النص المفهرس
صفحات 581-600
٥٨١
كتاب الجنائز وما يتقدمها
قوله: «وعن أنس بن مالك» تقدمت ترجمته مرارا.
قوله: ((كنا عند رسول الله ◌َ- فجاءه رجل فقال: يا رسول الله مات فلان،
قال: أليس كان معنا آنفا. قالوا: بلى. قال: سبحان الله كأنها أخذة على
غضب)) الحديث، آنفا أي قريبا، وروي أن رسول الله وَ له قال: أكره موتا
كموت الحمار، وقيل: ما موت الحمار؟ قال: موت الفجأة. الفجأة: يقال
بالمدّ مع ضم الفاء وبالقصر مع فتح الفاء وهي البغتة. دون تقدم مرض ولا
سبب. ويروى أن موت الفجأة أخذة على [الأسف]. والأسف بفتح السين
الغضب والأسِف بكسر الغضبان. وقد روي الحديث بهما والمعنى واحد
يعني أن موت الفجأة أخذة من الأسف يعني أثر غضب الله على العبد،
وروي أن رسول الله والر استعاذ من موت الفجأة، وروي عن أبي السكن
الهجري أن إبراهيم وداود وسليمان عليهم الصلاة والسلام [ماتوا فجأة]
ويقال أنه موت الصالحين، وحمل الجمهور الأول على من له تعلقات
يحتاج إلى الإيصاء أما المنقطعون المستعدّون فإنه تخفيف ورفق بهم. وعن
ابن مسعود وعائشة أن موت الفجأة راحة للمؤمن وأخذة غضب للفاجر،
=
ضعيف. ومع ذلك فقد حسن إسناده الحافظ المنذري، والحافظ الهيثمي في مجمع
الزوائد (٢٠٩/٤). ولحديث أنس طريقان آخران ضعيفان: أخرجهما ابن الجوزي في
العلل المتناهية (٤١١/٢)، وضعفه الألباني في صحيح وضعيف سنن ابن ماجه
(٢٠٠/٦)، وضعيف، التعليق الرغيب (٤ /١٦٦)، وضعيف الجامع (٥٩١٦)، وضعيف
الترغيب والترهيب (٢٠٣٦).
٥٨٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قاله الكمال الدميري في شرح المنهاج(١). ويروى أنه وَال قال: موت الفجأة
أخذة أسَف أو أخذة أسِف. قال الله تعالى: ﴿فلما آسفونا انتقمنا منهم
فأغرقناهم أجمعين﴾، يقال أسف أسفا إذا اشتد غضبه وآسفونا منقول منه
ومعناه أنهم أفرطوا في المعاصي وكذبوا موسى فاستحقوا شدة غضب الله
عليهم والغضب [إما] الانتقام فيكون من صفات الفعل [وإما] إرادته فيكون
من صفات الذات، اهـ. وقيل إنما كره [موت] الفجأة لئلا يلقى المؤمن ربه
عز وجل على غفلة من غير أن يقدّم لنفسه عذرا و[يجدّد] توبة [ويردّ
مظالمه](٢) ويستعدّ للآخرة [ولم] يمرض [ليكون] المرض كفارة لذنوبه.
٥٢٩٠ - وَرُوِيَ عَنِ ابْن عَبَّاسِ رَبَّا قَالَ ترك الْوَصِيَّةِ عَار فِي الدُّنْيَا ونار
وشنار فِي الآخِرَة. رواه الطبراني في الصغير (٣) والأوسط (٤).
قوله: وروي عن ابن عباس تقدم الكلام على مناقبه رَ لَّهُ .
قوله: ((ترك الوصية عار في الدنيا ونار وشنار في الآخرة)) الحديث. الشنار
بفتح الشين المعجمة وبالنون. قال صاحب العباب: ومن أصله بخطِّه نقلت:
(١) النجم الوهاج في شرح المنهاج (١٢٣/٣).
(٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٣) المعجم الصغير (٨٠٩).
(٤) المعجم الأوسط (٥٤٢٣)، وقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن رسول الله وَفيه إلا
بهذا الإسناد ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٠٩/٤) رواه الطبراني في الصغير
والأوسط، وفيه جماعة لم أعرفهم. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٤٢٦)،
وضعيف الترغيب والترهيب (٢٠٣٧)
٥٨٣
كتاب الجنائز وما يتقدمها
الشنارُ هو العار والعيب. وقال شمر الشّنار الأمر المشهور بالقبح والشنعة.
وقال في النهاية (١) الشنار العيب والعار. وقيل: هو العيب الذي فيه عار، اهـ.
ورجل شنير كثير الشنار. قال النخعي (٢) إذا تطيبت المرأة ثم خرجت كان
ذلك شنارا فیه نار.
