النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
كتاب صفة الجنة والنار
إذا كبر ولم يشمط إنه لمخلد وإذا لم تذهب أسنانه من الكبر قيل هو مخلد.
وقال آخرون: مقرطون مسورون في آذانهم [القرط] وفي أيديهم الأساور،
وهذا اختيار ابن الأعرابي. وقال ابن عباس: غلمان لا يموتون، وقول
ترجمان القرآن في هذا كاف، وهذا مع قول مجاهد والكلبي ومقاتل، قالوا: لا
يكبرون ولا يهرمون ولا يتغيرون. وقد جمعت طائفة بين القولين: [و]قالوا
هم ولدان لا يعرض لهم الكبر والهرم وفي آذانهم القرطة. قال الله تعالى:
﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ تُخُلَُّونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا ﴾﴾(١
وشبههم سبحانه باللؤلؤ المنثور لما فيه من البياض وحسن الخلقة، [وفي
كونه منشورًا فائدتان، إحداهما: الدلالة على أنهم غير معطلين بل مبثوثون في
خدمتهم] وحوائجهم، والثاني أن اللؤلؤ إذا كان منثورا ولا سيما على بساط
من الذهب أو سرير كان أحسن لمنظره وأبهى من كونه مجموعا في مكان
واحد، وقد اختلف في هؤلاء الولدان هل هم من ولدان الدنيا أم أنشأهم الله
تعالى في الجنة على قولين: فقال علي بن أبي طالب والحسن البصري هم
أولاد المسلمين الذين يموتون ولا حسنة لهم ولا سيئة يكونون خدام أهل
الجنة وولدانهم إذ الجنة لا ولادة فيها. [و]قال الحاكم (٢): أخبرنا عبد
الرحمن عن الحسن في قوله: ﴿وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ قال لم تكن لهم حسنات
فيجيزون بها ولا سيئات فيعاقبون عليها فوضعوا بهذا الموضع ومن أصحاب
(١) سورة الإنسان، الآية: ١٩.
(٢) كذا وهو غلط إنما هو كتاب التفسير لمجاهد.

١٤٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
هذا القول من قال هم أطفال المشركين يجعلهم الله خدما لأهل الجنة [قال:
وأصحاب القول الأول لا يقولون أن هؤلاء أولاد ولدوا لأهل الجنة](١) فيها
وإنما يقولون هم غلمان أنشأهم الله في الجنة إنشاء كما أنشأ الحور العين،
قالوا: وأما ولدان أهل الدنيا فيكونون يوم القيامة فيكونون أبناء ثلاث وثلاثين
سنة للحديث من مات من أهل الجنة من صغير أو كبير إلا بعث ابن ثلاث
وثلاثين سنة، الحديث. والأشبه أن هؤلاء الولدان مخلوقون من الجنة كالحور
العين خدما لهم وغلمانا كما قال تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ
لُؤْلٌُ مَّكْنُونٌ ﴾﴾(٢) وهؤلاء غير أولادهم فإن من تمام كرامة الله لهم أن يجعل
أبناءهم مخدومين (١٤٨/ ب) معهم لا يجعلهم غلمانا لهم. وفي الحديث:
يطوف على المؤمن ألف خادم كأنهم لؤلؤ مكنون، والمكنون المستور المصون
الذي لم تتبدّ له الأيدي والله أعلم. قاله في حادي الأرواح(٢).
قوله: ((وبيد كل وليد منهم حكمة برذون)) الحَكمَة هي ما يقاد به الدابة
كاللجام ونحوه. قاله الحافظ. قوله: ((وسرجها سرر موضونة)) السرر جمع
سرير، قال الله تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ ﴾﴾(٤) أي منسوجة بالجواهر
ومنه وضين الناقة وهو كالحزام للسرج والله أعلم. قوله: ((وإذا على باب كل
(١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٢) سورة الطور، الآية: ٢٤.
(٣) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ٢١٦)
(٤) سورة الواقعة، الآية: ١٥.

١٤٣
كتاب صفة الجنة والنار
قصر من تلك القصور أربع جنان جنتان ذواتا أفنان)) أي أغصان. قوله:
((وجنتان مدهامتان)) أي خضروات من الري حتى تغيرت خضرتها إلى سواد
قليل، وقال بعضهم: الدهمة: عند العرب السواد، وإنما قيل للجنة مدهامة
لشدة خضرتها، يقال: اسودت الخضرة إذا اشتدت، فهذه أربع جنان وقد قال
الله تعالى: ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾﴾(١) وقد اختلف في قوله: ﴿وَمِن دُونِهِمَا
جَنَّتَانِ ﴾﴾ هل المراد به أنهما فوقهما أو تحتهما على قولين فقالت طائفة
من دونهما أي أقرب منهما إلى العرش فيكونان فوقهما وقالت طائفة بل
معنى من دونهما تحتهما. قالوا وهذا المنقول في لغة العرب. قوله: ﴿عَطَآءً
غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (٢) المجذوذ هو المقطوع. قوله: ((ليس فيه تنغيص ولا تصرید))
التصريد التقليل كأنه قال عطاء ليس بمقطوع ولا مُنغّص ولا مقلل. رواه ابن
أبي الدنيا وأبو نعيم هكذا معضلا ورفعه منكر. قال شيخ الإسلام الشهير بابن
حجر ليس هو بمعضل بل هو حديث مرسل لأن أبا جعفر تابعي، اهـ.
والمعضل ما سقط من رواته راويان أو أكثر.
٥٧٤٢ - وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة ◌َّ لَّهُ قَالَ إِن أهلِ الْجِنَّة لَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا
يَمْتَخِطُونَ وَلَا يمنون إِنَّمَا نعيمهم الَّذِي هم فِيهِ مسك يتحدر من جُلُودهمْ
كالجمان وعَلى أَبْوَابهم كُثْبَان من مسك يزورون الله جلّ وَعلا فِي الْجُمُعَة
مَرَّتَّيْنِ فَيَجْلِسُونَ على كراسي من ذهب مكللة بِاللُّؤْلُؤِ والياقوت والزبرجد
(١) سورة الرحمن الآية: ٦٢.
(٢) سورة هود، الآية: ١٠٨.

