النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
قوله: ((وعن عقبة بن عامر)) تقدم الكلام عليه. قوله وَليل: ((تدنو الشمس
من الأرض)) الحديث، أي تقرب من الأرض. قوله: ((فيعرق الناس))
الحديث، والعرق الرشح من البدن، وتقدم معناه. قوله: ((ومنهم من يبلغ إلى
العجز)) والعجز هو الدبر. قوله: ((ومنهم من يبلغ الخاصرة)) الخاصرة معقد
الإزار.
٥٤٣٦- وعن عبد العزيز العطار عن أنس زَوَّلَهُ لا أعلمه إلا رفعه قال: لم
يلق ابن آدم شيئا منذ خلقه الله عز وجل أشد عليه من الموت، ثم إن الموت
أهون مما بعده، وإنهم ليلقون من هول ذلك اليوم شدة حتى يلجمهم العرق
حتى إن السفن لو أجريت فيه لجرت. رواه أحمد(١) مرفوعًا باختصار
والطبراني في الأوسط(٢) على الشك هكذا واللفظ له وإسنادهما جيد.
قوله: ((وعن عبد العزيز العطار)) وعبد العزيز العطار هذا هو عبد العزيز بن
قيس العبدي العطار البصري روى عن ابن عباس وابن عمر وأنس وعنه ابنه
=
٣٣٥/١٠) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٤١٦/٣)، والتعليقات
الحسان على صحيح ابن حبان (٣٤٨/١٠)، والتعليق الرغيب (١٩٥/٤).
(١) أخرجه في مسنده (١٢٥٦٦).
(٢) والطبراني في الأوسط (١٩٧٦)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣١٩/٢) رواه أحمد،
ورجاله موثقون، وقال الهيثمي في (٣٣٤/١٠) رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده جيد،
ورواه أحمد باختصار عنه، ولم يشك في رفعه، وإسناده جيد. وضعفه الألباني في السلسلة
الضعيفة (٤٣٣٨)، وضعيف الجامع الصغير وزيادته (٤٧٦٣)، وضعيف الترغيب
والترهيب (٤١٣/٢).

٢٦٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
سكين والمثنى بن دينار القطان الأحمر وحسن بن خالد قال أبو حاتم
مجهول وذكره ابن حبان في الثقات.
قوله: ((وإنهم ليلقون من هول ذلك اليوم شدة حتى يلجمهم العرق حتى
أن السفن لو أَجرِيت فيه لجرت)) تقدم معنى قوله حتى يلجمهم العرق،
والسنف هي مراكب البحر، قال أبو العباس القرطبي: هذا العرق لشدة
الضغط وحر الشمس التي على الرءوس بحيث تغلي منها الهوام وحرارة
الأنفاس وحرارة النار المحرقة بأرض المحشر ولأنها يخرج منها أعناق
تلتقط الناس في الموقف فترشح رطوبة الأبدان من كل إنسان بحسب عمله
ثم يجمع عليه ما يرشح منه بعد أن يغوص عرقه في الأرض مقدار سبعين باعا
أو ذراعا أو عاما على اختلاف الروايات. فإن قيل: فعلى هذا يكون الناس في
مثل البحر من العرق فيلزم أن يسبح الكل فيها سبحا واحدا فكيف يكونون
فيه متفاضلين بعضهم إلى عقبيه وبعضهم إلى فيه وما بينهما؟ قلنا: يزول هذا
الاستبعاد بأوجه أقربها وجهان: أحدهما أن يخلق الله ارتفاعا في الأرض التي
تحت قدم كل إنسان بحسب عمله فيرتفع على الأرض بحسب ارتفاع ما
تحته، وثانيهما أن يحشر جماعات في تفرقة فيحشر فيحشر كل من بلغ عرقه
إلى كعبيه في جهة وكل من بلغ حقويه في جهة وهكذا، والقدرة صالحة لأن
یمسك عرق کل إنسان علیه بحسب عمله فلا یتصل بغیرہ وإن کان بإزائه كما
قد أمسك جرية البحر لموسى ◌َليّلائنا حيث طلب لقاء الخضر ولبني إسرائيل
لما تبعهم فرعون والله أعلم بالواقع من هذه الأوجه، والحاصل أن هذا

