النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١
كتاب الجنائز وما يتقدمها
وعن أم عطية قالت: نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا (١)، الحديث معناه
نهانا رسول الله وَ ﴾ عن ذلك نهي كراهة تنزيه لا نهي عزيمة تحريم (١) وهو معنى
قولها ولم يعزم علينا فإن العزيمة دالة على التأكد(٣) فأما نهي العزم فهو الحرام
ومنه قول أم عطية ولم يعزم علينا أي لم ينهنا نهي عزم بل نهي كراهة وفيه دليل
على أن النهي يطلق على الحرام وعلى المكروه وهو كذلك عن الأصوليين
وأصل النهي المنع، والمنع قد يكون منع تحريم وقد يكون [منع ] كراهة.
قال النووي: ومذهب أصحابنا أنه مكروه وليس بحرام لهذا الحديث. (٤)
قال القاضي(٥): قال جمهور العلماء يمنعن من اتباعها واختاره علماء
المدينة.
قال ابن [العطار]: فإن اقترن باتباعهن لها محرم أو جرًّا إلى مفسدة كان
حراما شديد التحريم (٦) وأجازه مالك وكرهه للشابة(٧)، وقد رآى ابن مسعود
مسعود نساء في جنازة فطردهن، وقال: والله لا أرجع إن لم ترجعن وحصبهن
(١) أخرجه البخاري (١٢٧٨)، ومسلم (٣٤ و٣٥ - ٩٣٨).
(٢) شرح النووي على مسلم (٢/٧).
(٣) إحكام الأحكام (١/ ٣٦٩).
(٤) المجموع شرح المهذب (٣١٠/٥) وشرح النووي على مسلم (٢/٧).
(٥) إكمال المعلم (٣٨٢/٣).
(٦) العدة (٧٧٧/٢).
(٧) المدونة الكبرى (١٨٨/١).
١٠٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
بالحجارة(١)، فعلى هذا فليس للنساء نصيب في حضور الجنائز(٢) والله أعلم.
والمعتمد في المذهب كراهة اتباعهن الجنازة وأما قول الشيخ أبي نصر
المقدسي لا يجوز للنساء اتباع الجنازة فمحمول على كراهة التنزيه فإن أراد
التحريم فهو مردود مخالف لقول الأصحاب(٣) ثم قال وما ذكرناه من كراهة
كراهة الاتباع هو مذهبنا ومذهب جماهير العلماء كافة حكاه ابن المنذر عن
ابن مسعود وابن عمر وأبي أمامة وعائشة ومسروق وأحمد وإسحاق وبه قال
الثوري وغيرهم ولم يكرهه مالك إلا لشابة (٤) [كما تقدم]، [وتقدم الكلام
على خروج النساء مع الجنازة في أوائل هذا الباب](٥).
(١) المصنف لعبد الرزاق (٦٣٠٠)، والمصنف (١١٢٩٣) لابن أبى شيبة.
(٢) المدخل (١ / ٢٥١).
(٣) المجموع (٢٧٧/٥).
(٤) المجموع (٢٧٨/٥).
(٥) حصل تقديم لهذه الجملة في النسخة الهندية وأدرجت قبل قوله: (والمعتمد في المذهب
كراهة اتباعهن الجنازة).
١٠٣
كتاب الجنائز وما یتقدمها
التَّرْهِيب من الْمُرُورِ بقبور الظَّالِمين وديارهم ومصارعهم مَعَ الْغَفْلَة عَمَّا أَصَابَهُم
وَبَعض مَا جَاءَ فِي عَذَابِ الْقَبْر ونعيمه وسؤالٍ مُنكَر وَنَكِيرِ عَلَيْهِمَا السّلَام
[٥٣٨٢] عَنِ ابْن عمر رَوََّا أَن رَسُول اللهِ وَِّهِ قَالَ لأَصْحَابِه يَعْنِي لما
وصلوا الْحجر ديار ثَمُود لا تدخلُوا على هَؤُلاءِ الْمُعَذَّبين إِلَّا أَن تَكُونُوا بَاكِينَ
فَإِن لم تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخِلُوا عَلَيْهِم ◌َا يُصِيبَكُم مَا أَصَابَهُم رَوَاهُ الْبُخَارِيّ
وَمُسلم (١).
[٥٣٨٣] وَفِي رِوَايَة قَالَ لما مر النَّبِي ◌َّهِ بِالْحَجرِ قَالَ لَا تَدْخِلُوا مسَاكِن
الَّذِين ظلمُوا أنفسهم أَن يُصِيبِكُم مَا أَصَابَهُم إِلَّا أَن تَكُونُوا بَاكِينَ ثُمَّ قنع رَأسه
وأسرع السّير حَتَّى أجَاز الْوَادى (٢)
قوله: ((عن ابن عمر)) المراد بابن عمر عبد الله بن عمر بن الخطاب، تقدم
الكلام على مناقبه في أول هذا التعليق.
