النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
واختلفوا في وقوع غيرها من الصغائر منهم فذهب معظم الفقهاء والمحدثين
والمتكلمين من السلف والخلف إلى جواز وقوعها منهم وحجتهم ظواهر
القرآن والأخبار.
وذهب جماعات من أهل التحقيق والنظر من الفقهاء والمتكلمين من
أئمتنا إلى عصمتهم من الصغائر كعصمتهم من الكبائر وأن منصب النبوءة
يجل عن مواقعتها وعن مخالفة الله سبحانه وتعالى عمدا [وهذا] المذهب
هو الحق ولأنه لو صح ذلك منهم لم يلزمنا الاقتداء بأفعالهم وأقوالهم ولا
خلاف في الاقتداء بذلك، وانظر هذه الخطايا التي ذكرت للأنبياء من أكل آدم
من الشجرة ناسيًا ومن دعوة نوح على قوم كفار وقتل موسى الكافر الذي لم
يُؤمر بقتله ومدافعة إبراهیم الكفار بقول عرّض به هو فيه صادق من وجه،
وهذه كلها في (١٠١ / ب) حق غيرهم ليست بذنوب لكنهم أشفقوا منها إذ لم
تكن عن أمر الله تعالى وعتب على بعضهم فيها لقدر منزلتهم في معرفة الله
تعالى، اهـ. وتكلموا على الآيات والأحاديث الواردة في ذلك وتأولوها وأن
الذي ذُكِر عنهم من ذلك إنما هو فيما كان منهم على تأويل أو سهو أو من
إذن من الله سبحانه وتعالى في أشياء أشفقوا من المؤاخذة بها وأشياء منهم
قبل النبوءة وهذا المذهب هو الحق والله أعلم.
فائدة أخرى: قوله ◌َله: ((فيأتون آدم وكذلك نوح وإبراهيم وباقي الأنبياء))
إلى آخره. ذكر أبو حامد الغزالي رحمه الله أن بين إتيانهم من آدم إلى نوح
ألف عام وكذلك بين كل نبي إلى محمد وَّله. وذكر أيضًا أن الناس في
الموقف على طبقات مختلفة وأنواع متباينة بحسب جرائمهم كمانع الزكاة

٤٨٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
والغالّ والغادر وآخرون قد عظمت فروجهم وهي تسيل صديدا يتأذى
[بنتنهم] جيرانهم وآخرون قد صلَّبوا على جذوع النيران وآخرون قد خرجت
ألسنتهم على صدورهم أقبح ما يكون وهؤلاء المذكورون هم الزناة
واللوطية والكذابون، وآخرون قد عظمت بطونهم كالجبال الرواسي وهم
آكلوا الربا وكل ذي ذنب قد يرى سوء ذنبه. قاله في كشف علوم الآخرة.
وذكر في آخر [هذا] الكتاب أن الرسل [عليهم الصلاة والسلام] يوم القيامة
على المنابر والعلماء والأنبياء على منابر صغار دونهم ومنبر كل رسول على
قدره والعلماء العاملون على كراسي من نور والشهداء والصالحون كقراء
القرآن والمؤذنون على كثبان من مسك، وهذه الطائفة العاملة أصحاب
الكراسي هم الذين يطلبون الشفاعة من آدم ونوح حتى ينتهوا إلى رسول الله
مَ الله [انتھی].
٥٥٠٩ - وَعَن أبي سعيد رَّالَّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّهِ أَنَا سيد ولد آدم يَوْم
الْقِيَامَة وَلَا فَخِرٍ وَبِيَدِي لِوَاء الْحَمد وَلَا فَخْرٍ وَمَا من نبى آدم يَوْمَئِذٍ فَمن سواهُ
إِلَّا تَحت لِوَائِي وَأَنَا أول من تَنْشَقِ عَنهُ الأَرْض وَلَا فَخْرِ قَالَ فَيَفزع النَّاس
ثَلَاث فَزْعَات فَيَأْتُونَ آدم فَذكرِ الحَدِيث إِلَى أَنْ قَالَ فَيَأْتُوني فأنطلق مَعَهم قَالَ
ابْن جدعَان قَالَ أنس فَكَأَنِّي أنظر إِلَى رَسُول الله ◌َِّ قَالَ فَآخذ بِحَلقَة بَاب
الْجنَّة فأقعقعها فَيُقَال من هَذَا فَيُقَال مُحَمَّد فيفتحون لي ويرحبون فَيَقُولُونَ
مِرْحَبًا فَآخرِ سَاجِدا فيلهمني الله من الثَّنَاء وَالْحَمْدِ فَيُقَال لي ارْفَعْ رَأْسك سل
تعطه وَاشْفَعْ تشفع وَقل يسمع لِقَوْلِك وَهُوَ الْمِقَام الْمَحْمُودِ الَّذِي قَالَ الله