٢٦٣
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
المقام مقام هائل لا تفي بهوله العبارات ولا تحيط به الأوهام ولا الإشارات
وأبلغ ما نطق به من ذلك الناطقون ﴿قُلْ هُوَ نَبَؤُّأْ عَظِيمٌ ﴾ أَنْتُمْ عَنْهُ
مُعْرِضُونَ ﴾﴾(١) اهـ
(١)
٥٤٣٧ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود ◌َّالَّهُ قَالَ الأَرْض كلهَا نَارِ يَوْمِ الْقِيَامَة
وَالْجِنَّة من وَرَائِهَا كواعبها وأكوابها وَالَّذِي نفس عبد الله بِيَدِهِ إِن الرجل
ليفيض عرقا حَتَّى يسيح فِي الأَرْض قامته ثمَّ يرْتَفع حَتَّى يبلغ أَنفه وَمَا مَسّه
الْحساب قَالُوا مِم ذَلِك يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن قَالَ مِمَّا يرى النَّاس يلقون رَوَاهُ
الطَّبَرَانِيّ مَوْقُوفًا بِإِسْنَاد جيد قوي(٢).
وَِّ قَالَ إِن الرجل
٥٤٣٨- وَعَن عبد الله بن مَسْعُود ◌َّوَّهُ عَنِ النَّبِي
ليلجمه العرق يَوْمِ الْقِيَامَة فَيَقُول يَارب أرحني وَلَوَ إِلَى النَّارِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي
الْكَبِيرِ بِإِسْنَاد جيد وَأَبُو يعلى وَمِن طَرِيقه ابْنِ حبَانِ إِلَّا أَنَّهُمَا قَالَا إِنِ الْكَافِرِ(٣)
(١) سورة ص، الآية: ٦٧ -٦٨.
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٥٤/٩ رقم ٨٧٧١). قال الهيثمى في المجمع ٣٣٦/١٠:
رواه الطبراني موقوفا، ورجاله رجال الصحيح. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب
(٢٠٩٢). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.
(٣) أخرجه أبو يعلى (٤٩٨٢)، وابن حبان (٧٣٣٥)، والطبراني في الأوسط (٢٧/٥ رقم
٤٥٧٩) و(٣٣٥/٥ رقم ٥٤٧٦) و(٣٦٣/٨ رقم ٨٨٨١) والكبير (١٥٥/٩ رقم ٨٧٧٩)
و(٩٩/١٠ رقم ١٠٠٨٣) و(١٠٧/١٠ رقم ١٠١١٢). وقال الهيثمى في المجمع
٣٣٦/١٠: رواهما الطبراني في الكبير بإسنادين، ورواه في الأوسط. وضعفه الألباني في
الضعيفة (٣٠٤٢) وضعيف الترغيب (٢٠٩٣). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.

٢٦٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وَرَوَاهُ الْبَزَّارِ وَالْحَاكِم من حَدِيث الْفضل بن عِيسَى وَهُوَ واه عَنِ الْمُنْكَدر عَن
جَابرٍ وَلَفْظُه قَالَ رَسُول الله وَّةٍ إِن الْعرق ليلزم الْمَرْءِ فِي الْموقف حَتَّى يَقُول
يَا رب إرسالك بِي إِلَى النَّارِ أَهْون عَليّ مِمَّا أجد وَهُوَ يعلم مَا فِيهَا من شدَّة
الْعَذَابِ وَقَالَ الْحَاكِمِ صَحِيحِ الْإِسْنَاهُ(١).
٥٤٣٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ◌َمَِّهُ عَنِ النَّبِيِنَِّ قَالَ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ
اٌلْعَلَمِينَ ﴾﴾(٢) مِقْدَار نصف يَوْم من خمسين ألف سنة فيهون ذَلِك على
الْمُؤمن كتدلي الشَّمْس للغروب إِلَى أَن تغرب رَوَاهُ أَبُو يعلى بِإِسْنَاد صَحِيح
وَابْنِ حبَان فِي صَحِيحه(٣).
٥٤٤٠ - وَعَن أبي سعيد رَقْرَّهُ عَن رَسُول الله وَهِ أَنْه قَالَ يَوْمًا كَانَ مِقْدَاره
وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّه
صَلَ اللَّه
خمسين ألف سنة فَقيل مَا أطول هَذَا الْيَوْمِ قَالَ النَّبِي
عَاتجية
وسام
ليخفف على الْمُؤمن حَتَّى يكون أخف عَلَيْهِ من صَلَاة مَكْتُوبَةِ رَوَاهُ أَحْمد
وَأَبُو يعلى وَابْنِ حبَان فِي صَحِيحه كلهم من طَرِيق دراج عَن أبي الْهَيْئَم (٤).
(١) أخرجه البزار (٣٤٢٣ / كشف الأستار)، والحاكم (٥٧٧/٤). وقال الحاكم: صحيح
الإسناد. وتعقبه الذهبي فقال: قلت: الفضل واه. قال الهيثمي في المجمع ٣٣٦/١٠: رواه
البزار، وفيه الفضل بن عيسى الرقاشي، وهو ضعيف جدا. وضعفه الألباني في ضعيف
الترغيب (٢٠٩٤). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.
(٢) سورة المطففين، الآية: ٦.
(٣) أخرجه أبو يعلى (٦٠٢٥)، وابن حبان (٧٣٣٣). وصححه الألباني في صحيح الترغيب
(٣٥٨٩)، الصحيحة (٢٨١٧). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.
(٤) أخرجه أحمد ٧٥/٣ (١١٧١٧)، وأبو يعلى (١٣٩٠)، وابن حبان (٧٣٣٤). وضعفه
=