١٤٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ينظرُونَ إِلَى الله عز وجل وَينظر إِلَيْهِمْ فَإِذا قَامُوا انْقَلب أحدهم إِلَى الغرفة من
غرفَة لَهَا سَبْعُونَ بَابا مكللة بالياقوت والزبرجد. رواه ابن أبي الدنيا (١).
موقوفا. [الجمان] الدر.
قوله: ((وروي عن أبي أمامة)) هو الباهلي تقدم الكلام على مناقبه. قوله مَالجينات:
((إنما نعيم أهل الجنة الذي هم فيه مسك ينحدر من جلودهم كالجمان))
الحديث. الجمان الدر، اهـ. قاله الحافظ، وكذا قال في المجمل الجمان الدر.
وقال بعض العلماء الجمان بضم الجيم وتخفيف الميم جمع الجمانة وهي
حبات مدحرجة أمثال اللؤلؤ تعمل من الفضة وغيرها تصنع على هيئة اللؤلؤ
الكبار. وقيل: الجمان هو اللؤلؤ الصغار، اهـ، قاله ابن الأثير في النهاية (٢) وغيره.
[قوله: رواه ابن أبي الدنيا موقوفا، الحديث. الموقوف تقدم الكلام عليه
في مواضع من هذا التعليق](٣). وقال ابن دريد: وقد سموا الدر جمانا وهو
بتخفيف المیم. وفي حديث عیسی ینحدر منه جمان کاللؤلؤ؛ يريد بذلك ما
ینحدر من رأسه.
(١) ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٩٩)، وضعفه جداً الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب
(٢٢٤٣).
(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣٠١).
(٣) حصل تأخير لهذه الجملة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد تمام الجملة التي بعدها، أي
بعد قوله: (یرید بذلك ما ینحدر من رأسه).

١٤٥
كتاب صفة الجنة والنار
فصل في نظر أهل الجنة إلى ربهم تبارك وتعالى
٥٧٤٣ - عَن أبي هُرَيْرَة رَِّنَّهُ أَن نَاسا قَالُوا يَا رَسُول الله هَل نرى رَبنَا يَوْم
الْقِيَامَةِ فَقَالَ رَسُول الله وَِّ هَل تَضَارونَ فِي رُؤْيَة الْقَمَرِ لَيْلَة الْبَدْرِ قَالُوا لَا يَا
رَسُول الله قَالَ هَل تضَارونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دونهَا سَحَاب قَالُوا لَا قَالَ فَإِنَّكُم
تَرَوْنَهُ كَذَا. فذكر الحديث بطوله رواه البخاري ومسلم (١).
قوله: ((عن أبي هريرة)) تقدم الكلام على مناقبه. قوله: ((إن ناسا قالوا يا
رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله وَله: هل تضارون في
رؤية القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: تضارون في رؤية الشمس
لیس دونها سحاب؟ قالوا: لا. قال: فإنكم ترونه کذلك)) الحديث. روي
تضارون بتشديد الراء وبتخفيفها والتاء مضمومة فيهما ومعنى المشددة لا
تتخالفون وتتجادلون في صحة النظر إليه لوضوحه وظهوره. يقال ضارّه
يضارّه مثل ضرّه يضره وأراد بالمضارة الاجتماع والازدحام عند النظر إليه،
قاله في النهاية (٢). ومعنى المخففة هل يلحقكم في رؤيته ضير وهو الضرر،
والمعنى فيه كالأول. وروي تضارون بفتح التاء وتشديد الراء وأصله
تتضارون فحذفت إحدى التاءين أي لا تتجادلون (١٤٩/ أ) في صحة النظر
إليه لظهوره.
(١) أخرجه البخاري (٦٥٧٣)، ومسلم (٢٩٩) (١٨٢).
(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٨٢/٣).

