلبه ليعمل به، وقال [١١٧ / أ] بعض السلف: بلغنا أن الذي يطلب الأحاديث ليحدث بها لا يجد ريح الجنة، يعني: من ليس له غرض في طلبها إلا الحديث بها دون العمل بها. تنبيه: ومن هذا القبيل كراهة السلف الصالح الجرأة على الفتيا والحرص عليها والمسارعة إليها والإكثار منها، وروى ابن لهيعة عن عبد الله بن أبي جعفر مرسلاً عن النبي وَّر قال: ((أجرأكم على الفتيا أجرأكم على النار))(٢) وقال علقمة: أجرأكم على الفتيا أقلكم علمًا، وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أدركت مائة وعشرين من الأنصار ومن أصحاب رسول الله وَلا يسأل أحدهم عن المسألة ما منهم من أحد إلا ود أن أخاه كفاه، وفي رواية: فيؤدها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى يرجع إلى الأول(٣) وهو ابن مسعود رَ ◌ّة قال: إن الذي يفتي الناس في كل ما يستفتونه لمجنون(4)، وسئل عمر بن عبد (١) مطالع الأنوار على صحاح الآثار (٣٩٣/٣). (٢) أخرجه الدارمي (١٥٧). (٣) رواه ابن المبارك في الزهد ص١٩، والدارمي (١٣٥) ١ / ٦٥، وابن سعد في الطبقات ٦/ ١١٠، وأبو خيثمة في العلم ٢١ ص ١٠، والخطيب في الفقيه والمتفقه ٢/ ١٢ - ١٣. (٤) رواه الدارمي ١٧١ ١/ ٧٣، وأبو خيثمة في العلم ١٠ ص٨، والخطيب في الفقيه والمتفقه ٢/ ١٩٧-١٩٨ و٢/ ٢٠٢ -٢٠٣. ٤٨ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب العزيز عن مسألة فقال: ما أنا على الفتيا بجريء، وكتب إلى بعض عماله: إني والله ما إني بحريص على الفتيا ما وجدت منه بدًا، وليس هذا الأمر لمن ود أن الناس احتاجوا إليه، إنما هذا الأمر لمن ود أنه وجد من يكفيه؛ وعنه رَ ◌ّه أنه قال: أعلم الناس بالفتوى أسكتهم وأجهلهم بها أنطقهم، وقال سفيان الثوري: أدركنا الفقهاء وكانوا يكرهون أن يجيبوا في المسائل والفتيا حتى لا يجدون بدًا، وإذا أعفوا منها كان أحب إليهم، وقال الإمام أحمد بن حنبل: من عرض نفسه للفتيا فقد عرضها لأمر عظيم إلا أنه قد كانت للضرورة، قيل له: فأيهما أفضل، الكلام أو السكوت؟ قال: الإمساك أحب إلي، قيل له: فإذا كانت الضرورة فجعل يقول: الضرورة الضرورة، وقال: الإمساك أسلم؛ وليعلم المفتي أنه يرفع عن الله أمره ونهيه وأنه موقف ومسؤول عن ذلك، قال الربيع بن خثيم: أيها المفتون، انظروا كيف تفتون عن الله، وعن ابن المنكدر قال: إن العالم بين الله وبين خلقه فلينظر كيف يدخل عليهم، وكان ابن سيرين: إذا سئل عن شيء من الحلال والحرام تغير لونه وتبدل حتى كأنه ليس بالذي كان، وكان النخعي يسأل فتظهر عليه الكراهة ويقول: ما وجدت أحدًا تسأل غيري، وقال: قد تكلمت لو وجدت بك ما تكلمت، وإن زمانا أكون فيه فقيه الكوفة لزمان سوء، وعن محمد بن واسع قال: أول من يدعى للحساب الفقهاء، وعن مالك أنه كان إذا سئل عن مسألة كأنه واقف بين الجنة والنار، وقال بعض العلماء لبعض المفتين: إذا سئلت عن مسألة فلا يكن همك تخليص المسائل وليكن تخليص نفسك أولا، وقال آخر: إذا سئلت عن شيء فتفكر إن وجدت لنفسك مخرجًا فتكلم وإلا فاسكت، ٤٩ كتاب العلم وكلام السلف في هذا يطول، وفيما ذكرنا كفاية لمن تدبر، والله أعلم (١). خاتمة: وتقدم في حديث ابن عباس المرفوع: ((ورجل آتاه الله علما فبخل به عن عباد الله وأخذ عليه مطمعا وشرى به ثمنًا)) الحديث(٢)، قال الإمام أبو عبد الله القرطبي (٣): وإذا تعين على