٢٦٥
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
٥٤٤١- وَعَن عبد الله بن عَمْرُو رَوَّهُ عَنِ النَّبِيِ وَِّ قَالَ تجتمعون يَوْم
الْقِيَامَة فَيُقَالِ أَيْنِ فُقَرَاءَ هَذِه الأمة ومساكينها فَيقومُونَ فَيُقَال لَهُم مَاذَا عملتم
فَيَقُولُونَ رَبِنَا ابتليتنا فصبرنا وَوليت الْأَمْوَالِ وَالسُّلْطَانِ غَيرِنَا فَيَقُول الله عز
وَجلِ صَدِقْتُمْ قَالَ فَيَدْخِلُونَ الْجِنَّة قبل النَّاس وَتبقى شدَّة الْحساب على ذَوي
الْأَمْوَالِ وَالسُّلْطَانِ قَالُوا فَأَيْنَ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمِئِذٍ قَالَ تُوضَع لَهُم كراسي من نور
ويظلل عَلَيْهِم الْغَمَام يكون ذَلِك الْيَوْم أقصر على الْمُؤمِنِينَ من سَاعَة من نَهَار
رَوَاهُ الطََّرَانِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحِه(١).
قَالَ الْحَافِظِ وَقد صَحَّ أَن الْفُقَرَاءِ يدْخِلُونَ الْجِنَّة قبل الْأَغْنِيَاء بِخَمْسِمِائَة
عَام وَتقدم ذَلِك فِي الْفقر.
٥٤٤٢- وعن عبد الله بن مسعود رَقَّهُ عن النبي ◌َّ- قال يجمع الله
الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم قياما أربعين سنة شاخصة أبصارهم
ينتظرون فصل القضاء قال وينزل الله عز وجل في ظلل من الغمام من العرش
إلى الكرسي ثم ينادي مناد أيها الناس ألم ترضوا من ربكم الذي خلقكم
ورزقكم وأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا أن يولي كل إنسان منكم ما
=
الألبانى في المشكاة (٥٥٦٤)، وضعيف الترغيب (٢٠٩٥). ولم يدرج الشارح تحته
شرحا.
(١) أخرجه ابن حبان (٧٤١٩)، والطبراني في الكبير (٥٥٤/١٣ - ٥٥٥ رقم ١٤٤٤٥). ذكره
الهيثمي في مجمع الزوائد (٣٣٧/١٠)، وقال: ((رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح،
غير أبي كثير الزبيدي؛ وهو ثقة)). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٣١٨٧)
و(٣٥٩٠). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.

٢٦٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
كانوا يعبدون في الدنيا أليس ذلك عدلا من ربكم قالوا بلى فينطلق كل قوم
إلى ما كانوا يعبدون ويتولون في الدنيا قال فينطلقون ويمثل لهم أشباه ما كانوا
يعبدون فمنهم من ينطلق إلى الشمس ومنهم من ينطلق إلى القمر والأوثان
من الحجارة وأشباه ما كانوا يعبدون قال ويمثل لمن كان يعبد عيسى شيطان
عيسى ويمثل لمن كان يعبد عزيرا شيطان عزير ويبقى محمد ويلي وأمته قال
فيتمثل الرب تبارك وتعالى فيأتيهم فيقول ما لكم لا تنطلقون كما انطلق
الناس قال فيقولون إن لنا إلها ما رأيناه فيقول هل تعرفونه إن رأيتموه فيقولون
إن بيننا وبينه علامة إذا رأيناها عرفناها قال فيقول ما هي فيقولون يكشف عن
ساقه فعند ذلك يكشف عن ساقه فيخر كل من كان مشركا يرائي لظهره
ويبقى قوم ظهورهم كصياصي البقر يريدون السجود فلا يستطيعون وقد
كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون ثم يقول ارفعوا رؤوسكم فيرفعون
رؤوسهم فيعطيهم نورهم على قدر أعمالهم فمنهم من يعطى نوره مثل
الجبل العظيم يسعى بين أيديهم ومنهم من يعطى نوره أصغر من ذلك ومنهم
من يعطى مثل النخلة بيده ومنهم من يعطى أصغر من ذلك حتى يكون آخرهم
رجلا يعطى نوره على إبهام قدمه يضيء مرة ويطفأ مرة فإذا أضاء قدمه قدم
وإذا أطفىء قام قال والرب تبارك وتعالى أمامهم حتى يمر بهم إلى النار فيبقى
أثره كحد السيف قال فيقول مروا فيمرون على قدر نورهم منهم من يمر
كطرفة العين ومنهم من يمر كالبرق ومنهم من يمر كالسحاب ومنهم من يمر
کانقضاض الکواکب ومنهم من یمر کالريح ومنهم من يمر کشد الفرس
ومنهم من يمر کشد الرجل حتى يمر الذي يعطى نوره على ظهر قدميه يحبو

