النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١
كتاب الجنائز وما یتقدمها
قوله: ((فيقال هذا مقعدك)) أي هذا مستقر وما تصير إليه يوم بعثك(١)، اهـ.
تنبيه: هل العذاب على الروح أو على الجسد؟ فالجواب: أنه عليهما معا
لكن حقيقته على الروح [ويألم] الجسد [مع] ذلك وينعم لكن لا يظهر أثر
ذلك [إلا] لمن يشاء من أهل الدنيا ولهذا لو نبش على الميت لوُجد كهيئته
يوم وضع [انتهى]. وإذا تقرر ذلك فمن قال إن التنعيم والعذاب يقع على
الروح والبدن معا يقول إن الميت يعرف من يزوره ويسمع من [يقرأ] عنده إذ
لا مانع من ذلك، ومن قال إن [التنعيم] والعذاب يقع على الروح فقط لا
يمنع ذلك أيضا إلا من [زعم] منهم أن الأرواح المعذبة مشغولة بما هي فيه
والأرواح المنعمة مشغولة بما هي فيه، وقد ذهب إلى ذلك طوائف من
الناس والمشهور [خلافه]، اهـ، قاله ابن حجر (٢).
وهل كل مؤمن يعرض على الجنان؟ فقيل: ذلك مخصوص بالمؤمن
الكامل الإيمان ومن أراد الله إنجاءه من النيران، وأما من أنفذ الله تعالى
[عليه] وعيده من المخلصين الذين خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا فله
مقعدان يراهما جميعا كما أنه يرى عمله شخصين في وقتين أو في وقت واحد
قبيحًا وحسنًا، وقد يحتمل أن يراد بأهل الجنة كل من يدخلها كيف كان(٣)
والله أعلم.
(١) مطالع الأنوار (٣٨٨/٥).
(٢) فتاوى ابن حجر (ص ٢٠ - ٢٣).
(٣) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٤٢٦-٤٢٧).
١٢٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قال أبو العباس القرطبي رحمه الله تعالى (١): ثم قيل هذ العرض إنما هو
على الروح وحده ويجوز أن يكون مع جزء من البدن والله أعلم بحقيقة
ذلك، ويجوز أن یکون علیه مع جمیع الجسد فترد إليه الروح كما ترد عند
المساءلة حين يقعده الملكان ويقال له انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك
الله به مقعدا من الجنة. قلت: ظاهر الحديث هذا ولا مانع من إعادة الروح
إلى الجسد أو إلى البعض الي يدرك منه حالة العرض.
فإن قلت: وهل في القبر غداة وعشي وليل أو نهار. قلت المراد وقت
الغداة والعشي عند الأحياء ويحتمل أن يمثل له وقت الغداة والعشي في حال
عرض المقعد عليه وقد ورد في سؤال الملكين أنه يمثل له وقت صلاة العصر
ودنو الشمس للغروب وحكى ابن بطال عن بعض أهل بلدهم أن معنى
العرض هنا الإخبار بأن هذا موضع أعمالكم والجزاء لها عند الله تعالى فإن
قيل فنحن نشاهد الميت على حاله في قبره فكيف يسأل ويقعد ويضرب
بمطارق من حديد ويعذب ولا يظهر له أثر؟
فالجواب: أن ذلك غير ممتنع بل له نظير في العادة وهو النائم فإنه يجد لذة
وآلاما لا نحس نحن شيئا منها، وكذ يجد اليقظان لذة وألما لما يسمعه أو
يتفكر فيه ولا يشاهد ذلك جليسه منه وكذا كان جبريل عليه الصلاة والسلام
يأتي النبي وَّ فيخبره بالوحي الكريم ولا يدركه الحاضرون وكان هذا ظاهر
جلي والله أعلم. وتقدم مثل هذا من كلام الكرماني، لكن هذا أوضح ففي هذا
(١) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٤٢٧).
١٢٣
كتاب الجنائز وما يتقدمها
الحديث أن الميت يعرض عليه في قبره بالغداة والعشي مقعده من الجنة كما
دل عليه الحديث وفي هذا تنعيم لمن هو من أهل الجنة وتعذيب لمن هو من
أهل النار بمعاينة ما أعد له وانتظاره ذلك إلى اليوم الموعود ويوافق هذا في
أحد الشقين قوله تعالى: ﴿[التَّارُ] يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوَّا وَعَشِيًّا﴾(١) الآية،
ج
ويُروى من حديث ليث عن أبي قيس عن [هذيل] عن عبد الله بن مسعود
عزَّ ◌َّهُ قال (٢): أرواح آل فرعون الذين يعرضون على النار غدوا وعشيا في
أجواف طير سود فيعرضون على النار كل يوم مرتين فيقال لهم هذه داركم،
فذلك قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾(٣) الآية، وعنه أيضا أن أرواحهم
في جوف طير سود تغدوا على جهنم وتروح كل يوم مرتين فذلك عرضها،
[وسيأتي الكلام على الروح ومستقرها واختلاف العلماء في ذلك قريبا إن شاء
الله تعالى](٤). قال ابن أبي الدنيا(6): حدثنا حماد بن محمد الفزاري قال:
بلغني عن الأوزاعي أنه سأله رجل بعسقلان من الساحل فقال له: يا أبا عمرو
إنا نرى طيرا أسود تخرج من البحر فإذا كان العشي عاد مثلها بيضا، قال:
(١) سورة غافر، الآية: ٤٦.