العالم نشر العلم وتعليمه وكانت عنده كفايته ثم ضن بعلمه أي يبخل حتى يأخذ عليه أجرًا فهو المراد بالآية وهي: ﴿وَلَا تَشْتَرُواْ بِقَايَتِى ثَمَنَا قَلِيلًا وَإِيَّنِىَ فَأَتَّقُونِ﴾(٤) والحديث، وأما إذا لم يتعين فيجوز له أخذ الأجرة [١١٧/ ب] لقوله وَّالية: ((إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله)) أخرجه البخاري(٥)، وقد يتعين عليه إلا أنه ليس عنده ما ينفقه على نفسه ولا على عياله فلا يجب عليه التعليم، وله أن يقبل على صنعته وحرفته لأن إحياء نفسه أوجب، ويجب على الإمام أن يعين لإقامة الدين إعانته وإلا فعلى المسلمين لأن الصديق زَقْوالته لما ولي الخلافة وعين لها لم يكن عنده ما يقيم به أهله فأخذ ثيابا وخرج إلى السوق فقيل له: في ذلك، فقال: ومن أين أنفق على عيالي فردوه وفرضوا له كفايته، والله أعلم. (١) انظر الآثار السابقة في مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي (١/ ٨١-٨٤). (٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (رقم ٧١٨٧) قال المنذرى (٥٦/١): في إسناده عبد الله بن خراش وثقه ابن حبان وحده. وقال الهيثمي (١٢٤/١): فيه عبد الله بن خراش ضعفه البخاری وأبو زرعة وأبو حاتم وابن عدى ووثقه ابن حبان. (٣) تفسير القرطبي (١/ ٣٣٦). (٤) سورة البقرة، الآية: ٤١. (٥) أخرجه البخاري (٥٧٣٧). ٥٠ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب الترغيب في نشر العلم والدلالة على الخير ١٨٧ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: إن مما يلحق المؤمنين من عمله وحسناته بعد موته علما علمهُ ونشره وولدا صالحا تركه، أو مصحفًا ورثه أو مسجدًا بناهُ، أو بيتًا لابن سبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته. رواه ابن ماجه باسناد حسن والبيهقى، ورواه ابن خزيمة في صحيحه بنحوه(١). الدلالة: بكسر الدال وفتحها، ويقال: دلولة بضم اللام. قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على مناقبه. قوله: ((إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما علمه ونشره)) الحديث، وقدم العلم على جميع الانتقاصات للاهتمام به. قوله: ((وولدا صالحًا تركه أو مصحفا ورثه)) الحديث، وتقدم الكلام على هذا الحديث وما يشبهه مبسوطًا. ١٨٨- وَعَن أَبِى قَتَادَة ◌َّ لَهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله وَفِيهِ: ((خير مَا يخلف الرجل من بعده ثَلَاث ولد صَالحِ يَدْعُو لَهُ وَصدقَة تجْرِي يبلغهُ أجرهَا وَعلم يعْمل بِهِ من بعده، رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَادِ صَحِيحٍ وَتقدم حَدِيث أبي هُرَيْرَة إِذا مَاتَ ابْن آدم انْقَطع عمله إِلَّ من ثَلاث صَدَفَة جَارِيَة أَو علم ينتَفع بِهِ أَو ولد (١) أخرجه ابن ماجه (٢٤٢)، والبيهقي في الشعب (٣١٧٤)، وابن خزيمة (٢٤٩٠). وحسنه الألباني في المشكاة (٢٥٤) وصحيح الترغيب (٧٧) و(١١٢) و(٢٧٥). ٥١ كتاب العلم صَالحِ يَدْعُولَهُ)). رَوَاهُ مُسلم (١). قوله: عن أبي قتادة، وأبو قتادة: اسمه. قوله: ((خير ما يخلف الرجل من بعده ثلاث، ولد صالح يدعو له أو صدقة يجري ما يبلغه أجرها)) قال العلماء: معنى الحديث أن عمل الميت ينقطع بموته وينقطع تجدد الثواب له إلا في هذه الأشياء الثلاثة كونه كان سببها، فإن الولد من كسبه، وكذلك العلم