٢٦٧
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
على وجهه ويديه ورجليه تجر يد وتعلق يد وتجر رجل وتعلق رجل وتصيب
جوانبه النار فلا يزال كذلك حتى يخلص فإذا خلص وقف عليها فقال الحمد
لله الذي أعطاني ما لم يعط أحدا إذ أنجاني منها بعد إذ رأيتها قال فينطلق به إلى
غدير عند باب الجنة فيغتسل فيعود إليه ريح أهل الجنة وألوانهم فيرى ما في
الجنة من خلل الباب فيقول رب أدخلني الجنة فيقول الله أتسأل الجنة وقد
نجيتك من النار فيقول رب اجعل بيني وبينها حجابا حتى لا أسمع حسيسها
قال فيدخل الجنة ويرى أو يرفع له منزل أمام ذلك كأن ما هو فيه بالنسبة إليه
حلم فيقول رب أعطني ذلك المنزل فيقول لعلك إن أعطيته تسأل غيره فيقول
لا وعزتك لا أسأل غيره وأي منزل أحسن منه فيعطاه فينزله ويرى أمام ذلك
منزلا كأن ما هو فيه بالنسبة إليه حلم قال رب أعطني ذلك المنزل فيقول الله
تبارك وتعالى له لعلك إن أعطيته تسأل غيره فيقول لا وعزتك وأي منزل
أحسن منه فيعطاه فينزله ثم يسكت فيقول الله جل ذكره ما لك لا تسأل فيقول
رب قد سألتك حتى استحييتك فيقول الله جل ذكره ألم ترض أن أعطيك مثل
الدنيا منذ خلقتها إلى يوم أفنيتها وعشرة أضعافه فيقول أتهزأ بي وأنت رب
العزة قال فيقول الرب جل ذكره لا ولكني على ذلك قادر فيقول ألحقني
بالناس فيقول الحق بالناس قال فينطلق يرمل في الجنة حتى إذا دنا من الناس
رفع له قصر من درة فيخر ساجدا فيقول له ارفع رأسك ما لك فيقول رأيت
ربي أو تراءى لي ربي فيقال إنما هو منزل من منازلك قال ثم يأتي رجلا فيتهيأ
للسجود له فيقال له مه فيقول رأيت أنك ملك من الملائكة فيقول إنما أنا
خازن من خزانك وعبد من عبيدك تحت يدي ألف قهرمان على ما أنا عليه

٢٦٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قال فينطلق أمامه حتى يفتح له باب القصر قال وهو من درة مجوفة سقائفها
وأبوابها وأغلافها ومفاتيحها منها يستقبله جوهرة خضراء مبطنة بحمراء فيها
سبعون بابا كل باب يفضي إلى جوهرة خضراء مبطنة كل جوهرة تفضي إلى
جوهرة على غير لون الأخرى في كل جوهرة سرر وأزواج ووصائف أدناهن
حوراء عیناء عليها سبعون حلة يرى مخ ساقها من وراء حللها كبدها مرآته وكبده
مرآتها إذا أعرض عنها إعراضة ازدادت في عينه سبعين ضعفا عما كانت قبل ذلك
فيقول لها والله لقد ازددت في عيني سبعين ضعفا وتقول له وأنت لقد ازددت في
عيني سبعين ضعفا فيقال له أشرف فيشرف فيقال له ملكك مسيرة مائة عام ينفذه
بصرك قال فقال له عمر ألا تسمع ما يحدثنا ابن أم عبد يا كعب عن أدنى أهل
الجنة منزلا فكيف أعلاهم قال يا أمير المؤمنين ما لا عين رأت ولا أذن
سمعت فذكر الحديث رواه ابن أبي الدنيا(١) والطبراني(٢) من طرق أحدها
صحیح واللفظ له والحاكم(٣) وقال صحيح الإسناد.
(١) صفة الجنة لابن أبي الدنيا (٣١).
(٢) المعجم الكبير للطبراني (٩٧٦٣/٣٥٧/٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣٤٣/١٠)
رواه كله الطبراني من طرق، ورجال أحدها رجال الصحيح غير أبي خالد الدالاني، وهو
ثقة. وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (١٥٨/٨) ورواه الحاكم وصححه صحيح
الترغيب والترهيب (٤١٨/٣).
(٣) المستدرك للحاكم (٤٠٨/٢) وقال: ((هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم
يخرجاه بهذا اللفظ))، وأخرجه في (٦٣٢/٤) وقال ((رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات
غير أنهما لم يخرجا أبا خالد الدالاني في الصحيحين لما ذكر من انحرافه عن السنة في ذكر
الصحابة فأما الأئمة المتقدمون فكلهم شهدوا لأبي خالد بالصدق والإتقان والحديث
=

٢٦٩
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
قوله: ((وعن عبد الله)) يعني ابن مسعود كنيته أبو عبد الرحمن تقدم الكلام
على مناقبه (٧٣/ ب).
قوله ((يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم قياما أربعين سنة
شاخصة أبصارهم ينتظرون فصل القضاء)) تقدم قوله: ((وينزل الله في ظلل من
الغمام من العرش إلى الكرسي)) الحديث، الكرسي فيه لغتان ضم الكاف
وكسرها والضم أفصح وجمعه كراسي بتشديد الياء وتخفيفها. قال ابن
السكيت كل ما كان من هذا النحو مفرده [مشددة] كعارية وسريّة جاء في
جمعه التشديد والتخفيف قاله الكرماني(١).
قوله: ((فمنهم من ينطلق إلى الشمس ومنهم من ينطلق إلى القمر))
الحديث. سؤال: ما الحكمة في أن الشمس والقمر يوم القيامة يطمس نورهما
ويلقيان في جهنم؟ قيل: ليظهر لعبدة الشمس والقمر أنهما ليسا آلهة لأنهما لو
كانا آلهة لدفعا عن أنفسهما، ولما ذهب ضوءهما وهذا هو حصول السر في
ذهاب ضوئهما في الدنيا بالخسوف وإنما ألقيا في جهنم يوم القيامة ليكون
حسرة على من يعبد الشمس والقمر لأنه يُنادى يوم القيامة فيقال من كان
يعبد شيئا فليتبعه فیتبعونهم في جهنم، اهـ.
تنبيه: ورد في الحديث أن الشمس [تسجد] تحت العرش وربما أشكل
=
صحيح ولم يخرجاه وأبو خالد الدالاني ممن يجمع حديثه في أئمة أهل الكوفة)) وتعقبه
الذهبي، قال: ما أنكره حديثا على جودة إسناده.
(١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١/ ٤٢).