(٢) تفسير عبد الرزاق (٢٦٨٤)، وتفسير ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٢٦٧).
(٣) سورة غافر، الآية: ٤٦.
(٤) وقع تأخير لهذه الجملة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (فذلك دأبها حتى تقوم
الساعة، فيقال: ﴿أَدْخِلُوْاْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ اُلْعَذَابِ﴾ اهـ).
(٥) من عاش بعد الموت لابن أبي الدنيا (٤٩)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢٩١/٧)
لابن أبي الدنيا في کتاب من عاش بعد الموت وابن جرير.
١٢٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فطنتم لذلك؟ [قالوا]: نعم. قال: تلك طير في حواصلها أرواح آل فرعون
يعرضون على النار فلتفحها فيسود ريشها ثم تلقي ذلك الريش ثم تعود إلى
أوكارها فتلفحها النار، فذلك دأبها حتى تقوم الساعة، فيقال: ﴿أُدْخِلُوَاْ ءَالَ
فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾(١) اهـ.
[٥٣٨٩] وَعَن أبي سعيد الْخُذْرِيّ ◌َ لَّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّه يُسَلط
على الْكَافِرِ فِي قَبره تِسْعَة وَتَسْعُونَ تنينا تنهشه وتلدغه حَتَّى تقوم السَّاعَة فَلَو
أَن تنينا مِنْهَا نفخت. رواه أحمد(٢) وأبو يعلى(٣)، ومن طريقه ابن حبان في
صحيحه(٤)، كلهم من طريق دراج عن أبي الهيثم.
يسلط على الكافر في قبره تسعة وتسعون تنينا الخ
قوله: ((وعن أبي سعيد الخدري)) تقدم الكلام على مناقبه.
قوله وقدالحلقة: ((يسلط على الكافر في قبره تسعة وتسعون تنينا تنهشه وتلدغه حتى
تقوم الساعة)) الحديث، التنين الحية الكبيرة، وقيل التنين نوع من الحيات كثير
(١) سورة غافر، الآية: ٤٦.
(٢) مسند أحمد (١١٣٣٤).
(٣) أبو يعلى (١٣٢٩).
(٤) ابن حبان (٣١٢١). وأخرجه ابن أبي شيبة ١٧٥/١٣، وعبد بن حميد في المنتخب
(٩٢٩)، والآجري في الشريعة ص٣٥٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥٥/٣): رواه
أحمد، وأبو يعلى موقوفا، وفيه دراج، وفيه كلام وقد وثق. وضعفه الألباني في ضعيف
الترغيب والترهيب (٤٠٦/٢)، والتعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (١٠٢/٥)،
والتعليق الرغيب (٤ / ١٨٢).
١٢٥
كتاب الجنائز وما يتقدمها
السم وذكرها إما للتأكيد أو لبيان أنواع العذاب. قوله: ((تنهشه)) النهش واللدغ
معناهما واحد في اللغة، وذكر كلا اللفظين هنا؛ إما للتأكيد، أو لبيان أنواع
العذاب؛ لأنه ربما يكون النهش أشد ألما من اللدغ أو بالعكس(١).
قوله: ((وتلدغه)) اللدغ بالدال المهملة هو ضرب أو عض ذات السم.
قوله: ((فلو أن تنينا منها سحب في الأرض ما أنبتت خضرا يصف شدّة سمه
وحرارة فمه)) يعني احترقت الأرض بوصول حرارة فمه إليها (٢) والله أعلم.
فائدة: ما الحكمة في تخصيص العدد بتسعة وتسعين؟ قال العلماء: يحتمل
وجوها أحدها: (٥٦/ أ) أن يكون توقيفيا [موكولا إلى النبي بطريق الوحي]
وليس مستقلا من اكتساب العقل كتخصيص عدد ركعات الصلاة ومقادير
الزكوات وغيرهما مما لا مجال للعقل في معرفة كميتها وإنما هو لحكمة
علمها النبي ◌َّ بطريق الوحي. والثاني أن يقال: إن الله تعالى تسعة وتسعين
اسما كل اسم منها دال على صفة يجب [الإيمان] بها كالرحمن والرحيم
وغيرهما، فلما أنكر [المعرض] ولم يؤمن [بها] لا جملة ولا تفصيلا
وأعرض عنها في الدنيا سلط عليه في الآخرة عددها من الحيات. والثالث أن
يكون مقابلا لما أعد الله تعالى لعباده في الآخرة من الرحمات وهي تسع
وتسعون رحمة أعد الله للكافرين تسعة وتسعين تنينا(٣).
(١) المفاتيح (٢٣٦/١).
(٢) شرح المصابيح (١ /١٤٥).
(٣) الميسر (٧٥/١-٧٦) والمفاتيح (٢٣٦/١-٢٣٧).