٤٨٣
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
﴿عَسَىِّ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا فَحْمُودًا﴾(١) رَوَاهُ التِّزْمِذِيّ وَقَالَ حَدِیث حسن
وروى ابْن مَاجَه صَدره قَالَ أَنا سيد ولد آدم وَلَا فَخر وَأَنا أول من تَنْشَق عَنهُ
الأَرْض يَوْم الْقِيَامَة وَلَا فَخر وَأَنَا أول شَافِعٍ وَأول مُشَفع وَلَا فَخر ولواء الْحَمد
بَيَدِي يَوْمِ الْقِيَامَة وَلَا فَخر وَفِي إسنادهما عَليّ بن يزيد بن جدعَان(٢).
٥٥١٠- وعن أبي هريرة نَّه قال كنا مع النبي في دعوة فرفع إليه الذراع
وكانت تعجبه فنهس منها نهسة وقال أنا سيد الناس يوم القيامة هل تدرون مم
ذاك يجمع لله الأولين والآخرين في صعيد واحد فيبصرهم الناظر ويسمعهم
الداعي وتدنو منهم الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا
يحتملون فيقول الناس ألا ترون إلى ما أنتم فيه وإلى ما بلغكم ألا تنظرون من
يشفع لكم إلى ربكم فيقول بعض الناس لبعض أبوكم آدم فيأتونه فيقولون
ياآدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة
فسجدوا لك وأسكنك الجنة ألا تشفع لنا إلى ربك ألا تری ما نحن فيه وما
بلغنا فقال إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده
مثله وإنه نهاني عن الشجرة فعصيت نفسي نفسي نفسي ذهبوا إلى غيري
اذهبوا إلى نوح فيأتون نوحا فيقولون يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض
وقد سماك لله عبدًا شكورًا ألا ترى إلى ما نحن فيه ألا ترى إلى ما بلغنا ألا
(١) سورة الإسراء، الآية: ٧٩.
(٢) أخرجه ابن ماجه (٤٣٠٨)، والترمذى (٣١٤٨). وصححه الألباني في صحيح الترغيب
(٣٦٤٣). ولم يدرج الشارح تحته شرحًا.

٤٨٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
تشفع لنا إلى ربك فیقول إن ربي غضب الیوم غضبًا لم یغضب قبله مثله ولن
يغضب بعده مثله وإنه قد كان لي دعوة دعوت بها على قومي نفسي نفسي
نفسي ذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى إبراهيم فيأتون إبراهيم فيقولون أنت نبي الله
وخليله من أهل الأرض شفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فيقول لهم
إن ربي قد غضب الیوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن یغضب بعده مثله وإني
كنت كذبت ثلاث كذبات فذكرها نفسي نفسي نفسي ذهبوا إلى غيري ذهبوا
إلى موسى فيأتون موسى فيقولون يا موسى أنت رسول الله فضلك الله
برسالاته وبكلامه على الناس شفع لنا إلى ربك أما ترى إلى ما نحن فيه فيقول
إن ربي قد غضب الیوم غضبا لم یغضب قبله مثله ولن یغضب بعده مثله وإني
قد قتلت نفسا لم أومر بقتلها نفسي نفسي نفسي ذهبوا إلى غيري ذهبوا إلى
عيسى فيأتون عيسى فيقولون يا عيسى أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم
وروح منه وكلمت الناس في المهد شفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه
فیقول عیسی إن ربي قد غضب الیوم غضبًا لم یغضب قبله مثله ولن یغضب
بعده مثله ولم يذكر ذنبا نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى
محمد فيأتوني فيقولون يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء وقد غفر الله
لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه
فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي ثم يفتح الله علي من محامده
وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي ثم يقال يا محمد رفع رأسك
سل تعطه واشفع تشفع فأرفع رأسي فأقول أمتي يا رب أمتي يا رب أمتي يا
رب فيقال يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن

٤٨٥
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب ثم قال
والذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة
وهجر أو كما بين مكة وبصرى رواه البخاري (١) ومسلم (٢).
قوله: ((وعن أبي هريرة)) تقدم الكلام عليه.
قوله: ((كنا مع النبي ◌ّ﴾ في دعوة فدفع إليه الذراع و كانت تعجبه فنهس
منها نهسة)) الحديث. قال القاضي عياض (٣): محبته للذراع لنضجها وسرعة
استمرائها مع زيادة لذتها وحلاوة مذاقها وبعدها عن مواضع الأذى، هذا آخر
كلام القاضي. وقد روى الترمذي بإسناده عن عائشة قالت: ما كان الذراع
أحبّ إلى رسول الله وَّله ولكن كان لا يجد اللحم إلا غبّا فكان يعجّل إليها
لأنها أعجلها نضجا، والله أعلم.
قوله وَلة: ((فنهس منها نهسة)) هو بالسين المهملة. قال القاضي عياض(٤)
أكثر الرواة رووه بالسين المهملة ووقع لابن هامان بالشين المعجمة وكلاهما
صحيح بمعنى واحد أي أخذ بأطراف أسنانه. قال الهروي(٥): قال أبو العباس:
النهس بالمهملة بأطراف الأسنان وبالمعجمة بالأضراس. قال الخطابي:
(١) صحيح البخاري (٣٣٤٠).
(٢) صحيح مسلم (٣٢٧) (١٩٤).
(٣) شرح النووي على مسلم (٦٥/٣).
(٤) إكمال المعلم بفوائد مسلم (١ / ٥٨١).
(٥) المعلم بفوائد مسلم (٣٤٣/١)، المعلم بفوائد مسلم (٢٢٤/٣)، إكمال المعلم بفوائد
مسلم (١/ ٥٨٢).