٥٢٩١- وَعَن أبي هُرَيْرَة ◌َّهُ أَن رَسُول الله ◌َِّ قَالَ إِن الرجل ليعْمَل أَو
الْمَرْأَةِ بِطَاعَة الله سِتِّيْنَ سنة ثمَّ يحضرهما الْمَوْت فيضاران فِي الْوَصِيَّة فَتجب
لَهما النَّار ثمَّ قَرَأَ أَبُو هُرَيْرَة رَهُ من بعد وَصِيَّة يوصى بها أو دين غير مضار
حَتَى بلغ وَذَلِكَ الْفَوْزِ الْعَظِيمِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّزْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن
غَرِيبٍ وَابْن مَاجَه وَلَفظه قَالَ رَسُول الله ◌َلهَ إِن الرجل ليعْمَل بِعَمَل أهل الْخَيْر
سبعين الرجل ليعْمَل بِعَمَل أهل الشّرّ سبعين سنة فيعدل فِي وَصيته فيختم لَهُ
بِخَير عمله فَيَدْخلِ الْجِنَّةَ (٣)
٥٢٩٢] وَعَن ابْن عَبَّاس ◌ََّا عَنِ النَّبِيِ وَِّ قَالَ الْإِضْرَارِ فِي الْوَصِيَّة من
الْكَبَائِرِ ثمَّ تَلاتِلْكَ حُدُود الله النِّسَاء سنة فَإِذا أوصى حاف فِي وَصيته فيختم لَهُ
بشر عمله فَيَدْخل النَّار وَإِنِ رواه النسائي (٤).
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢ /٥٠٤).
(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥٠٤/٢).
(٣) أخرجه ابن ماجه (٢٧٠٤)، وأبو داود (٢٨٦٧)، والترمذى (٢١١٧). وضعفه الألباني في
المشكاة (٣٠٧٥) وضعيف الترغيب (٢٠٣٨). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.
(٤) أخرجه النسائي في تفسيره (١١٢)، وابن جرير الطبري في تفسيره (٨ / ٦٥). عن ابن
عباس، موقوفا. ورواه عمر بن المغيرة المصيصي، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس
=
٥٨٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: (وعن ابن عباس)) تقدم الكلام علیه.
قوله: ((الإضرار (٢٤/ ب) في الوصية من الكبائر)). المضارّة في الوصية
وهي أن يقصد حرمان الوارث أو تنقيصه بوصيته أو إقرار أو نحوهما لما
عنده من بغضه والحقد علیه.
[٥٢٩٣] وَرُوِيَ عَن أنس رَّهُ قَالَ قَالَ رَسُول اللّهَ وَّل من فر بميراث
وَارثه قطع الله مِيرَاثه من الْجِنَّة يَوْمِ الْقِيَامَة. رواه ابن ماجه(١).
مرفوعا. أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٨٧٨٨) والعقيلي في الضعفاء (٣ / ١٨٩).
والدار قطني في سننه (٤ / ١٥١) وابن مردويه في تفسيره كما في تفسير ابن كثير (١ / ٢١٣)
والبيهقي في سننه (٦ / ٢٧١). قال ابن كثير في تفسيره (١ / ٤٦١): قال ابن جرير:
((والصحيح الموقوف)). وقال العقيلي: ((هذا رواه الناس عن داود موقوفا، لا نعلم رفعه
غير عمر بن المغيرة)). وقال البيهقي: «هذا هو الصحيح موقوف، وكذلك رواه ابن عيينة
وغيره عن داود موقوفا، وروى من وجه آخر مرفوعا ورفعه ضعيف)). وقال ابن حجر في
التهذيب (١ / ٢٢٠) في ترجمة إسحاق بن إبراهيم الفراديسي الدمشقي: ((روی له الأزدي
في الضعفاء حدیثا عن عمر ابن المغيرة، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس
رفعه: الضرار في الوصية من الكبائر، قال الأزدي: المحفوظ من قول ابن عباس لا يرفعه.
قلت- القائل ابن حجر -: عمر ضعيف جدا، فالحمل فيه عليه، وقد رواه الثوري وغيره
عن داود موقوفا)) اهـ، والله أعلم.
(١) أخرجه ابن ماجه (٢٧٠٣). وقال البوصيري في الزوائد في إسناده زيد العمى. وقال
السخاوي في المقاصد الحسنة (١١٢٨) أورده الديلمي بلا سند عن أنس مرفوعا، ولا
يصح. وقد أخرجه ابن ماجه فقال: حدثنا سويد بن سعيد حدثنا عبد الرحيم بن زيد العمي
عن أبيه عن أنس رفعه: من فر عن ميراث وارثه قطع الله ميراثه من الجنة يوم القيامة، وهو
ضعيف جدا. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٧٢٣). وضعفه الألباني في ضعيف
الترغيب والترهيب (٢٠٤٠).
٥٨٥
كتاب الجنائزوما يتقدمها
قوله: ((وروي عن أنس)) تقدمت ترجمته. قوله: ((من فرّ بميراث وارثه قطع
الله ميراثه من الجنة يوم القيامة)).
وفي حديث آخر وهو أرجى حديث في الجنة عن أبي هريرة أن النبي وَ الله
قال: ما منكم من واحد إلا له منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار، فإذا مات
فدخل النار ورث أهل الجنة منزله، فذلك قوله تعالى: ﴿أولئك هم
الوارثون﴾ إن هذه الوراثة تختلف باختلاف الوارثين فمنهم من يرث بلا
حساب ومنهم من يرث بحساب ومناقشة ومنهم من يرث بعد الخروج من
النار على حسب اختلاف الناس.
