النص المفهرس
صفحات 601-620
٦٠١ كتاب الجنائز وما يتقدمها النهاية(١). فقوله: إن الروح إذا قبض تبعه البصر معناه إذا خرج الروح من الجسد تبعه البصر ناظرا أين يذهب وفيه دليل لمذهب أصحابنا المتكلمين ومن وافقهم أن الروح أجسام لطيفة متحللة في البدن وتذهب الحياة من الجسد بذهابها وليس عرضا كما قاله آخرون ولا دما كما قاله آخرون وفي ذلك كلام متسع للمتكلمين والله أعلم. فائدة أيضا: قال أبو حامد الغزالي في الدرة الفاخرة (٢): فإذا دنت منية الإنسان فحينئذ نزل عليه أربعة من الملائكة تجذب النفس من قدمه اليمنى وملك يجذب النفس من قدمه اليسرى وربما كشف له وملك يجذبها من يده اليمنى وملك يجذبها من يده اليسرى وربما كشف للميت عن الأمر الملكوتي قبل أن يغرغر فيعاين أولئك الملائكة على حقيقة عمله على ما يتحيزون إليه من عالمهم فإن كان لسانه منطلقا حدث بوجودهم أو وجود بعضهم وربما استخف الميت نفسه وأعاد على نفسه الحديث بما [رآى وهم] يجذبونها من أطراف البنان ورءوس الأصابع والنفس تنسل انسلال القذاة من السقاء والفاجر تنسل روحه كالسفود من الصوف المبلول كما في الحديث، والميت يظن أن بطنه مُلئت شوكا كأنما نفسه تخرج من ثقب إبرة أو كأنما السماء انطبقت على الأرض وهو بينهما، ولهذا سئل كعب رضي الله عن الموت فقال: كغصن شوك أدخل في جوف رجل فجذبه إنسان ذو قوة (١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤٥٠/٢). (٢) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٢٣٩). ٦٠٢ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب فقطع ما قطع وأبقى ما أبقى وآخر ما [يفقد] من الميت السمع لأن الروح إذا فارقت القلب بأسرها فسد البصر وأما السمع فلا يفقده حتى تقبض النفس ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، فإذا رأيت المحتضر جافّ الفم كأنه يضحك منطلق الوجه مكسورة عينه فاعلم أنه مستبشر بما يلقاه في الآخرة من السرور وكشف له عن حقيقة كرامته فإذا قبض الملك النفس السعيدة تناولها ملكان حسنا الوجهين عليهما أثواب حسنة ولهما رائحة طيبة فيلفّانها في حريرة من حریر الجنة وهي على قدر [نسمة النحلة] شخص إنساني ما فقد من عقله ولا من عمله المكتسب في دار الدنيا شيئا فيفرحون به في الهواء فلا يزال يمرّ بالأمم السالفة والقرون الخالية كأمثال الجراد المنتشر منهم من يعرف ومنهم من لا يعرف حتى ينتهي إلى سماء الدنيا [فيقرع] الأمين الباب فيقال للأمين من أنت فيقول أنا [صلصائيل] وهذا فلان معي بأحسن أسمائه [وأحبها] إليه فيقولون له نعم الرجل كان فلان وكانت عقيدته غير شاك غير شاك ثم ينتهي إلى السماء الثانية فيقرع الباب فيقال له من أنت؟ فيقول مقالته الأولى فيقولون: أهلا وسهلا (٢٧/أ)) [بفلان كان محافظا على صلاته بجميع فرائضها، فذكر الحديث إلى أن قال: حتى ينتهي إلى سدرة المنتهى فيقرع الباب فيقال: من أنت؟ فيقول الأمين كدأبه في مقالته فيقال: أهلاً وسهلاً بفلان، كان عمله عملاً صالحًا لوجه الله عز وجل، ثم يفتح له فيمر في بحر من نار، ثم يمر في بحر من نور، ثم يمر في بحر من ظلمة، ثم يمر في بحر من ٦٠٣ كتاب الجنائزوما يتقدمها ماء. ثم يخترق الحجب المضروبة على عرش الرحمن، وهي ثمانون ألفاً من السرادقات، فذكره إلى أن قال: فحينئذ يُنادي من الحضرة القدسية من وراء أولئك السرادقات: من هذه النفس التي جئتم بها؟ فيقال: فلان ابن فلان فيقول الجليل جلّ جلاله: قرّبوهُ فنعم العبد كنت يا عبدي، فإذا أوقفه بين يديه الكريمتين أخجله ببعض اللوم والمعاتبة حتى يظن أنه قد هلك ثم يعفو عنه سبحانه وتعالى. ومن الناس من إذا انتهى إلى الكرسي سمع النداء: ردوه، فمنهم من يرد من الحجب، و إنما يصل إلى الله عارفوه سبحانه وتعالى، ولا يقف بين يديه إلا أهل العام الرابع فصاعدا انتهى. فائدة فيها بشری: روى جعفر بن محمد عن أبيه قال: نظر رسول الله وَّ له إلى ملك الموت عند رأس رجل من الأنصار فقال له رسول الله وَخليل: ارفق بصاحبي فإنه مؤمن. وما من أهل بيت إلا أتصفحهم في كل يوم خمس مرات، ولو أني أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدرت حتى يكون الله تعالى هو الآمر بقبضها. قال جعفر بن محمد: بلغني أنه يفصحهم عند مواقيت الصلاة، انتهى. وفي الخبر: إذا مات المؤمن على الإسلام تقول الملائكة: كيف نجا هذا من دنیا فسد فيها خیارنا. ١٢٥٢٩٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة رََّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َيَ قَالَ الله عز وجل إِذا أحب عَبدِي لقائي أَحْبَيْت لقاءه وَإِذا كره لقائي كرهت لقاءه. رواه ٦٠٤ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب مالك(١) والبخاري واللفظ له (٢) ومسلم (٣) والنسائي(٤). قوله: (( ... ))، تقدم الكلام على مناقبه رضي الله تعالى عنه. قوله صلى الله تعالى عليه وسلم عن الله تعالى قال: (( ... ))، الحديث فالموت هو دون لقاء الله تعالى، قال أبو سليمان الخطابي(6): يعني بالكراهة كراهة النقلة عن الدنيا إلى الآخرة مخافة العقوبة لما قدمت أيديهم. والمكروه من ذلك هو الإيثار للدنيا والركون إليها كما تقدم من أن يصير إلى الله تعالى والدار الآخرة، فهو يؤثر المقام في الدنيا. وقالت عائشة رضي الله تعالی عنها: «یا رسول الله کلنا یکرہ الموت»، انتهى. ٥٢٩٨م٢ - وَعَن عبد الله بن عَمْرِو ◌ََّا عَنِ النَّبِي ◌َِّ قَالَ تحفة الْمُؤمن الْمَوْت رواه الطبراني بإسناد جيد (٦). (١) موطأ مالك (٥٠). (٢) صحيح البخاري (٧٥٠٤). (٣) لم أجده في المطبوع. (٤) سنن النسائي (٤ /١٠). (٥) الاستذكار (٩٣/٣). (٦) أخرجه عبد بن حميد (٣٤٧)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٩٤١٨ و٩٧٣٠)، والبغوي شرح السنة (١٤٥٤)، وأبو نعيم في الحلية (٨ /١٨٥)، والحاكم في المستدرك (٧٩٠٠) والقضاعي في مسند الشهاب (١٠٥)، وقال أبو نعيم: غريب من حديث عبد الله بن عمرو لم يروه عنه إلا الختلي وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)، لكن تعقّبه الذهبي فقال: (قلت: ابن زياد - هو الافريقي -: ضعيف)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣٢٠) رواه الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات.، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار == ٦٠٥ كتاب الجنائز وما يتقدمها قوله: ((عن عبد الله بن عمرو)) تقدم الكلام عليه رضي الله تعالى عنهما. قوله وَّالية: ((تحفة المؤمن الموت))، أصل التحفة طرفة الفاكهة، والجمع التحف، كأنّ التحفة يقصد بها قصد المتحف، وأراد بالحديث ما يصيب المؤمن في الدنيا من الأذى وما له عند الله عز وجل من الخير الذي لا يصل إليه إلا بالموت. ولهذا قال الشاعر: في الموت ألف فضيلة لا تعرف قد قلت إذ مدحوا الحياة وأكثروا منها أمان عذابه بلقائه وفراق كل معاشر لا ينصف ويشبهه الحديث الآخر: الموت راحة المسلم. قاله صاحب المغيث أبو القاسم الأصفهاني. ٥٢٩٨م٣ - وَعَن معَاذ بن جبل ◌َهُ قَالَ قَالَ رَسُول اللهِ وَّهِ إِن شِئْتُم أنبأتكم مَا أول مَا يَقُول الله عز وجل للْمُؤْمِنِينِ يَوْمِ الْقِيَامَة وَمَا أول مَا يَقُولُونَ لَهُ قُلْنَا نعم يَا رَسُول الله قَالَ إِن الله عز وجل يَقُول للْمُؤْمِنِين هَل أَحْبَيْتُمْ لقائي فَيَقُولُونَ نعم يَا رَبنَا فَيَقُول لم فَيَقُولُونَ رجونا عفوك ومغفرتك فَيَقُول قد وَجَبت لكم مغفرتي رواه أحمد من رواية عبيد الله بن زحر (١). = (ص: ١٨٢٧) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الموت والطبراني والحاكم من حديث عبد الله بن عمر مرسلا بسند حسن.، وقال البوصيري إتحاف الخيرة المھرة (٤٢٨/٢) رواه عبد بن حميد وأبو يعلى والحاكم كلهم من طريق عبد الرحمن الإفريقي، وهو ضعيف. وقال الحاكم: صحيح الإسناد. كذا قال. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٤٠٤)، وفي السلسلة الضعيفة (١٤ / ٩١٠) ٦٨٩٠)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢٠٤٤). (١) مسند أحمد (٢٢٠٧٢)، وإسناده ضعيف، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣٢١/٢) رواه = ٦٠٦ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب قوله: ((عن معاذ بن جبل)) تقدم الكلام على مناقبه رضي الله تعالی عنه. قوله وَيقة: ((إن شئتم أنبأتكم ما أول ما يقول الله عز وجل ... ))، فذكر الحديث إلى أن قال: (( .. )) الحديث، قال بعضهم: مضاعفة الحسنات فضل، ومكافأة السيئات عدل، وغفرانها رحمة. = أحمد والطبراني في الكبير، وفيه عبيد الله بن زحر وهو ضعيف. وهو في الزهد لابن المبارك (٢٧٦)، ومن طريقه أخرجه الطيالسي (٥٦٤)، وابن أبي الدنيا في حسن الظن (١٠)، وابن أبي عاصم في الأوائل (١٢٨)، والطبراني في المعجم الكبير (١٢٥/٢٠) (٢٥١)، وفي الأوائل (٦٦)، وأبو نعيم في الحلية ١٧٩/٨، والبغوي في شرح السنة (١٤٥٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣٥٨/١٠) رواه الطبراني بسندين أحدهما حسن. وضعفه العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (٢٥٧/٤)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٢٩٤)، وفي السلسلة الضعيفة (٦١٢٥)، والترغيب والترهيب (١٩٧٣). ٦٠٧ كتاب الجنائزوما يتقدمها [التَّرْغِيبِ فِي كَلِمَات يقولهن من مَاتَ لَهُ ميت] [٥٢٩٩] عَن أمْ سَلِمَة نَّهَا قَالَتْ قَالَ رَسُول الله وَّهِ إِذا حضرتم الْمَرِيض أَوَ الْمَيِّت فَقولُوا خيرا فَإِن الْمَلَائِكَة يُؤْمِنُونَ على مَا تَقولُونَ قَالَت فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلمَة أتيت النَّبِ وَِّ فَقلت يَا رَسُول الله إِن أَبَا سَلمَة قد مَاتَ قَالَ قولي اللَّهُمَّ اغْفِر لي وَله وأعقبني مِنْهُ عُقبى حَسَنَة فَقلت ذَلِك فأعقبني الله من هُوَ خير لي مِنْهُ مُحَمَّدًا وَِّ رواه مسلم هكذا بالشك(١)، وأبو داود(٢) والترمذي(٣) والنسائي(٤) وابن ماجه(٥): الميت، بلا شك. قوله: ((عن أم سلمة))، تقدم أن اسمها هند، وتقدم الكلام على مناقبها عبد اللّهلـ مبسوطا تَهَا. قوله وَلة: ((قولي اللهم اغفر لي وله وأعقبني منه عقبى حسنة))، الحديث. قال العلماء: هذا أمر ندب وتعليم لما يقال عند المريض أو الميت من الدعاء والاستغفار وله طلب اللطف به والتخفيف عنه ونحوه، وفيه إخبار عن دعاء من هناك، ولهذا استحب أن يحضر الميت الصالحون وأهل الخير (١) صحيح مسلم (٩١٩). (٢) أبو داود (٣١١٥). (٣) الترمذي (٩٩٩). (٤) والنسائي ٤ /٤. (٥) ابن ماجه (١٤٤٧). ٦٠٨ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب حالة موته ليذكروه ويدعو له ولمن يخلفه فينتفع بذلك الميت ومن يصاب به ومن يخلفه. وسبب حضور الملائكة المحتضر، قال صاحب الرونق واللباب: لا يجوز للحائض أن تحضر المحتضر وهو في النزع لأن الملائكة لا تدخل بيتا فیہ حائض أو جنب، انتھی. [٥٣٠٠] وعنها زَّاقَتَهَا قَالَت سَمِعت رَسُول الله وَلَّهِ يَقُول مَا من عبد تصيبه مُصِيبَةٍ فَيَقُول إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون اللَّهُمَّ آجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً مِنْهَا إِلَّا آجره الله تَعَالَى فِي مصيبته وأخلف لَهُ خيرا مِنْهَا قَالَت فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلمَة قلت أَي الْمُسلمين خير من أبي سَلمَة أول بيت هَاجر إِلَى رَسُول الله وَّ ثَّ إِنِّي قلتها فأخلف الله لي خيرا مِنْهُ رَسُول اللهِوَّهِ- رواه مسلم(١) وابو داود(٢) والنسائي(٣) والترمذي (٤)، وَلَفظه قَالَت قَالَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ إِذا أصَاب أحدكُم مُصِيبَة فَلْيقل إِنَّالله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون اللَّهُمَّ عنْدك أحتسب مصيبتي فأجرني بهَا وأبدلني خيرا مِنْهَا فَلَمَّا احْتضرَ أَبُو سَلمَة قَالَ اللَّهُمَّ اخلفني فِي أَهْلِي خيرا مني فَلَمَّا قبض قَالَت أم سَلمَة ﴿إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون﴾ عِنْد الله أحتسب مصيبتي فأجرني فِيهَا. رواه ابن ماجه(٥) بنحو الترمذي. قوله: ((وعنها))، تقدم الكلام عليها رضي الله تعالى عنها. (١) أخرجه مسلم (٩١٨). (٢) أبو داود (٣١١٩). (٣) النسائي (٦ / ٨١). (٤) الترمذي (٣٨٢٠). (٥) سنن ابن ماجه (١٥٩٨). ٦٠٩ كتاب الجنائز وما يتقدمها قوله وَلّ: ((ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها إلا آجره الله تعالى في مصيبته وأخلف له خيرا منها))، الحديث، المصيبة كل ما يؤذي المؤمن ويصيبه من بلية وغيرها. والمصيبة البلاء والمكروه الذي يصيب الإنسان. قوله وَالة: ((فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون)) فالاسترجاع عند البلاء تسليم وإذعان، والاسترجاع "هو قولك: ((إنا لله وإنا إليه راجعون)). روي أنه طفئ سراج رسول الله وَلا. فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. فقيل: أمصيبة هو؟ قال: نعم، كل شيء يؤذي المؤمن فهو له مصيبة. وعن أبي هريرة زَوَّهُ أنه سمع رسول الله وَيُّه يقول: إذا انقطع شسع أحدكم فليسترجع فإنه من المصائب. الشَّسع تقدم الكلام عليه في السلام وغيره. وقال عمر رضي الله تعالى عنه: انقطع شسع نعلي فسآني ثم استرجع وقال: كل ما ساءك فهو مصيبة. قوله ◌َله في الحديث: ((آجرني في مصيبتي)) قال القاضي عياض رحمه الله تعالى(١): يقال آجرني بالمد وكسر الجيم، ويقال بالقصر أيضا، حكاهما صاحب الأفعال. وقال الأصمعي وأكثر أهل اللغة هو مقصور لا يمدّ، وكذا نقله القاضي أيضا عن أهل اللغة. قوله وَيٍّ في الحديث: ((وأخلف لي خيرا))، الحديث. قال النووي هو بقطع الهمزة وكسر اللام. قال أهل اللغة: يقال لمن ذهب له مال أو ولد أو قريب أو شيء يتوقع حصول مثله: أخلف الله تعالى عليك أو لك، أي ردّ الله تعالى (١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١٩/١). ٦١٠ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب عليك مثله، فإن ذهب ما لا يتوقع مثله غالبا بأن ذهب ملك ولد أو أم أو عم لمن لا جد أو أخ ولا والد له، قيل له: خلف الله تعالى عليك بغير ألف أي كان الله خليفة والدك أي من فقدته عليك، وقيل يقال: خلف الله تعالى عليك إذا مات لك ميت أي كان الله خليفته عليك وأخلف الله تعالى عليك أي أبدلك. ومنه الحديث: تكفل الله تعالى للغازي بأن يخلف نفقته، وحديث أم سلمة: اللهم أخلف لي خيرا منه. قوله وَّي: (( ... ))، ومعنى آجره الله تعالى أي أعطاه الله تعالى أجره وجزاء صبره. وعن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: يقول الله تعالى: ابن آدم إن صبرت واحتسبت عند الصدمة الأولى لم أرض لك ثوابا دون الجنة، انفرد به ابن ماجه(١). وفي الحديث أيضاً (٢): إنما الصبر عند الصدمة الأولى، معناه الصبر الكامل الذي يترتب عليه الأجر الجزيل لكثر المشقة فيه. وأصل الصدم الضرب في شيء صلب بمثله، ثم استعمل مجازا في كل مكروه حصل بغتة. ومعنى عند الصدمة الأولى قال الأزهري (٣) معناه عند فورة المصبية وحموتها، ومعناه أن كل ذي رزية قصاراه الصبر، أي آخر أمره أو منتهاه، (١) سنن ابن ماجه (١٥٩٧) قال البوصيري في الزوائد: إسناد حديث أبي أمامة صحيح ورجاله ثقات، وحسنه الألباني في سنن ابن ماجه (١٥٩٧)، و صحيح الجامع الصغير وزيادته (٨١٤٣)، المشكاة (١٧٥٨). (٢) صحيح البخاري (١٢٨٣)، وصحيح مسلم (١٤) (٩٢٦). (٣) تهذيب اللغة (١٢ /١٠٥). ٦١١ كتاب الجنائز وما يتقدمها ولكنه إنما يحمد ويثباب عند الصدمة الأولى وهي فورة الرزية فإن الرزية إذا طالت الأيام عليها سليّ المصاب وصار الصبر طبعا فلم يؤجر، انتهى. وتقدم الكلام على شيء من ذلك قريبا. ( ... )) إذا بلغ الإنسان موت صاحبه قال: إنا لله وإنا إليه راجعون وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم اكتبه عندك](١) في المحسنين واجعل كتابه في عليين [واخلفه في أهله في الغابرين ولا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده](٢)، رواه