١٤٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: ((في رؤية القمر ليلة البدر)) وسميت ليلة أربعة عشر بدرا لمبادرته
الشمس بالطلوع كأنه تعجّلها المغيب. [ويقال](١) سمي بدرالتمامه وامتلائه
وكل شيء تمّ فهو بدر. وروي في حديث آخر هل تضارون في [رؤية] الشمس
في الظهيرة؟ والظهيرة اشتداد الحر. وقد روي: لا تضامون، بتشديد الميم
وبتخفيفها فمن شددها فتح التاء أول الكلمة ومن خففها ضم التاء من
المضامة وهي الازدحام أي لا تزدحمون عند رؤيته سبحانه وتعالى إلا كما
تزدحمون عند رؤية الأهلة ومعناه هل يلحقكم ضيم وهو المشقة والتعب في
الرؤية من الضيم الذي هو الذل لا يذل بعضكم بعضا بالمزاحمة والمنافسة
والمنازعة ومعنى المشددة هل تتضامون وتتلطفون في التوصل إلى رؤيته
[والمعنى أن أهل الجنة إذا امتن الله سبحانه وتعالى عليهم برؤيته](٢) تجلى
لهم ظاهرا بحيث لا يحجب بعضهم بعضا ولا يضره ولا يزاحمه وبلا
يجادله كما يفعل عند الأهلة بل كالحال عند رؤية الشمس والقمر ليلة تمامه.
قوله: ((فإنكم ترونه كذلك)) أي ترون الله رؤية لا شك فيها، هذا تشبيه للرؤية
وبحال الرائي لا المرئي لأن الله سبحانه وتعالى لا يحاط به وليس كمثله
شيء ولا يشبهه شيء سبحانه وتعالى. [والرؤية مختصة بالمؤمنين وفي
الحديث أن رؤية الله تعالى ممكنة وأنه ستقع في الآخرة للمؤمنين كما هو
مذهب الجماعة وأما الكفار فلا يرونه سبحانه وتعالى. وقيل يراه منافقوا هذه
(١) هكذا في الأصل ولعله الصواب، وفي النسخة الهندية: (ويقول).
(٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

١٤٧
كتاب صفة الجنة والنار
الأمة وهو ضعيف، والصحيح الذي عليه جمهور أهل السنة أن المنافقين لا
يرونه كما لا يراه باقي الكفار باتفاق العلماء](١). [لا تضامون أو لا تضاهون
على الشك، ومعناه لا يشتبه عليكم وترتابون فيه بتعارض بعضكم بعضا في
رؤيته، وفي رواية أنكم ستعرضون على ربكم فترونه كما ترون هذا القمر أي
ترونه رؤية محققة [لا شك فيها ولا مشقة كما ترون هذا القمر رؤية
محققة](٢) بلا مشقة فهو تشبيه للرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي](٣). [وفي
رواية للبخاري]: ((لا تضامون)).
قال الخطابي (٤): هو من الانضمام يريد أنكم لا تختلفون في رؤيته حتى
تجتمعوا للنظر [وينظم] بعضكم إلى بعض فيقول واحد هو ذلك ويقول
الآخر ليس ذلك على ما جرت به عادة الناس عند النظر إلى الهلال أول ليلة
من الشهر والله أعلم.
٥٧٤٤ - وَعَنْ صُهَيْب ◌َّ ◌َهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله وَّةِ: إِذا دخل أهل الجنَّة
الْجِنَّة يَقُول الله عز وَجل تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدِكُمْ فَيَقُولُونَ ألم تبيض وُجُوهَا ألم
تُدْخِلنَا الْجِنَّة وتنجنا من النَّارِ قَالَ فَيَكْشِف الْحجاب فَمَا أعْطُوا شَيْئًا أحب
(١) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (ويقول الآخر ليس ذلك
على ما جرت به عادة الناس عند النظر إلى الهلال أول ليلة من الشهر والله أعلم).
(٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٣) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (رؤية محققة بلا مشقة
فهو تشبيه للرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي).
(٤) معالم السنن (٣٢٩/٤) انظر: مشارق الأنوار على صحاح الآثار (٥٩/٢).

١٤٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
إِلَيْهِم من النّظر إِلَى رَبهم ثمَّ تَلاهَذِه الْآيَة ﴿لَلَّذِينَ أُحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾
رواه مسلم(١) والترمذي (٢) والنسائي(٣).
•
قوله: ((وعن صهيب)) هو الرومي تقدم الكلام عليه. قوله وَخالد: ((إذا دخل
أهل الجنة الجنة يقول الله عز وجل: تريدون شيئا أزيدكم)) فذكر الحديث إلى
أن قال: ((فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم))
الحديث. الحجاب أصله الستر الحائل بين الرائي والمرئي فلا [يراه] وهو
هاهنا راجع إلى منع الأبصار من إدراكه بالرؤية فقام ذلك المنع مقام الستر
الحائل فعبر عنه به إذ هو المقدس عن الجهة والنهاية والقدر والحد المنزه
عن أن يحيط به شيء أو يحول [بينه] حجاب، اهـ. قاله عياض(٤). فكشف
الحجاب معناه أنه يرفع الموانع من الإدراك عن أبصارهم حتى يروه على ما
هو عليه من نعوت العظمة والجلال والبهاء والجمال والرفعة والكمال لا إله
إلا هو سبحانه وتعالى عما يقول الزائغون والمبطلون (١٤٩/ ب) فذكر
الحجاب إنما هو في حق الخلق لا في حق الخالق فهم المحجوبون والباري
جل اسمه وتقدست أسماؤه منزه عما يحجبه إذ الحجب إنما يحيط بمقدّر
(١) صحيح مسلم (٢٩٧ - ١٨١).
(٢) سنن الترمذي (٢٥٥٢)، وقال: هذا حديث إنما أسنده حماد بن سلمة ورفعه. وروى
سليمان بن المغيرة، وحماد بن زيد، هذا الحديث عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن
أبي ليلى، قوله.
(٣) السنن الكبرى للنسائي (٧٧١٨)، (١١١٧٠).
(٤) انظر: مطالع الأنوار على صحاح الآثار (٢/ ٢٣٣).