قوله: ((أن رسول الله وَ ل قال لأصحابه)) يعني لما وصلوا الحجر ديار ثمود
(لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين)) الحديث، الحجر
بكسر الحاء اسم الأرض ثمود أي بلاد ثمود قوم صالح ◌َالسَّلامًا. قال أبو عمرو
بن العلاء سميت ثمود لقلة مائها، والثمد الماء القليل، [وكان] مساكن ثمود
(١) أخرجه البخاري (٤٣٣) و(٣٣٨٠ و٣٣٨١) و(٤٤٢٠) و(٤٧٠٢)، ومسلم (٣٨ و٣٩ -
٢٩٨٠).
(٢) صحيح البخاري (٤٤١٩).
١٠٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
[الحجر بين] الحجاز والشام عند وادي القرى(١) وكانوا عربا وكان صالح
وَ﴾ من أفضلهم نسبهم فبعثه الله تعالى إليهم رسولا وهو شاب فدعاهم حتى
شمط ولم يتبعه منهم إلا قليل مستضعفون ولما طال دعاؤه اقترحوا أن
يخرج إليهم الناقة آية فكان من أمرها وأمرهم ما ذكر الله عز وجل في كتابه
العزيز(٢). قال: قالوا: وكان عقر الناقة يوم الأربعاء وانتقل صالح،عَ لَلما بعد
هلاك قومه إلى الشام بمن أسلم معه فنزلوا رملة فلسطين ثم انتقل إلى مكة
فتوفي بها صالح ◌َالَل وهو ابن ثمان وخمسين سنة وكان أقام في قومه عشرين
سنة(٣) والله أعلم.
.. (٣)
قوله {وَ ليله لأصحابه: لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين، الحديث. المعذبين
يفتح الذال المعجمة يعني ديار هؤلاء وهم أصحاب الحجر قوم ثمود
وأمثالهم(٤) المعذبون بعذاب الصيحة وهلاكهم بها دفعة واحدة (٥).
قوله: ((إلا أن تكونوا باكين)) استثناء من عامة أحوال [المخاطبين] (٥٣/
ب) أي لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا في حال من الأحوال إلا في حال
البكاء، خشي وَّله على أصحابه نَّ هَ، أن يجتازوا على تلك الديار غير
(١) تفسير الثعلبى (٢٥١/٤)، والتفسير الوسيط (٥٨٠/٢)، وتفسير البغوى (٢٠٦/٢)،
وبصائر ذوى التمييز (٩٩/٦).
(٢) بصائر ذوى التمييز (٩٩/٦).
(٣) بصائر ذوى التمييز (٩٩/٦).
(٤) الكواكب الدرارى (٩٤/٤).
(٥) الكواكب الدرارى (٢٣٠/١٦).
١٠٥
كتاب الجنائز وما یتقدمها
متّعظين بما أصاب أهل تلك الديار وقد أمرهم الله تعالى بالانتباه والاعتبار
في مثل تلك المواطن(١).
قال أبو سليمان الخطابي رحمه الله (٢): معنى الحديث أن الداخل في ديار
قوم أهلكوا بخسف أو عذاب إذا لم يكن باكيا إما شفقة عليهم وإما خوفا من
حلول مثلها به فهو قاسي القلب قليل الخشوع غير مستشعر للخوف والوجل
فلا يأمن إذا كان هذا حاله أن يصيبه ما أصابهم، اهـ.
قال الكرماني(٣): وفي هذا الحديث دلالة على أن ديار هؤلاء لا تُسكن
بعدهم ولا تتّخذ وطنا لأن المقيم المستوطن لا يمكنه أن يكون دهره باکیا
أبدا، وقد نهي أن يدخل دورهم إلا بهذه الصفة، وفيه المنع من المقام بها
والاستيطان، اهـ.
قال ابن بطال شارح البخاري رحمه الله تعالى(٤): هذا إنما هو من جهة
التشاؤم بالبقعة التي نزل بها السخط، يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَسَگَنتُمْ فِى
مَسَكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوْ أَنْفُسَهُمْ﴾(٥) الآية، في مقام التوبيخ على السكون فيها،
فيها، وقد تشاءم وَّيه بالبقعة التي نام فيها عن الصلاة ورحل عنها ثم صلى
(١) الميسر (١٠٩٤/٣)، وشرح المصابيح (٣٥٨/٥) لابن ملك.
(٢) أعلام الحديث (١/ ٣٩٤).
(٣) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٤ /٩٥).
(٤) شرح الصحيح (٨٧/٢) لابن بطال، الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري
(٤ / ٩٥).
(٥) سورة إبراهيم، الآية: ٤٥.
١٠٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فكراهة الصلاة في موضع الخسف أولى إلا أن إباحته وَليّة الدخول فيها على
وجه البكاء والاعتبار يدل أن من صلى هناك لا تفسد صلاته لأن الصلاة
موضع بكاء واعتبار، وزعم الظاهرية أن من صلى في بلاد ثمود وهو غير باك
فعلیه سجود السهو إن کان ساهیا وإن تعمد ذلك بطلت صلاته، اهـ.