١٢٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
[٥٣٩٠] وَعَن أبي هُرَيْرَة ◌َقُولَهُ عَن رَسُول الله وَِّ قَالَ إِن الْمُؤمن فِي قَبره
لفي رَوْضَة خضراء فيرحب لَهُ قَبره سَبْعُونَ ذِرَاعًا وينور لَهُ كَالْقَمَرِ لَيْلَة الْبَدْرِ
أَتَّدْرُونَ فِيمَا أنزلت هَذِه الْآيَةِ ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً
ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾(١) قَالَ أَتَدْرُونَ مَا الْمَعيشَة الضنك قَالُوا
الله وَرَسُوله أعلم قَالَ عَذَابِ الْكَافِرِ فِي قَبِرِهِ وَالَّذِي نَفْسِي بِّدِهِ إِنَّه يُسَلط عَلَيْهِ
تِسْعَة وَتَسْعُونَ تنينا أَتَدْرُونَ مَا التنين سَبْعُونَ حَيَّة لكل حَيَّة سبع رُؤُوس
يلسعونه ويخدشونه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة رواه أبو يعلى(٢) وابن حبان في
صحيحه(٣) واللفظ له، كلاهما من طريق دراج عن ابن حجيرة عنه.
قوله: ((وعن أبي هريرة)) تقدم الكلام على مناقبه.
قوله وَله: ((إن المؤمن في قبره لفي روضة خضراء فيرحب له قبره سبعون
ذراعا)) الحديث، أما نعيم القبر فقد دل عليه قوله تعالى: ﴿فَأُمَّآ إِن كَانَ مِنَ
(١) سورة طه، الآية: ١٢٤.
(٢) أخرجه أبو يعلى (٦٦٤٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣ / ٥٥): رواه أبو يعلى وفيه
دراج وحديثه حسن واختلف فيه. وصحح ابن حبان من حديث أبي هريرة مرفوعا في قوله
{معيشة ضنكا} قال: عذاب القبر، أورده من وجهين مطولا ومختصرًا وأخرجه البزار
(٢٢٣٣)، والطبري (٢٢٨/١٦) ووالآجري في الشريعة (ص ٣٥٨) والبيهقي في عذاب
القبر (٦٨) والواحدي في الوسيط (٢٢٥/٣ - ٢٢٦)، وقال الهيثمي في المجمع ٦٧/٧:
رواه البزار وفيه من لم أعرفه. وأخرجه ابن أبي حاتم (تفسير ابن كثير ١٦٩/٣)، وقال ابن
کثیر: رفعه منکر جدًا.
(٣) ابن حبان (٣١٢٢).
١٢٧
كتاب الجنائزوما يتقدمها
اُلْمُقَرَّبِينَ
فَرَوْعٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمِ ﴾﴾(١)، [والروضة] معروفة
٨٨
ويرّحب له قبره أي يوسع والرحب هو المكان الواسع.
قوله أتدرون ما المعيشة الضنك؟ الضنك الشقاء وإنما هو شدة الضيق
والشدة وإن كان المعنى متقاربا شيئا وقد جاء في حديث أنه عذاب القبر، هذا
قاله عياض(٢)، وقد اختلف في وقت هذه المعيشة الضنك متى هي فقالت
فرقة هي في الدنيا ومعنى ذلك عندهم أن الكافر وإن كان متسع الحال والمال
فمعه الحرص والأمل والتعذيب بأمور الدنيا والرغبة وامتناع صفاء العيش
لذلك ما یصیر معيشته ضنکی(٣).
وقالت فرقة المعيشة الضنك في البرزخ وهي أن يرى مقعده من النار غدوة
وعشيا وما يكون من الأهوال في مدة البرزخ وحمل هذه الفرقة على هذا
التأويل أن الآية تقتضي أن المعيشة الضنك هي قبل يوم القيامة بقوله:
﴿وَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾(٤)، وبقوله: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ
وَأَبْقَىّ﴾(٥)، وقالت فرقة: بل المعيشة الضنك في الآخرة، وهي عذابهم في
جهنم وأكلهم الزقوم وما ذكره من الوعيد لهم(٦)، اهـ، قاله في الديباجة.
(١) سورة الواقعة، الآية: ٨٨-٨٩.
(٢) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (٦٠/٢).
(٣) تفسير ابن عطية (١٤١/٦-١٤٢)، والبحر المحيط (٣٩٤/٧).
(٤) سورة طه، الآية: ١٢٤.
(٥) سورة طه، الآية: ١٢٧.
(٦) تفسير ابن عطية (٦/ ١٤٢).
١٢٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
سؤال: ما الحكمة في القبر؟ قال بعضهم ستر المؤمن وأحواله لأن سائر
الأديان لا يدفنون موتاهم فيكون فيه كشف موتاهم وأيضا يكون سجنا
للكافر وحصنا للمؤمن. وقال القبر: روضة من رياض الجنة أو حفرة من
حفر النار، اهـ. قاله ابن العماد في كتابه كشف الأسرار(١).
وتقدم الكلام على التنين وعلى تسعة وتسعين والحكمة في ذلك في
حديث أبي سعيد الخدري المتقدم.