١٤٩
كتاب صفة الجنة والنار
محسوس وذلك من نعوتنا ولكن حجبه عن أبصار خلقه وبصائرهم
وإدراكاتهم بما شاء وكيف شاء، اهـ ذكره القرطبي(١).
سؤال: إن قيل لم جعل الله الخلق في حجاب من نفسه. قلنا لوجوه أحدها
لزيادة المحبة كما قيل سرور الأوبة على قدر طول الغربة. والثاني الزيادة
المحبة. والثالث: لزيادة](٢) الهيبة. والرابع: ليكون فضلا للمستدلين على
غيرهم. والخامس: لو كشف عنهم الحجاب حتى يشاهدوه في الدنيا
لاشتغلوا بالنظر إلى جماله عن أنفسهم وعمارة الدنيا، ألا ترى أن امرأة
العزيز أعطت النسوة كل واحدة منهن سكينا وأترجا وأمرتهن أن يقطعن
الأترج وقالت ليوسف عليه الصلاة والسلام اخرج عليهن فلما رأينه دهشن
من حسنه وغبن عن حواسهن حتى قطعن أيديهن بالسكاكين ولم يعرفن
بالألم، إذا كان هذا حصل لهن بنظرهن إلى جمال مخلوق فما ظنك بما
يحصل بالنظر إلى جمال الخالق. واعلم أن الله تعالى ليس بمحجوب لأنه لو
حجبه شيء لستره وهو تعالى ليس في جهة ولا مكان وإنما المحجوب أنت،
انتھی ذکره النعيمي.
قوله ◌َخله في الحديث: فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم.
اعلم أن أعلى نعيم المتنعمين في الجنة شيئان زيارتهم ربهم تعالى ونظرهم
إليه سبحانه وتعالى. قوله: ((ثم تلى رسول الله وَل هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ
(١) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ١٠١٢).
(٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

١٥٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
اْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾(١)) أي للذين أحسنوا العمل في الدنيا الحسنى وهي الجنة
وزيادة وهي النظر إلى وجه الله الكريم، هذا قول جماعة من الصحابة منهم
أبو بكر الصديق وحذيفة وأبو موسى وعبادة بن الصامت وهو قول الحسن
وعكرمة وعطاء ومقاتل والضحاك والسدّي قاله البغوي.
لطيفة: جمع الله تعالى لأولياءه بين النعيمين في قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ
اُلْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ فالحسنى الجنة والزيادة رؤية وجهه الكريم. وجمع لأهله
بين العذابين في قوله: ﴿كَلَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَبِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ﴾ ثُمَّ إِنَّهُمْ
لَصَالُواْ الْجَحِيمِ ﴾﴾(٢)، اهـ.
سؤال: لم سمى الله تعالى الرؤية إليه زيادة في قوله تعالى ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ
اْخُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾؟ في قوله تعالى: ﴿لَّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْخُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾
والمراد أحسنوا بقولهم: لا إله إلا الله، والحسنى الجنة والزيادة النظر إلى
وجهه الكريم والنظر إلى وجهه أكبر من الجنة والزيادة في الدنيا تكون أقل
من رأس المال. قيل: المراد بالزيادة في الآية الكريم الزيادة على الموعود
والموعود الجنة والزيادة أكبر والرضوان من الله أكبر والنظر إلى وجهه
الكريم أكبر.
سؤال آخر: لم أعطى الله تعالى الجنة في مقابلة الأعمال وأعطى النظر إلى
وجهه الكريم زيادة ولم يجعله في ثواب العمل فقال تعالى: ﴿لَلَّذِينَ أَحْسَنُواْ
(١) سورة يونس، الآية: ٢٦.
(٢) سورة المطففين، الآية: ١٥- ١٦.

١٥١
كتاب صفة الجنة والنار
الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ والحسنى الجنة والنظر إلى وجهه الكريم الزيادة. قيل: لأن
هذه الزيادة عظيمة ليس من الأعمال شيء يكون في مقابلتها لأنها أفضل من
الجنة. اهـ.
٥٧٤٥ - وَعَن أبي مُوسَى رَهُ أَن رَسُول الله ◌َِّ قَالَ إِن فِي الْجَنَّة خيمة
من لؤلؤة مجوفة عرضهَا سِتُونَ ميلًا فِي كل زَاوِيَة مِنْهَا أهل مَا يَرَوْنَ الآخرين
يطوف عَلَيْهِم الْمُؤمن وجنتان من فضَّة آنيتهما وَمَا فيهمَا وجنتان من ذهب
آنيتهما وَمَا فيهمَا وَمَا بَيْنِ الْقَوْمِ وَبَيْن أَن يَنْظُرُوا إِلَى رَبهم إِلَّا رِدَاء الْكِبْرِيَاء
على وَجهه فِي جنَّات عدن. رواه البخاري واللفظ له ومسلم والترمذي (١).
قوله: ((وعن أبي موسى)) اسمه عبد الله بن قيس الأشعري تقدم الكلام
على مناقبه.
قوله وَّة: ((إن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة)) يعني خالية الداخل غير
مصمَتة كما تقدم. عرضها ستون ميلا. الحديث. تقدم الكلام على (١٥٠ / أ)
الخيمة واشتقاقها وعلى الميل.
قوله ◌َّ: ((في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين يطوف عليهم المؤمن))
تقدم الكلام على الأهل وأنهم الزوجات من الحور العين. والزاوية الجانب
والناحية يعني لسعته وبعد أقطاره.
قوله يقالله: «وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما
فيهما)) الحديث، ولا شك أن آنية الجنة منها ما هو من ذهب ومنها ما مهو من
(١) أخرجه البخاري (٤٨٧٩)، ومسلم (٢٣ - ٢٨٣٨)، والترمذي (٢٥٢٨).