٤٨٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وبالمهملة أبلغ منه بالمعجمة. وقال ثعلب: النهس سرعة الأكل، اهـ.
قوله وتلبية: ((يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد فيبصرهم الناظر
ويسمعهم الداعي)) الحديث، أما الصعيد فهو الأرض الواسعة المستوية. وفي
رواية ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي. وأما ينفذهم البصر فهو بفتح الياء
وبالذال المعجمة، كذا رواه الأكثرون. وذكر الهروي وصاحب المطالع (١)
وغيرهما أنه روي بضم الياء ويفتحها. قال صاحب المطالع: رواه الأكثرون
بالفتح وبعضهم بالضم. وأما معناه فقال الهروي: قال أبو عبيد معناه ينفذهم
بصر الرحمن تبارك وتعالى حتى يأتي عليهم كلهم. وقال غيره: معناه أنه
ينفذهم بصر الناظر لا يخفى عليه منهم شيء لاستواء الأرض وعدم
الحجاب، أي ليس فيها ما يستتر به أحد عن الناظر يعني أنها أرض مستوية لا
جبل فيه ولا أكمة ولا ربوة وهذا أولى من قول أبي عبيد يأتي عليهم بصر
الرحمن لأن رؤية الله (١٠٢ / أ) تحيط بهم في كل حال في الصعيد المستوي
وغيره. هذا قول صاحب المطالع. [وقال] أبو حاتم: أصحاب الحديث
يروونه بالذال المعجمة وإنما هو بالمهملة، أي يبلغ أولهم وآخرهم حتى
يراهم كلهم ويستوعبهم من قولهم: نفذت الشيء وأنفذته. يقال نفذني بصره
إذا بلغني وتجاوزه. وحمل الحديث على بصر الناظرين أولى من حمله على
بصر الرحمن فحصل خلاف في فتح الياء وضمها وفي الذال المعجمة والدال
المهملة وفي الضمير في ينفذهم والأصح فتح الياء، وبالذال المعجمة وأنه
(١) مطالع الأنوار على صحاح الآثار (٢٢٨/٤).

٤٨٧
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
بصر [المخلوق]. قاله العراقي وأبو السعادات(١).
قوله: ((وتدنو الشمس أي تقرب منهم)). قوله: ((ألا تنظرون من يشفع لكم
إلى ربكم)) فذكره إلى أن قال: ((أبوكم آدم، فيأتونه فيقولون: يا آدم أنت أبو
البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه)) هو من باب إضافة التشريف.
قوله: ((أفلا تشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيها وما بلغنا)) الحديث،
بلغنا هو بفتح الغين المعجمة هذا هو الصحيح المعروف، وضبطه بعض
الأئمة المتأخرين بالفتح والإسكان وهذا له وجه والمختار ما قدمناه، ويدل
عليه قوله في الحديث قبل هذا: ((ألا ترون ما قد بلغكم)) ولو كان بإسكان
الغين لقال بلغتم. اهـ.
قوله: «فیقول: إن ربي غضب الیوم غضبًا لم یغضب قبله مثله ولا یغضب
بعده مثله)) الحديث. الغضب في حق الله جل جلاله ليس كالغضب في حق
المخلوقين إنما هو في حق رب العالمين راجع إلى إرادة العقاب و فعله فإن
الله لا يتأثر بشيء ولا تحدث له صفة ولا [يتجدد] له حال، اهـ وقال
النووي(٢): المراد بغضب الله تعالى ما يظهر من انتقامه ممن عصاه وما يرونه
من أليم عذابه وما يشاهده أهل الجمع من الأهوال التي لم تكن ولا يكون
مثلها ولا شك في أن هذا كله لم يتقدم قبل ذلك اليوم مثله ولا يكون بعده
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٩١/٥)، شرح النووي على مسلم (٦٦/٣) الكواكب
الدراري في شرح صحيح البخاري (١٨/١٤).
(٢) شرح النووي على مسلم (٦٨/٣).