وقيل يحتمل أن يسمى الحصول في الجنة وراثة من حيث حصولها عن
غيرهم بغير تعب وهو مقتضى قوله تعالى: {وقالوا الحمد لله الذي صدقنا
وعده وأورثنا الأرض} أي أرض الجنة التي كانت لأهل النار، اهـ.
[٥٢٩١] وَعَن أبي هُرَيْرَة رََّّهُ أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ إِن
الرجل ليعْمَل أَو الْمَرْأَةِ بِطَاعَة الله سِتِّينَ سنة ثمَّ يحضرهما الْمَوْت فيضاران
فِي الْوَصِيَّةٌ فَتَجِب لَهما النَّار ثمَّ قَرَأَ أَبُو هُرَيْرَة رضي الله عنه من بعد وَصِيَّةٌ
يوصى بهَا أَو دين غير مضار حَتَّى بلغ وَذَلِكَ الْفَوْزِ الْعَظِيمِ رواه أبو داود(١)
(١) وأخرجه أبو داود (٢٨٦٧).
ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٤٤٤/٦)، وابن عبد البر في الاستذكار (٢٦٦/٧)،
وفي (٣٠٥/١٤).
٥٨٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
والترمذي(١) وقال: حديث حسن غريب، وابن ماجه(٢)، وَلَفظه قَالَ رَسُول
الله وَّهُ إِن الرجل ليعْمَل بِعَمَل أهل الْخَيْرِ سبعين الرجل ليعْمَل بِعَمَل أهل
الشَّرّ سبعين سنة فيعدل فِي وَصيته فيختم لَهُ بِخَير عمله فَيَدْخلِ الْجِنَّة.
[قوله: ((وعن أبي هريرة)) تقدم.
قوله: ((إن الرجل ليعمل أو المرأة بطاعة الله ستين سنة)) الحديث. وفي
الحديث الآخر: إن الرجل ليعمل عمل أهل الخير، الحديث.
وقوله في الحديث الأول: ((ثم قرأ أبو هريرة ﴿من بعد وصية﴾ [إلى قوله
تعالى: ﴿الفوز العظيم﴾])) وهذه الآية قال ابن عطية فيها: ﴿تلك حدود
الله﴾ إشارة إلى القسمة المتقدمة في المواريث. واتخذ [الحجر المانع] لأمر
ما إما أن يدخل على غيره أو يدخل عليه غيره ومن هذا قولهم للبواب حدّاد
لأنه يمنع، ومنه إحداد المرأة وهو امتناعها من الزينة.
وقوله: ((من تحتها)) يريد من تحت بنائها وأشجارها الذي من أجله سميت
جنة لأن أنهار الجنة إنما هي على وجه الأرض في غير أخاديد. وحكى
(١) الترمذي (٢١١٧). وقال: هذا حديث حسن! غريب من هذا الوجه.
(٢) أحمد (٧٧٤٢)، وعبد الرزاق في المصنف (١٦٤٥٥)، وإسحاق ابن راهويه (١٤٧)،
وابن ماجه (٢٧٠٤)، وابن المنذر في الأوسط (٧٠١٦)، والطبراني في المعجم الأوسط
(٣٠٠٢). المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٣٨٢) وشهر مختلف فيه. وضعفه الألباني
في ضعيف سنن أبي داود ٦١٤ / ٢٨٦٧)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢٠٣٨)،
وضعيف سنن الترمذي (ص: ٢٤١)، وضعيف ابن ماجه (برقم ٥٩١، مشكاة المصابيح
٣٠٧٥، ضعيف الجامع الصغير ١٤٥٧،.
٥٨٧
كتاب الجنائز وما يتقدمها
الطبري أن الحدود هنا شروط الله، وعن ابن عباس: طاعة الله، [وعند
بعضهم: سنة الله](١).
وعند بعضهم: فرائض الله، وهذا كله معنى واحد والعبارة مختلفة وهاتان
آيتا وعد ووعيد والسبب في ذلك أن العرب أنكرت هذه القسمة. وقد كلّم
النبي ◌ُّل فيها عيينة بن حصن وغيره.
قال ابن عباس: الإضرار في الوصية من الكبائر. ورواه عن النبي ◌َّ، كذا
رواه أحمد في مسنده عن ابن عباس أن النبي وَّ قال: الإضرار في الوصية من
الكبائر، ورأيت في [رحلة] ابن الصلاح [التي بخطه](٢) أن من مات بغير
وصية لا يتكلم في البرزخ وأن الأموات يتزاورون سواه فيقول بعضهم لبعض
ما بال هذا فيقال أنه مات بغير وصية لم يؤذن [لهم] في الكلام مع الموتى.
قيل: يا رسول الله وهل يتكلمون؟ قال: نعم ويتزاورون. أخرجه الحافظ أبو
موسى، اهـ. قاله في الديباجة](٣).