الذي خلفه من تعليم أو تصنيف، وكذلك الصدقة الجارية وهي الوقف، وفيه: فضيلة الزواج لرجاء ولد صالح، وفيه: دليل الصحة أصل الوقف وعظيم ثوابه، وفيه: بيان فضيلة العلم والحث على الاستكثار منه والترغيب في توريثه بالعلم والتصنيف والإيضاح وانه ينبغي أن يختار من العلوم الأنفع فالأنفع، وفيه: أن الدعاء يصل ثوابه إلى الميت وكذلك الصدقة وهو مجمع عليها، وكذلك قضاء الدين، وأما الحج فيجزئ عن الميت عند الشافعي وموافقيه وهو اداخل في قضاء الدين إذا كانا حجًّا واجبًا، وإذا كان تطوعًا ووصى به فهو من باب الوصايا (٢)، وتقدم الكلام على شيء من ذلك مبسوطًا، والله أعلم. (١) أخرجه ابن ماجه (٢٤١)، والنسائي في الكبرى (١٠٨٦٣)، وابن خزيمة (٢٤٩٥)، والدينورى في المجالسة (٣٥٠٠)، وابن حبان (٩٣) و (٤٩٠٢)، والطبراني في الأوسط (٤ / ٧-٨ رقم ٣٤٧٢) والصغير (٢٤٢/١ رقم ٣٩٥) عن أبى قتادة. وصححه الألباني في أحكام الجنائز (٢٢٤) صحيح الترغيب (٧٩) و(١١٣) الروض (١٠١٣). وأما حديث أبى هريرة: أخرجه مسلم (١٤ - ١٦٣١)، وأبو داود (٢٨٨٠)، والترمذى (١٣٧٦)، والنسائى في المجتبى ٢١٩/٦ (٣٦٧٧)، وابن خزيمة (٢٤٩٤)، وابن حبان (٣٠١٦). (٢) شرح النووي على مسلم (١١ / ٨٥). ٥٢ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب ١٨٩ - وَرُوِيَ عَن سَمُرَة بن جُنْدُبِ رََّّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَِّ مَا تصدق النَّاسِ بِصَدَقَة مثل علم ينشر. رَوَاهُ الطََّرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ وَغَيرِه(١). قوله: عن سمرة بن جندب، وجندب بفتح الدال وضمها مع ضم الجيم، وبكسر الجيم أيضًا مع فتح الدال وكسرها، والجنادب جمع ذلك وهو شبه الجراد، وقيل: هو الجراد بعينه، والله أعلم. قوله وَاله: ((ما تصدق الناس بصدقة مثل علم ينشر)) تقدم الكلام على نشر العلم وفضله. ١٩٠ - وَرُوِيَ عَنِ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُول الله ◌َّ: ((نعم الْعَطِيَّة كلمة حق تسمعها ثمَّ تحملهَا إِلَى أَخ لَك مُسلم فتعلمها إِيَّاه)). رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ وَيُشبه أَن يكون مَوْقُوفًا(٢). قوله: عن ابن عباس، تقدم. قوله وَدية: ((نعم العطية كلمة حق تسمعها ثم تحملها إلى أخ لك مسلم فتعلهما إياه)) الحديث، المراد بالعطية الحق العتاطية من العلم النافع. قوله: عن أنس بن مالك، تقدم الكلام علی فضائله. (١) أخرجه الطبراني في الكبير (٧/ ٢٣١ رقم ٦٩٦٤). قال الهيثمي في المجمع ١٦٦/١: رواه الطبراني في الكبير، وفيه عون بن عمارة، وهو ضعيف. وضعفه الألباني جدا في ضعيف الترغيب (٨٩)، والضعيفة (٤٤٣٥). (٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٤٢/١٢ رقم ١٢٤٢١). قال الهيثمي في المجمع ١٦٦/١ : رواه الطبراني في الكبير، وفيه عمرو بن الحصين العقيلي، وهو متروك. وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (٢٠٣٨) وضعيف الترغيب (٩٠). ٥٣ كتاب العلم قوله وَّةٍ: ((ألا أخبركم عن الأجود)) إلى قوله: ((وأنا أجود ولد آدم)) الحديث، فدل هذا الحديث على أنه وسيلة أجود ولد آدم على الإطلاق وأفقههم وأعلمهم وأشجعهم وأكملهم في جميع الأوصاف الحميدة، وكان جوده وقائلا بجميع أنواع الجود من بذل للعلم والمال وبذل نفسه لله تعالى في إظهار دينه وهداية