٤٨٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
مثله فهذا معنى غضب الله تعالى كما أن رضاه [سبحانه بظهور] رحمته
ولطفه بمن أراد به من الخير والكرامة لأن الله تعالى يستحيل في حقه التغير في
الغضب والرضى، اهـ، والله أعلم.
تنبيه: في حديث آخر أنهم يأتون آدم ومن بعده فيقول: لست هناكم. معناه
لست بالمكان الذي ترونني فيه، يعني من الشفاعة وأشار بقوله هناكم إلى
بعده من ذلك المكان فإن هنا إذا ألحق به كاف الخطاب فإنه للتبعيد عن
المكان المشار إليه والله أعلم. قال القاضي عياض(١)، هذا يقولونه تواضعا
وإكبارا لما يسألونه. قال: وقد يكون إشارة من كل واحد منهم إلى أن هذه
الشفاعة وهذا المقام ليس له بل لغيره وكل واحد منهم يدل على الآخر حتى
انتهى الأمر لصاحبه. قال: ويحتمل أنهم علموا أن صاحبها محمد وَلّ معينًا
وتكون إحالة كل واحد منهم على الآخر على تدريج الشفاعة في ذلك إلى
نبينا محمد ◌َّ. قال: وفيه تقديم ذوي الأسنان والآباء على الأبناء في الأمور
التي لها بال. قال: وأما مبادرة النبي ◌َّله لذلك [وإجابته] لرغبتهم فلتحققه
وَاخير أن هذه الكرامة والمقام له وَل ◌ّخاصة. اهـ.
قوله: ((نفسي نفسي)) نفسي أي نفسي هي التي تستحق أن يشفع لها. قوله:
((اذهبوا إلى نوح أول من بعثه الله إلى أهل الأرض)) أي من أولاده، ((فيأتون
نوحا فيقولون يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض)) الحديث، وإنما قالوا
(١) شرح النووي على مسلم (٥٦/٣)، الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري
(١٥١/٢٥).

٤٨٩
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
بيبيبـ
له أنت أول الرسل لأن آدم ثان.
فإن قلت: آدم هو أول الرسل، قلت: اختلفوا فيه فقال بعضهم آدم كان نبيا لا
رسولا، والأصح خلافه. فالجواب: أنه أول رسول بعثه الله تعالى بالإنذار
وإهلاك قومه وآدم رسالته كانت بمنزلة التربية والإرشاد للأولاد أو أول من يبعث
بعد الطوفان أو أنه خرج بقوله: (١٠٢ / ب) ((إلى أهل الأرض)) فإنه لم يكن لها
حينئذ أهل، اه قاله الكرماني(١) وقال صاحب العلم المشهور في قوله: ((أنت أول
الرسل إلى أهل الأرض)) لأن إدريس كان قبله نبيًّا ولم يكن رسولا وأنزل الله
تعالى عليه ثلاثين صحيفة وكان شيث قبل إدريس نبيا ولم يكن رسولا وأنزل الله
على آدم وعليه خمسين صحيفة فهو أول رسول بعث إلى كفار تلك الأرض يعني
أرضه التي هو منها ولا خلاف بين العلماء أن شيث بن آدم [كان] (٢) قبله وقبل
أجداده وكان نبيا ولم يكن رسولًا لأن نوحًا عليه الصلاة وسلام هو ابن لابيخ
بالخاء على نص التوراة وقال النيسابوري: اسم نوح عبد الغفار وإنما سمي نوحا
لنوحه على ذنبه فأقام في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، اهـ
وقال أبو عبد الله المازري: وقد ذکر المؤرخون أن إدریس جد نوح
فإن قام دليل أن إدريس أرسل أيضا لم يصح قول النسابين أنه [قيل] نوح
لإخبار النبي وَلو عن آدم أن نوحا أول رسول بعث وإن لم يقم دليل جاز ما
(١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٢٣٤/١٣).
(٢) سقط هذا اللفظ من النسخة الهندية.

٤٩٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قالوه وصح أن يحمل أن إدريس كان نبيا غير مرسل. قال القاضي عياض(١):
وقد قيل أن إن إدريس هو إلياس وأنه كان نبيا في بني إسرائيل كما جاء [في
بعض الأخبار] مع يوشع بن نون فإن كان [هذا] سقط الاعتراض. قال
القاضي، وبمثل هذا يسقط الاعتراض بآدم وشيث ورسالتهما إلى من معهما
وإن كانا رسولين فإن آدم إنما أرسل لبنيه ولم يكونوا كفارا وإنما أمر
بتعليمهم الإيمان وطاعة الله سبحانه وتعالى ولذلك خلفه شيث بعده فيهم
بخلاف رسالة نوح عليَّما فإنها إلى كفار أهل الأرض. قال القاضي عياض:
وقد رأيت أبا الحسن بن بطال ذهب إلى أن آدم ليس برسول ليسلم من هذا
الاعتراض. وحديث أبي ذر الطويل ينص على أن آدم وإدريس رسولان. هذا
آخر كلام القاضي والله أعلم. قوله: اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم
فيأتون فيقولون أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، فذكره إلى أن قال:
وإني كنت كذبت ثلاث كذبات فذكرها: نفسي نفسي نفسي.
قوله: ((ثلاث كذبات)) بفتح الكاف والذال جمع كذبة بفتح الكاف
الواحدة من الكذب وإنما سمى هذا كذبا لكونها في الظاهر على خلاف
باطنها. وفي حديث آخر: لم يكذب إبراهيم النبي ◌ّ إلا ثلاث كذبات ثنتين
في ذات الله: قوله: ﴿إِنِى سَقِيمٌ﴾(٢)، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾(٣)،
(١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (١ / ٥٧٦)، شرح النووي على مسلم (٥٥/٣).
(٢) سورة الصافات، الآية: ٨٩.
(٣) سورة الأنبياء، الآية: ٦٣.