وَطِّ فَقَالَ يَا
[٥٢٩٤] وَعَن أبي هُرَيْرَة رَ ◌ّهُ قَالَ جَاءَ رجلٍ إِلَى النَّبِي
رَسُول الله أَي الصَّدَقَة أعظم أجرا قَالَ أَن تصدق وَأَنت صَحِيح شحيح تخشى
الْفقر وَتَأملِ الْغنى وَلَا تمهل حَتَّى إِذا بلغت الْخُلْقُوم قلت لفُلَان كَذَا وَلِفُلَان
(١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٣) وقع تأخير لما بين المعقوفين في النسخة الهندية، وأدرج فيما سيأتي بعد قوله: (وصيته كثير
الثواب بالنسبة إلى صدقة الصحيح الشحيح والله تعالى أعلم).
٥٨٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
كَذَا وَقد كَانَ لِفُلان كَذَا رواه البخاري (١) ومسلم (٢) والنسائي(٣) وابن ماجه
(٤) بنحوه، وأبو داود(٥)إِلَّا أَنه قَالَ أَن تصدق وَأَنت صَحِيحٍ حَرِيص تَأْمل
الْبَقَاء وتخشى الفقر قوله: ((وعن أبي هريرة)) تقدمت ترجمته.
قوله: ((جاء رجل إلى النبي ◌ّ فقال: يا رسول الله أي الصدقة أعظم؟ قال:
أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنا)) الحديث.
قال الخطابي رحمه الله: الشح أعظم من البخل وكأن الشح جنس والبخل
نوع وأكثر ما يقال البخل في أفراد الأمور والشح عام كالوصف اللازم وما هو
من قبل الطبع. قال: فمعنى الحديث أن الشح غالب في حال الصحة فإذا
سمح فيها وتصدق كان أصدق في نيته وأعظم لأجره بخلاف من أشرف على
الموت وأيس من الحياة ورآى مصير المال لغيره فإن [صدقته] حينئذ ناقصة
بالنسبة إلى حال الصحة والشح ورجاء البقاء وخوف الفقر اهـ. فالحكمة
(٢٥/ أ) [فيه أن] الإنسان ما دام حيا فهو ضنين بما له شديد المحبة له
فإخراج الصدقة في صحته يؤذن بقهره نفسه وسخاوته والله أعلم، وفيه من
العفة أن الصحيح يضع ماله حيث شاء من المباح وله أن يشح به على من لا
يلزمه فرضه وفيه المنع من الإضرار بالوصية عند الموت، اهـ. قوله: وتأمل
(١) صحيح البخاري (١٤١٩).
(٢) صحيح مسلم (١٠٣٢).
(٣) سنن النسائي (٦٨/٥).
(٤) سنن ابن ماجه (٢٧٠٦).
(٥) وأبو داود (٢٨٦٥).
٥٨٩
كتاب الجنائزوما يتقدمها
الغنا بضمّ المیم أي تطمع فیه.
قوله: ((ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم)) بمعنى بلغت الحلقوم أي
قاربت الروح بلوغ الحلقوم فهو إشارة إلى تأخير الصدقة إلى وقت حصول
الموت وليس المراد حقيقة بلوغ الحلقوم إذ لو بلغته حقيقة لم تصح
[منه] (١) وصية ولا صدقة ولا شيء من تصرفاته باتفاق الفقهاء وهي الحالة
التي آمن فيها فرعون فلم ينفعه إيمانه، اهـ. قاله ابن عقيل وغيره. والحلقوم
هو البلعوم، قاله ابن بطال(٢)، وهو مجرى النفس إلى الرئة والمريء مجرى
الطعام والشراب إلى المعدة فيتصل بالحلقوم وهو أدق منه وأضيق وهو
تحت المعدة. قاله صاحب المغيث وغيره. قوله في الحديث: ((قلتَ لفلان
كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان كذا)) الحديث. قال الخطابي رحمه الله(٣).
المراد به الوارث، وقال غيره: المراد به سبق القضاء به للموصى له ويحتمل
أن يكون المعنى أنه قد خرج عن تصرفه وكمال ملكه واستقلاله بما شاء من
التصرف فليس له في وصيته كثير الثواب بالنسبة إلى صدقة الصحيح الشحيح
والله تعالى أعلم. وفي قوله: ((وقد كان لفلان)) دليل على أنه إذا أضرّ في
الوصية فإن للورثة أن يبطلوها لأنها حينئذ [مالهم] ألا تراه يقول: وقد كان
لفلان يريد الوارث.
(١) سقط هذا اللفظ من النسخة الهندية.
(٢) شرح صحيح البخاري لابن بطال (١ / ١٩٦).
(٣) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٥٦٥/٣)، وشرح النووي على مسلم (١٢٣/٧).
٥٩٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
[٥٢٩٥] وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَّهُ أَنْ رَسُول اللهِ وَ قَالَ لِأَن
يَتَصَدَّق الْمَرْءِ فِي حَيَاتِه وَصِخَّته بدرهم خير لَهُ من أَنْ يَتَصَدَّق عِنْد مَوته بِمِائَة
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنِ حبَان فِي صَحِيحه كِلَاهُمَا عَن شُرَحْبِيل بن سعد عَن أبي
سعيد.(١)
[٥٢٩٦] وَعَن أبي الدَّرْدَاء رضي الله عنه قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله
عليه وسلم يَقُول مثل الَّذِي يعْتق عِنْد مَوته كَمثل الَّذِي يهدي إِذا شبع. رواه
أبو داود(٢) والترمذي وقال: حديث حسن صحيح(٢)، وابن حبان في
(١) أخرجه أبو داود (٢٨٦٦)، وابن حبان (٣٣٣٤). وضعفه الألباني في الضعيفة (١٣٢١)،
ضعيف أبي داود (٤٩٤) وضعيف الترغيب (٢٠٤١). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.