٢٧٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الأمر في هذا الحديث [على من لم يتبحر] في العلم فقال: نحن نراها تغيب في
الأرض، وقد أخبر القرآن أنها تغرب في عين حمئة فإذا دارت تحت الأرض
وصعدت فأين هي من العرش؟ فالجواب: أن الأرضين السبع في ضرب مثال
كقطب رحى والعرش لعظم ذاته كالرحى فأين سجدت الشمس؟ سجدت
تحت العرش وذلك مستقرها، اهـ قاله في الحواشي. قوله في الحديث: ويبقى
محمد وأمته، قال: فيتمثل الرب تبارك وتعالى فيأتيهم فيقول ما لكم لا
تنطلقون كما انطلق الناس الحديث الإتيان عبارة عن رؤيتهم إياه لأن العادة
أن من غاب عن غيره لا يمكنه رؤيته إلا بالإتيان فعبر بالإتيان والمجيء هنا
عن الرؤية مجازا وقيل الإتيان فعل من أفعال الله تعالى سماه إتيانا، وقيل
المراد: یأتیهم الله تعالی أي یأتیهم بعض ملائكته.
قال القاضي عياض(١): وهذا الوجه أشبه عندي بالحديث. قال: ويكون
هذا الملك الذي جاءهم في الصوة التي أنكروها من سمات الحدوث
الظاهرة على الملك والمخلوق وهذا آخر امتحان المؤمنين، فإذا قال لهم
هذا الملك أو هذه الصورة أنا ربكم رأوا عليه من علامة المخلوق ما ينكرونه
ويعلمون به أنه ليس ربهم ويستعيذون بالله سبحانه وتعالى منه. اهـ. قوله:
((فيقولون إن لنا إلها ما رأيناه، فيقول هل تعرفونه إن رأيتموه؟ فيقولون: إن
بيننا وبينه علامة إذا رأيناه عرفناه. قال: فيقول ما هي؟ فيقولون: يكشف عن
(١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٤٢/٢٥). عمدة القاري ج٦/ ص٨٤)،
والديباج على مسلم ج١/ ص٢٣٢).

٢٧١
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
ساقه)) الحديث، كشف الساق عبارة عن معظم الأمر وشدته. قال ابن عباس:
هي أشد ساعة في القيامة. وقال أبو عبيد: إذا اشتد الأمر أو الحرب قيل كشف
الأمر عن ساقه والأصل أن من وقع في شيء يحتاج إلى الجد شمّر عن ساقه
فاستعير الساق، والكشف عنها في موضع الشدة وكذا قال القتيبي ﴿يَوْمَ
يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾(١) هذا من الاستعارات فسمى الشدة ساقا لأن الرجل
إذا وقع في الشدة شمّر عن ساقه فاستعيرت في موضع شدة فأما ما روي أن الله
تعالى يكشف عن ساقه يوم القيامة فمعناه: أي يكشف عن العظيم من أموره،
وقال الخطابي رحمه الله إنما جاء ذكر الكشف عن الساق على معنى الشدة
فيحتمل أن يكون معنى الحديث أنه يبرز من أهوال يوم القيامة وشدتها ما
يرتفع معه سائر الامتحان فيميز عند ذلك أهل اليقين والإخلاص فيؤذن لهم
بالسجود وينكشف الغطاء عن أهل النفاق فتعود ظهورهم طبقا واحدا لا
يستطيعون السجود اهـ، قاله في التذكرة(٢).
قوله وَالحلقة: ((ويبقى قوم (٧٤/ أ) ظهورهم كصياصي البقر يريدون السجود
فلا يستطيعون)) الحديث، صياصي البقر قرونها، وتقدم الكلام أيضا بزيادة،
[قوله: ((فيعطيهم نورهم على قدر أعمالهم)) الحديث. قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ
تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَنِهِمْ﴾(٣) الآية،
(١) سورة القلم، الآية: ٤٢.
(٢) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٧٤٨).
(٣) سورة الحديد، الآية: ١٢.

٢٧٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وهذا النور حقيقة محسوس يُعطاه المؤمنون يوم القيامة منهم من يعطى نوره
يضيء له كما بين مكة وصنعاء ومنهم من نروه كالنخلة السحوق ومنهم من
يضيء على موضع قدميه ومنهم من نوره على إبهامه فيطفىء مرة [ويقد]
أخرى وكل ذلك على قدر أعمالهم وتخصيص هاتين الجهتين لأن السعداء
يُؤتون صحف أعمالهم منهما كما أن الأشقياء يؤتون من شمائلهم ووراء
ظهورهم.
قيل: أن قوله ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَنِهِم﴾ كناية عن جميع جهاتهم وتقول
لهم الملائكة بشراكم اليوم جنات، وهذه البشرى حاصلة لجميع المؤمنين
وإن كان فيهم من يدخل النار ويخرج منها على مذهب أهل السنة ويحتمل
أن يكون هذا في طائفة خاصة من المؤمنين وهم الذين لا يدخلون النار
والقسم الآخر مسكوت عنه والتمسك بعموم لفظ المؤمنين والمؤمنات
یشهد للأول، اهـ، قاله في الديباجة.
قوله: ((فسقى أثر الصراط كحد السيف))، وفي حديث: أدق من الشعر.
ويُروى أرق، وكلاهما للخشني وهما بمعنى كل دقيق فهو رقيق، اهـ، قاله
عياض(١)](٢).
قوله: ((منهم من يمر كطرفة العين)) وفي حديث كالطرف والطرف بفتح
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٢٦٢).
(٢) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (قال: والهمزة في أتسخر
بي همزة نفي، قال: وهذا كلام منبسط متذلل، اهـ).