٤٩١
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
وواحدة في شأن سارة وهو قوله: إن سألك فأخبريه أنك أختي فإنك أختي في
الإسلام. قال الإمام المازري: أما الكذب فيما طريقه البلاغ عن الله تعالى
فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون منه سواء قليله وكثيره. قال
القاضي عياض(١): الصحيح أن الكذب فيما يتعلق بالبلاغ لا يتصور وقوعه
منهم سواء جوزنا وقوع الصغائر منهم أم لا وسواء قل الكذب أم كثر لأن
منصب النبوءة يرتفع عنه وتجويزه يرفع الوثوق بأقوالهم.
وأما قوله وَّة: ثنتين في ذات الله تعالى وواحدة في شأن سارة، فمعناه أن
الكذبات المذكورة إنما هي بالنسبة إلى فهم المخاطب والسامع، وأما في
نفس الأمر فليست كذبا مذموما لوجهين: أحدهما أنه ورّى بهذا فقال في
سارة: أختي في الإسلام وهو صحيح في باطن الأمر.
والوجه الثاني أنه [لو](٢) كان كذبا لا تورية فيه لكان جائزًا في دفع الظالم،
وقد اتفق الفقهاء على أنه لو جاء ظالم يطلب إنسانا مختفيا ليقتله أو يطلب
وديعة للإنسان ليأخذها غصبا وسأل عن ذلك وجب على من علم ذلك
إخفاؤه وإنكار العلم به وهذا كذب جائز بل واجب لكونه في دفع الظالم فنبه
وَخير على أن هذه (١٠٣/أ) الكذبات ليست داخلة في [مطلق] الكذب
المذموم. قال الإمام المازري(٣) وقد تأول بعضهم هذه الكلمات وأخرجها
(١) شرح النووي على مسلم (١٥/ ١٢٤).
(٢) سقط هذا اللفظ من النسخة الهندية.
(٣) المعلم بفوائد مسلم (٢٢٩/٣).

٤٩٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
عن كونها كذبا قال: ولا معنى لامتناع من إطلاق لفظ أطلقه رسول الله وَالم
قلت: أما إطلاق لفظ الكذب عليها فلا يمتنع لورود الحديث به، وأما
تأويلها فصحيح لا مانع منه. قال العلماء: والواحدة التي في شأن سارة هي
أيضا في ذات الله تعالى لأنها سبب دفع كافر ظالم عن مواقعة فاحشة عظيمة،
وقد جاء ذلك مفسرًا في غير مسلم فقال: ما فيها كذبة إلا عاجل بها عن
الإسلام. أي يجادل ويدافع. قالوا: وإنما خص الثنتين بأنهما في ذات الله،
وذكروا في قوله: ﴿إِنِّ سَقِيمٌ﴾(١) أي سأسقم لأن الإنسان عرضة للأسقام
وقيل سقيم بما قدّر علي من الموت وقيل سقيم القلب بما [أشهده] من
كفركم وقيل كانت الحمى تأخذه في ذلك الوقت وقيل أن ملكهم أرسل إليه
أن غدا عيدنا اخرج معنا فأراد التخلف عنهم فنظر إلى نجم فقال إن هذا
النجم لم يطلع قط إلا أسقم وأراد بذلك اعتذارا عن الخروج معهم إلى
عيدهم وشهود باطلهم وكفرهم. والسُّقم والسَّقَم المرض. وأما قوله: ﴿بَلْ
فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾(٢) الآية، فقال ابن قتيبة وطائفة جعل النطق [شرطا]
لفعل كبيرهم أي فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون. قاله على طريق التبكيت.
وأما قوله [رَّه] في شأن سارة: هي أختي [أعلم أن] أخوة الإسلام ليست
كأخوة النسب والولادة كما قال إبراهيم ،ثم يتكلم للذي أراد أن يأخذ منه زوجته
هي أختي يعني في الإيمان لأنه لم يكن أحد مؤمن غيرهما.
(١) سورة الصافات، الآية: ٨٩.
(٢) سورة الأنبياء، الآية: ٦٣.

٤٩٣
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
تنبيه: قال بعض العلماء: قوله: هي أختي فقد بين أنه أراد أخوة الإسلام
وعلى هذا إشكال مازال يختلج في نفسي وهو أن يقال ما معنى توريته عن
الزوجة بالأخت، ومعلوم أن ذكرها بالزوجة أسلم لها لأنه إذا قال هي أختي
قال زوجنيها، فإذا قال امرأتي سكت هذا إذا كان الملك يعمل بالشرع، فأما
إذا كان كما وصف من جوره ومد يده إليها ظلمًا فما يبالي [أكانت] زوجة أو
أختا ومازلت أبحث عن هذا وأسأل فلم أجد أحدًا يشفي بجواب إلى أن وقع
لي أن القوم كانوا على دين المجوس وفي دينهم أن الأخت إذا كانت زوجة
كان أخوها الذي هو زوجها أحق بها من غيره فكأن الخليل ،بَلَّ أراد أن
يستعصم من الجبار بذكر الشرع الذي يستعمله الجبار فإذا الجبار لا يراعي
جانب دين فنظر الله عز وجل إلى خليله بلطفه فكف يد الفاجر وقد اعترض
على هذا فقيل إنما جاء بمذهب المجوس زرادشت وهو متأخر عن زمان
الخليل، فالجواب أن لمذهب القوم أصلا قديما فادعاه زرادشت وزاد عليه
وقد كان نكاح [الأخوات] جائزا من زمن آدم.
وقيل إنما حرمه موسى عَلَاها ويدل على أن دين المجوس له أصل ما
روى أبو داود في سننه أن النبي ◌َّي أخذ الجزية من مجوس هجر ومعلوم أن
الجزية لا تؤخذ إلا ممن له كتاب أو [شبهة ] كتاب ثم سألت عن هذا بعض
علماء أهل الكتاب فقال كان من مذهب القوم أنه من كان له زوجة لا يجوز
أن يتزوج بها إلا أن يقتل الزوج فعلم إبراهيم عليَّا* هذا فقال عن سارة أختي
فكأنه يقول إن كان الملك عادلا فخطبها مني أمكنني منعه وإن كان ظالما