وقال النووي في شرح مسلم(١) في هذا الحديث: الحث على المراقبة عند
المرور بديار الظالمين ومواضع العذاب ومثله الإسراع في وادي محسّر لأن
أصحاب الفيل هلكوا هناك، فينبغي للمار في مثل هذه المواضع المراقبة
والخوف والبكاء والاعتبار بهم ومصارعهم وأن يستعيذ بالله من ذلك.
[قوله: ﴿وَسَكَنتُمْ فِى مَسَكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوَاْ أَنْفُسَهُمْ﴾، نبّهَ وَّ على أن
الإنسان لا ينبغي له السكنى في أماكن الظلمة مخافة أن يصيبهم بلاء فيصاب
به أو تسرق طباعه من طباعهم ولو كانت خالية منهم لأن آثارهم مُذكِّرة
بأحوالهم وربما أورثت قسوة وجبروتا في قلوبهم] (٢).
[فائدة: بعث الله صالح بن عبيد بن أسد بن أرم بن سام بن نوح إلى قومه
وهم [ثمود] بن [عاثر] بن أرم، قال وهب بن منبه بعثه الله حين راهق الحلم
وكان يمشي حافيا ولا يتخذ حذاء(٣). وقال ابن مسعود: بُعث وله أربعون
سنة ولم يبعث نبي إلا بعد الأربعين، وكانت آيته ناقة خرجت من هضبة من
(١) شرح النووي على مسلم (١٨/ ١١١).
(٢) سقطت هذه الفقرة من النسخة الهندية.
(٣) كنز الدرر (٢٠٩/٢).
١٠٧
كتاب الجنائز وما يتقدمها
الأرض يتبعها فصيل لها وكانت تنفجح لهم فيحلبون ريّهم وتشرب ذلك
اليوم جميع مياههم وهم يشربون الماء في اليوم الثاني ولا تأتهم فلما طال
عليهم أمرها ملّوها فاجتمع تسعة رهط من شرارهم على عقرها(١)](٢).
قوله وَّيليه في الرواية الأخرى: ((لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم))
الحديث، كونهم ظلموا أنفسهم هو أنهم كذبوا نبيهم صالح بن عبيد عليه
الصلاة والسلام، [وعقروا] ناقته.
قوله في الرواية الأخرى: ((لا يصيبكم)) بالرفع لأنه استئناف كلام وقوله في
الرواية الثانية: ((أن يصيبكم ما أصابهم)) هو بفتح الهمزة من أن أي خشية أن
یصیبکم أو حذر أن يصيبكم كما صرح بذلك في بعض الروايات، وكان هذا
في غزوة تبوك، قاله النووي (٣).
قوله: ((ثم قنّع رسول الله وَي رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي))
الحديث، أي رفع رأسه إلى السماء حيرة وتعوذا مما جرى عليهم. قال بعض
العلماء: يحتمل أنه ولي أخذ قناعا على رأسه أي ستره بقناع شبه الطيلسان
ويجوز أن يكون مبالغة من الإقناع أي أطرق رأسه فلم يلتفت في كلتا
الحالتين يمينا ولا شمالا لئلا يقع بصره عليها(٤)، والله أعلم. (٥٤/ أ)
(١) كنز الدرر (٢٠٩/٢).
(٢) حصل تقديم لهذه الفقرة في النسخة الهندية وأدرجت قبل قوله: (قوله: (إلا أن تكونوا
باكين) استثناء من عامة أحوال).
(٣) شرح النووي على مسلم (١٨/ ١١١).
(٤) الميسر (١٠٩٥/٣).
١٠٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
[٥٣٨٤] عَن عَائِشَة ◌َوَِّهَا أَنْ يَهُودِيَّة دخلت عَلَيْهَا فَذكرت عَذَابِ الْقَبْر
فَقَالَت لَهَا أَعَاذَك الله من عَذَابِ الْقَبْرِ قَالَت عَائِشَة فَسَأَلتِ رَسُول الله ◌َِّ عَنِ
عَذَابِ الْقَبْرِ. رواه البخاري(١) ومسلم(٢).
قوله: ((وعن عائشة)) تقدم الكلام على مناقبها.
قوله: ((إن يهودية دخلت عليها فذكرت عذاب القبر فقالت أعاذك الله من
عذاب القبر. قالت عائشة: فسألت رسول الله وعليه عن عذاب القبر فقال نعم،
عذاب القبر حق)) الحديث، قاله الكرماني(٣).
قال النووي(٤): [مذهب] أهل السنة إثبات عذاب القبر لأن العقل لا
والشرع ورد به فوجب قبوله ولا يمنع منه تفرق الأجزاء. فإن قلت: نحن
نشاهد الميت على حاله فكيف يُسأل ويقعد ويُضرب، فالجواب أنه غير
ممتنع كالنائم فإنه يجد ألما ولذة ونحن لا نحسّه وكذا كان جبريل عليه
الصلاة والسلام يتكلم مع النبي وَله ولم يدركه الحاضرون. وأما الإقعاد
فيحتمل أن يكون مختصا بالقبر ولا امتناع في أن يوسع له في قبره فيقعد
ويضرب بالمطرقة، اهـ. وقد صحت الأخبار عن النبي وَلّ في عذاب القبر
على الجملة [ولا] مطعن فيها ولا معارض لها. وجاء في الآثار أن الكافر
(١) صحيح البخاري (١٠٤٩).