[٥٣٩١] وَعَن عبد الله بن عمر رََّا أَن رَسُول اللهِ وَلِّ ذكر فتانِ الْقَبْرِ
فَقَالَ عمر أترد علينا عقولنا يَا رَسُول الله فَقَالَ رَسُول الله رَّ نعم كهيئتك
الْيَوْمِ فَقَالَ عمر بِفِيهِ الْحجر. رواه أحمد(٢) من طريق ابن لهيعة والطبراني(٣)
بإسناد جید.
قوله: ((وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي)) تقدم الكلام على مناقبهما زَّ
٠
قوله: ((أن رسول الله وَل ذكر فتّان القبر فقال عمر أترد علينا عقولنا يا
رسول الله؟)) فقال رسول الله وَالآ نعم كهيئتك اليوم. الحديث.
(١) كشف الأسرار (لوحة ١٥).
(٢) أحمد (٦٦٠٣) ورواه ابن عدي في الكامل (٢/ ٤٥٠)، وابن حبان (٣١١٥)، والآجري في
الشريعة (٨٦٢) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٤٧/٣)، وقال: ((رواه أحمد والطبراني
في الكبير، ورجال أحمد رجال الصحيح)). وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة
(٤٩٢/٢): رواه أحمد بن حنبل، وأبو يعلى الموصلي وعنه ابن حبان في صحيحه.
وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٩٣/٣).
(٣) المعجم الكبير للطبراني (١٣ / ١٠٦/٤٤).
١٢٩
كتاب الجنائز وما يتقدمها
[وفتنة القبر هو الضلال عن صواب إجابة الملكين وهما منكر ونكير، وعذاب
القبر ضرب من لم يوفق الجواب بمطارق الحديد، وتعذيبه إلى يوم القيامة (١)]،
جاء في حديث البخاري ومسلم سؤال ملکین وكذلك في حديث الترمذي ونص
على اسميهما ونعتيهما، وجاء في حديث أبي داود وغيره سؤال ملك واحد ولا
تعارض في ذلك والحمد لله بل كل ذلك صحيح المعنى بالنسبة إلى الأشخاص
فرب شخص يأتيانه جميعا ويسألانه جميعا في حال واحدة وآخر يأتيه أحدهما
على الانفراد فيكون ذلك أخف في السؤال وأقل في المراجعة والجواب (٢)،
وتقدم الكلام على ذلك مبسوطا بما فيه شفاء والله أعلم.
قوله: ((فقال عمر بفيه الحجر)) معناه أن عمر لم يهب السؤال لما علم أن
الشهيد لايفتن والصديق أجل خطراً وأحرى أن لا يفتن؛ لأنه المقدم ذكره في
التنزيل على الشهداء.
[٥٣٩٢] وَعَن عَائِشَة رَوالَتَهَا قَالَت قلت يَا رَسُول الله تبتلى هَذ الأمة فِي
قبورها فَكيف بِي وَأَنَا امْرَأَةُ ضَعِيفَة قَالَ يثبت الله الَّذين آمنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِت فِي
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ إِبْرَاهِيم رواه البزار(٣)، ورواته ثقات.
(١) المفهم (٢٢ /٩٠).
(٢) التذكرة (ص ٣٥٧ -٣٥٨)، وعنه نقله ابن ناجى في شرحه على متن الرسالة (٥٨/١-
٥٩)، وشرح الصدور (ص ١٤٤).
(٣) كما في كشف الأستار (٨٦٨)، ورواه ابن الأعرابي في المعجم (٨١)، وقال الهيثمي في
مجمع الزوائد (٥٣/٣): قلت: لها حديث غير هذا في الصحيح. رواه البزار، ورجاله
ثقات. وصححه الألباني في الترغيب والترهيب (٣٩٣/٣).
١٣٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: ((وعن عائشة)) تقدم الكلام على مناقبها
قولها: ((قالت قلت يا رسول الله تبلى هذه الأمة في قبورها، فكيف بي وأنا
امرأة ضعيفة؟)) الحديث، الابتلاء هو الاختبار ويكون بالخير والشر والمراد
[به] هاهنا هو الثاني وهو نظير الفتنة في قوله : أعوذ بك من فتنة ((٥٦/ ب)»
المحيا والممات، الحديث، فالفتنة الابتلاء والامتحان. يقال فتنت الذهب
بالنار إذا امتحنته بها، [وفتنة القبر هو الضلال عن صواب إجابة الملكين
وهما منكر ونكير وعذاب القبر ضرب من لم يوفق الجواب بمطارق
الحديث وتعذيبه إلى يوم القيامة(١)](٢).
فائدة: السؤل في القبر هل هو عام في حق المسلمين والمنافقين والكفار أو
يختص بالمسلم والمنافق؟ قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب التمهيد (٣).
الآثار الثابتة تدل على أن الفتنة في القبر لا تكون إلا لمؤمن أو منافق فمن كان
في الدنيا منسوبا إلى أهل القباء ودين الإسلام ممن حقن دمه بظاهر الشهادة؛
وأما الكافر الجاحد المبطل فليس ممن يسأل عن ربه ودينه ونبيه وإنما يسأل
عن هذا أهل الإسلام والله أعلم. فيثبت الله الذين آمنوا ويرتاب المبطلون،
والقرآن والسنة يدلان على خلاف هذا القول وأن السؤال للكافر والمؤمن.