١٥٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فضة ثم إن هذه الآنية منها ما هو للشراب بأنواعه ومنها ماهو للطعام بأنواعه
وتقدم التنبيه على بعض ذلك في مواضعه وفي نوادر الأصول (١) عن عبد الله
بن قيس عنه وَّة: جنان الفردوس أربع: جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما،
الحديث. هذا تأويل قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانٍ ﴾﴾(٢).
(٢)
وقوله: ((ومن دونهما جنتان)) قوله ◌َّ: ((وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى
ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن)) الرداء هنا مستعار كنى به عن
كبريائه وعظمته بينه الحديث الآخر، الكبرياء رداءي والعظمة إزاري، يريد
صفتي. فقوله: رداء الكبرياء، يريد صفة الكبرياء والعظمة. قال الله تعالى:
﴿وَلِبَاسُ اٌلْتَّقْوَى﴾(٣) والمراد هنا والله أعلم صفته اللازمة [له] المختصة به
التي لا تليق بغيره اختصاص الرداء والإزار بالجسد ولهذا قال في الحديث:
فمن نازعني فيهما قصمته، اهـ. قاله عياض(٤) فهو بكبريائه وعظمته لا يريد
(١) نوادر الأصول في أحاديث الرسول (٤٢٤/١). وأخرجه الطيالسي (٥٢٩)، وأحمد
(١٩٧٣١)، وعبد بن حميد (٥٤٥)، والدارمي (٢٨٢٢) وابن أبي الدنيا في صفة الجنة
(٨٤)، وابن منده في الإيمان (٧٨١)، وأبو نعيم في الحلية ٣١٦/٢-٣١٧، وفي صفة الجنة
(١٤١) و(٤٣٦)، والبيهقي في البعث والنشور (٢٣٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد
(٣٩٨/١٠) رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة
(٣٤٦٥)، وضعيف الجامع الصغير وزيادته (٢٦٣٥).
(٢) سورة الرحمن، الآية: ٤٦.
(٣) سورة الأعراف، الآية: ٢٦.
(٤) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (٢٩/١).

١٥٣
كتاب صفة الجنة والنار
أن يراه أحد من خلقه بعد رؤية القيامة حتى يأذن لهم بدخول جنة عدن فإذا
دخلوها أراد أن يروه فيروه وهم في جنة عدن. قال البيهقي وغيره: معناه
وليست العظمة والكبرياء من جنس الثياب المحسوسة وإنما هي توسعات
ووجه المناسبة أن الرداء والإزار لما كانا ملازمين للإنسان مخصوصين به لا
يشاركه فيهما غيره عبر عن عظمته وكبريائه بهما لأنهما مما لا يجوز مشاركة
الله فيهما ألا ترى آخر الحديث: فمن نازعني واحدا منهما قصمته ثم قذفته في
النار. قاله القرطبي (١).
تنبيه: قال العلماء: كان النبي وَجَلّ يخاطب العرب بما يفهمونه ويقرب
الكلام إلى أفهامهم ويستعمل الاستعارة وغيرها من أنواع المجاز ليقرب
متناولها فعبر ولا عن زوال المانع ورفعه عن الأبصار بإزالة الرداء. وقوله في
جنة عدن أي والناظرون في جنة عدن فهي ظرف للناظر (٢) والله أعلم. فجنة
عدن دار الرحمن [ومقصورته] والفردوس جنان الأنبياء والأولياء بقرب جنة
عدن فعدن كالمدينة وفردوس كالقرى حولها فإذا تجلى لأهل الفردوس رفع
الحجاب ((الحجاب أصلها الستر الحائل بين الرائي والمرئي (٣) كما تقدم))
وهو رداء الكبرياء فينظرون إلى جلاله وجماله فحجابه في جنات عدن رداء
الكبرياء وفي الدنيا النار. قال وَاليقول: ((حجابه النار لو كشفها لأحرقت سبحات
(١) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ١٠١٤).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٦/٣).
(٣) مطالع الأنوار (٢/ ٢٣٣).