٤٩٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فأخذها خلصت من القتل، قاله عبد الرحمن بن علي، والله أعلم. وسارة هي
زوجة إبراهيم الخليل وهي أم إسحاق وهو أصغر من إسماعيل بأربع عشرة
سنة فبينما إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام يسير في أرض جبار من
الجبابرة إذ نزل منزلاً فأتى الجبار فقيل له إنه نزل [ههنا] رجل معه امرأة هي
من أحسن الناس. قال: فأرسل إليه فأرسل إليه فسأله عنها. فقال: إنها أختي.
فلما (١٠٣/ ب) رجع إليها فقال إن هذا سألني عنك فأنبأته أنك أختي وإنه
ليس اليوم مسلم غيري وغيرك فإنك أختي في كتاب الله فلا تكذبيني عنده.
وساق الحديث، رواه البخاري ومسلم [وغيرهما] وقيل أن الجبار قصد أن
يأخذ سارة منه ولم يتمكنا من دفعه فقامت تتوضأ وتصلي وقالت اللهم إن
كنت آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلّط علي
هذا الكافر، فذكرت القصة وقالت: كف الله يد الكافر وأعطاني خادما يعني
هاجر جارية قبطية وهي أم إسماعيل ◌َاليَّمها.
[تنبيه](١): فإن قلت فما الفائدة في قوله في شأن سارة هي أختي إذ الظالم
يريدها أختًا [أو] زوجة أو غيرهما. قلت: كان من عادة هذا الجبار أو من دينه
لا يتعرض إلا لذوات الأزواج والله أعلم، قاله الكرماني (٢).
فائدة: وهذا الجبار اسمه صادوف، قال السهيلي في الروض الأنف،
وكانت هاجر لملك الأردن واسمه صادوف فيما ذكر القتبي دفعها [إلى]
(١) سقط هذا اللفظ من النسخة الهندية.
(٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٠/ ٧٠).

٤٩٥
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
سارة حين أخذها من إبراهيم عجبًا منه [بجمالها] فصرع مكانه. وذكر
الطبري أن الملك الذي أراد سارة هو سنان بن علوان وأنه أخو الضحاك،
وفي كتاب التيجان لابن هشام أنه عمرو بن امرئ القيس بن نابليون بن [سبأ]
وكان على مصر، اهـ. وقيل هو ملك حران بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء
وبالنون، قاله الكرماني (١).
قوله في الحديث: ((اذهبوا إلى موسى فيأتون موسى فيقولون يا موسى أنت
رسول الله فضلك الله برسالاته على الناس)) فذكره إلى أن قال ((وإني قد قتلت
نفسا لم أؤمر بقتلها نفسي نفسي نفسي)). تقدم الكلام على كلام الله تعالى
لموسى ،عَلَّم. وأما قتل النفس الذي لم يؤمر بقتلها فهو مذكور في سورة
القصص. قوله في الحديث: ((اذهبوا إلى عيسى، فيأتون عيسى فيقولون
ياعيسى أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وكلمت الناس في
المهد)) الحديث، تقدم الكلام على ذلك قريبًا، وكلمة الله وروحه [الإضافة]
إلى تعالى لتعظيم المضاف وتشريفه كقولهم عبد الخليفة كذا.
قوله: ((وكلمت الناس في المهد)). قال في كتاب الكشاف عن النبي وَجيه:
تكلم أربعة وهم صغار ابن ماشطة بنت فرعون وشاهد يوسف وفسر بأنه كان
ابن خالة زليخا صبيًا في المهد وصاحب جريج وعيسى عليه الصلاة
والسلام. قال ابن الجوزي: أخبرت بنت فرعون أباها بأن ماشطتها أسلمت
فأمر بإلقائها وإلقاء أولادها في النار. فلما بلغت النوبة إلى آخر ولدها وكان
(١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٤/ ١٦).