(٢) سنن أبي داود (٣٩٦٨). إسناده ضعيف لجهالة أبي حبيبة الطائي، فقد قال ابن معين في
رواية عباس الدوري: لا أدري من هو. ومع ذلك صحح حديثه الترمذي، وابن حبان
والحاكم، وحسنه ابن حجر في الفتح (٣٧٤/٥).
(٣) الترمذي (٢١٢٣)، (٢٢٥٦)، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه النسائي
(٢٣٨/٦)، وفي الكبرى (٤٨٧٣ و٦٤٠٨)، والطيالسي (٩٨٠) وعبد الرزاق (١٦٧٤٠)،
وسعيد بن منصور في سننه (٢٣٣٠)، وابن أبي شيبة في «المسند» (٢٣)، وأحمد (١٩٦/٥
و١٩٧ و ٤٤٨/٦)، وعبد بن حميد (٢٠٢)، والدارمي (٣٢٢٦) وابن الأعرابي في معجمه
(١٨٧٢)، وابن حبان (٣٣٣٦)، والطبراني في معجمه الأوسط (٥٤٩٧)، وأبو الشيخ
الأصبهاني في الأمثال في الحديث (٣٢٨)، وأبو نعيم الأصبهاني في معرفة الصحابة
(٥٢٩٤)، والحاكم (٢٨٤٦)، والبيهقي في الكبرى (١٩٠/٤)، (٢٧٣/١٠)، وفي
الشعب (٤٣٤٧)، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. قال الحافظ
في الفتح (٥ / ٣٧٤): إسناده حسن وصححه ابن حبان. وضعفه الألباني في ضعيف
الجامع (٥٢٤٠)، والضعيفة (١٣٢٢). وضعيف الترغيب والترهيب (٢٠٤٢).
٥٩١
كتاب الجنائز وما يتقدمها
صحيحه(١) إِلَّا أَنْه قَالَ مثل الَّذِي يَتَصَدَّق عِنْد مَوته مثل الَّذِي يهدي بَعْدَمَا
يشْبع. وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَعِنْده قَالَ أوصى رجلٍ بِدَنَانِر فِي سَبِيل الله فَسئلَ أَبُو
الدَّرْدَاء فَحدث عَنِ النَِّيِ وَِّ قَالَ مثل الَّذِيِ يعْنق وَيَتَصَدَّقِ عِنْد مَوته مثل
الَّذِي يهدي بعد مَا شبع.
قوله: ((وعن أبي الدرادء)) تقدم.
قوله ودية: ((مثل الذي يتصدق عند موته أو يعتق مثل الذي يهدي بعدما
يشبع)) يعني أن الذي يطعم عند الجوع يكون على النفس أشد فثوابه كثير
والذي يطعم عند الشبع لا يكون شديدا على النفس فلم يكن ثوابه كثيرا،
وكذا التفاوت بين الصدقة في حال الصحة والمرض.
(١) صحيح ابن حبان (٣٣٣٦).
٥٩٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
التَّرْهِيب من كَرَاهِيَة الْإِنْسَانِ الْمَوْت
وَالتَّرْغِيبِ فِي تلقيه بالرضى وَالسُّرُور
إذا نزل حبا للقاء الله عز وجل
[٥٢٩٧] عَن عَائِشَة ◌َوَلَّهَا قَالَتْ قَالَ رَسُول الله وَّ من أحب لِقَاء الله
أحب الله لقاءه وَمن كره لِقَاء الله كره الله لقاءه فَقلت يَا نَبِي الله أكراهية الْمَوْت
فكلنا يكره الْمَوْتِ قَالَ لَيْسَ ذَلِك وَلَكِنِ الْمُؤمن إِذا بشر برحمة الله ورضوانه
وجنته أحب لِقَاء الله فَأحب الله لقاءه وَإِن الْكَافِرِ إِذا بشر بِعَذَاب الله وَسخطه
كره لِقَاء الله وَكره الله لقاءه رواه البخاري(١) ومسلم(٢) والترمذي(٣) والنسائي(٤).
قوله: ((عن عائشة)) تقدم الكلام على مناقبها
قوله وَله: ((من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله
لقاءه)) الحديث.
.
قال العلماء رَّمَ: محبة الله تعالى لعبده هي إرادته الخير له وهدايته
وإنعامه عليه ورحمته، وبغضه إرادته عقابه وشقاوته ونحو ذلك، حكاه عنهم
النووي في شرح مسلم.
(١) صحيح البخاري (٦٥٠٧).
(٢) صحيح مسلم (٢٦٨٤).
(٣) الترمذي (١٠٦٧). ابن ماجه (٤٢٦٤)
(٤) النسائي (٤ /١٠).