عباده وإيصال النفع إليهم بكل طريق من إطعام جائعهم ووعظ جاهلهم وقضاء حوائجهم وتحمل أثقالهم، ولم يزل وَبيه على هذه الخصال الحميدة منذ نشأته وکان جوده گێ کله لله [١١٨/ أ] وفي ابتغاء مرضاته، فإنه کان یبذل المال إما الفقير محتاج أو ينفقه في سبيل الله أو يتألفه على الإسلام من يتقوى الإسلام بإسلامه، وكان يؤثر على نفسه وأهله وأولاده فيعطي عطاء تعجز عنه الملوك مثل كسرى وقيصر، ويعيش في نفسه عيش الفقراء فيأتي عليه الشهر والشهران لا يوقد في بيته نار، وربما ربط على بطنه الحجر من الجوع، وكان جوده وَلجيله. يتضاعف في شهر رمضان على غيره من الشهور، والله أعلم، قاله ابن رجب(١). قوله ◌َّه: ((وأجودكم من بعدي رجل علم علمًا فنشر علمه يُبعث يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وحدَه)) الأُمَّة الرَّجُلُ المِنْفِرِدُ بِدِينٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ((إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قائِتًا لِلّهِ)). وَفِيهِ ((لولاَ أنَّ الكِلابِ أُمَّة تُسَبِّح لأمَرْت بِقَتْلِهَا))، يُقَالُ لِكُلِّ چِيل مِنَ النَّاسِ وَالْحَيَوَانِ أُمة، قاله صاحب النهاية (٢). ١٩١ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مالك رَّ ◌ِنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َِّ أَلَا أَخْبركُم عَن الأجود الأجود الله الأجود الأجود وَأَنَا أَجود ولد آدم وأجودكم من بعدِي (١) لطائف المعارف (ص ١٦٣-١٦٤). (٢) النهاية (١ / ٦٨). ٥٤ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب رجل علم علما فنشر علمه يُبْعَث يَوْمِ الْقِيَامَة أمة وَحده وَرجل جاد بِنَفْسِهِ لله عز وَجلِ حَتَّى يقتل. رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالْبَيْهَقِيّ(١). قوله: عن أنس أيضًا، تقدم الكلام على مناقبه. قوله وَليّة: ((ما من رجل ينعش لسانه حقًّا يعمل به بعده إلا جرى له أجره إلى يوم القيامة)) الحديث، ينعش: أي يقول ويذكر، قاله الحافظ وهو في كتاب الرقائق لابن المبارك بنحوه عن أنس يرفعه، قال: ((من أنعش حقًّا بلسانه له أجره حتی یاتي الله يوم القيامة فیو فیه ثوابه)) وفي إسناده مجهول، انتھی. ١٩٢ - وَعنْهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َِّ مَا من رجل ينعش لِسَانه حَقًّا يعْمل بِهِ بعده إِلَّا جرى لَهُ أجره إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ وفاه الله ثَوَابِه يَوْم الْقِيَامَة. رَوَاهُ أَحْمد بِسْنَاد فِيهِ نظر (٢) وَلَكِن الأُصُول تعضده. قَوْله: ينعش أَي يَقُول ویذکر. (١) أخرجه أبو يعلى (٢٧٩٠)، وابن حبان في المجروحين (٣٠١/٢)، وابن عدى في الكامل (٢٠/٢)، والبيهقى في الشعب (٢٦٦/٣ رقم ١٦٣٢). قال ابن عدى: وأيوب بن ذكوان هذا له غير ما ذكرته من الحديث قليل وعامة ما يرويه، لا يتابع عليه. وقال الهيثمي في المجمع ١٦٦/١ و١٣/٩ رواه أبو يعلى، وفيه سويد بن عبد العزيز، وهو متروك الحديث. وقال الألباني: موضوع في الضعيفة (٥٨٨٢) وضعفه جدًّا: في ضعيف الترغيب (٩١). (٢) أخرجه أحمد ٢٦٦/٣ (١٣٨٠٣)، وأبو الطاهر المخلص (١٨١٥)، والبيهقي في الشعب (١٣١/١٠-١٣٢ رقم ٧٢٧٥ و٧٢٧٦) والخطيب في موضح أوهام الجمع (٤٨٠/٣). قال الهيثمي في المجمع ١٦٧/١: رواه أحمد، وفيه عبيد الله