(٢) صحيح مسلم (٨) (٩٠٣).
(٣) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١١٨/٧).
(٤) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٢٠٠-٢٠١).
١٠٩
كتاب الجنائز وما یتقدمها
يفتن في قبره ويسأل ويهان ويعذب. قال أبو محمد عبد الحق الإشبيلي في
العاقبة(١): واعلم أن عذاب القبر ليس مختصا بالكافرين ولا موقوفا على
المنافقين بل يشاركهم فيه طائفة من المؤمنين وكل على حاله من عمله وما
استوجب من خطئيته وزلله وإن كانت تلك النصوص المتقدمة في عذاب
القبر في الكافر والمنافق وعذاب المؤمن لا يكون كعذاب الكافر والحمد لله
قد يكون عذاب المؤمن في ضمة القبر أو ضيقه أو صعوبة منظره أو بما يصيبه
من الروعات عند [مشاهدته] تلك الزلات.
قوله: قالت يعني عائشة: ((فما رأيت رسول الله وَل بعد صلى صلاة إلا
تعوذ من عذاب القبر)) الحديث. [التعوذ طلب الدفع من الشيء مخافة
الوقوع فيه]، وفي الصحيح أن رسول الله وَ ل كان يتعوذ بالله من أربع وذكر
منها: عذاب القبر. وقد ثبت عنه ◌َ لي أنه كان يدعو به، ومن المعلوم أنه وتليها.
معصوم مما ذكر فيه من الفتنة وعذاب القبر ولكنه دعا به لأمرين: أحدهما
إظهار العبودية والتذلل والإذعان لقضاء الله تعالى وقدره. والثاني: ليُشرِّع
وَّ ذلك لأمته حتى يقتدوا به فإنهم إذا علموا أن المعصوم وَل يدعو به
فالمعرض له أولى بذلك(٢). وقد ورد في عذاب القبر أحاديث منها: الضرب
إما بمطارق من حديد أو غيره لما روي عن أبي أمامة قال: أتى النبي وَ لّ بقيع
الغرقد فوقف على قبرين فقال: [أو دفنتم] هاهنا فلانا وفلانة أو فلانا وفلانا.
(١) العاقبة في ذكر الموت (ص: ٢٤٦).
(٢) شرح الصحيح (٣٦٤/٣ -٣٦٥).
١١٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قالوا نعم. فقال: قد أقعد فلان الآن يضرب. ثم قال: والذي نفسي بيده لقد
ضرب ضربة ما بقي منه عضو إلا انقطع ولقد تطاير [نارا](١)، ومنها تسليط
العقارب والحيات عليه لقوله ◌َير في الحديث: والذي نفسي بيده ليسلط
عليه تسعة وتسعون تنينا(٢)، وسيأتي الكلام على التنين [قريبا]، ومنها رض
رأس الميت بحجر أو [بشق] شدقه ونحو ذلك. وقد ورد ذلك في حديث
سمرة بن جندب عن النبي ◌َّ في ترك الصلاة مطولاً(٣). ومنها: ضيق القبر
على الميت حتى تختلف فيه أضلاعه، وقد سبق ذلك في أحاديث متعددة.
ومنها ما خرج الخلال بإسناد ضعيف عن أبي سعيد عن النبي وَي أنه قال في
الكافر: ((يضيق عليه قبره حتى يخرج دماغه من بين أظفاره ولحمه)). وقد ورد
ما يدل على أن التضييق عام للمؤمن والكافر وصرح بذلك طائفة من العلماء
منهم ابن بطة وغيره فروى شعبة عن سعد بن إبراهيم عن نافع عن عائشة عن
النبي وَّ قال: ((إن للقبر ضغطة لو كان أحد ناجيا منها لنجا منها سعد بن
معاذ)) وخرجه الإمام أحمد (٤).
(١) أخرجه الطبرى في صريح السنة (٤٠). قال ابن رجب في أهوال القبور: وفي هذا الإسناد
ضعف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٦٩٣).
(٢) أخرجه أحمد ٣٨/٣(١١٣٣٤)، وعبد بن حميد (٩٢٩)، وأبو يعلى (١٣٢٩)، وابن
حبان (٣١٢١) عن أبى سعيد. قال الهيثمى في المجمع ٣/ ٥٥: رواه أحمد، وأبو يعلى
موقوفا، وفيه دراج، وفيه كلام وقد وثق.
(٤) ما سبق ذكره ابن رجب في أهوال القبور (ص ٥٢ - ٥٦) باختصار. والحديث أخرجه
(٣) أخرجه البخاري (١٣٨٦).