١٥٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وجهه كل شيء أدركه بصره)). وهذا لأن أيام الدنيا أيام الملك والسلطان
والربوبية وأيام الآخرة أيام المجد والكرم والبر. فقال: هاهنا حجاب وهناك
رداء الكبرياء. والكبرياء الترفع على الانقياد وذلك لا يستحقه غير الله تعالى
وأهل اللغة يقولون: الكبر والكبرياء والعظمة كذا في الميسر (١). وقيل
الكبرياء عبارة عن كمال الذات وكمال الوجود ولا يوصف بها إلا الله تعالى،
كذا في التحفة (٢). وجنة (١٥٠/ ب) عدن أي دار إقامة [وبقاء] لا [تفنى ولا
تبيد] وأصل العدن الثبوت [والإقامة] من عدن بالمكان عدنا إذا ألزمه ولم
يبرح ومنه سمي المعدن لثبوت ما فيه. وقيل: لإقامة [الناس] عليه
لاستخراجه. قاله عیاض(٣).
(١) المفردات في غريب القرآن (ص ٦٩٨).
(٢) النهاية (٤ /١٤٠).
(٣) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (٢/ ٧٠).

١٥٥
كتاب صفة الجنة والنار
رؤية أهل الجنة ربهم عز وجل
٥٧٤٦ - وَرُوِيَ عَن جَابر بن عبد الله ◌َظْ لَّا قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َّهِ بَينا أهل
الْجِنَّةَ فِي مِجْلِس لَهُم إِذْ سَطَعَ لَهُم نور على بَاب الْجِنَّة فَرفعُوا رؤوسهم فَإِذا
الرب تبارك وَتَعَالَى قد أشرف عَلَيْهِمْ فَقَالَ يَا أهلِ الْجِنَّة سلوني فَقَالُوا نَسْأَلِك
الرِّضَا عَنَّا. قَالَ رضائي أحلكم دَاري وأنالكم كَرَامَتِي وَهَذَا أوانها فسلوني
قَالُوا نَسْأَلِك الزِّيَادَة قَالَ: فيؤتون بنجائب من ياقوت أَحْمَر أزمتها من زمرد
أَخْضَر وَيَاقُوتِ أَحْمَر فيحملون عَلَيْها تضع حوافرها عِنْد مُنْتَهی طرفيها فيأمر
الله عز وَجل بأشجار عَلَيْهَا الثِّمَار فتجيء جوَار من الْحور الْعين وَهن يقلن
نَحن الناعمات فَلَا نبأس ونحن الخالدات فَلَا نموت أَزوَاج قوم مؤمنين کرام
وَيَأْمُر الله عز وجل بكثبان من مسك أبيض أذفر فينثر عَلَيْهِم ريحًا يُقَال لَهَا
المثيرة حَتَّى تَنْتَهِي بهم إِلَى جِنَّة عدن وَهِي قَصَبَة الْجِنَّةِ فَتَقُولِ الْمَلَائِكَة يَا رَبِنَا
قد جَاءَ الْقَوْم فَيَقُول مرْحَبًا بالصادقين مرْحَبًا بالطائعين. قَالَ فَيَكْشِف لَهُم
الْحجاب فَيَنْظُرُونَ إِلَى الله تبارك وَتَعَالَى فيتمتعون بِنور الرَّحْمَنِ حَتَّى لا ينظر
بَعضهم بَعْضًا ثمَّ يَقُول أرجعوهم إِلَى الْقُصُور بالتحف فيرجعون وَقد أَبْصر
بَعضهم بَعْضًا فَقَالَ رَسُول الله وَّةِ فَذَلِك قَوْله ﴿نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾(١).
رواه أبو نعيم والبيهقي واللفظ له وقال: قد مضى في هذا الكتاب يعني في
(١) سورة فصلت، الآية: ٢٣.

١٥٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
کتاب البعث، وفي کتاب الرؤية ما يؤكد ما روي في هذا الخبر انتهى. وهو عند
ابن ماجه وابن أبي الدنيا (١) مُخْتَصر قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّهِ بَيْنا أهل الْجَنَّةِ فِي
نعيمهم إِذْ سَطَعَ لَهُم نور فَرفعُوا رؤوسهم فَإِذا الرب جلّ جَلَاله قد أشرف
عَلَيْهِم من فَوْقهم فَقَالَ السَّلَام عَلَيْكُمْ يَا أهل الْجِنَّة وَهُوَ قَوْله عز وَجل:
﴿سَلَامُ قَوْلًا مِنْ رَّبِّ رَحِيمٍ﴾(٢) فَلَا يلتفتون إِلَى شَيْءٍ مِمَّا هم فِيهِ من النَّعيم
مَا داموا ينظرُونَ إِلَيْهِ حَتَّى يحتجب عَنْهُم وَتبقى فيهم بركته ونوره. هذا لفظ
ابن ماجه والآخر بنحوه.
قوله: ((وروي عن جابر بن عبد الله)) تقدم الكلام على مناقبه. قوله وَ الت:
((بينا أهل الجنة في مجلس لهم إذ سطع لهم نور على باب الجنة فرفعوا
رءوسهم فإذا الرب تبارك وتعالى قد أشرف عليهم فقال يا أهل الجنة سلوني.
فقالوا: نسألك الرضى عنا)). وفي رواية ابن أبي الدنيا: فإذا الرب جل جلاله
قد أشرف عليهم من فوقهم فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة، وهو قوله عز
وجل: ﴿سَلَامُ قَوْلًا مِنْ رَّبٍّ رَحِيمٍ﴾(٣) الحديث. أشرف عليهم أي اطلع
كما يقال: فلان مشرف عليك أي مطلع عليك من مكان عال والله تعالى لا
(١) أخرجه ابن ماجه (١٨٤)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٩٤) وأبو نعيم في حلية الأولياء
١٠٢٧/٢) (٢٠٨/٦)، البيهقي في البعث والنشور (٤٤٨). وقال الألباني في ضعيف
الترغيب (٢٢٤٤): موضوع.
(٢) سورة يس، الآية: ٨٥.
(٣) سورة يس، الآية: ٨٥.