قال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِى الْخَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِى
(١) المفهم (٢٢/ ٩٠).
(٢) سقطت هذه الجملة من النسخة الهندية.
(٣) ابن عبدالبر في التمهيد (٢٥٢/٢٢) والتذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٤١٤).
١٣١
كتاب الجنائز وما یتقدمها
الْآخِرَةٌ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَّ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَآءُ ﴾﴾(١)، وثبت في الصحيح
أنها نزلت في عذاب القبر حين يسأل من ربك وما دينك ومن نبيك، وفي
الصحيحين(٢) عن أنس بن مالك عن النبي وَلّل أنه قال: إن العبد إذا وضع في
قبره وتولى عنه أصحابه أنه يسمع قرع نعالهم وذكر الحديث، زاد
البخاري(٣): وأما الكافر والمنافق [فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟
فيقول: لا أدري؛ الحديث. وسيأتي قريبا، هكذا ذكره البخاري. وأما المنافق]
والكافر بالواو وورد كذلك عدة أحاديث.
وقول أبي عمر بن عبد البر: إن الكافر الجاحد ليس ممن يسأل [عن ربه
ودينه](٤) فيقال له: ليس كذلك بل هو من جملة [المشركين] وأولى بالسؤال
من غيره، وقد أخبر الله تعالى في كتابه أنه يسأل الكفار يوم القيامة. قال الله
®﴾(٥)، وقال:
تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ
﴾﴾(٦)، وقال:
عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ @
﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ﴾﴾(٧)، فإذا سئلوا يوم
(١) سورة إبراهيم، الآية: ٢٧.
(٢) صحيح البخاري (١٣٣٨)، وصحيح مسلم (٧٠) (٢٨٧٠).
(٣) صحيح البخاري (١٣٣٨).
(٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٥) سورة القصص، الآية: ٦٥.
(٦) سورة الحجر، الآية: ٩٢ - ٩٣.
(٧) سورة الأعراف، الآية: ٦.
١٣٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
القيامة فكيف لا يسألون في قبورهم، اهـ. قال ابن عبد البر (١) في حديث زيد
بن ثابت عن النبي ◌ّ أنه قال: إن هذه الأمة تبتلى في قبورها: [ومنهم] من
يروى تسأل وعلى هذا اللفظ يحتمل أن تكون هذه الأمة خصت بذلك وهو
أمر لا يقطع به.
قوله وَخّ في حديث عائشة: قال: ﴿يُثَبِّثُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ
فِى الْخَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِى الْآخِرَةِ﴾(٢)، والقول الثابت هو كلمة التوحيد لأنها
راسخة في قلب المؤمن، وتثبيتهم في الدنيا أنهم إذا فتنوا لم يزلوا عنها، وفي
الآخرة أنهم إذا سئلوا في القبر لم يتوقفوا في الجواب والله أعلم. قاله
الكرماني(٣).
[٥٣٩٣] وَعَن أنس ◌ََّ أَن رَسُول الله ◌َّةَ قَالَ إِن العَبْدِ إِذا وضع فِي قَبره
وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابِهِ وَإِنَّهُ ليسمع قرع نعَالهمْ إِذا انصرفوا أَتَاهُ ملكان فَيُقْعِدَانِهِ
فَيَقُولَانِ لَهُ مَا كنت تَقول فِي هَذَا النَّبِي مُحَمَّد فَأَمَا الْمُؤمن فَيَقُول أشهد أَنْه
عبد الله وَرَسُوله فَيُقَال لَهُ انْظُر إِلَى مَقْعَدك من النَّار أبدلك الله بِهِ مْعدا من
وَّ فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا وَأما الْكَافِرِ أَو الْمُنَافِقِ فَيَقُول لَا أَدْرِي
الْجِنَّة قَالَ النَّبِي
كنت أَقُولِ مَا يَقُول النَّاس فِيهِ فَيُقَال لَا دَریت وَلَا تليت ثمَّ يضْرب بِمِطْرَقَةٍ من
حَدِيد ضَرْبَة بَيْن أَذْنَيْهِ فَيَصِيحِ صَيْحَة يسْمعهَا من يَلِيهِ إِلَّ الثقلَيْن رواه
(١) ابن عبد البر في التمهيد (٢٥٣/٢٢).
(٢) سورة إبراهيم، الآية: ٢٧.
(٣) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٤٦/٧).
١٣٣
كتاب الجنائز وما یتقدمها
البخاري(١) واللفظ له ومسلم(٢).
قوله: ((وعن أنس)) تقدم الكلام على مناقبه رَقْ لَهُ .
قوله ◌َّ: ((إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم
إذا انصرفوا)) الحديث القرع الصوت، والضمير في نعالهم لأصحاب الميت وقيل
أن أهل القبور يؤذيهم صوت النعال. وفي حديث آخر: وإنه ليسمع خفق نعالهم
وخفق النعل هو صوتها عند دوسها على الأرض، قاله الكرماني(٣) وغيره.