١١١
كتاب الجنائز وما يتقدمها
تتمة: هل عذاب القبر دائم أو منقطع؟ والجواب: أنه نوعان نوع دائم
بدليل قوله تعالى: ﴿الثَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾(١)، وفي حديث
ج
البخاري(٢) عن جابر بن سمرة في رؤيا النبي ◌ُّر الرجل الذي يشدخ رأسه
بحجر والذي يشد شدقه إلى قفاه، وفيه: فهو يفعل به ذلك إلى يوم القيامة.
وفي حديث العباس(٣) في حديثي القبر: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا
[فجعل] التخفيف [قيد المدة] رطوبتهما فقط. وفي الصحيح(٤) في قصة الذي
لبس بُردين وجعل يمشي ويتبختر فخسف (٥٤/ ب) الله به الأرض فهو
يتجلجل فيها إلى يوم القيامة والنوع الثاني إلى مدة تنقطع وهو بعض العصاة
الذين خفت جرائمهم فيعذب بحسب جرمه ثم يخفف عنه كما يعذب في
النار مدة ثم يزول عنه العذاب وقد ينقطع عنه العذاب بدعاء أو صدقة
واستغفار أو ثواب [حج أو عمرة] تصل إليه من بعض [أقاربه] أو غيرهم
[وهذا] كما يشفع الشافع في المعذب في الدنيا فيخلص من العذاب بشفاعته،
وقد روى ابن أبي الدنيا (6) عن محمد بن موسى الصائغ عن عبد الله بن نافع
قال: مات رجل من أهل المدينة فرآه رجل كأنه من أهل النار فاغتم لذلك ثم
=
أحمد ٥٥/٦ (٢٤٢٨٣) و٩٨/٦ (٢٤٦٦٣)، وابن حبان (٣١١٢). وصححه الألبانى في
الصحيحة (١٦٩٥).
(١) سورة غافر، الآية: ٤٦.
(٢) صحيح البخاري (١٣٨٦).
(٣) صحيح البخاري (٢١٨)، وصحيح مسلم (١١١) (٢٩٢).
(٤) صحيح مسلم (٥٠) (٢٠٨٨).
(٥) القبور لابن أبي الدنيا (١٣٩).
١١٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
أنه بعد سابعة أو ثامنة رآه كأنه من أهل الجنة فقال: ألم [تكن قلت أنك] من
أهل النار؟ قال: قد كان [كذلك] إلا أنه دفن عندنا رجل من الصالحين فشفع
في أربعين من جيرانه فكنت منهم.
قال ابن أبي الدنيا(١): وحدثني أحمد بن يحيى قال: حدثني بعض
أصحابنا قال: مات أخ لي فرأيته في المنام فقلت: ما كان حالك حين وضعت
في قبرك؟ قال: أتاني آت بشهاب من نار فلولا أن داعيا دعا لي لرأيت أنه
سيضربني به. وقال [عمرو] بن جرير: إذا دعا العبد لأخيه الميت أتى بها
ملك إلى قبره فقال: يا صاحب القبر الغريب هذه هدية من أخ عليك
شفيق(٢). قال ابن أبي الدنيا: وحدثني عبد الله بن بجير قال حدثني بعض
أصحابنا قال: رأيت أخا لي في النوم بعد موته فقلت: أيصل إليكم دعاء
الأحياء، قال: إي والله، انتهى (٣):
٥٣٨٥ - وَعَنِ ابْن مَسْعُودِ رََّهُ عَنِ النَّبِ نَِّ قَالَ إِن الْمَوْنَى ليعذبون فِي
قُبُورهم حَتَّى إِن الْبَهَائِم لتسمع أَصْوَاتهم رَوَاهُ الطََّرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ بِإِسْنَاه
حسنرواه الطبراني في الكبير (٤) بإسناد حسن.
قوله: ((وعن ابن مسعود)) تقدم الكلام على مناقبه.
(١) أهوال القبور (ص: ١٦).
(٢) الروح (ص ٩٠)، وأهوال القبور (ص ١٣٤).
(٣) ما سبق ذكره ابن القيم في الروح (ص ٨٩ - ٩٠)، وابن رجب في أهوال القبور (ص: ١٣٣).
(٤) المعجم الكبير للطبراني (١٠٤٥٩/٢٠٠/١٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد
(٥٦/٣) رواه الطبراني في الكبير، وإسناده حسن.، وصححه الألباني في صحيح الجامع
(١٩٦٥)، والصحيحة (١٣٧٧).