٥٩٣
كتاب الجنائز وما يتقدمها
وقوله ◌َّه: (من كره لقاء الله كره الله لقاءه)) الحديث. قال العلماء: معنى
هذا الحديث عند الاحتضار والمعاينة فحينئذ يكشف الغطاء، فأهل السعادة
يبشرون بما أعدّ الله لهم وأراده فيهم وهو معنى محبته لقاءهم فيغتبطون
ويُسرّون بذلك ويحبّون الموت لتحصيل تلك الكرامة وأهل الشقاوة كشف
لهم عن حالهم فكرهوا الورود على ربهم لما تيقنوا من تعذيبه لهم والله
تعالى قد أبعدهم عنه وأراد بهم العذاب وهو معنى كراهيته لقاءهم فمن هنا
خبرية غير شرطية كأنه قال: من أحب لقاء الله فهو الذي أحب الله لقاءه ومن
كره لقاء الله فهو الذي كره الله لقاءه. قولها زَّالًِّا: ((فقلت يا نبي الله الكراهية
الموت فكلنا يكره الموت. قال: ليس ذلك)) الحديث. قال ابن عبد البر. قال
أبو عبيد: ليس وجه قوله وَّيه (٢٥/ ب) ومن كره لقاء الله أن يكره الموت
وشدّته لأنّ هذا أمر لا يكاد يخلو منه أحد وبلغنا عن غير واحد من الأنبياء
عليهم الصلاة والسلام أنه [كره] حين نزل به ولكن المكروه من ذلك ما كان
إيثارا للدنيا على الآخرة وركونا إلى الحظوظ العاجلة وكراهية أن يصير إلى
الله والدار الآخرة، وقد عاب الله تعالى قوما حرصوا على ذلك فقال تعالى:
﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَّوَةٍ﴾(١).
قوله ◌َّخلقه: ((ولكن المؤمن إذا بشّر برحمة الله ورضوانه وجنته أحبّ لقاء الله
فأحب الله لقاؤه)) الحديث، فالحبّ هاهنا هو الذي يقتضيه الإيمان بالله تعالى
والثقة بوعده دون ما يقتضيه حكم الجبلّة.
(١) سورة البقرة، الآية ك ٩٦.
٥٩٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فائدة فيها بشرى: فمما يجلبه الموت على الإسلام من المنافع المتقدمة
عليه وقوع البشرى عند الموت برحمة الله تعالى وجنته، وقد قال الله سبحانه
وتعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَىُ فِى الْخَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِى
اُلْآخِرَةَّ﴾ (١)، قال بعض المفسرين: البشرى في الحياة الدنيا هي البشرى
الواقعة عند الموت.
وقيل غير ذلك، وقد جاء في البشرى عند الموت عن محمد بن كعب
القرظي (٢) قال: إذا استنقعت نفس العبد المؤمن جاء ملك الموت فقال:
السلام عليك يا ولي الله، الله يقرأ عليك السلام، ثم قرأ: ﴿الذين تتوفاهم
الملائكة طيبيين يقولون سلام عليكم﴾، وممن نص على تسليم الملائكة
على المؤمن عند الموت عبد الله بن مسعود والبراء بن عازب وغيرهما.
وعن مجاهد أن المؤمن يُبَشّر بصلاح ولده من [بعده] لتقرّ عينه.
واعلم أن البشرى تتكرر للمؤمنين في الحياة الدنيا وفي البرزخ ويوم البعث
وفي الجنة، والبشرى العامة لهم من الله تعالى قد نطق بها القرآن في غير
موضع كما في قوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ اٌلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحُقِ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَهُدَى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾﴾(٣)، [وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ
(١) سورة يونس، الآيتان: ٦٣ - ٦٤.
(٢) الزهد لابن المبارك (٤٤٢)، وتفسير الطبري (١٤ / ١٠١)، والعظمة (٤٣٨).
(٣) سورة النحل، الآية: ١٠٢.
٥٩٥
كتاب الجنائز وما يتقدمها
اُلْكِتَبَ تِبْيَنَا لِكُلِّ شَىْءٍ وَهُدَى وَرَحْمَةً وَيُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾(١)](٢). وقوله
تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَبٌ مُصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشْرَى
لِلْمُحْسِنِينَ﴾(٣). قال ابن عباس: أي للموحدين.
وانظر كيف شملت البشرى المذكورة في هذه الآيات الثلاث أرباب
المراتب الثلاث من أهل دين الإسلام وهم المسلمون والمؤمنون
والمحسنون، وكيف لا يبشّرون كلهم وقد ثبت لهم الاصطفاء بمن فيهم من
ظالم لنفسه ومقتصد وسابق [بالخيرات بإذن الله] کما قال تعالى: ﴿ثم أورثنا
الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا﴾ الآية، قاله صاحب [حادي] القلوب إلى
لقاء المحبوب وهو كتاب نفيس في التشجيع على الموت ينبغي أن لا يخلو
الإنسان من مطالعته وسماعه لما فيه من فوائد الموت ونتائجه ولقد قال بهذا
القول بعض العباد الزاهدين المتصوفين نفعنا الله ببركاتهم.
تنبيه: قول محمد بن كعب القرظي: إذا استنقعت نفس العبد المؤمن أي
اجتمعت في فيه تريد الخروج كما يُستنقع الماء في قراره وأراد بالنفس الروح،
قاله في النهاية (٤).