١٥٧
كتاب صفة الجنة والنار
يوصف بالمكان من جهة الحلول والتمكن وإنما يوصف من جهة العلو
والرفعة، فعبر عن اطلاعه عليهم ونظره إليهم بالإشراف ولما كان الله سبحانه
قائلا متكلما وكان الكلام له صفة في ذاته لم يزل ولا يزال فهو يسلم عليهم
سلاما هو قول منه كما قال تعالى: ﴿سَلَّامُ قَوْلًا مِنْ رَّبِّ رَحِيمٍ﴾(١).
قوله: ((فإذا نظروا إليه نسوا نعيم الجنة)) أي لهوا عنه بلذة النظر إلى وجهه
الكريم وذلك أن ما دون الله عز وجل لا يقاوم تجليه ولولا أن الله تعالى
ثبتهم لحل بهم ما حل بالجبل حين تجلى له. قوله: ((حتى يحتجب عنهم))
فيجوز أن يكون معناه حتى يردهم إلى نعيم الجنة الذي نسوه وإلى حظوظ
أنفسهم وشهواتها التي سهوا عنها فيتمتعوا بنعيم الجنة الذي وعده لهم
ويتنعمون بشهوات النفوس التي أعدت لهم وليس ذلك إن شاء الله تعالى
على معنى الاحتجاب عنهم الذي هو بمعنى الغيبة والاستتار فيكونوا له
ناسين وعن شهوده محجوبین وإلى نعيم الجنة ساکنین ولکنه یردهم إلى ما
نسوه ولا يحجبوه عما شاهدوه حجبة غيبة واستتار، يدل على ذلك قوله:
«ویبقی فيهم نوره وبر کته)) أي في ديارهم، وكيف يحجبهم عنه وقد وعدهم
المزيد. بل يكونون في كل حال مشاهدين وبكل [جارحة] ناظرين كما حكى
عن قيس المجنون أنه قيل له ندعو لك ليلى، فقال: وهل غابت عني فتدعى؟
فقيل: أتحب ليلى؟ قال: المحبة ذريعة الوصلة وقد وقعت الوصلة فأنا ليلى
وليلى أنا. قوله في حديث جابر: ((فيؤتون بنجائب من ياقوت أحمر أزمتها
(١) سورة يس، الآية: ٨٥.

١٥٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
زمرد أخضر وياقوت أحمر)) الحديث. تقدم الكلام على تفسير النجائب
والأزمة قريبا. قوله وَ له: ((فإذا الرب جل جلاله قد أشرف عليهم من فوقهم
فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة)) وهو قوله عز وجل: ﴿سَلَامُ قَوْلًا مِنْ رَّبِّ
رَحِيمٍ﴾(١) الرب معناه المالك، وقيل الرب السيد وهو بالألف واللام
مختص بالله تعالى ولم يرد في خبر الأسماء والرحيم والرحمن اسمان
مشتقان مثل نديم وندمان من أبنية المبالغة ورحمان أبلغ من رحيم والرحمن
خاص بالله تعالى لا يسمى به غيره ولا يوصف [به غير الله تعالى]، [والرحيم
يوصف به غير الله تعالى](٢)، يقال رجل رحيم ولا يقال رحمان، قيل في اسمه
الرحمن أنه اسم الله الأعظم.
فائدة جليلة في الأحاديث الواردة ما يدل على أن سماع أهل الجنة يكون
تارة من إسرافيل عليه الصلاة والسلام وتارة من داود عليه (١٥١ / أ) الصلاة
والسلام وتارة من ملائكة آخرين وتارة من الحور العين وتارة من أصوات
الأشجار وتارة من غير ذلك وأن من أجل ما يرد عليهم من المنح النفيسة في
الجنة سماع سلام الحق سبحانه عليهم إذا أشرف عليهم في الجنة وقال لهم:
سلام عليكم يا أهل الجنة ويرونه عيانا كما ثبت ذلك في الأحاديث وكيف إذا
دُعوا إلى حضرة قربه ومشاهدة قدسه سبحانه ونصبت لهم منابر بين يديه
وشاهدوه وتشنفت أسماعهم بكلامه سبحانه لهم وقراءته سبحانه عليهم
(١) سورة يس، الآية: ٨٥.
(٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