١١٣
كتاب الجنائز وما يتقدمها
قوله ◌ُّله: ((إن الموتى ليعذبون في قبورهم)) الحديث. والعذاب هو العقوبة
وإنما لم يسمعه من يعقل من الجن والإنس لقوله في الحديث الآخر: لولا أن
تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر، وسيأتي الحديث بعد [فكتمه]
الله سبحانه وتعالى عنا حتى نتدافن بحكمته الإلهية ولطائفه الربانية لغلبة
الخوف عند سماعه فلا يقدر على القرب من القبر [للدفن] أو يهلك الحي
عند سماعه إذ لا يُطاق سماع شيء من عذاب الله في هذه الدار لضعف هذه
القوى ألا ترى أنه إذا سمع الناس صوت صعقة الرعد القاصف أو [الزلازل]
الهائلة هلك كثير من الناس وأين صعقة الرعد من صيحة الذي تضربه
الملائكة بمطارق الحديد التي يسمعها كل من يليه، وقد قال مَ له في الجنازة:
لو سمعها إنسان لصعق. قلت: هذا وهو على رؤوس الرجال من غير ضرب
ولا هوان فكيف إذا حل به الخزي والنكال واشتد عليه العذاب والوبال
فنسأل الله تعالى معافاته ومغفرته وعفوه ورحمته بمنه وكرمه. قاله القرطبي
في التذكرة.(١)
قوله ◌َله: حتى أن البهائم لتسمع أصواتهم، الحديث.
فائدة: قال بعض أهل العلم، ولهذا السبب [تذهب] الناس بدوابهم إذا
مغِلتْ إلى قبور اليهود والنصارى والمنافقين. قالوا: فإذا سمعت الخيل
عذاب القبر أحدث ذلك فزعا وحرارة تذهب المغل(٢).
(١) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٤٠٨).
(٢) الروح (ص ٥٣).
١١٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وقد قال عبد الحق الإشبيلي(١): حدثني الفقيه أبو الحكم بن برجان وكان
من أهل العلم والعمل أنهم دفنوا ميتا بقريتهم في شرف إشبيلية فلما فرغوا من
دفنه قعدوا ناحية يتحدثون ودابة ترعى قريبا منهم فإذا بالدابة أقبلت مسرعة
إلى القبر فجعلت أذنها عليه كأنها تسمع ثم ولّت فارة فعلت ذلك مرة بعد
أخرى. قال أبو الحكم فذكرت عذاب القبر وقول النبي ◌َّ: إنهم ليعذبون
عذابا تسمعه البهائم، ثم ذكر لنا هذه الحكاية ونحن نسمع عليه في كتاب
مسلم لما انتهى القارئ إلى قول النبي ◌َّيّة: إنهم ليعذبون عذبا تسمعه
البهائم، وهذا السماع واقع على أصوات المعذبين، اهــ ذكره ابن قيم
(٢)
الجوزية في كتاب الروح."
[٥٣٨٦] وَعَن أنس ◌َّ ◌َلَّهُ أَن رَسُول الله ◌َِّ قَالَ لَوْلًا أَن لَا تدافنوا لَدَعَوْت
الله أَن يسمعكم عَذَابِ الْقَبْرِ رَوَاهُ مُسلم . (٣)
قوله: ((وعن أنس)) تقدم الكلام على مناقبه رضي الله (٥٥/ أ) عنه.
قوله وَه: لولا أن [لا] تدافنوا لدعوت الله أن يُسمعكم عذاب القبر،
الحديث فيه إطلاع الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام على ما شاء من
الغيب ومعنى الحديث أن لا يدفن بعضكم بعضا لما تشاهدونه من الهول
العظيم وقيل لموتكم أجمعين من شدة سماع العذاب فلا تجدون من
(١) العاقبة في ذكر الموت (ص: ٢٤٧).
(٢) الروح (ص: ٥٣).
(٣) صحيح مسلم (٦٨) (٢٨٦٨).
١١٥
كتاب الجنائز وما يتقدمها
ـمننـ
يدفنكم وقيل معناه أي لولا مخافة عدم دفنكم الموتى والمعنى السابق إلى
الفهم من قوله ◌َّل﴾: لولا أن لا تدافنوا، [إلى آخره] هو أنهم لو سمعوا ذلك
لتركوا التدافن حذرا من عذاب القبر، وفي هذا المعنى نظر لأن المؤمن لا
يليق به ذلك، بل يجب عليه أن يعتقد أن الله تعالى إذا أراد تعذيب أحد عذبه
ولو في بطن الحيتان وإنما المعنى في ذلك هو أن الناس لو سمعوا ذلك لأهم
كل واحد خُوَيصة نفسه حتى أفضى بهم إلى ترك التدافن أو أنهم لو سمعوا
صياح المعذبين لكان فيهم من [تحمله] العصبية وخوف الفضيحة في ذويه
وقرابته على أن ينبذهم بالعراء لئلا يخبر عن حالهم مخبر كذا في الميسّر في
شرح مشارق الأنوار(١).
[٥٣٨٧] وَعَن هانىء مولى عُثْمَان بن عَفَّان قَالَ كَانَ عُثْمَانِ زَّوَُّ إِذا
وقف على قبر يبكي حَتَّى يبل لحيته فَقيل لَهُ تذكر الجنَّة وَالنَّار فَلَا تَبْكي
وتذكر الْقَبْر فتبكي فَقَالَ إِنِّي سَمِعت رَسُول الله وَِّ يَقُول الْقَبْر أول منزل من
مِنَازِل الْآخِرَةِ فَإِن نجا مِنْهُ فَمَا بعده أيسر وَإِن لم ينج مِنْهُ فَمَا بعده أَشد قَالَ
وَسمعت رَسُولِ اللهِ وَِّ يَقُول مَا رَأَيْت مِنْظرًا قطّ إِلَّ والقبر أفظع مِنْهُ رَوَاهُ
التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيبٍ وَزَاد رزين فِيهِ مِمَّا لم أره فِي شَيْء من
نسخ التِّرْمِذِيّ قَالَ هانىءٍ وَسمعت عُثْمَان ينشد على قبر فَإِن تنج مِنْهَا تنج من
ذِي عَظِيمَة وَإِلَّا فَإِنِّي لَا أخالك.