٢٧٣
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
الطاء وسكون الراء كذا الرواية وهي صحيحة أي كسرعة وضع الطرف، كما
قال تعالى: ﴿قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرُفُكٌ﴾(١)، وهو طرف الإنسان بعينه، وهو
امتداد لحظه حيث أدرك، قاله عياض(٢). وقوله: ((ومنهم من يمرّ كشد
الفرس)) وشدّها عَدْوُها البالغ وجريها، ومنه حديث السعي لا يقطع الوادي
إلا شدًّا أي عدوا، قاله في النهاية(٣). ومعنى الحديث أنهم يكونون في سرعة
المرور على حسب مراتبهم وأعمالهم.
قوله: «حتى يمر الذي يغطي نوره على ظهر قدميه يحبو على وجهه ويديه
ورجليه)). قال أهل اللغة الحبو المشي على اليدين والرجلين وربما قالوا
على اليدين والركبتين، وربما قالوا على يديه ومقعدته، والله أعلم.
قوله: ((فينطلق به إلى غدير عن باب الجنة)) الحديث، الغدير عبارة عن
القطعة من الماء يغادرها السيل، أي: يتركها، هذا قول أبي عبيد، فهو إذا ((
فعيل)) في معنى ((مفعول)) على اطراح الزائد.
وقد قيل: إنه من الغدر، لأنه يخون وراده فينضب عنهم.
قوله: ((فيرى ما في الجنة من خلل الباب)) خلل الباب عبارة عن الشقوق
التي يُرى منها. قوله في الحديث: ((أتهزأ بي وأنت رب العزة)) وفي رواية:
((أتسخر بي)) والهزء والسخرية بمعنى واحد، وأما معنى السخرية هنا ففيه
(١) سورة النمل، الآية: ٤١.
(٢) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (٣١٨/١).
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤٥٢/٢).

٢٧٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
أقوال أحدها قاله القاضي عياض(١): أن يكون هذا الكلام صدر من هذا
الرجل وهو غير ضابط لما قاله عند غلبة الفرح عليه والسرور واستحقاقه إياه
ببلوغ ما لم يخطر بباله فلم يضبط لسانه دهشا وفرحا فقاله وهو لا يعتقد
حقيقة معناه وجرى على عادته في الدنيا في مخاطبة المخلوق وهذا كما قال
النبي وَّ في الرجل الذي غلط ولم يضبط نفسه من الفرح فقال: اللهم أنت
عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح بوجود راحلته، خرجه مسلم. الثاني: أن
يكون معناه أتجازيني على ما كان مني في الدنيا من قلة احتفالي بأعمالي
وعدم مبالاتي بها فيكون هذا على جهة المقابلة كما قال الله تعالى مخبرا عن
المنافقين: ﴿إِنَّمَا تَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾(٢)، ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾(٣)
أي ينتقم منهم ويجازيهم على استهزائهم والاستهزاء في اللغة الانتقام، قاله
في التذكرة(٤).
الثالث: ما قاله المازري(٥) أنه خرج على المقالة الموجودة في معنى
الحديث دون لفظه لأنه عاهد الله سبحانه وتعالى مرارا أن لا يسأله غير
(٧٤/ ب) ما سأل ثم غدر فحل غدره محل الاستهزاء والسخرية فقدر
(١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٥٥٩/١) شرح النووي على مسلم (٤٠/٣).
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٤.
(٣) سورة البقرة، الآية: ١٥.
(٤) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٩١٣).
(٥) المعلم بفوائد مسلم (١/ ٣٤٠).

٢٧٥
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
الرجل أن قول الله عز وجل: ادخل الجنة وتردده إليها وتخييل كونها مملوءة
ضرب من الإطماع له والسخرية به جزاء لما تقدم من غدره وعقوبة له فسمی
الجزاء على السخرية سخرية، فقال: أتسخر بي أي أتعاقبني بالإطماع.
القول الرابع قاله أبو بكر الصوفي أن معناه نفي السخرية التي لا تجوز على
الله تعالى كأنه قال: أعلم أنك لا تهزأ بي لأنك رب العالمين وما أعطيتني من
جزيل العطاء وأضعاف مثل الدنيا حق ولكن العجب أنك أعطيتني هذا وأنا
غير أهل له. قال: والهمزة في أتسخر بي همزة نفي، قال: وهذا كلام منبسط
متذلل، اهـ.
قوله: ((فينطلق يرمل في الجنة)) الرمل هو الإسراع في المشي مع تقارب
الخطا، قوله: ((ثم يلقى رجلا فيتهيأ للسجود له، فيقول له: مه)) الحديث، مه
كلمة معناها الكف عما يفعله. قوله: ((تحت يدي ألف قهرمان على ما أنا
عليه)) القهرمان هو الذي يتولى حفظ ما تحت يديه وهو خادم الشخص
القائم بقضاء حوائجه.
قوله: ((فقال عمر: ألا تسمع ما يحدثنا ابن أم عبد يا كعب عن أدنى أهل
الجنة منزلا، فكيف أعلاهم؟)»، الحديث، ابن أم عبد هو عبد الله بن مسعود