فرع: ولا يكره المشي على المقابر بالنعلين على المشهور لقوله ◌َله: إنه
ليسمع خفق نعالهم، وما ورد من الأمر بإلقاء السبتين في أبي داود(٤)
والنسائي(٥) بإسناد حسن (ويحتمل] أن يكون لأنهما من لباس المترفين أو
أنه كان فيهما نجاسة والنعال الستبية بكسر السين المدبوغة بالقرظ، اهـ. قاله
الكمال الدميري في شرح المنهاج (٦)](٧) [وكذا رواه] ابن ماجه (٨) وصححه
(١) صحيح البخاري (١٣٣٨).
(٢) صحيح مسلم (٧٠) (٢٨٧٠).
(٣) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٧/ ١١٧).
(٤) سنن أبي داود (٣٢٣٠).
(٥) سنن النسائي (٩٦/٤).
(٦) النجم الوهاج (٩٢/٣).
(٧) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (نظر رسول الله وَل إلى
رجل يمشي في نعليه بين المقابر فقال: يا صاحب السبتية اخلع نعليك، اهـ).
(٨) ابن ماجه (١٥٦٨).
١٣٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وصححه ابن حبان (١) من حديث بشر بن الخصاصية في أثناء حديث قال فيه
فإذا برجل يمشي بين القبور عليه نعلان فقال: يا صاحب السبتين ألق سبتتيك
فنظر فلما عرف رسول الله وَ يا خلع نعليه. وقال البيهقي لما أخرجه لا يعرف
هذا الحديث إلا بهذا الإسناد. وروى الطبراني (٢) من حديث عصمة بن
(٥٧/أ) مالك قال نظر رسول الله وَالله إلى رجل يمشي في نعليه بين المقابر
فقال: يا صاحب السبتية اخلع نعليك، اهـ.
مسألة: قال شيخ الإسلام ابن حجر: كيف يمكن الجمع بين قوله تعالى:
﴿وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِ اُلْقُبُورِ﴾ (٣) وبين قوله ◌ََّ: ((إن الميت إذا وضع في
في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا))، [وإذا] تقرر
ذلك فللعلماء في الجمع بين الحديث والآية مذاهب فمنهم من أول الآية
وحمل الحديث على ظاهره وعمّمه في جميع الموتى ومن هؤلاء من خصه
ببعض الموتى ومنهم من خصه ببعض أحوال الموتى ومنهم من أوّل
الحديث وحمل الآية على ظاهرها وعمومها، والمسألة مشهورة جدا وقد
حررتها في شرح البخاري(٤)، والله أعلم، انتهى.
قوله وَالر: ((أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له ما كنت تقول في هذا النبي
(١) صحيح ابن حبان (٣١٧٠).
(٢) المعجم الكبير للطبراني (١٧ /٤٩٥/١٨٥).
(٣) سورة فاطر، الآية: ٢٢.
(٤) فتاوى ابن حجر (ص ٥٧-٦٥)، وفتح البارى (٢٣٤/٣-٢٣٥).
١٣٥
كتاب الجنائز وما يتقدمها
محمد)) الحديث، سؤال: ما الحكمة في سؤال منكر ونكير عليهما السلام،
قيل الحكمة فيه أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال: رب أرني كيف تحيي
الموتى عيانا، فأراه ليزداد يقينا، كذلك يحيى المؤمن في القبر ليزداد يقينا بالإحياء
وأيضا أراد أن ينبسط العبد مع الرب حتى إذا سأله في القيامة لا يخاف كما أنه أمر
موسى بإلقاء عصاه [فصارت] حية ثم قال خذها ولا تخف كيلا يخاف عند
مناظرته لفرعون من العصى. قاله ابن العماد في كشف الأسرار(١).
[سؤال أيضا: وهو أن [هل] سؤال منكر ونكير عليهما السلام [هل هو](٢)
مختص بهذه الأمة أم يكون لها ولغيرها [فهذا موضع قد تكلم فيه الناس](٣)،
[قال] أبو عبد الله الترمذي [في نوادر الأصول](4): إنما سؤال الميت في هذه
الأمة خاصة لأن الأمم قبلنا كانت الرسل تأتيهم بالرسالة فإذا أبَوْا كفّت
الرسل واعتزلوهم وعوجلوا بالعذاب فلما بعث الله تعالى محمدا وَاله
بالرحمة أمانا للخلق كما قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّ رَحْمَةً لِّلْعَلَمِينَ
﴾ (٥) أمسك عنهم العذاب وأعطاه السيف حتى يدخل في الإسلام ومن
١٠٧)
دخل لمهابة السيف ثم يرسخ الإسلام في قلبه فأمهلوا فمن هاهنا ظهر أمر
(١) كشف الأسرار (لوحة ١٥).
(٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٤) نوادر الأصول في أحاديث الرسول (٢٢٧/٣) ابن حجر في فتح الباري (٢٤٠/٣).
(٥) سورة الأنبياء، الآية: ١٠٧.
