النص المفهرس

صفحات 1-20

على
التََّغِيْنِ وَالتَّهِيِّ
◌ِبْإِمَامِ القُّذِرِي (ت ٦٥٦ هـ)
لِأَبِيْ مُحمَّدَ حَيْسَنِ بْن عَلِيّبْنِ سُلَيْمَانَ البَدْرِ الفَيُّومِيّ القَاهِرِيّ
(٨٠٤-٥٨٧٠)
قَدّم لَه:
هَيلَة الشَّيخ/ عبد الله بن محمّدُ الغنيمان
رَئيسُ قِسْمِ الدَّرَاسَات العُلَيَا بِالجَامَعَة الإِسْلامَيَّة
بالمَديْنَة المنوَرَة (سَابقًا)
دَرَاسَةٌ وتحقيقاً وتخريج
أ.د. محمّدْ إِسْحَاقُ مَّدْآَلَ إِبْرَاهِيَمَ
أَسْتَاةُ السُّنَّةِ وَعُلُوبِهَا
تَجَامِقَةٍ الإمَام محمّدُبْ سُعُدِ الإسْلامَيّة بالْرِّيَاضْ
الجَلّ النَّانِي

non
8

مَ الِقَرِلَّهِ
عَلى
التَّغَيْبِ وَالتَّهِيْنِ

ح محمد إسحاق محمد إبراهيم، ١٤٣٩ هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
الفيومي، حسن بن علي
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب. / حسين بن علي الفيومي؛
محمد إسحاق محمد إبراهيم . - الرياض، ١٤٣٩ هـ
١٥ مج ٦٨٠ ص؛ ١٧×٢٤ سم
ردمك: ٢-٦٧٩٧-٠٢ -٦٠٣ -٩٧٨ (مجموعة)
٦-٦٧٩٩-٠٢-٦٠٣ -٩٧٨ (ج ٢)
١ - الحديث - جوامع الفنون أ. إبراهيم، محمد إسحاق محمد (محقق)
ب. العنوان
دیوي ٢٣٧.٣
١٤٣٩/٥٦٦١
رقم الإيداع: ١٤٣٩/٥٦٦١
ردمك: ٢-٦٧٩٧ -٠٢ -٦٠٣ -٩٧٨ (مجموعة)
٦-٦٧٩٩-٠٢- ٦٠٣-٩٧٨ (ج ٢)
حقوق الطبع محفوظة للمحقق
الطبعة الأولى
١٤٣٩ هـ/٢٠١٨م
يطلب الكتاب من المحقق على عنوان:
المملكة العربية السعودية - الرياض
ص. ب: ٦٠٦٩١ - الرمز البريدي: ١١٥٥٥
تلفاكس: ٩٦٦١١٤٤٥٠٠١٢+
الجوال: ٥٩٨٨٤٨٨٥٥-٩٦٦+
البريد الإلكتروني: aal_ibrahim@yahoo.com
أو
مكتبة دار السلام - الرياض
هاتف: ٤٠٣٣٩٦٢ ٩٦٦١١+

٥
كتاب العلم
الترغيب في مجالسة العلماء
١٦١ - عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول اللهِ وَّهِ: ((إِذا مررتم برياض الجنَّة
فارتعوا))، قَالُوا: يَا رَسُول الله وَمَا رياض الْجِنَّة؟ قَالَ: ((مجَالِس الْعلم)). رَوَاهُ
الطََّانِيّ فِي الْكَبِيرِ وَفِيه راو لم يسم (١).
قوله: ((عن ابن عباس))، تقدم الكلام على ترجمته.
قوله وجر: ((إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: يا رسول الله، وما
رياض الجنة؟ قال: مجالس العلم)) الحديث.
الرتع: هو الأكل والشرب في خصب وسعة، انتهى، قاله الحافظ المنذري،
والخصب بكسر الخاء المعجمة ضد الجدب، وورد عنه وَّ أنه قال:
(لمجلس علم عند الله أفضل من عبادة ألف سنة لا يعصى الله فيها طرفة
عين)) (٢) ولهذا المعنى إذا مات العالم بكى عليه كل الخلق حتى الطير في
الهواء والسمك في الماء، وروي أنه وَالر قال: ((لا تجلسوا مع كل عالم إلا
عالمًا يدعوكم من خمس إلى خمس، من الشك إلى اليقين، ومن العداوة إلى
النصيحة، ومن الكبر إلى التواضع، ومن الرياء إلى الإخلاص، ومن الرغبة
(١) أخرجه الطبراني في الكبير (٩٥/١١ رقم ١١١٥٨). وقال الهيثمي في المجمع ١٢٦/١:
رواه الطبراني في الكبير، وفيه رجل لم يسم. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٧٧).
(٢) ذكره ابن الحاج في مدخله (ص:٨٩)، ولم أجده مسندا عند أحد.

٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
إلى الرهبة)) خرجه أبو نعيم في حلية الأولياء من حديث جابر (١).
وقال الإمام أبو بكر بن العربي في مراقي الزلف: قال أبو حنيفة رَ الَم
الحكايات عن العلماء ومجالستهم أحب إلي من كثير من الفقه لأنها آداب
القوم وأخلاقهم؛ قال الغزالي رحمه الله: في أوائل الإيحاء: قال بعضهم:
العلماء سراج الأزمنة، كل واحد مصباح زمانه، يستضيء به أهل عصره.
تتمة: عن أبي هريرة رَو ◌ّه قال: قال رسول الله وَله: «الحكمة ضالة
المؤمن، فحيث وجدها فهو أحق بها)) رواه الترمذي(٢)، قال الحافظ شرف
الدين الدمياطي تلميذ الحافظ المنذري عفا الله عنهما: شبه النبي
الحكمة بالضالة وهي الشيء الضائع، ومعناه: أن المؤمن لا يزال يطلب
الحكمة ويسعى في طلبها كما أن صاحب الضالة يطلبها وينشدها حتى
يجدها، وفيه معنى آخر: وهو أن صاحب الضالة لا يتركها إذا وجدها عند
صغير لصغره ولا عند حقير لحقارته، كذلك طالب العلم لا يأنف من أخذه
عمن وجده عنده؛ وفيه معنى آخر وهو أن من كانت الضالة عنده لا يجوز له
أن يكتمها ولا يحبسها عن صاحبها لأنه قد وجد ضالته عنده وهو مستحقها
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٨/ ٧٢)، والخطيب في تاريخ بغداد (٥١٠/٥). قال أبو نعيم: وهذا
الحديث كلام كان شقيق كثيرا ما يعظ به أصحابه والناس، فوهم فيه الرواة فرفعوه وأسندوه.
(٢) أخرجه الترمذى (٢٦٨٧)، وابن ماجه (٤١٦٩). قال الترمذى: هذا حديث غريب، لا
نعرفه إلا من هذا الوجه وإبراهيم بن الفضل المخزومي يضعف في الحديث من قبل
حفظه. وقال الألباني: ضعيف جدا المشكاة (٢١٦).

٧
كتاب العلم
فيجب عليه أن يبذله له، والله أعلم، قاله في كتابه ((المتجر الرابح))(١).
١٦٢ - عَن أبي أَمَامَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله وَِّ: ((إِن لُقْمَان قَالَ لِاِبْنِهِ: يَا بني
عَلَيْك بمجالسة الْعلمَاء واسمع كَلَام الْحُكَمَاء فَإِن الله ليحبي القلب الْمَيِّت
بِنور الْحِكْمَة كَمَا يحبي الأَرْض الْميتَة بوابل الْمَطَر» رَوَاهُ الطََّرَانِيّ فِي الْكَبِير
من طَرِيق عبيد الله بن زحر عَن عَليّ بن يزِيد عَنِ الْقَاسِم وَقد حسنها التِّرْمِذِيّ
لغيرِ هَذَا الْمَتْن وَلَعَلَّه مَوْقُوف وَالله أعلم(٢).
قوله: ((عن أبي أمامة))، هو الباهلي، واسمه: صدي بن عجلان، تقدم
الكلام على مناقبه.
قوله ◌َّه: ((إن لقمان قال لابنه: يا بني عليك بمجالسة العلماء واسمع كلام
الحكماء))، كان لقمان أسود اللون وكان حبشيًّا من النوبة، وكان منشؤه
وتعلمه ببلاد الشام، ومات بها وقبره بمدينة الرملة من أعمال فلسطين، وكان
ساكنا في هذه المواضع، وكان في زمن داود ،َاليَلم، وكان عبدًا لرجل من بني
إسرائيل كان قد اشتراه بثلاثين مثقالًا ذهبًا، وكان يعمل له وقصته مع مولاه
مطولة، اختصرتها، وقال في آخرها: فأعتقه مولاه، وكان يختلف إلى داود وَليه
ويقتبس منه الحكمة، قال: وأرسل الله إليه ملكًا فظنه في الحكمة غطاء
(١) المتجر الرابح (ص ١٩ - ٢٠).
(٢) أخرجه الرامهرمزى في الأمثال (ص ٨٧-٨٨)، والطبراني في الكبير (١٩٩/٨ رقم ٧٨١٠).
وقال الهيثمي في المجمع ١٢٥/١: رواه الطبراني في الكبير، وفيه عبيد الله بن زحر عن
علي بن يزيد، وكلاهما ضعيف لا يحتج به. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٧٨).

٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فأصبح وهو أحكم أهل الأرض، وعن الدارمي قال: كان لقمان الحكيم عبدًا
حبشيًّا نجارًا، واختلف العلماء في نبوته [١١١ / أ] فقال الإمام أبو إسحاق
الثعلبي(١): اتفق العلماء على أنه كان حكيمًا ولم يكن نبيًّا إلا عكرمة
والشعبي كلاهما قالا: كان نبيًّا، وتفردا بهذا القول، وقال الجمهور: كان
لقمان وليًّا قاضيًا في بني إسرائيل، واسمه: لقمان بن باعور بن ماخور بن
تارخ وهو آزر، وقيل: لقمان بن عنقاء بن سدون بن خالة أيوب ،عاليَلام)، وقيل:
ابن أخته، والله أعلم.
تنبيه: وابن لقمان الذي قال له: ﴿يَبُنَىَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾(٢)، فقيل: اسمه
أنعم، وقال بعض العلماء: اسم ابن لقمان ثاران، وقيل: مشكم، وقيل:
أنعم (٣)، والله أعلم. فائدة: قال النووي في أذكاره فإن قيل: إذا ذكر لقمان
ومريم، هل يصلى عليهما كالأنبياء، أم يترضى عنهما كالصحابة والأولياء أم
نقول علهما السلام؟ فالجواب: أن الجماهير من العلماء على أنهما ليسا
بنبيين، وقد شذ من قال: نبيان، ولا التفات إليه ولا تعريج عليه، فإذا عرف
ذلك فقد قال بعض العلماء: كلاما يفهم منه أنه يقول قال لقمان أو مريم وَال
لأن مقامهما ترفعان عن حال من يقال زَوَّه لما في القرآن العزيز مما
يرفعهما، والذي أراه أن هذا لا بأس به، وأن الأرجح أن يقال رئواته أو عنهما
(١) عرائس المجالس (ص ٣٧٧ - ٣٨٣)، وتفسير الثعلبى (٣١٢/٧-٣١٣).
(٢) سورة لقمان، الآية: ١٣.
(٣) تفسير القرطبى (١٤ / ٦٤)، والبداية والنهاية (٢/ ١٢٣).

٩
كتاب العلم
لأن هذا رتبة غير الأنبياء ولم يثبت كونهما نبيين، وقد نقل إمام الحرمين
إجماع العلماء على أن مريم ليست بنبية، ذكره في الإرشاد، ولو قال،بَلَّم أو
عليهما السلام، فالظاهر أنه لا بأس به، انتهى(١).
قوله: في حديث أبي أمامة الباهلي ((إن الله ليحيي القلب الميت بنور
الحكمة كما يحي الأرض الميتة بوابل المطر)) الحديث، تقدم الكلام على
الحكمة مبسوطًا في أول هذا التعليق، وتقدم قريبًا من كلام الأئمة، والوابل:
المطر الشديد، والطل أضعف المطر، قال الله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ
فَطَلٌ﴾ (٢) وقال الله تعالى: ﴿فَانْظُرُ إِلَى ءَاشَرٍ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْي الْأَرْضَ
بَعْدَ مَوْتِهَا﴾(٣) الآية، فالمطر أثر رحمته التي تحيي بها القلوب الغافلة الميتة
﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ اُلْمَوْنَّىّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿أَوَ مَن
كَانَ مَيْتَا فَأَحْبَيْنَهُ﴾(٥) الآية، انتهى.
وذكر إن إبراهيم عليه الصلاة والسلام أمره ربه يدعو الخلق إليه، فقال: يا
رب كيف أدعوهم إليه مع قساوة قلوبهم فأمره الله بالخروج إلى الساحل
فأخرج الله له دابة من البحر طولها فرسخ في فرسخ فمزقتها السباع والطيور
(١) الأذكار (ص ٢٢٨).
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٦٥.
(٣) سورة الروم، الآية: ٥٠.
(٤) سورة الروم، الآية: ٥٠.
(٥) سورة الأنعام، الآية: ١٢٢.

١٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ثم أحياها الله تعالى فسبحت في الماء، فقال الله تعالى له: ((إن الله أحيا ما ترى
القادر على أن يحيى القلوب الميتة))، وهذا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿أُوَ لَمْ يَرَوْاْ
أَنَّ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَدِرٍ عَلَى أَن يُحْتِىَ
اُلْمَوْقَىَّ بَلَىْ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾﴾(١) انتهى من كتاب الزاهد أبي
الحسن بن فرحون القرطبي.
والمقصود أن حياة القلب بالعلم والهمة والناس إذا شاهدوا ذلك من
الرجل حيٍّ القلب؛ وللحياة مراتب، المرتبة الأولى: حياة الأرض بالنبات
قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ
مَوْتِهَاً﴾ (٢)، المرتبة الثانية: حياة النمو والغذاء وهي مشتركة بين النبات
والحيوان، والمرتبة الثالثة: حياة الحيوان بقدر زائد على النبات وهو
إحساسه وحركته، ولهذا يألم بقطع بعرض ما يتصل به، المرتبة الرابعة: حياة
الحيوان الذي لا يتغذى [١١١/ ب] بالطعام والشراب كحياة الملائكة
وحياة الأرواح مع مفارقتها الأبدان، المرتبة الخامسة: حياة العلم مع موت
الجهل، فإن الجهل موت لأهله، كما قيل:
وَأَجْسَامُهُمْ قَبْلَ القُبُورِ قُبُورُ
وَفِي الجهلِ قَبْلَ المَوْتِ مَوْتٌ لاَهْلِه
وَلَيْسَ لِهِمْ حَتَّى النُّشُورِ نُشُورُ
وَأَزْوَاحُهُمْ فِي وَحْشَةٍ مِنْ جُسُومِهِمْ
وَلَيْسَ لَهُ حَتَّى الممات نُشُورُ
وَإِنَّ امرأ لم يحيى بِالْعِلْمِ مَيِّتٌ
(١) سورة الأحقاف، الآية: ٣٣.
(٢) سورة النحل، الآية: ٦٥.

١١
كتاب العلم
فالجاهل ميت القلب والروح وإن كان حي البدن، فجسده قبر يمشي على
وجه الأرض، قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِىِ الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]
شبههم في موت قلوبهم بأهل القبور فإنهم ماتت أرواحهم وصارت أجسامهم
قبورًا لها، فكما لا يسمع أصحاب القبور لا يسمع هؤلاء، وليس هذا تشبيهًا
بموت البدن بل ذلك موت القلب والروح، والمقصود (قوله) لأن العلم
حياة القلوب من الجهل فالقلب ميت وحياته بالعلم والإيمان، وإذا كانت
الحياة من الحس والحركة، فهذه القلوب لما لم تحس بالعلم والإيمان ولم
تتحرك له كانت ميتة حقيقة، والله أعلم(١).
١٦٣- وَعَنِ ابْن عَبَّاس قَالَ قيل يَا رَسُول الله أَي جلسائنا خير قَالَ من
ذكركُمْ الله رُؤْيَتِه وَزَاد فِي علمكُم مَنْطِقه وذكر كم بِالآخِرَة عمله رَوَاهُ أَبُو یعلی
وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيحِ إِلَّ مبارك بن حسان(٢).
(١) مدارج السالكين (٣/ ٢٤٤ - ٢٤٨) باختصار.
(٢) أخرجه عبد بن حميد (٦٣١)، وابن أبى الدنيا في الأولياء (٢٥)، وأبو يعلى (٢٤٣٧). قال
البوصيرى في اتحاف الخيرة (٣٨٢/٦): هذا إسناد رواته ثقات. وضعفه الألباني في
الضعيفة (٢٨٣٠)، وضعيف الترغيب (٧٩).

١٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الترغيب في إكرام العلماء وإجلالهم وتوقيرهم
والترهيب من إضاعتهم وعدم المبالاة بهم
١٦٤ - عَن جَابر رَّهُ أَن النَّبِي وَلِ كَانَ يجمع بين الرجلَيْن من قَتْلَى أحد
يَعْنِي فِي الْقَبْرِ ثُمَّيَقُول أَيهمَا أَكثر أخذا لِلْقُرْآنِ فَإِذا أُشير إِلَى أَحدهمَا قدمه فِي
اللَّحْدِ رَوَاهُ الْبُخَارِيّ(١).
قوله: عن جابر، حيث أطلق جابرًا فالمراد: جابر بن عبد الله، وحيث
أرادوا جابر بن سمرة، قيدوه بسمرة.
قوله: ((أن النبي ◌َّ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد، يعني في القبر))
الحديث رواه البخاري في صحيحه، ورواه الترمذي بنحوه، وصححه، ولفظ
النسائي: عن هشام بن عامر الأنصاري قال: شكونا إلى رسول الله وَ خلال يوم
أحد، فقلنا: يا رسول الله الحفر علينا لكل إنسان شديد، فقال: ((احفروا
وأعمقوا وأحسنوا وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد))، قالوا: فمن نقدم يا
رسول الله؟ قال: ((قدموا أكثركم قرآنًا)» وكان أبي ثالث ثلاثة في قبر(٢).
(١) أخرجه البخارى (١٣٤٣) و(١٣٤٧) و(١٣٥٣) و(٤٠٧٩)، وابن ماجه (١٥١٤)، وأبو
داود (٣١٣٨)، والترمذى (١٠٣٦)، والنسائى في المجتبى ١٠٠/٤ (١٩٧١).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٢١٥ و٣٢١٦ و٣٢١٧)، والترمذى (١٧١٣)، والنسائى في المجتبى
١٤٣/٤ (٢٠٢٨) و١٤٥/٤ (٢٠٢٩) و١٤٧/٤ (٢٠٣٣) و(٢٠٣٤) و١٤٨/٤
(٢٠٣٥) و(٢٠٣٦) والكبرى (٢١٤٨ و٢١٤٩) و(٢١٥٣-٢١٥٦)، والطبراني في الكبير
=

١٣
كتاب العلم
وهشام هذا: هو هشام بن عامر بن أمية بن النجار بن مالك بن عامر بن
غنم بن مالك بن النجار النجاري والد سعد بن هشام، له ولأبيه صحبة، قيل:
كان اسمه في الجاهلية شهابًا فسماه النبي ◌َّ هشاما، واستشهد يوم أحد،
وسكن البصرة، ومات بها، له في الكتب الستة هذا الحديث(١).
وأما الأربعة أمر النبي وقال له يوم أحد أن يجمع الاثنان والثلاثة في قبر واحد،
وفي رواية ((في ثوب واحد)) وكلاهما صحيح، لأنه ضاقت عليهم الثياب
ففعلوا ذلك فيها، وفي القبر كما جاء مصرحا به، وذلك جائز للضرورة ككثرة
القتلى والموتى بطاعون أو هدم أو غرق أو القحط أو الوباء، وبالناس ضعف
بسبب القحط أو شغل الحرب وعز إفراد كل ميت بقبر أو لم يوجد إلا كفن
واحد فلا يحرم على الأصح (٢)، وأما عند عدم الضرورة فقال الرافعي: إنه لا
يستحب(٣)، وقال غيره: إنه ممنوع، وصرح في شرح. [١١٢/ أ] المهذب:
بتحريمه ولو بعد حين ما بقي من الأول شيء (٤)، نعم إن نبش فرأى العظام
=
(١٧٢/٢٢ رقم ٤٤٧). وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في
المشكاة (١٧٠٣)، الإرواء (٧٤٣).
(١) أسد الغابة (٣٧٧/٥ ترجمة ٥٣٧٩)، وتهذيب الكمال (٢١٢/٣٠ - ٢١٤ الترجمة
٦٥٨٠).
(٢) انظر العزيز شرح الوجيز (٤٥٤/٢)، وروضة الطالبين (١٣٨/٢)، وكفاية النبيه
(١٥٣/٥)، وتحفة المحتاج (١٧٤/٣).
(٣) العزيز شرح الوجيز (٤٥٤/٢).
(٤) المجموع (٢٨٤/٥).

١٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
جعلها ناحية، ويدفن معها، نص عليه الشافعي رحمه الله(١)، ولا فرق بين
الرجلين والمرأتين والرجل والمرأة للضرورة، وقال ابن الصباغ: إذا كان
بينهما زوجية أو محرمية فلا منع، ويجعل بين الرجال والنساء حاجز من
تراب، وكذا بين الرجلين والمرأتين على الصحيح(٢).
قال النووي رحمه الله(٣): الذي تحرر أنها ثلاث مسائل، إحداها: ابتداء
دفن الاثنين من نوع كرجلين أو امرأتين فيكره بلا ضرورة، الثانية: ابتداء دفن
رجل وامرأة والذي يظهر فيها التحريم في غير المحارم، والسيد والزوج،
الثالثة: نبش ميت ليدفن معه آخر، فهذا حرام ما لم يَبْل جميع الأول بقول
أهل الخبرة، فإن حفره فوجد فيه العظام طمه ولم يتم حفره، فإن رآها بعد
إتمام الحفر جعلها في جنب القبر ودفن الميت معها، انتهى.
فرع: لو اجتمع رجل وصبي وخنثى وامرأة قدم إلى القبلة الرجل ثم
الصبي ثم الخنثى ثم المرأة كما في الصلاة(٤).
فرع آخر: قال النووي(٥): وأما الفساقى في التي تعمل هذا الزمان لجمع
الموتى، ففيه: إدخال ميت على ميت وهو حرام لما فيه من الهتك الول وظهور
(١) المصدر السابق.
(٢) النجم الوهاج (٣/ ٨٢).
(٣) النجم الوهاج (٨١/٣-٨٢).
(٤) المجموع شرح المهذب (٢٨٤/٥).
(٥) النجم الوهاج (٨٢/٣).

١٥
كتاب العلم
رائحته، فيجب إنكار ذلك في الاكتفاء به في الدفن نظرٌ من وجهين، أحدهما:
على هيئة الدفن المفهوم شرعًا، والثاني: أنها ليست معدة لكتم الرائحة، انتهى.
قوله: ((من قتلى أحد)) غزوة أحد كانت في السنة الثالثة من الهجرة، روى
أنه وَل غزا ستة وثلاثين غزوة، ثمانية عشر منها خرج بنفسه، وثمانية عشر
بعص سرية ولم يخرج بنفسه، وروى في بعض الأخبار أنه غزى أربعين
غزوة، وروى أكثر من ذلك، فمنها: غزوة أحد، وذلك أن قريشًا لما رجعوا
من بدر جمعوا جمعًا كبيرًا في السنة الثانية وخرجوا إلى المدينة وكان القتال
عند أحد وكانت الهزيمة على الكفار، وقتل من المسلمين يومئذ سبعون
رجلًا وجرح كثير منهم وانهزم الباقون ثم صرف الله عنهم الكفار فرجعوا
فذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اٌللَّهُ وَعْدَهُرٌ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ
عَنْهُمْ﴾(١) أي: رجع الأمر عليكم، انتهى، قاله السمرقندي في كتابه بستان
العارفين(٢). قال في شرح السنة(٣): السنة في الشهيد أن تنزع عنه الفراء
والجلود والخفاف والأسلحة، ويدفن بما عليه من ثياب الحرب، وقال أبو
حنيفة ومالك: لا ينزع شيء من الثياب التي قتل فيها فإن لم يكن له ثوب
سابغ وجب تتميمه لقصة مصعب بن عمير، وسيأتي ذلك في الزهد في الدنيا،
وإذا استشهد الجنب فالأصح أنه لا يغسل عن الجنابة، وكذلك منقطعة
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٥٢.
(٢) بستان العارفين (١/ ٤٢٢-٤٢٣).
(٣) شرح السنة (٥/ ٣٦٦).

١٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الحيض قبل الاغتسال لا تغسل أيضًا على الصحيح، وهذا الحديث صريح
في الشهيد أنه لا يغسل ولا يصلى عليه، وبهذا قال مالك والشافعي وأحمد
والجمهور، والأصح أنه حرام، وفرق أبو حنيفة بين الغسل والصلاة
فأثبت الصلاة [١١٢/ ب] وأسقط الغسل، واستدل الجمهور بأن الشهيد
حي بنص القرآن.
وقال الشافعي: جاءت الأحاديث من وجوه متواترة أن النبي صلى الله
عليه وسلم لم يصل عليهم، ولم يصح حديث يخالف ذلك، وقال المزني:
يصلى على الشهيد ولا يغسل كما قال أبو حنيفة لأنه روي أنه وقال صلى على
حمزة وهو قول الثوري وأصحابه في الرأي وإسحاق، وقال الحسن وابن
المسيب يغسل ويصلى عليه لأن كل ميت يجنب، وإنما لم يغسل شهداء
أحد لكثرتهم والشغل عن ذلك، وقال الأولون: صلاته على حمزة دعاؤه لأن
الصلاة في اللغة الدعاء.
تنبيه: الشهيد الذي تثبت له هذه الأحكام هو المقتول في قتال الكفار
بسبب من أسبابه، والشهداء على ثلاثة أقسام: من قتل في معركة الكفار فهذا
لا يغسل ولا يصلى عليه ويدفن في ثيابه التي قتل فيها، كما تقدم، الثاني:
شهيد في الثواب دون أحكام الدنيا وهو المبطون والمطعون وصاحب الهدم
ومن قتل دون ماله وغيرهم، فهذا يغسل ويصلى وله في الآخرة ثواب
الشهداء، ولا يلزم أن يكون مثل ثواب الأول، والثالث: من غل في الغنيمة
وشبهه بمن وردت الآثار بنفي تسميته شهيدًا، فهذا أيضًا لا يغسل ولا يصلى