١٥٩
كتاب صفة الجنة والنار
وتودده إليهم، اهـ، قاله في حادي الأرواح(١).
تنبيه: في الحديث إذا أخذ أهل الجنة في السماع ورّدت كل شجرة في
الجنة، أي أظهرت وردها وهو نَوْرٌ طيب الرائحة ونور كل شجرة ورد والله
أعلم، قاله صاحب المغيث(٢).
٥٧٤٧ - وَعَن أنس بن مَالك ◌َ لَ قَالَ: قَالَ رَسُول الله وَِّ أَثَانِي جِبْرِيل
بَّهُ وَفِي يَدِهِ مِرْآةٍ بَيْضَاء فِيهَا نُكْتَة سَوْدَاء فَقلت مَا هَذِه يَا جِبْرِيل قَالَ هَذِه
الْجُمُعَة يعرضهَا عَلَيْك رَبك لتكون لَك عيدا ولقومك من بعْدك تكون أَنْت
الأول وَتَكون الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى من بعْدك قَالَ مَا لنا فِيهَا قَالَ فِيهَا خير لكم
فِيهَا سَاعَة من دَعَا ربه فِيهَا بِخَيرِ هُوَ لَهُ قسم إِلَّا أعطَاهُ إِيَّاه أَو لَيْسَ لَهُ يقسم إِلَّا
ادخر لَهُ مَا هُوَ أعظم مِنْهُ أَو تعوذ فِيهَا من شَرّ هُوَ عَلَيْهِ مَكْتُوبٍ إِلَّا أَعَاذَهُ أَو
لَيْسَ عَلَيْهِ مَكْتُوبٍ إِلَّا أَعَاذَهُ من أعظم مِنْهُ قلت مَا هَذِهِ النُّكْتَة السَّوْدَاءِ فِيهَا قَالَ
هَذِهِ السَّاعَة تقوم يَوْمِ الْجُمُعَة وَهُوَ سيد الْأَيَّامِ عندنَا وَنحن نَدْعُوهُ فِي الْآخِرَة
يَوْمِ الْمَزِيد قَالَ قلت لم تَدعُونَهُ يَوْمِ الْمَزِيد قَالَ إِن رَبك عز وجل اتخذ فِي
الْجِنَّة وَاديا أفيح من مسك أبيض فَإِذا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة نزل تبَارك وَتَعَالَى من
عليين على كرسيه ثمَّ حف الْكُرْسِيّ بمنابر من نور وَجَاء النَّبُّونَ حَتَّى يجلسوا
عَلَيْهَا ثمَّ حف المنابر بكراسي من ذهب ثمَّ جَاءَ الصديقون وَالشُّهَدَاء حَتَّى
يجلسوا عَلَيْهَا ثُمَّ يَجِيء أهل الْجنَّة حَتَّى يجلسوا على الْكَثِب فيتجلى لَّهُم
(١) لم أجده.
(٢) المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث (٤٠٣/٣).

١٦٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
رَبِهِم تَبَارك وَتَعَالَى حَتَّى يَنْظُرُوا إِلَى وَجهه وَهُوَ يَقُول أَنَا الَّذِي صدقتكم
وعدي وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي هَذَا مَحل كَرَامَتِي فسلوني فيسألونه الرِّضَا
فَيَقُول الله عز وجل رضائي أحلكم دَاري وأنالكم کَرَامَتِي فسلوني فيسألونه
حَتَّى تَنْتَهِي رغبتهم فَيفتح لَّهُم عِنْد ذَلِك مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا
خطر على قلب بشر إِلَى مِقْدَار منصرف النَّاسِ يَوْمِ الْجُمُعَة ثمَّ يصعد الرب
تبارك وَتَعَالَى على كرسيه فيصعد مَعَه الشُّهَدَاءِ وَالصِّدِّيقُونَ أَحْسبهُ قَالَ
وَيرجع أهل الغرف إِلَى غرفهم درة بَيْضَاء لَا فَصم فِيهَا وَلَا وصم أَو ياقوتة
حَمْرَاء أَو زبرجدة خضراء مِنْهَا غرفها وأبوابها مطردَة فِيهَا أنهارها متدلية فِيهَا
ثمارها فِيهَا أزواجها وخدمها فليسوا إِلَى شَيْء أحْوج مِنْهُم إِلَى يَوْم الْجُمُعَة
ليزدادوا فِيهِ كَرَامَة وليزدادوا فِيهِ نظرًا إِلَى وَجهه تبارك وَتَعَالَى وَلَذَلِك دعِي
يَوْم الْمَزِيد. رواه ابن أبي الدنيا والطبراني في الأوسط بإسنادين أحدهما جيد
قوي، وأبو يعلى مختصرا ورواته رواة الصحيح، والبزار(١) واللفظ له.
[الفصم] بالفاء: هو كسر الشيء من غير أن تفصله. [والوصم] بالواو:
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٨٨)، البزار (٧٥٢٧)، وأبو يعلى (٤٢٢٨)، الطبرانى
في الأوسط (٣١٤/٢ رقم ٢٠٨٤). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٦٤/٢) رواه
الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات وروى أبو يعلى طرفا منه. وقال الهيثمي في
(٤٢١/١٠) رواه البزار، والطبراني في الأوسط بنحوه، وأبو يعلى باختصار، ورجال أبي
يعلى رجال الصحيح، وأحد إسنادي الطبراني رجاله رجال الصحيح غير عبد الرحمن بن
ثابت بن ثوبان، وقد وثقه غير واحد، وضعفه غيرهم، وإسناد البزار فيه خلاف. وصححه
الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٦٩٤).