(١) الميسر (١/ ٧٢-٧٣).
١١٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: ((وعن هانئ مولى عثمان بن عفان)) المولى له معان متعددة لكن
المراد به هاهنا العتيق ليناسب العبد. فإن قلت المولى جاء بمعنى المعتق
والعتيق وابن العم والناصر والجار والحليف لا بمعنى السيد. قلت: جاء
أيضا بمعنى الولي والمتصرف في الأمر والموالي العبيد لأن الصحابة كانوا
استرقوا طائفة من العجم فصاروا عبيدا، وتقدّم الكلام على مناقب عثمان بن
عفان، وعفان يحتمل الصرف وعدمه، قاله الكرماني. (١)
قوله وَّجله: ما رأيت منظرا قط إلا والقبر أفظع منه، [أفظع بمعنى أشنع،]
والفظيع الشنيع الشديد المجاوز المقدار. قال الخطابي(٢) وهو يحتمل
وجهين أن يكون بمعنى الفظيع كأنه قال لم أر منظرا [قط](٣) فظيعا كاليوم
قط، اهـ.
والقبر واحد القبور في الكثرة وأقبر في القلة واختلفوا في أول من سنّ القبر
فقيل الغراب لما قتل قابيل هابيل وقيل بنو إسرائيل وليس بشيء، وقيل: كان
قابيل يعرف الدفن ولكن ترك أخاه بالعراء استخفافا به فبعث الله غرابا يبحث
في الأرض ليدفنه فقال عند ذلك: ﴿يَوَيْلَتَّ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا
اُلْغُرَابِ﴾(٤)، الآية، وعلى هذا لم يكن ندمه ذاك توبة بل ندم على فقده لا
(١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٠٥/٣).
(٢) أعلام الحديث (١ / ٣٩٢)، والكواكب الدرارى (٩٣/٤).
(٣) سقطت هذه اللفظة من النسخة الهندية.
(٤) سورة المائدة، الآية: ٣١.
١١٧
كتاب الجنائز وما يتقدمها
على قتله فكان [دفن] قابيل لهابيل سنة باقية في بني آدم وفي التنزيل ﴿ثُمَّ
أَمَاتَهُ، فَأَقْبَرَهُ ﴾﴾(١) أي جعل له قبرا يوارى فيه إكراما له ولم يجعله مما
[يلقى على] وجه الأرض تأكله الطير والوحش والسباع(٢)، ولله در القائل:
ولدتك إذ ولدتك أمك باكيا والقوم حولك يضحكون سرورا
فاعمل ليوم أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكا مسرورا(٣)
وكان يزيد الرقاشي يقول: أيها المقبور في حفرته المختلى في القبر بوحدته
المستأنس في بطن الأرض بأعماله المتباعد عن آماله وأمواله ليت شعري
بأي أعمالك استبشرت وبأي أقوالك اغتبطت ثم يبكي، وكان إذا نظر إلى
القبر بكى كما يخار الثور، اهـ (٤).
قول عثمان رََّهُ في البيت الذي ذكره: وإلا فإني لا إخالك ناجیا، ومعنى
إخالك أظنك. قال الجوهري: إخالك بكسر الهمزة هو الأفصح وبنو أسد
يقولون أخالك بالفتح وهو القياس(٥)، اهـ.
وقال ابن الأثير في النهاية (٦): يقال خلت إخال بالكسر والفتح والكسر
أفصح وأكثر استعمالاً.
(١) سورة عبس، الآية: ٢١.
(٢) التذكرة (ص ٣٠٢ - ٣٠٣).
(٣) التذكرة (ص ٣٠٧).
(٤) التذكرة (ص ٣٠٨).
(٥) الصحاح (٤ / ١٦٩٢).
(٦) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٩٣).
١١٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
[٥٣٨٨] وَعَن ابْن عمر ◌ََّا أَن رَسُولِ اللهِ وَِّ قَالَ إِن أحدكُمْ إِذا مَاتَ
عرض عَلَيْهِ مَقْعَده بِالْغَدَاةِ والعشي إِن كَانَ من أهل الجنَّة فَمن أهل الجنَّة وَإِن
كَانَ من أهلِ النَّار فَمن أهلِ النَّارِ فَيُقَالِ هَذَا مَقْعَدك حَتَّى يَبْعَثك الله يَوْمِ الْقِيَامَة
رواه البخاري (١) ومسلم(٢) والترمذي(٣) والنسائي(٤) وأبو داود(٥) دون قوله:
قوله: فیقال إلى آخره.