ابن السني عن ابن عباس(٣). قال: قال رسول الله وَيّ: [للموت] فزع، فإذا بلغ أحدكم وفاة أخيه فليقل: إنا لله وإنا إليه راجعون، إلى آخره. [٥٣٠١] وَرُوِيَ عَنِ ابْن عَبَّاس ◌َّهَا فِي قَوْله تَعَالَى الَّذين إِذا أَصَابَتْهُم مُصِيبَةٍ قَالُوا إِنَّالله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون أُولَئِكَ عَلَيْهِم صلوَات من رَبهم وَرَحْمَة وَأُولَئِكَ هم المهتدون الْبَقَرَة ٦٥١ قَالَ أخبر الله عز وجل أَن الْمُؤمن إِذا سلم لأمر الله وَرجع فَاسْتَرْجع عِنْدِ الْمُصِيبَة كتب لَهُ ثَلَاث خِصَال من الْخَيْرِ الصَّلَاة من الله وَالرَّحْمَة وَتَحْقِيقِ سَبِيلِ الْهدى وَقَالَ رَسُول اللّهِ وَّهِ مِن اسْتَرْجع عِنْد (١) وسقط هذا اللوح ونصف من الأصل. (٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية. (٣) عمل اليوم والليلة لابن السني (٥٦١)؛ وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٢٤٦٩/٤٧/١٢) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣٣١): رواه الطبراني في الكبير، وفيه قيس بن الربيع الأسدي، وفيه كلام، وقال الحافظ ابن حجر؛ كما في الفتوحات الربانية (١٢٤/٤): هذا حديث غريب ... وفي سنده قيس بن الربيع، وهو صدوق؛ لكنه تغير في الآخر، ولم يتميز؛ فما انفرد به يكون ضعيفًا. ٦١٢ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب الْمُصِيبَة جبر الله مصيبته وَأحسن عقباه وَجعل لَهُ خلفا يرضاه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ شَيْئًا لم يُعْطه أحد من الأُمَم عِنْدِ الْمُصِيبَة إِنَّالله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون [٥٣٠٢] وَفِي رِوَايَة لَهُ قَالَ رَسُولِ الله ◌ِ أَعْطَيْت أمتِي(١). [٥٣٠٣] وَرُوِيَ عَن فَاطِمَة بنت الْحُسَيْن عَن أَبِيهَا رََّ قَالَ قَالَ رَسُول و الله ◌َيُّ من أُصِيب بمصيبة فَذكر مصيبته فأحدث استرجاعا وَإِن تقادم عهدها كتب الله لَهُ من الأجر مثله يَوْم أُصِيب رواه ابن ماجه(٢). (١) أخرجه الطبراني في الكبير (٤٠/١٢ رقم ١٢٤١١) و(٢٥٥/١٢ رقم ١٣٠٢٧). وقال الهيثمى في المجمع ٢/ ٣٣٠: رواه الطبراني في الكبير، وفيه محمد بن خالد الطحان وهو ضعيف. وقال في ٣٣١/٢: رواه الطبراني في الكبير، وفيه علي بن أبي طلحة وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٠٤٧). ولم يدرج الشارح تحته شرحا. (٢) سنن ابن ماجه (١٦٠٠). وأخرجه أحمد (١٧٣٤)، وأبو يعلى (٦٧٧٧) و (٦٧٧٨)، وابن حبان في المجروحين (٨٨/٣)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٥٥٩)، والطبراني في الكبير (١٣١/٣) (٢٨٩٥) وفي الأوسط كما في المجمع (٣٣١/٢)، والحارث كما في بغية الباحث (ح ٢٥٥)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (ص ٢٦٣)، وإسناده ضعيف جدا، هشام بن زياد - وهو ابن أبي هشام- متروك، وأمه لا يعرف حالها. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٤٣٤)، والضعيفة (٤٥٥١) وقال: ضعيف جدًّا. ضعيف الترغيب والترهيب (٣٩٢/٢). وله شاهد من حديث ابن عباس، وله عنه طريقان: الأولى: أخرجه الطبراني في الكبير (١٢ / ٢٥٥) عن ابن عباس مرفوعا: من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته، وأحسن عقباه، وجعل له خلفا صالحا يرضاه. وذكره الهيثمي في المجمع (٤/ ٣٣١) وقال: فيه علي بن أبي طلحة وهو ضعيف. الثانية: عن ابن عباس مرفوعا: أعطيت أمتي شيئا لم يعطه أحد من الأمم عند المصيبة إنا لله وإنا إليه راجعون. أخرجه الطبراني في الكبير (٤٠/١٢). وذكره الهيثمي في المجمع (٣٣٠/٢)، وقال: فیه محمد بن خالد الطحان وهو ضعيف. ٦١٣ كتاب الجنائز وما يتقدمها قوله: ((وروي عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها)) هي فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب القرشية الهاشمية المدنية، أخت علي بن الحسين زين العابدين وأمها أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله تزوجها ابن عمها حسن بن حسن بن علي، فولدت له عبد الله، وإبراهيم، وحسنا، وزينب، ثم مات عنها، فخلف عليها عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان-ويقال له: المطرف لجماله- فولدت له القاسم، ومحمدا، وهو الديباج؛ سمي بذلك لجماله، ورقية؛ بني عبد الله بن عمرو، ومات عبد الله عنها. وكان زوجه بها ابنها عبد الله بن حسن بن حسن وذكرها ابن حبان في كتاب ((الثقات)) وتوفيت فاطمة في سنة سبع عشرة ومئة، وقيل: في سنة أربع عشرة، وست عشرة ومئة. وكانت وفاتها بالمدينة(١). قوله: ((من أصيب بمصيبة)) فذكر مصيبته فأحدث استرجاعا وإن تقادم عهدها كتب الله له من الأجر مثله يوم أصيب)) الحديث، وفي لفظ: [جدّد] الله له أجرها مثل ما كان له يوم أصابته. قوله: ((فأحدث استرجاعا)) أي قال: إنا لله وإنا إليه راجعون. تنبيه: جعل الله تعالى هذه الكلمات ملجأ لذوي المصائب وعصمة للمحسنين لما جمعت من المعاني المباركة فإن قوله: ﴿إنا لله﴾ توحيد وإقرار بالعبودية للملك. وقوله: ﴿وإنا إليه راجعون﴾ إقرار [بالمِلك] على أنفسنا والبعث من قبورنا واليقين، لأن رجوع الأمر كله إليه كما هو له. قال (١) مرآة الزمان (٦٩/١١-٧١)، وتهذيب الكمال (٣٥/ ترجمة ٧٩٠١). ٦١٤ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب سعيد بن جبير: لم يعط الله هذه الكلمات نبيا قبل نبينا وَلَّ) [أيضا ولو عرَّفَنا] يعقوب ،الَّلاًا لما قال: ﴿يا أسفا على يوسف﴾، اهـ [٥٣٠٤] وَعَن أبي مُوسَى رَ أَن رَسُول الله ◌ِ قَالَ إِذا مَاتَ ولد العَبْد قَالَ الله تَعَالَى لملائكته قبضتم ولد عَبدِي فَيَقُولُونَ نعم فَيَقُول قبضتم ثَمَرَة فُؤَادِه فَيَقُولُونَ نعم فَيَقُول مَاذَا قَالَ عَبدِي فَيَقُولُونَ حمدك واسترجع فَيَقُول الله تَعَالَى ابْنُوا لعبدي بَيْتًا فِي الْجِنَّة وسموه بيت الْحَمد رواه الترمذي(١) وحسنه وابن حبان في صحيحه(٢). قوله: ((وعن أبي موسى))، أبو موسى اسمه عبد الله بن قيس الأشعري، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ◌َله: ((إذا مات ولد العبد، قال الله تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ (١) الترمذي (١٠٢١). أخرجه ابن المبارك في الزهد والرقائق (٢٧/٢)، والطيالسي (٥١٠)، وأحمد (١٩٧٢٥) وفي (١٩٧٢٦)، وعبد بن حميد (٥٥١)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٥٨١ والبيهقي في السنن الكبرى (١١٣/٤)، وفي الآداب (٧٥٦)، وفي شعب الإيمان (٩٢٤٩ / ٩٢٥٠) والبغوي (١٥٤٩). وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، واسم أبي سنان عيسى بن سنان. قال أبو حاتم الرازي: ضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب، ويقال: ابن عرزم، وعرزب أصح، روى عن أبي موسى الأشعري، مرسل. ((الجرح والتعديل)» ٤٥٩/٤. والحديث؛ صححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٠١٢)، وحسنه في صحيح الجامع (٧٩٥) والسلسلة الصحيحة (١٤٠٨). (٢) ابن حبان (٢٩٤٨). ٦١٥ كتاب الجنائز وما يتقدمها فيقولون: نعم. فيقول: فماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع)) الحديث. أي قال: الحمد لله، إنا لله وإنا إليه راجعون. وفي معنى هذا الحديث ما روي في صحيح البخاري(١) عن أبي هريرة رَّهُ أن رسول الله وَّ قال: يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن جزاء إذا قبضت صفيّه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة. وفي الأثر: أن موسى عليه الصلاة والسلام قال: يا رب أي خلقك أحبّ إليك، قال: من إذا أخذت منه محبوبه سالمني. قال: فأي خلقك أنت عليه ساخط؟ قال: من يستخيرني في أمر فإذا قضيت له سخط قضائي. وفي أثر إسرائيلي: أن موسى عليه الصلاة والسلام سأل ربه تبارك وتعالى عما يدني من رضاه فقال: إن رضاي في رضاك بقضائي، انتهى. الشيطان إنما يظفر بالإنسان غالبا عند السخط والشهوة فهناك يصطاده ولا سيما إذا استحكم سخطه، وذكر مسلم بن الحجاج(٢) عن أسامة بن زيد رَو ◌َلَهُ قال: كنا عند النبي ◌ّ فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه وتخبره أن صبيا لها أو ابنا لها في الموت. فقال للرسول ارجع إليها فأخبرها أن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى فمرها فلتصبر ولتحتسب. فعاد الرسول فقال: إنها قد أقسمت لتأتينّها. قال: فقام رسول الله وَجله فقام معه سعد بن عبادة (١) صحيح البخاري (٦٤٢٤). (٢) صحيح مسلم (١١) (٩٢٣)، وصحيح البخاري (١٢٨٤). ٦١٦ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب ومعاذ بن جبل وانطلقت معهم، فُرُفع الصبي إليه ونفسه تقعقع كأنها في شنّة ففاضت عيناه، فقال سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء. قوله: ((ونفسه تقعقع)) أي تتحرك وتضطرب بصوت متدارك. قال أبو علي: كل ما سمعت له عند حركته صوتا فهو قعقعة كالسلاح والجلود اليابسة، اهـ. اعلم أنّ هذا الحديث من أعظم قواعد الإسلام المشتملة على مهمات كثيرة من أصول الدين وفروعه والآداب والصبر على النوازل كلها والهموم والأسقام وغير ذلك من الأعراض، ومعنى لله ما أخذ أن العالم كله ملك لله عز وجل، فلم يأخذ ما هو لكم بل أخذ ما هو له عندكم في معنى العارية (٢٧/ ب)) ومعنى وله ما أعطى أن ما وهبه لكم ليس خارجا عن ملكه بل هو له سبحانه وتعالى يفعل فيه ما يشاء وكل شيء عنده بأجل مسمى فلا تجزعوا فإن من قبضه قد انقضى أجله المسمى [فمحال] تقدمه أو تأخره عنه فإذا علمتم هذا كله فاصبروا واحتسبوا ما نزل بكم. اهـ. وعن أنس بن مالك زَّ لَّهُ قال: قال رسول الله وَّة: ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم، ذكر الحديث، وفيه فدعا النبي وَّ بالصبي فضمّه إليه وقال: ما شاء الله أن يقول. قال أنس: لقد رأيته وهو یکید [نفسه] يعني يموت بين يدي رسول الله وَل فدمعت عينا رسول الله وَّ فقال: تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون، وفي الحديث أن الله لا يُعذّب بدمع العين ولا بحزن القلب وإنما يعذب بهذا وأشار إلى لسانه، اهـ. ٦١٧ كتاب الجنائزوما يتقدمها وفي صحيح البخاري ومسلم (١) عن ابن عمر أن رسول الله وَّةٍ عادَ سعد بن عبادة ومعه عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود فبكى رسول الله وَيّ، فلما رآى القوم بكاء رسول الله وَالله بكوا. فقال: ألا تسمعون أن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا ويرحم، وأشار إلى لسانه. وفي صحيح البخاري(٢) عن أنس أن رسول الله وَلو دخل على ابنه إبراهيم وهو يجود بنفسه فجعلت عينا رسول الله وَالاله تذرفان فقال له عبد الرحمن بن عوف: إنها رحمة ثم أتبعها بأخرى، فقال: إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزنون، والأحاديث بنحو ما ذكرته كثيرة والله أعلم. ومعنى يجود بنفسه أي يخرجها ويدفعها كما يدفع الإنسان ماله يجود به يريد أنه كان في النزع وسياق الموت، وفلان يجاد للحتف أي يساق إليه، وقيل: يجود بنفسه أي يتحرك في الفراش لكونه في النزع والغرغرة فموت البنين من العوارض التي توجب للعبد التسخط على القدر فأخبر وَ لجلال أنه لا يقول في مثل هذا المقال الذي يسخطه أكثر الناس فيتكلمون بما لا يرضي الله عز وجل ويفعلون ما لا يرضيه إلا ما يرضي ربه تبارك وتعالى ولهذا لما مات ابن الفضيل بن عياض رئي في الجنازة ضاحكا، فقيل تضحك وقد مات ابنك؟ فقال: إن الله تعالى قضى بقضاء فأحببت أن أرضى بقضائه. فأنكرت (١) صحيح البخاري (١٣٠٤)، ومسلم (١٢) (٩٢٤). (٢) صحيح البخاري (١٣٠٣). ٦١٨ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب طائفة هذا على الفضيل وقالوا: رسول الله وَل قد بكى يوم مات ابنه، وأخبر أن القلب يحزن والعين تدمع وهو في أعلا مقامات الرضى فكيف يعدّ هذا في مناقب الفضيل! والتحقيق أن قلب رسول الله وقدطل اتسع لتكميل المراتب من الرضى عن الله تعالى والبكاء رحمة للصبي فكان له مقام الرضى ومقام الرحمة ورقة القلب، والفضيل لم يستع لذلك فغيّبه مقام الرضى عن مقام الرحمة فلم يجتمع له الأمران، والناس في ذلك على أربع مراتب: أحدها: من اجتمع له الرضى بالقضاء ورحمة الطفل فدمعت عيناه رحمة والقلب راضٍ، الثاني من غيّبه الرضى عن الرحمة فلم يتسع للأمرين. الثالث من غيبته الرحمة والرقة عن الرضى فلم يشهده. الرابع من لا رضى عنده ولا رحمة وإنما كان حزنه لفوات حظه من الميت وهذا حال أكثر الخلق فلا إحسان ولا رضى عن الرحمن والله المستعان، انتهى. فائدة: في دفن البنات في أمثال العسكري عن ابن عباس أن النبي وَالّ لما عُزّي في ابنته رقية قال: الحمد لله دفن البنات من المكرمات(١) (١) أخرجه ابن المقرئ في المعجم (٤٠٨)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (١٥٩/٣)، والطبراني في معجمه الكبير (٣٦٧/١١ /١٢٠٣٥)، وفي مسند الشاميين (٢٤٠٨)، وابن عبد البر في الاستيعاب (٥٩٥/١)، وأبو نعيم الأصبهاني في معرفة الصحابة (٧٣٥١)، وابن عدي فيالكامل (١٧١/٥) (١٩٣/٦)، ومن طريقه: ابن الجوزي في الموضوعات (٢٣٦/٣) والخطيب في تاريخ بغداد (٦٧/٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٥٠/٣) و (٧/٢٧) (١٦٥/٤٠) و (٤٠ /١٦٦) و (١٠٤/٥٦)، القضاعي في مسند الشهاب (١٧٤/١ / ٢٥٠) وقال الهيثمى (١٢/٣): وفيه عثمان بن عطاء الخراسانى، وهو ٦١٩ كتاب الجنائز وما يتقدمها وروى البيهقي (١) وغيره أن عبد الرحمن بن مهدي مات له ابن فجزع عليه جزعا شديدا حتى امتنع من الطعام والشراب فبلغ ذلك محمد بن إدريس الشافعي فكتب [إليه] أما (٢٨/ أ) بعد فعزّ نفسك بما تعزي به غيرك واستقبح من نفسك ما تستقبحه من فعل غيرك: واعلم أن أشد [المصائب] فقد سرور مع حرمان أجر على اكتساب وزر فكيف إذا اجتمعـا من الحياة ولكن سنة الدين إني معزّيك لأني على ثقة ولا المعزِّي ولو عاشا إلى حين اهـ فما المعزّي بباق بعد صاحبه فائدة أيضا: في التعزية غريبة: قال الحسن البصري من الأدب ألا يُعزّى الرجل في زوجته(٢)، وروي أن [عبيد] الله بن زياد سأل أبا بكرة نفيع بن الحارث عن موت الأهل فقال: موت الأب قاصمة الظهر وموت الولد صدع في الفؤاد وموت الأخ قص الجناح وموت الزوجة حزن ساعة، اهـ. (٣) ضعيف . وانظر الموضوعات (٢٣٥/٣)، وذكره الشوكاني في الفوائد المجموعة (ص ١٢٢ رقم ١٨١). لا يصح، وجزم ابن حجر ببطلانه. وقال الألباني في ضعيف الجامع (٢٧٩٢)، ضعيف الجامع (٢٩٩٠)، والضعيفة (١٨٥) (١٨٦): موضوع. (١) مناقب الشافعي للبيهقي (٩٠/٢). (٢) النجم الوهاج في شرح المنهاج (٨٧/٣). تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي (١٧٩/٣) مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (٤٢/٢) (٣) النجم الوهاج في شرح المنهاج (٨٧/٣). تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي (١٧٩/٣) مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (٤٢/٢). ٦٢٠ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب خاتمة يختم بها الباب لها مناسبة أوحى الله تعالى إلى عيسى ابن مريم فَ لَّهُ: إنّ لي أمَة ترافقك في الجنة ودل عليها فإذا بامرأة عمياء مشلولة الأطراف، فعجب منها وسألها فقالت لو كان لي يدان ربّما جمعت بهما الحرام فشهدتا عليّ أو رجلان ربما مشيت بهما في معصية أو عينان ربما أبصرت بهما زخارف الدنيا وحوسبت لأجلهما، قال: فما حاجتك؟ قالت: المغفرة وليست لك لكن لي ابن يتولى وضوئي وصلاتي أسأل الله تعالى أن يعطيني أجره. قال: فلما انفصل لقي شبانا يبكون وقالوا: كان لهذه المرأة ابن واحد يخدمها فأكله الذئب، فرجع إليها عيسى عليَّلا فقال: قد أحسن الله عزاءك في ابنك فقد أكله الذئب. فقالت: الحمد لله الذي رفع عني مئونة مواراته مع ضعفي عن ذلك. فقال عيسى: حقّ لك أن تكوني رفيقتي في الجنة. [فقالت]: من أين لك هذا؟ فأخبرها عن الله تعالى، فشهقت شهقة عظيمة وخرّت ميتة فواراها التراب وانصرف، رحمة الله عليها.