٢٧٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فصل في ذكر الحساب وغيره
٥٤٤٣- عن أبي برزة رَّ ◌َّهُ أن رسول الله وَالل قال: لا تزول قدما عبد يوم
القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه؟ وعن علمه ما عمل به؟
وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟ وعن جسمه فيما أبلاه؟ رواه
الترمذي(١) وقال: حديث حسن صحيح.
قوله: ((عن أبي برزة)) أبو برزة هذا اسمه نضلة، بنون ثم ضاد معجمة، ابن
عبيد، هذا هو الصحيح المشهور فى اسمه، ويقال: نضلة بن عمرو، ويقال:
نضلة بن عبد الله. قوله {وَاللّ: ((لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن
أربع عن عمره فيما أفناه وعن علمه ما عمل به)) الحديث، وفي حديث معاذ
الذي بعده: وعن علمه ماذا عمل فيه. قال الإمام أبو عبد الله القرطبي. قلت:
(١) الترمذي (٢٤١٧)، وأخرجه الدارمي (٥٤٣)، وأبو يعلى (٧٤٣٤)، والروياني (١٣١٣)،
والآجري في أخلاق العلماء (١١٥)، والبيهقي في المدخل (٤٩٤)، والخطيب في اقتضاء
العلم العمل (١)، ومحمد بن عبد الباقي الأنصاري في المشيخة الكبرى (٤٢٥)، والمزي
في التهذيب (٥١٧/١٠ - ٥١٨)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال
الهيثمي في مجمع الزوائد (٣٤٦/١٠) رواه الطبراني في الأوسط وهو عند الترمذي دون
قوله: وعن حبنا أهل البيت. وما بعده. وجعل الرابعة: وعلمه ماذا عمل به. وفي إسناد
الطبراني الحارث بن محمد الكوفي، ويقال له: المعكوف، قال صاحب الميزان: أتى بخبر
باطل، وباقيهم ثقات. وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (٧٣٠٠)،
واقتضاء العلم ١ - ٣، والصحيحة ٩٤٦. وصحيح الترغيب والترهيب (٤٢٣/٣).

٢٧٧
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
قوله: ((وعن علمه فيما عمل فيه)) هذا مقام مخوف لأنه لم يقل وعن علمه ما
قال فيه وإنما قال ما عمل فيه فلينظر العبد ما عمل فيما علمه هل صدق الله في
ذلك وأخلصه حتى يدخل فيمن أثنى عليه بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ﴾(١)
أو خالف علمه [فيدخل] في قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ
اُلْكِتَبَ﴾(٢) الآية. وقوله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِآلْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾(٣)
الآية، وقوله: ﴿يَدَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾﴾(٤) الآية،
والأخبار بهذا المعنى كثيرة جدا وتقدم ذلك والله أعلم، قاله في التذكرة(٥).
٥٤٤٤ - وَعَن معَاذ بن جبل رََّّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َّهِ لن تَزُول قدما
عبد يَوْم الْقِيَامَةِ حَتَّى يسْأَلَ عَن أَربع خِصَال عَن عمره فِيمَا أفناه وَعَن شبابه
فِيمَا أبلاه وَعَن مَاله من أَيْنِ اكْتَسبَهُ وَفِيمَا أنفقُهُ وَعَن علمه مَاذَا عمل فِيهِ رَوَاهُ
الْبَزَّارِ وَالطََّرَانِيّ بِإِسْنَادِ صَحِيحِ وَاللَّفْظِ لَهُ(٦).
(١) سورة البقرة، الآية: ١٧٧.
(٢) سورة الأعراف، الآية: ١٦٩.
(٣) سورة البقرة، الآية: ٤٤.
(٤) سورة الصف، الآية: ٢.
(٥) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٦٣٢).
(٦) أخرجه البزار (٢٦٤٠ و٢٦٤١)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٦٠ رقم ١١١). قال الهيثمى
في المجمع ٣٤٦/١٠: رواه الطبراني، والبزار بنحوه، ورجال الطبراني رجال الصحيح غير
صامت بن معاذ، وعدي بن عدي الكندي، وهما ثقتان. وصححه الألباني في صحيح
الترغيب (٣٥٩٣). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.