(١) سورة النحل، الآية: ٨٩.
(٢) سقطت هذه الآية من النسخة الهندية.
(٣) سورة الأحقاف، الآية: ١٢.
(٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (١٠٨/٥).
٥٩٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
تنبيه أيضا في قوله: واعلم أن البشرى تتكرر للمؤمنين في الحياة الدنيا وفي
البرزخ، روى هناد بن السري قال حدثنا محمد بن فضيل ووكيع عن بكر قال
سألت مجاهدا عن قول الله عز وجل: ﴿ومن ورائهم برزخ إلى يوم
يبعثون﴾، قال: هو ما بين الموت إلى البعث، وقيل للشعبي: مات فلا، قال:
ليس هو في الدنيا ولا في الآخرة، هو في البرزخ، اهـ، قاله القرطبي في
التذكرة(١).
[٥٢٩٨] وَعَن أنس رَّالَهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّه من أحب لِقَاء الله أحب
الله لقاءه وَمن كره لِقَاء الله كره الله لقاءه قُلْنَا يَا رَسُول الله كلنا يكره الْمَوْت
قَالَ لَيْسَ ذَلِك كَرَاهِيَة الْمَوْت وَلَكِنِ الْمُؤمن إِذا حضر جَاءَهُ البشير من الله
فَلَيْسَ شَيْء أحب إِلَيْهِ من أَن يكون قد لَقِي الله فَأحب الله لقاءه وَإِن الْفَاجِر أَو
الْكَافِرِ إِذا حضر جَاءَهُ مَا هُوَ صائر إِلَيْهِ من الشَّرّ أَو مَا يلقى من الشَّرّ فكره لِقَاء
الله فكره الله لقاءه. رواه أحمد (٢) ورواته رواه الصحيح، والنسائي (٣) بإسناد
جيد، إِلَّا أَنْه قَالَ قيل يَا رَسُول الله وَمَا منا أحدٍ إِلَّا يكره الْمَوْتِ قَالَ إِنَّه لَيْسَ
بكراهية الْمَوْت إِن الْمُؤمن إِذا جَاءَهُ الْبُشْرَى من الله عز وجل لم يكن شَيْء
أحب إِلَيْهِ من لِقَاء الله وَكَانَ الله للقائه أحب وَإِن الْكَافِرِ إِذا جَاءَهُ مَا يكره لم
(١) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٤٧٧).
(٢) مسند أحمد (١٢٠٤٧).
(٣) النسائي في السنن الكبرى (١١٧٥٨). وأخرجه ابن المبارك في الزهد والرقائق (٩٧١)،
والدارمي (٢٧٩٨)، وأبو يعلى الموصلي (٣٨٧٧)، والطبراني في المعجم الأوسط
(٣١٥٥) عن حميد، عن أنس.
٥٩٧
كتاب الجنائزوما يتقدمها
يكن شَيْء أكره إِلَيْهِ من لِقَاء الله وَكَانَ الله للقائه أكره.
قوله: ((وعن أنس)) تقدمت ترجمته زَّ لَهُ .
قوله ◌َّية: ((من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه)) الحديث، قال صاحب
النهاية(١): المراد بلقاء الله المصير إلى الدار الآخرة وطلب ما عند الله وليس
الغرض ((٢٦/أ) [به] الموت لأنّ كلا يكرهه، اهـ. وتقدم معنى محبة الله
تعالى لعبده وبغضه له. وقوله ◌َّخير: ((من كره لقاء الله كره الله لقاءه)) الحديث.
قال في شرح مسلم(٢): هذا الحديث يفسّر آخره أوله ويبين المراد [باقي]
الأحاديث المطلقة: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومعنى الحديث أن
الكراهة المعتبرة هي التي تكون عند النزع في حالة لا تقبل توبة ولا غيرها
فحينئذ يبشّر كل إنسان بما هو صائر إليه وما أعد الله له ويكشف له عند ذلك،
فأهل السعادة يحبون الموت ولقاء الله لينتقلوا إلى ما أعدّ لهم ويحب الله
لقاءهم أي فيجزل لهم العطاء والكرامة، وأهل الشقاوة يكرهون لقاء الله لما
علموا من سوء ما ينتقلون إليه ويكره الله لقاءهم أي يبعدهم عن رحمته
وكرامته ولا يريد ذلك بهم وهذا معنى كراهيته سبحانه لقاءهم وليس معنى
الحديث أن سبب كراهة الله تعالى لقاءهم كراهتهم ذلك ولا أنّ حبّه لقاء
الآخرين حبهم ذلك بل هو صفة لهم والله أعلم.
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢٦٦/٤).
(٢) شرح النووي على مسلم (٩/١٧).
٥٩٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
لطيفة جليلة: قال سليمان بن عبد الملك لأبي حازم يا أبا حازم ما لنا نكره
الموت؟ قال لأنكم عمرتم دنياكم و[أخربتم] أخراكم فأنتم تكرهون النقلة
من العمران إلى الخراب. قال: كيف القدوم على الله تعالى؟ قال: يا أمير
المؤمنين أما المحسن [فكالغائب] يأتي أهلها فرحا مسرورا وأما المسيء
فکالعبد الآبق یآتي مولاه خائفا محزونا.