٤٩٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
مُرضَعا قال: اصبري يا أماه فإنك على الحق، فألقيت مع ولدها، اهـ، قاله
الكرماني(١).
قوله في الحديث: ((اذهبوا إلى غيري)) إلى أن قال: ((فأنطلق فآتي تحت
العرش فأقع ساجدا لربي)) الحديث. سؤال: لم سمى الله نبيه وَّ خاتم
النبيين؟ قيل: لأن الختم شرف الكتاب كذلك النبي وَل شرف الخلق وأيضا
الختم إذا وضع على الكتاب لا يقدر أحد على فكه فكذلك لا يقدر أحد أن
يحيط بالقرآن دون محمد ێ، اهـ
فائدة: قوله وقيل: إن كل واحد من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم
يقول: لست هناكم ولست لها، كما تقدم في الأحاديث. قال القاضي
عياض (٢): هذا يقولونه تواضعا وإكبارا لما يُسألونه. قال: وقد يكون إشارة
من كل واحد منهم إلى أن هذه الشفاعة وهذا المقام ليس له بل لغيره، وكل
واحد منهم يدل على الآخر حتى انتهى الأمر إلى (١٠٤/أ) صاحبه. قال:
ويحتمل أنهم علموا أن صاحبها محمد وَّهِ مُعيِّنا وتكون إحالة كل واحد
منهم على الآخر على تدريج الشفاعة في ذلك إلى نبينا محمد رَله. قال: وفيه
تقديم ذوي الأسنان والآباء على الأبناء في الأمور التي لها بال. قال: وأما
مبادرة النبي ◌َّ لذلك وإجابته لرغبتهم فلتحققه وقال أن هذه الكرامة والمقام
له وَّةٍ خاصة، هذا كلام القاضي. والحكمة في أنّ الله سبحانه وتعالى ألهمهم
(١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٤ / ٨١).
(٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (١ / ٥٧٧)، شرح النووي على مسلم (٥٦/٣).

٤٩٧
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
سؤال آدم ومن بعده صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين في الابتداء ولم
يلهموا سؤال نبينا محمد ◌ّ﴾ هي والله سبحانه أعلم إظهار فضيلة نبينا محمد
وَ ل فإنهم لو سألوه ابتداء لكان يحتمل أن غيره يقدر على هذا ويُحصله وأما
إذا سألوا غيره من رسل الله سبحانه وتعالى وأصفيائه فامتنعوا ثم سألوه
فأجاب وحصل غرضهم فهو النهاية في ارتفاع المنزلة وكمال القرب وعظيم
الإدلال والأنس وفيه تفضيله وَّل على جميع المخلوقين من الرسل الآدميين
والملائكة فإن هذا الأمر العظيم وهي الشفاعة العظمى لا يقدر على الإقدام
عليه غيره وَلّ وعليهم أجمعين. اهـ. قوله في الحديث: ((فيقال يا محمد أدخل
من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء
الناس فيما سوى ذلك من الأبواب)) الحديث.
قال أبو العباس القرطبي(١): من لا حساب عليه يعني به والله أعلم السبعين ألفا
الذين لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون. والباب الأيمن هو الذي عن
يمين القاصد إلى الجنة [بعد] جواز الصراط [وكأنه] أفضل الأبواب.
قوله وَيّ: ((وهم شركاء الناس في سائر الأبواب)) يحتمل أن يعود هذا
الضمير إلى الذين لا حساب عليهم وهو الظاهر ويكون معناه أنهم يلجئون
إلى الدخول من الباب الأيمن بل من أي باب شاءوا كما في حديث أبي بكر
حيث قال: فهل على من دُعِي من تلك الأبواب من ضرورة فقال عليه
[الصلاة و] السلام: لا، وأرجو أن تكون منهم، اهـ. فهذا يدل على أنه يشفع
(١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٦٢/٣).

٤٩٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فيما طلب من تعجيل حساب أهل الموقف فإنه لما أمرنا بإدخال من لا
حساب عليه من أمته وغيرهم كان طلب هذه الشفاعة من الناس بإلهام من
الله تعالى لهم حتى يظهر في ذلك اليوم مقام نبيه المحمود الذي وعده ولذلك
قال كل نبي لست لها حتى انتهى الأمر إلى محمد وَّله. [قوله: ( ... ))، هذا
مما اختلف العلماء في معناه، قال القاضي رحمه الله (١): لو قيل المتقدم ما
كان قبل النبوة والمتأخر ما عصمته بعدها، وقيل المراد به ذنوب أمته وَ له.
قال النووي(٢): قلت: فعلى هذا يكون المراد الغفران لبعضهم أو
سلامتهم من الخلود في النار. وقيل: المراد ما وقع منه وقَّ عن سهو وتأويل،
حكاه الطبري، واختاره القشيري. وقيل: ما تقدم لأبيك آدم وما تأخر من
ذنوب أمتك. وقيل: المراد أنك مغفور لك غير مؤاخذ بذنب لو كان. وقيل:
هو تنزيه له من الذنوب صلى الله تعالى عليه وسلم] قوله وَخالد: ((إن ما بين
المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر)) أو قال: ما بين مكة
وبُصرى، الحديث. المصراعان بكسر الميم جانبا الباب وهجر بفتح الهاء
والجيم وهي مدينة عظيمة هي قاعدة البحرين.
قال النووي(٣): وهجر هذه غير هجر المذكورة في حديث القلتين وأما
بصرى فبضم الباء مقصورة وهي مدينة معروفة بينها وبين دمشق نحو ثلاث
(١) شرح النووي على مسلم (٣/ ٥٧).
(٢) شرح النووي على مسلم (٥٧/٣).
(٣) شرح النووي على مسلم (٦٩/٣).