١٧
كتاب العلم
عليه وليس له في الاخرة ثواب الشهداء(١)، وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطًا
في الجهاد.
قوله في الحديث: ((ثم يقول: أيهما أكثر أخذا للقرآن فإذا أشير إلى أحدهما
قدمه في اللحد))، أما تقديم الأكثر قرآنا فلفضيلته، والتقديم في شيئين في اللحد
قبل غيره وإلى جهة القبلة، قال العلماء: يقدم الأسن الأقرأ إلى القبلة لهذا
الحديث، وهذا إذا لم يكن أحدهما أب الآخر، وإن كان الابن أفضل فإن كان
قدم مطلقا، وكذا تقدم الأم على البنت والابن يقدم على الأم المذكورة،
ويظهر أن الخنثى كذكر مع أنثى(٢).
فرع: لو اجتمع رجل وصبي وخنثى وامرأة، قدم إلى القبلة الرجل ثم
الصبي ثم الخنثى ثم المرأة كما في الصلاة (٣).
وفي هذا الحديث فضيلة قراءة القرآن وعظيم ما أوتوه إذا كانوا عاملين به،
وفيه: استخبار الحاكم عن الفضلاء ورفعهم إلى مراتبهم وقبول من يثق به في
تعريف أحوالهم وإن من كان أقرأ كان أفضل لفضل علمه وعمله، وفيه:
الحث على تعليمه وأن لا يغفلوه لإكرام الله أهله في الحياة والممات (٤).
(١) انظر شرح السنة (٣٦٦/٥-٣٦٧)، وروضة الطالبين (١١٨/٢ - ١٢٠)، والمجموع
(٢٦٠/٥-٢٦٧)، والنجم الوهاج (٦٨/٣-٧٥).
(٢) كفاية النبيه (١٥٣/٥).
(٣) المجموع (٢٨٤/٥)، وكفاية النبيه (١٥٣/٥).
(٤) انظر شرح صحيح البخارى لابن بطال (٣٣٤/٣).

١٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: فإذا أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد، أراد بالإشارة هنا العبارة فلا
يجوز أن يخاطب النبي ◌َلو قوما فيجيبونه بالإشارة دون العبارة، انتهى.
قوله وَّه في آخر الحديث: ((أنا شهيد على هؤلاء)) أي: بقتلهم في سبيل
الله، أي: شهد لهم بأنهم بذلوا أرواحهم لله تعالى ففيه رفعة شأنهم يأن يكون
شاهدهم سيد الأولين والآخرين(١)، انتهى.
١٦٥ - وَعَن أبي مُوسَى رَّالَّهُ أَن رَسُول الله ◌َِّ قَالَ إِن من إجلال الله إكرام
ذِي الشيبة الْمُسلم وحامل الْقُرْآن غير الغالي فِيهِ وَلَا الجافي عَنْهُ وإكرام ذِي
السُّلْطَانِ المقسط. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد(٢).
قوله: عن أبي موسى الأشعري، تقدم.
قوله وَّه: ((إِن من إجلال الله إكرام ذِي الشيبة الْمُسلم وحامل الْقُرْآن غير
الغالي فِيهِ وَلَا الجافي عَنْهُ)) الحديث، إكرام ذي الشيبة هو: الشيخ المسلم
وحامل القرآن.
قال ابن عبد البر (٣): حملة القرآن هم العالمون بأحكامه وحلاله وحرامه
والعاملون بما فيه. قال [١١٣ / أ] الإمام أبو عبد الله القرطبي: ما أحسن هذا،
وهذا هو الكمال (٤).
(١) المفاتيح (٤٣٩/٢).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٨٤٣). وحسنه الألباني في المشكاة (٤٩٧٢) وصحيح الترغيب (٩٨).
(٣) التمهيد (١٧ / ٤٣٠).
(٤) التذكار (ص ١٤٨).