وقال أحمد بن أبي الحواري: قال أبو سليمان الداراني: رحمة الله عليه
الناس رجلان رجل أحب الله وأحب الموت شوقا إلى الله ورجل أحب البقاء
لإقامة حق الله. قال: فوثب غلام لم يحتلم فقال: ورجل ثالث أو قال ورجل
آخر. فقال أبو سليمان: ومن هو؟ فقال: من لم يختر هذا ولا هذا اختار ما
اختار الله عز وجل له. فقال أبو سليمان احتفظوا بالغلام فإنه صدّيق، اهـ. قاله
صاحب العاقبة(١). قوله في حديث أنس: ((ولكن المؤمن إذا حُضر جاءه
البشير من الله عز وجل)) الحديث.
فائدة: لما احتضر عامر بن عبد الله(٢) بكى وقال لمثل هذا المصرع
فليعمل العاملون، اللهم إني أستغفرك من تقصيري وتفريطي وأتوب إليك
من جميع ذنوبي لا إله إلا الله، ثم لم يزل يردّدها حتى مات.
وقال عمرو بن العاصي عند موته(٣): اللهم أمرتنا فعصينا ونهيتنا فركبنا
(١) العاقبة في ذكر الموت (ص٣٣)، والروضة الريا فيمن دفن بداريا (١ / ٩٢).
(٢) المحتضرين لابن أبي الدنيا (١٧٦).
(٣) المستطرف في كل فن مستظرف ج٢/ ص٥٧٤)، وشذرات الذهب ج١/ ص٥٣)،
والنجوم الزاهرة ج١/ ص١١٥).
٥٩٩
كتاب الجنائز وما يتقدمها
ولا يسعنا إلا عفوك، لا إله إلا الله، [ثم](١) رددها حتى مات.
وقال عمر بن عبد العزيز عند موته(٢): أجلسوني فأجلسوه، فقال: أنا الذي
أمرتني فقصرت ونهيتني فعصيت ولكن لا إله إلا الله ثم رفع رأسه فأحدٌ
النظر فقالوا: إنّك تنظر نظرا شديدا يا أمير المؤمنين. قال: أتاني حضرة ما هم
بإنس ولا جنّ، ثم قبض، رحمت الله علیه. وسمعوا تالیا يتلو: ﴿تلك الدار
الآخرة نجعلها [للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة
للمتقين)]، اهـ.
وعن شهر بن حوشب(٣) قال: لما حضر عمرو بن العاصي الوفاة قال له
ابنه: يا أبتاه: إنك لتقول لنا ليتني كنت ألقى رجلا عاقلا لبيبا عند نزول
الموت حتى يصف لي ما [يجد] وأنت ذلك الرجل فصف لي الموت. قال:
يا بني [كأن] نفسي في تخت وكأنني أتنفس من سمّ إبرة وكأن غصن شوك
يجذب من قدمي إلى هامتي، ثم أنشأ يقول:
ليتني كنت ما قد بدالي في رءوس الجبال أرعى الوعولا
قاله في حياة الحيوان(٤).
(١) سقط هذا اللفظ من النسخة الهندية.
(٢) المحتضرين لابن أبي الدنيا (٩٠).
(٣) المحتضرين لابن أبي الدنيا (١٠٣).
(٤) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٥٥٠).
٦٠٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فائدة: الإنسان إذا [احتضر] هل الأفضل كثرة المعالجة أو عدمها؟ الجواب:
أنه إذا انتهى إلى حركة المذبوح فترك المعالجة أولى وإلا فالعلاج مشروع
وربّك على كل شيء قدير. قاله شيخ الإسلام ابن حجر في بعض فتاويه.
فائدة أيضا: روى مسلم في ((٢٦/ ب)) صحيحه(١) [عن] أم سلمة واسمها
هند قالت: دخل رسول الله ◌َّل﴿ على أبي سلمة وقد شُقّ بصره فأغمضه ثم
قال: إن الروح إذا قبض تبعه البصر، فضجّ ناس من أهله فقال: لا تدعوا على
أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون، الحديث. قوله: ((شق
بصره)) هو بفتح الشين وبصره [برفع] الراء فاعل شق هكذا الرواية فيه. قال
صاحب الأفعال: يقال شق بصر الميت وشق الميت بصره إذا شخص. قاله
النووي في أذكاره(٢).
وفي حديث آخر(٣): إذا شخص البصر وحشرج الصدر فعند ذلك من
أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، الحديث. الحشرجة الغرغرة عند الموت
وتردد النفس فشخوص البصر ارتفاع الأجفان إلى فوق وتحديد النظر
وانزعاجه. يقال للرجل إذا أتاه ما يقلقه قد شخص به كأنه رفع من الأرض
لقلقه وانزعاجه ومنه شخوص المسافر خروجه عن منزله. اهـ، قاله صاحب
(١) مسلم (٩٢٠).
(٢) الأذكار للنووي (ص: ٢٤٨)، المجموع شرح المهذب (١٢٧/٥)، شرح النووي على
مسلم (٦ / ٢٢٢).
(٣) صحيح مسلم (٢٦٨٥).