١٣٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
النفاق فكانوا يُسرّون الكفر ويعلنون الإيمان فكانوا بين المسلمين في ستر
فلما ماتوا قيّض الله لهم فتاني القبر ليُستخرج سرّهم بالسّؤال وليميز الله
الخبيث من الطيب فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا [وفي
الآخرة]، ويضل الله الظالمين، اهـ [قاله القرطبي (١)] وخالف في ذلك آخرون
منهم عبد الحق الإشبيلي والقرطبي وقال السؤال لهذه الأمة ولغيرها وتوقف
آخرون في ذلك منهم أبو عمر بن عبد البر] (٢) وقد احتج من خصّه بهذه الأمة
بقوله وسية: إن هذه الأمة تبلى في قبورها [وظاهر هذا الاختصاص بهذه الأمة
في ذلك كلام يطول](٣)، والظاهر والله أعلم أن كل نبي مع أمته، كذلك وأنهم
معذّبون في قبورهم بعد السؤال لهم وإقامة الحجة عليهم كما يعذّبون في
الآخرة بعد السؤال وإقامة الحجة والله سبحانه أعلم، قاله ابن قيم الجوزية
في كتابه الروح. سؤال أيضا: لقد سئل شيخ الإسلام ومحدث الأنام ابن
حجر هل يسأل الميت وهو قاعد أو يسأل وهو راقد، فأجاب [] عفا الله عنه
[]: أنه يسأله الملكان وهو قاعد كما جاء في حديث البراء المشهور الذي
صححه أبو عوانة (٤) وأخرجه أحمد(١) ففيه التصريح بذلك وكذلك حديث
(١) انظر: فتح الباري (٣/ ٢٤٠).
(٢) حصل تكرار لما بين [] في النسخة الهندية، فأدرج بعد قوله في ما سبق: (وقال: فلنسألن
الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين}، فإذا سئلوا يوم القيامة فكيف لا يسألون في
قبورهم، اهـ.)، وأدرج ثانية في هذا الموضع.
(٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٤) وأبو عوانة - كما في إتحاف المهرة - (٤٥٩/٢).
١٣٧
كتاب الجنائز وما يتقدمها
أنس هذا فيه أيضا التصريح بذلك.
وسئل هل تلبس الروح الجثة كما كانت أولا؟ فأجاب: نعم [تلبس الروح
الجثة كما كانت]، لكن ظاهر الخبر (٥٧/ ب) أن الروح تحل في نصفه
الأعلى كذا قال رحمه الله تعالى (٢)، اهـ.
سؤال: هل تقيم الروح بعد السؤال؟ الجواب: أن روح المؤمن في عليين
وروح الكافر في سجين ولكل روح اتصال بجسدها، وهو اتصال معنوي لا
يشبه الاتصال في الحياة بل أشبه شيء به حال النائم [وإن كان هو أشد من
حال النائم](٣) انفصالا وهذا يجمع ما افترق من الأخبار من أن محل
الأرواح في عليين وفي سجين وتكون الأرواح عند أفنية القبور كما نقله ابن
عبد البر عن الجمهور (٤)، اهـ.
سؤال آخر: هل يسمع الميت التلقين؟ الجواب: نعم يسمع لوجود
الاتصال الذي أشرنا إليه أولا ولا يقاس ذلك على حال الحي إذا كان في قعر
=
(١) مسند أحمد (١٨٥٣٤)، وأخرجه الحاكم في المستدرك ٣٧/١-٣٨، واللالكائي في
أصول الاعتقاد (٢١٤٠)، والبيهقي في إثبات عذاب القبر (٢١) (٤٤)، وفي شعب الإيمان
(٣٩٥)، وقال البيهقي في الشعب: هذا حديث صحيح الإسناد، وقال ابن منده: هذا إسناد
متصل مشهور، رواه جماعة عن البراء، وكذلك رواه عدة عن الأعمش، وعن المنهال ابن
عمرو، والمنهال بن عمرو: هو الأسدي، مولاهم، الكوفي، أخرج عنه البخاري ما تفرد به،
وزاذان أخرج عنه مسلم، وهو ثابت على رسم الجماعة.
(٢) فتاوى ابن حجر (ص ٧٣).
(٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٤) فتاوى ابن حجر (ص ٢١ - ٢٣).
١٣٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
بئر [مردوم مثلا فإنه لا يسمع كلام منه هو على البئر] (١).
مسألة: وهي أن الأطفال هل يمتحنون في قبورهم؟ اختلف الناس في ذلك
على قولين هما وجهان لأصحاب أحمد وحجة من قال أنهم يسألون
بمشروعية الصلاة عليهم والدعاء لهم [وسؤال الله أن يقيهم عذاب القبر
وفتنة القبر كما ذكر مالك في موطئه](٢) [وفي موطأ مالك] عن أبي هريرة أن
رسول الله وسلّ صلى على جنازة صبي فسمع من دعائه: اللهم قِهِ عذاب القبر،
واحتجوا بما رواه [علي بن](٣) معبد عن عائشة زَّلَّهَا أنه مر عليها بجنازة
صبي صغير فبكت. فقيل لها: ما يبكيك يا أم المؤمنين؟ فقالت: هذا الصبي
بكيت له شفقة عليه من ضمة القبر. قالوا: والله تعالى يكمّل لهم عقولهم
ليعرفوا بذلك منزلتهم ويلهمون الجواب كما يسألون عنه قالوا: وقد دل على
ذلك الأحاديث الكثيرة التي فيها أنهم يمتحنون في الآخرة، وحكاه الأشعري
عن أهل السنة والحديث فإذا امتُحِنوا في الآخرة لم يمتنع امتحانهم في
القبور (٤).