بن عبد الله بن موهب، قال أحمد: لا يعرف. قلت: وشيخ ابن موهب مالك بن حالك بن حارثة الأنصاري، لم أر من ترجمه. وضعفه الألباني في الترغيب (٩٢). ٥٥ كتاب العلم ١٩٢ م- وَرُوِيَ عَن أبي أَمَامَة رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعت رَسُول اللّهِوَل يَقُول: «أَرْبَعَة تجْرِي عَلَيْهِمْ أُجُورهم بعد الْمَوْت رجل مَاتَ مرابطًا فِي سَبِيل الله وَرجل علم علمًا فَأَجره يجْرِي عَلَيْهِ مَا عمل بِهِ وَرجل أجْرِى صَدَقَة فأجرها لَهُ مَا جرت وَرجل ترك ولدا صَالحًا يَدْعُو لَهُ)). رَوَاهُ الإِمَامِ أَحْمد وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط(١) وَهُوَ صَحِيح مفرقا من حَدِيث غير وَاحِد من الصَّحَابَةِ رَضِي الله عَنْهُم. (١) أخرجه أحمد ٢٦٠/٥ (٢٢٢٤٧) و٢٦٩/٥ (٢٢٣١٨) و(٢٢٣١٩)، والرويانى (١٢٢٣)، والآجرى في أخلاق العلماء (ص ٤٣)، والطبراني في الكبير (٢٠٥/٨ رقم ٧٨٣١). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٦٧: رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط والبزار، وفيه ابن لهيعة ورجل لم يسم. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١١٤). ٥٦ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب فصل ١٩٣ - وَعَن أبي مَسْعُود البدري أَن رجلا أَتَى النَّبِي ◌َِّ ليستحمله فَقَالَ: إِنَّه قد أبدع بِي فَقَالَ رَسُول الله وَِّ: ((اْتِ فِلَانا فَأَتَاهُ فَحَمله)). قَالَ رَسُول الله وَالَ: ((من دلّ على خير فَلهُ مثل أجر فَاعله أَو قَالَ عَامله)). رَوَاهُ مُسلم وَأَبُّو دَاوُد وَالتِّرْ مِذِىّ(١) قَوْله: أبدع بِي هُوَ بِضَم الْهِمِزَة وَكسر الدَّال يَعْنِي طلعت ركابي يُقَال أبدع بِهِ إِذا كلت ركابه أَو عطبت وَبَقِي مُنْقَطِعًا بِهِ. قوله: عن أبي مسعود البدري، وأبو مسعود: هو عقبة بن عمرو بن ثعلبة بن أسيدة، ويقال: سيدة الأنصاري، ويقال له البدري، وقال البخاري: لم یشهد بدرًا، والأصح أنه کان ینزل بدرًا فنسب إليها. قوله: «إن رجلا أتى النبي ێ يستحمله، فقال: إنه قد أبدع بي))، وفي بعض النسخ: بدع بي، بحذف الهمزة وتشديد الدال، ونقله القاضي عياض عن جمهور رواة مسلم، والصواب ما ذكره الحافظ: أبدع بي، وهو معروف اللغة يعني: طلعت ركابي معناه: هلكت دابتي وهي مركوبي، قال الحافظ: يقال أبدع به إذا كلت ركابه أو عطبت وبقى منقطعًا، انتهى. قوله وَ له: ((من دل على خير فله مثل أجر فاعله)) أو قال: ((عامله))، الحديث، أي: من علم أو عمل أو زيارة أو شفاعة أو إغاثة ملهوف أو حضور (١) أخرجه مسلم (١٣٣ - ١٨٩٣)، وأبو داود (٥١٢٩)، والترمذى (٢٦٧١)، وابن حبان (٢٨٩). قال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (١٦٦٠) وصحيح الترغيب (١١٥). ٥٧ كتاب العلم ميت أو عبادة وغير ذلك مما لا ينحصر مما يصدق عليه أنه طاعة أو معروف فإنه يدخل في مسمى الخيرية وسواء كان بعبارة أو إشارة أو كتابة أو تأليف أو غير ذلك فله مثل أجر فاعله أي: وإن تعدد من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، لأنه مفرد مضاف فكان عامًا، وهو نظير: ((من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة)) ومقتضاه أنه ربما زاد أجره على الفاعل فإنه لو دل مائة مثلا على خير فعملوا به كان لكل عامل أجر وله مائة أجر