٢٧٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ـّا أن النبي ◌َّ قال من نوقش الحساب عذب
ا اللَّهِوَ
٥٤٤٥-وعن عائشة
فقلت أليس يقول الله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَبَهُ بِيَمِينِهِ، ﴾ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ
حِسَابًا يَسِيرًا ﴾ وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا ﴾﴾(١) فقال إنما ذلك العرض
وليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك
رواه البخاري(٢) ومسلم (٣) وأبو داود(٤) والترمذي(٥).
قوله: ((وعن عائشة)) تقدم الكلام عليها. قوله وَيلة: ((من نوقش الحساب
عُذِّب)) الحديث، المناقشة الاستقصاء في الحساب حتى لا يترك منه شيء،
يقال ناقشه الحساب إذا عاسره فيه واستقصى فلم يترك قليلا ولا كثيرا، يقال
انتقشت منه جميع حقي، وقيل المناقشة هو نفس عذابه المراد، يعذب
بمحاسبته وقيل بل [إذا](٦) نوقش وزنت أعماله وخطراته وهمه وصغائره
وكبائره لم يكن يتخلص إن لم يعف الله عنه كما قال عليتلا: لا يدخل أحدكم
الجنة بعمله، الحديث، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى (٧) وللحديث
معنيان: أحدهما أن نفس المناقشة وعرض الذنوب والتوقيف عليها هو
(١) سورة الإنشقاق، الآية: ٧-٩.
(٢) صحيح البخاري (٦٥٣٦).
(٣) صحيح مسلم (٧٩) (٢٨٧٦).
(٤) سنن أبي داود (٣٠٩٣).
(٥) سنن الترمذي (٢٤٢٦) وقال: «هذا حديث حسن صحيح)).
(٦) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٧) شرح النووي على مسلم (٢٠٨/١٧).

٢٧٩
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
التعذيب لما فيه من التوبيخ، والثاني أنه مفض إلى العذاب بالنار، [وتؤيده]
الرواية الأخرى وهو حديث ابن الزبير من نوقش الحساب هلك مكان
عُذّب، هذا كلام القاضي، وهذا الثاني هو الصحيح ومعناه أن التقصير غالب
في العباد فمن استقصى عليه ولم يُسامح هلك وأدخل النار ولكن الله يعفو
ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء، اه، قاله النووي(١).
قولها رَّهَا فقلت: ((أليس يقول ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَبَهُ بِيَمِينِهِ. @)
فَسَوْفَ (٧٥/ أ) يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ﴾﴾(٢)) أي سهلا هينا لا يناقش فيه
ولا يعترض فيما يشق عليه كما يناقش أصحاب الشمال، ووجه المعارضة أن
الحديث عام في تعذيب كل من حوسب والآية تدل على عدم تعذيب بعضهم
وهم أصحاب اليمين، وجوابها: أن المراد بالحساب في الآية العرض يعني
الإبراز والإظهار. وعن عائشة زَقَالَّهَا: ((هو أن يُعرّف ذنوبه ثم يتجاوز عنه))
اهـ. وقوله: ((إنما ذلك العرض)) هو بكسر الكاف أي عرض الأعمال لا
الحساب.
قوله عليه: ((وليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك)) أي يحاسب حسابا
على سبيل الاستقصاء والمناقشة حتى لا يترك منه شيء، يؤيده قوله {وَالت:
((من نوقش الحساب عذب)) وفي رواية: ((هلك))، كما تقدم، وهذا لمن لم
يحاسب نفسه في الدنيا فيناقش بالصغيرة والكبيرة فأما من تاب وحاسب
(١) شرح النووي على مسلم (٢٠٩/١٧).
(٢) سورة الانشقاق، الآية: ٧-٨.

٢٨٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
نفسه فلا يناقش والله أعلم. وفي هذا الحديث بيان فضيلة عائشة أم المؤمنين
ك الله وا
وحرصها على التعلم والتحقيق فإن رسول الله وَلو ما كان يتضجر من
رصِوعنـ
المراجعة إليه وإثبات الحساب والعرض والعذاب وجواز المناظرة ومقابلة
السنة بالكتاب وتفاوت الناس في الحساب وغير ذلك والله أعلم.
تنبيه: في آخر الكتاب باليمين، حكى النووي (١) عن القاضي عياض في
ذلك قولين أحدهما أن جميع المؤمنين من الأمم يأخذون كتبهم بأيمانهم ثم
يعذّب الله من [يشاء] من عصاتهم والثاني إنما يأخذ كتابه بيمينه الناجون من
النار خاصة، اهـ. قاله الكمال الدميري.
لطيفة: فيها بشری: قال أبو عثمان النهدي: إن المؤمن يُؤتی کتابه في ستر
من الله تعالى فيقرأ سيئاته فإذا قرأها تغير لونه حتى يمرّ بحسناته فيقرأها
فيرجع إليه لونه ثم ينظر فإذا سيئاته بدلت حسنات، فعند ذلك يقرأ ﴿هَآؤُمُ
أُقْرَءُواْ كِتَبِيَهْ﴾ (٢) الآية، قاله ابن رجب الحنبلي (٢).
٥٤٤٦ - وعن ابن الزبير رَظَ لَّنَا قال قال رسول الله ورس له من نوقش الحساب
هلك. رواه البزار (٤) والطبراني في الكبير (١) بإسناد صحيح.
(١) انظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٧/ ٢٥٧).
(٢) سورة الحاقة، الآية: ١٩.
(٣) جامع العلوم والحكم (ج١/ ص١١٨)، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (١٤١٥)، وقال
السيوطي في الدر المنثورج٦/ ص ٢٨٠ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي عثمان
النهدي.
(٤) مسند البزار = البحر الزخار (٢١٩٨).