وقال آخرون السؤال إنما يكون لمن عقل الرسول والمرسل فيُسأل هل
آمن بالرسول وأطاعه أم لا، وأما الطفل الذي لا تمييز له بوجه فكيف يتوجه
(١) الروح (ص ١٣).
(٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٤) الروح (ص: ٨٨).
١٣٩
كتاب الجنائزوما يتقدمها
إليه السؤال ولو رد عليه عقله في القبر فإنه لا يُسأل عما لم يتمكن من معرفته
والعلم به ولا فائدة لهذا السؤال، وهذا بخلاف امتحانهم في الآخرة. وأما
حديث أبي هريرة فليس المراد بعذاب القبر فيه عقوبة الطفل على ترك طاعته
أو فعل معصيته قطعا فإن الله لا يعذب أحدا بلا ذنب عمله [بل عذاب القبر
قد يراد به الألم والله أعلم، قاله ابن قيم الجوزية(١)](٢). وإنما المراد الألم
الذي يحصل للميت بسبب غيره وإن لم يكن عقوبة على عمل عمله، ومنه
الحديث: أن الميت ليُعذّب ببكاء أهله عليه أي يتألم بذلك ويتوجع منه لا أنه
يُعاقب بذنب الحي، ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾(٣)، وهذا كقوله ◌َّ .
السفر قطعة من العذاب (٤)، [فالعذاب] أعم من [العقوبة] ولا ريب أن في
القبر من الألم والهموم والغموم والحسرات ما قد يسري أثره إلى الطفل
فيتألم به فيشرع للمصلي عليه أن يسأل الله تعالى أن يقيه ذلك العذاب، اهـ.
قاله في الديباجة.
مسألة أيضا: هل يعذب العاصي في قبره إلى يوم القيامة أو لا يعذب إلا
عند مجيء منکر ونکیر عليهما السلام؟ فجواب ذلك يختلف باختلاف کبر
(١) الروح (ص: ٨٨).
(٢) حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (فيشرع للمصلي عليه
أن يسأل الله تعالى أن يقيه ذلك العذاب، اهـ. قاله في الديباجة).
(٣) سورة الأنعام، الآية: ١٦٤.
(٤) صحيح البخاري (١٨٠٤)، وصحيح مسلم (١٧٩) (١٩٢٧).
١٤٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
المعصية وصغرها وحصول العفو عن بعض الموتى دون بعض فقد لا
يعذّب بعض الصلاة أصلا وقد يستمر التعذيب على بعض العصاة وقد يرتفع
عن بعض وشواهد ذلك من الأحاديث [موجودة] والله أعلم، قاله قاضي
القضاة ابن حجر(١).
[٥٣٩٤] وَفِي رِوَايَة أَن رَسُول الله رٍَّ قَالَ إِن الْمُؤمن إِذا وضع فِي قَبره
أَتَاهُ ملك فَيَقُول لَهُ مَا كنت تعبد فَإِن الله هداه قَالَ كنت أعبد الله فَيَقُول لَهُ مَا
كنت تَقول فِي هَذَا الرجل فَيَقُول هُوَ عبد الله وَرَسُوله فَمَا يَسْأَل عَن شَيْء
بعْدهَا فَيَنْطَلق بِهِ إِلَى بَيْتِ كَانَ لَهُ فِي النَّارِ فَيُقَال لَهُ هَذَا كَانَ لَك وَلَكِن الله
عصمك فأبدلك بِهِ بَيْتًا فِي الْجِنَّة فيراه فَيَقُول دَعونِي حَتَّى أذهب فأبشر أَهلِي
فَيُقَال لَهُ اسكن قَالَ وَإِنِ الْكَافِرِ أَو الْمُنَافِقِ إِذا وضعٍ فِي قَبَرِه أَتَاهُ ملك فينتهره
فَيَقُول لَهُ مَا كنت تعبد فَيَقُول لَا أَدْرِي فَيُقَال لَا دَريت وَلَا تليت فَيُقَال لَهُ مَا
كنت تَقول فِي هَذَا الرجل فَيَقُول كنت أَقُول مَا يَقُول النَّاس فيضربه بمطراق
بَيْن أُذُنَيْهِ فَيَصِيحِ صَيْحَة يسْمعهَا الْخلق غير الثقلَيْنِ رواه البخاري(٢) واللفظ
(٣)
له ومسلم(٣).
[قوله: ((عن أنس)) تقدم. قوله: ((إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه
أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا)) الحديث، وفي حديث: خفق
(١) فتاوى ابن حجر في العقيدة (ص ٤٤ -٤٥).
(٢) صحيح البخاري (١٣٣٨).
(٣) صحيح مسلم (٧٠) (٢٨٧٠).