١٩
كتاب العلم
قال الغزالي في الإحياء في أواخر الباب الأول من كتاب تلاوة القرآن(١): عن
الفضيل بن عياض: حامل القرآن حامل راية الإسلام لا ينبغي أن يلهو مع من
يلهو أو لا يسهو مع من يسهو ولا يلغو مع من يلغو تعظيما لحق القرآن، انتهى.
قال أبو عمر: روى أنس أن النبي وَلّه قال: ((القرآن أفضل من كل شيء،
فمن وقر القرآن فقد وقر الله، ومن استخف بالقرآن فقد استخف بحق الله
تعالى، حملة القرآن هم المحفوفون برحمة الله تعالى المعظمون كلام الله
الملبسون نور الله فمن والاهم فقد والى الله ومن عاداهم فقد استخف بحق
الله عز وجل)) (٢)، وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال: سمعت رسول الله
وَالّ يقول: ((أكرموا حملة القرآن فمن أكرمهم فقد أكرمني ومن أكرمني فقد
أكرم الله عز وجل إن الله لينصت للقرآن ويستمع من أهله ألا ولا تنقصوا
حملة القرآن حقوقهم فإنهم من الله بمكان، كاد حملة القرآن أن يكونوا أنبياء
إلا أنه لا يوحى إليهم التالي والمستمع آية من كتاب الله عز وجل خير مما
دون العرش إلى السماء السابعة السفلى التالي والسامع من كتاب الله خير من
صبير ذهبا، قيل: يا رسول الله وما صبير؟ قال: يعني مثل أحد في الميزان))(٣)،
(١) إحياء علوم الدين (١ / ٢٧٤).
(٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٨٩/١٧). وفيه على بن الحسن السامى: واهٍ جدًّا
جدًّا متهم. وذكره السيوطى في الزيادات على الموضوعات (ص ١٠٣ - ١٠٤).
(٣) أخرجه الديلمى كما في الغرائب الملتقطة (١٠٠). وقال: إنه غريب جدًّا من رواية الأكابر
عن الأصاغر وقال السخاوى في المقاصد الحسنة (ص ١٤٣): وفيه من لا يعرف
وأحسبه غير صحيح. وقال الألباني في الضعيفة (٢٦٧٩): منكر.

٢٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
خرجه الوائلي في كتاب الإبانة (١)، وقال: حديث غريب، قاله القرطبي في
تذکاره(٢).
قوله وَله: ((غير الغالي فيه)) الغالي فيه: المتجاوز فيه عن الحد، وقيل: هو
الذي يقول في القرآن برأى من عند نفسه، قال الله تعالى: ﴿ يَأهْلَ اُلْكِتَبِ
لَا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ﴾(٣) أي: لا تتجاوزوا الحد في الدين الذي أنتم مطلوبون
به (٤)، فالغلو: التجاوز عن الحد والقرب، والغالي: المتجاوز في أمر الدين
عامله وبين، ومنه الحديث، وحامل القرآن غير الغالي فيه إنما قال ذلك لأن
من أخلاقه وآدابه التي أمر الله بها القصد في الأمور، وخير الأمور أوساطها
وكلا طرفي قصد الأمور ذميم، وأصل الغلو: الارتفاع ومجاوزة القدر في كل
شيء(6)، انتھی.
وقال ابن قيم الجوزية: الغلو مجاوزة الحد والغلو والتقصير كل واحد
مذموم في الدين، فالغلو مجاوزته وتعديه وما أمر الله تعالى بأمر إلا وللشيطان
(١) هو الإمام العالم الحافظ المجود شيخ السنة، أبو نصر ؛ عبيد الله بن سعيد بن حاتم بن
أحمد، الوائلي البكري السجستاني، شيخ الحرم، ومصنف الإبانة الكبرى في أن القرآن غير
مخلوق، وهو مجلد كبير دال على سعة علم الرجل بفن الأثر. سير أعلام النبلاء
(٦٥٤/١٧).
(٢) التذكار (ص ١٤٨ - ١٤٩).
(٣) سورة النساء، الآية: ١٧١.
(٤) تفسير الثعالبى (٢/ ٣٣١).
(٥) النهاية (٣٨٢/٣).