قوله: ((وعن ابن عمر)) تقدم الكلام على مناقبه.
قوله وَيّة: ((إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي))
الحديث [في التنزيل حق الكافرين ﴿الثَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾(٦)
فأخبر الله تعالى أن الكافرين يعرضون على النار كما أن أهل السعادة
يعرضون على الجنان للخبر الصحيح (٥٥/ ب) في ذلك](٧) معناه إن كان
من أهل الجنة فيعرض عليه مقعد من مقاعد أهل الجنة. قال القرطبي في
(١) صحيح البخاري (١٣٧٩).
(٢) صحيح مسلم (٦٥) (٢٨٦٦).
(٣) سنن الترمذي (١٠٧٢) وقال: وهذا حديث حسن صحيح.
(٤) سنن النسائي (٤/ ١٠٧).
(٥) لم أجده. ولعله وهم منه.
(٦) سورة غافر، الآية: ٤٦.
(٧) وقع تأخير هذه الفقرة من النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (والأرواح المنعمة
مشغولة بما هي فيه، وقد ذهب إلى ذلك طوائف من الناس والمشهور [خلافه]، اهـ، قاله
ابن حجر).
١١٩
كتاب الجنائز وما يتقدمها
شرحه هذا منه وَّ إخبار عن غير الشهداء فإنه قد تقدم أن أرواحهم في
حواصل طير خضر تسرح في الجنة وتأكل من ثمارها وغير الشهداء إما مؤمن
وإما غير مؤمن وهو الكافر، فهذا يرى مقعده من النار غدوا وعشيا، وهذا هو
المعنيّ بقوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾(١) الآية، وأما
المؤمن المؤاخذ بالذنب فله مقعدان مقعد في النار زمن تعذيبه ومقعد في
الجنة بعد إخراجه، فهذا يقتضي أن يعرضا عليه بالغداة والعشي إلا إذا قلنا
أنه أراد بأهل الجنة كل من يدخلها كيف ما كان فلا يحتاج إلى ذلك التفسير
وهذا الحديث وما في معناه يدل على أن الميت ليس بعدم وإنما هو انتقال من
حال إلى حال ومفارقة الروح البدن ويجوز أن يكون هذا العرض [على
الروح وحده وأن تكون] (٢) على الروح مع جزء من البدن والغداة والعشي
إنما هو بالنسبة إلى الحي لا بالنسبة إلى الميت إذ لا يتصور في حقه شيء من
ذلك (٣) والله أعلم، اهـ، قاله في الديباجة.
وقال بعض العلماء: هذا الحديث يدل على أن [الأرواح] ليست في الجنة
وإنما تعرض عليها بكرة وعشيا [وكذا ذكر ابن عطية وغيره] (٤)، وهذا لا
حجة لهم فيه لوجهين: أحدهما: أنه يحتمل أن يكون العرض بكرة وعشيا
(١) سورة غافر، الآية: ٤٦.
(٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٣) التذكرة (ص ٤٢٦ - ٤٢٧).
(٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
١٢٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
على الروح المتصلة بالبدن، فالروح وحدها في الجنة فيكون [الإشارة]
والتخويف للجسد في هاتين الوقتين باتصال الروح به، وأما الروح فيه أبدا في
تنعم أو عذاب، والوجه الثاني أن الذي يعرض بالغداة والعشي هو مسكن ابن
آدم الذي يستقر فيه في الجنة أو النار وليست الروح مستقرة فيه في مدة البرزخ
وإن كانت في الجنة أو النار، ولهذا جاء في حديث البراء بن عازب أن المؤمن
إذا فتح له في قبره باب إلى الجنة وقيل له هذا منزلك فيقول رب أقم الساعة
حتى أرجع إلى أهلي ومالي(١) وسيأتي الحديث قريبا بتمامه(٢). وأما السلام
على أهل القبور فلا يدل على استقرار أرواحهم على أفنية قبورهم فإنه يسلم
على قبور الأنبياء والشهداء وأرواحهم في أعلى عليين ولكن لها مع ذلك
اتصال سريع بالجسد ولا يعلم كنه ذلك وكيفيته على الحقيقة إلا الله تعالى
ويشهد لذلك الأحاديث المرفوعة والموقوفة أن النائم يعرج بروحه إلى
العرش هذا مع [تعلقها] ببدنه وسرعة عودها إليه عند استيقاظه فأرواح
الموتى المتجردة عن أبدانهم أولى بعروجها إلى السماء وعودها إلى القبر في
مثل تلك السرعة والله أعلم(٣)، اهـ.
(١) أخرجه أحمد (١٨٥٣٤)، والرويانى (٣٩٢)، والحاكم (٣٧/١-٣٨). وصححه الحاكم
ووافقه الذهبي. وصححه الألبانى في المشكاة (١٦٣٠) والجنائز (١٥٥) وصحيح
الترغيب (٣٥٥٨).
(٢) أهوال القبور (ص ١١٦).
(٣) أهوال القبور (ص ١١٦ - ١١٧).