٤٩٩
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
مراحل وهي بلد بمدينة حوران وبينها وبين مكة شهر وهي أول بلدان الشام
فتوحا فتحت سنة ثلاث عشرة صلحًا.
٥٥١١ - وَعَنِ حُذَيْفَة زَّوَّهُ عَنِ النَّبِي ◌َِّ قَالَ يَقُولِ إِبْرَاهِيمْ يَوْمِ الْقِيَامَة يَا
رباه فَيَقُول الرب جلّ وَعلا يَا لبيكاه فَيَقُولِ إِبْرَاهِيم يَا رب حرقت بني فَيَقُول
أخرجُوا من النَّار من كَانَ فِي قلبه ذرة أو شعيرَة من إِيمَان رَوَاهُ ابْن حبَان فِي
صَحِيحِه وَلا أعلم فِي إِسْنَاده مطعنا(١) وروى الطَّبَرَانِيّ عَن زيد الرقاشِي عَن
أنس بن مالك قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َّهِ يشفع الله تبارك وَتَعَالَى آدم يَوْم الْقِيَامَة
من ذُريَّته فِي مائة ألف ألف وَعشرَة آلاف ألف(٢).
٥٥١٢- وعن عبد الله بن شقيق قال جلست إلى قوم أنا رابعهم فقال
أحدهم سمعت رسول الله 183 يقول ليدخلن الجنة بشفاعة رجل من أمتي
أكثر من بني تميم قلنا سواك يا رسول الله قال سواي نعم فلما قام قلت من
هذا قالوا ابن الجدعاء أو ابن أبي الجدعاء. رواه ابن حبان في صحيحه (٣)
(١) أخرجه ابن حبان (٧٣٧٨).
وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٦٤٥).
ولم يدرج الشارح تحته شرحا.
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ٥٧ رقم ٦٨٤٠). وقال الهيثمى في المجمع ٣٨١/١٠:
رواه الطبراني في الأوسط، وفيه يزيد الرقاشي، وهو ضعيف. وقال الألبانى منكر ضعيف
الترغيب (٢١١٦). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.
(٣) صحيح ابن حبان (٧٣٧٦)، وأخرجه أحمد (١٥٨٥٧) و (١٥٨٥٨)، والترمذي
(٢٦٠٧) زقال: حديث حسن صحيح غريب.

٥٠٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وابن ماجه(١) إلا أنه قال عن شقيق عن عبد الله بن أبي الجدعاء.
قوله: ((وعن عبد الله بن شقيق)) هو أبو عبد الرحمن، عبد الله بن شقيق
العقيلي البصري، من بني عقيل بن كعب. وهو من مشاهير التابعين وثقاتهم.
سمع عليا، وعثمان، وعائشة، ومن بعدهم. قوله: ((قال جلست إلى قوم أنا
رابعهم، فقال أحدهم: سمعت رسول الله وَل يقول: ليدخلن الجنة بشفاعة
رجل من أمتي أكثر من بني تميم. قلنا سواك يا رسول الله؟ قال: سواي)).
فذكره إلى أن قال: ((فلما قام قلت: من هذا؟ قالوا: ابن الجدعاء أو ابن أبي
الجدعاء)) الحديث.
[بنو تميم اسم لقبيلة من قبائل العرب معروفة، وابن أبي الجدعاء هذا عبد
الله كما ذكره ابن ماجه [التميمي] ويقال (١٠٤ / ب) [الكتاني ويقال] العبدي
له صحبة عداده من أهل البصرة. وقيل إنه عبد [الله بن أبي الحمساء]
والصحيح أنه غيره ليس له في الكتب الستة سوى هذا الحديث عند الترمذي
وابن ماجه، اهــ قاله في الديباجة، (وإنما يعرف لعبد الله بن الجدعاء هذا
الحديث، انتهى]، وقال صاحب التنقيح: بل له حديث آخر في فضائل النبي
(١) سنن ابن ماجه (٤٣١٦)، وأخرجه الطيالسي (١٣٧٩)، وأحمد (١٥٨٥٧) و(١٥٨٥٨)،
والبخاري في التاريخ (٣ /٢٦/١)، والدارمي (٢٨٠٨)، وابن أبي عاصم، في ((الآحاد
والمثاني)) (١٢٢٢)، وابن خزيمة، في («التوحيد)) (٤٦٩ و٤٧٠)، والبيهقي، في ((دلائل
النبوة)) ٣٧٨/٦)، وفي البعث والنشور (٤٩٢)، ومعجم الصحابة للبغوي (١٣٤/٤)
١٦٥٣) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٦٤٦)، وصحيح الجامع الصغير
(٥٣٦٤) والمشكاة ٥٦٠١، الصحيحة (٢١٧٨).