بعددهم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ومن هاهنا عظمت درجات العلماء، والأصل في المثل المشابهة من كل وجهٍ، وقد تتخلف أمور منها لدليل(١)، والله أعلم، قاله في شرح الإلمام، واستنبط ابن حبان من قوله: ((من دل على خير فله مثل أجر فاعله)) أن المؤذن يكون له مثل أجر من صلى بأذانه لأنه دعاه إلى ذلك، انتهى، ففي هذا الحديث [١١٨ / ب] فضل الدلالة على الخير والتنبيه عليه والمساعدة لفاعله، وفيه فضيلة تعليم العلم ووظائف العبادات لاسيما لمن يعمل بها من المتعبدين وغيرهم، والمراد بمثل أجر فاعله أن له ثوابًا بذلك الفعل كما أن لفاعله ثوابًا ولا يلزم أن يكون قدرثوابهما سواء(٢). ١٩٤ - وَعَنِ ابْن مَسْعُودِ رََّّهُ قَالَ أَتَّى رجل النَّبِيِوَلِّ فَسَأَلَهُ فَقَالَ مَا عِنْدِي مَا أعطيكه وَلَكِن أْتِ فَلَانا فَأْتِى الرجلِ فَأَعْطَاهُ فَقَالَ رَسُول الله وَلِّ من دلّ على خير فَلهُ مثل أجر فاعله أَو عَامله. رَوَاهُ ابْنِ حبَان فِي صَحِيحِه وَرَوَاهُ (١) شرح الإلمام (٥٠٥/٣ - ٥٠٦). (٢) شرح النووي على مسلم (٣٩/١٣). ٥٨ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب الْبَزَّار مُخْتَصرا الدَّال على الْخَيْرِ كفاعله(١). وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط من حَدِيث سهل بن سعد(٢). ١٩٥ - وَعَن أنس ◌َّهُ عَنِ النَّبِي ◌َِّ قَالَ الدَّال على الْخَيْرِ كفاعله وَالله يحب إغاثة اللهفان. رَوَاهُ الْبَزَّار من رِوَايَة زِيَاد بن عبد الله النميري وقد وثق. وَله شوَاهِد(٣) قوله: عن أنس، تقدم الكلام على مناقبه. (١) أخرجه البزار (١٧٤٢) والعقيلى في الضعفاء (٢٣٦/١)، وأبو الشيخ في طبقات أصبهان (٣/ ٥٥٥)، وأبو نعيم في الحلية (٢٦٦/٦) عن ابن مسعود. وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عبد الله، عن النبي ◌َّ، إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد. وضعفه الألباني في الصحيحة (٤ /٣١٧ عند ذكره لحديث أبى مسعود برقم ١٦٦٠). وأخرجه ابن حبان (٢٨٩) و(١٦٦٨) عن أبى مسعود البدرى. (٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣٤/٣ رقم ٢٣٨٤) والكبير (١٨٦/٦ رقم ٥٩٤٥). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أبي حازم إلا عمران، تفرد به ابن عائشة، ولا يروى عن سهل بن سعد إلا بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٦٦: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه عمران بن محمد، يروي عن أبي حازم، ويروي عنه عبد الله بن محمد بن عائشة، وليس هو عمران بن محمد بن سعيد بن المسيب؛ لأن ذاك مدني. وقال الطبراني في هذا: إنه بصري، وابن سعيد لم يسمع من أبي حازم، ولم أجد من ذكر هذا. وقال في ١٣٧/٣: رواه الطبراني في الأوسط وقال: لا يروى عن سهل إلا بهذا الإسناد. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١١٧). (٣) أخرجه البزار (٧٥٢١)، وأبو يعلى (٤٢٩٦). قال الهيثمي في المجمع ١٣٧/٣: رواه البزار، وفيه زياد النميري؛ وثقه ابن حبان- وقال: يخطئ- وابن عدي، وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات. ورواه أبو يعلى كذلك. وضعفه جدًّا الألباني في ضعيف الترغيب (٩٣). ٥٩ كتاب العلم قوله وَليلةٍ: ((الدال على الخير كفاعله))، تقدم الكلام على ذلك في الحديث قبله. قوله: ((والله يحب إغاثة اللهفان))، اللهفان: هو المضطر. قوله: رواه البزار من رواية زياد بن عبد الله النميري (عن أنس وعنه سهل بن أبي صالح ضعفه ابن معين وقال في موضع آخر: ليس به بأس وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به قال في الميزان: وذكره ابن حبان في الثقات وذكره في الضعفاء أيضا فقال: لا يجوز الاحتجاج به). ١٩٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ◌ٍَّ قَالَ من دَعَا إِلَى هدى كَانَ لَهُ من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذَلِك من أُجُورهم شَيْئًا وَمن دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ من الْإِثْم مثل آثام من اتبعهُ لا ينقص ذَلِك من آثامهم شَيْئًا رَوَاهُ مُسلمٍ وَغَيره (١) وَتقدم هُوَ وَغَيرِهِ فِي بَابِ الْبِدَاءَة بِالْخَيرِ. قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على مناقبه. قوله وَّة: ((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه)) الحديث، الهدى: خلاف الضلال، والدعاء إلى الهدى شعبة من الرسالة، لأن الرسل عليهم الصلاة والسلام بعثت لتؤدي عن الله عز تعالى وتهدي عباده، فمن كان داعيا إلى الله تعالى فهدى الله به عبدًا فقد أخذ شعبة من الرسالة واحتظى من ثواب الرسل حظًا من الكرامة، وقال الله تعالى لداود عليه الصلاة والسلام: ((لأن تأتيني بعبد آبق أحب إلى من عبادة الثقلين))، وقال رسول الله (١) أخرجه مسلم (١٦ - ٢٦٧٤)، وأبو داود (٤٦٠٩)، والترمذى (٢٦٧٤)، وابن ماجه (٢٠٦)، وابن حبان (١١٢). ٦٠ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب وَخّ لعلى زَوَّ: «لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حمر النعم)»، روي ذلك في الصحيحين، والنعم عند اللغويين الإبل، وقال ابن الأعرابي: النعم الإبل خاصة والأنعام الإبل والبقر والغنم، وهذا يدل على فضل العلم والتعليم وشرف منزلته وأهله بحيث إذا اهتدى رجل واحد بالعلم كان خيرًا له من حمر النعم، وهي خيار وأشرفها وأعزها عند أهلها، فما الظن بمن يهتدي به كل يوم طوائف من الناس، والنعم كبيرة الفائدة شديد الانقياد ليس لها شراسة الدواب ولا نفرة السباع، ولشدة حاجة الناس إلهًا لم يخلق الله لها سلاحًا شديدًا كأنياب السباع وجعل من شأنها الثبات والصبر على التعب والجوع والعطش، وخلقت ذلولا تنقاد بالأيدي، ولما كان مأكلها الحشيش اقتضت الحكمة الإلهية لها أفواهًا واسعة وأسنانًا حدادًا وأضراسًا صلابًا لتطحن بها الحب والنوى: ((لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك» أجرًا وثوابًا من أن یکون لك «حمر النعم)» فصدق بها، انتهى ؛ وفيه: البشرى لمن هذا حاله. [قوله: ((كان له من الأجر مثل أجور من تبعه)) يقول: من دل قوما على فعل خير أو عمل صالح فبقدر ما يحصل لكل واحد منهم بذلك العمل من الثواب يحصل لهذا الدال من غير أن ينقص من أجور الفاعلين شيئًا، وكذلك الحكم إذا كان على ضد هذا وأهل السنة ذهبوا إلى أن أفعال العبادلا تقتضي لذاتها ثوابا لكن الحكمة البالغة والسنة الجارية منه سبحانه وتعالى استمرت على ارتباط العمل الصالح بالثواب والعمل السيء بالعقاب من غير أن تؤثر الأفعال فيهما بصفة الإيجاد والصدور، ومباشرة الفعل والتسبب إليه سببان في الارتباط وتعلق الثواب والعقاب، انتهى].