النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
أو ابن مسعود ◌َوِّهَنَا مس النبي وَّةٍ لهما [ولا يتذكراه و](١) لا يكاد الإنسان
يفعل ذلك في الغالب إلا بمن يميل قلبه إليه، فذلك دليل على محبته وَالهول
لهما، وفي الحديث الابتداء بالنصيحة والإرشاد لمن يطلب ذلك، وفيه
حرصه وَّة على أصل الخير لأمته وَّ إذا كان هذا الكلام لا يخص ابن عمر
في الحقيقة بل ذلك مخاطبة لجميع الأمة من حيث المعنى.
قوله: ((فقال كن في الدنيا كأنك غريب)) أي كالغريب لا يستقر في دار
الغربة ولا يسكن إليها بل لا يزال مشتاقا إلى وطنه عازما على السفر إليه،
[أي] لا تركن [إليها أي] الدنيا ولا تتخذها وطنا ولا تحدث نفسك بطول
البقاء فيها ولا بالاعتناء بها ولا تتعلق منها بما لا يتعلق به الغريب في غير
وطنه ولا يشتغل فيها بما لا يشتغل به الغريب الذي يريد الذهاب إلى أهله
ولا شك أن الإنسان إنما خلق ليمتحن بالطاعة والمعصية ليكون من أهل
الثواب أو العقاب ومن أصحاب اليمين أو من أصحاب الشمال بدليل قوله
عز وجل: ﴿إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبولهم أيهم أحسن عملا﴾،
وحينئذ هو كعبد أرسله سيده في حاجة إلى بلد غريبة فهو فيها غريب [عابر
سبيل] فشأنه أن يبادر [بقضاء] ما أرسله فيه ثم يعود إلى وطنه.
فمعنى الحديث: اعمل في حياتك ما تلقى نفعه بعد موتك، وبادر أيام
صحتك فإن المرض قد يطرأ فيمنعك من العمل فتقدم المعادَ بغير زاد ومن
(١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

٢٠٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قدر في نفسه أنه يعيش عشر سنين أو عشرين سنة فإنه يصير عبدا لهذه
الأوصاف الذميمة فما أجمع هذا الحديث لمعاني الخير وأشرفه. فهذا
الحديث أصل في الفراغ عن الدنيا والزهد فيها والرغبة عنها بالاحتقار لها
والقناعة فيها بالبلغة وهذا الحديث أصل في قصر الأمل في الدنيا وأن المؤمن
لا ينبغي له أن يتخذ الدنيا وطنا ومسكنا فيطمئن منها ولكن ينبغي أن يكون
فیھا کأنه على جناح سفر یھیئ جهازه للرحیل وقد اتفقت على ذلك وصايا
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم. قال تعالى حاكيا عن مؤمن آل
فرعون أنه قال: ﴿يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار
القرار﴾، فكأن النبي ◌َّيّ يقول: مالي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل
راكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها، اهـ. قاله ابن رجب (١). لما كانت
[٢١٥/ ب] الدنيا دار مجاز إلى الآخرة فينبغي للمؤمن أن يكون فيها
كالغريب المجتاز الذي لا يحدث نفسه في منزل نزله أو مرحلة حل فيها بأن
يبني فيها دارا بل يكفيه فيها مبيت ليلة ثم إن الغريب نازع إلى الوطن ماد
عينيه إلى أهله شاخص أمله إلى وقت الارتحال متى ينادى بالرحيل فيرتحل،
فكلما قطع مرحلة هاج شوقه ينتظر نهاية المسافة فإذا بلغ آخر مرحلة قلق
وضاع ذرعا فإذا وقع بصره على وطنه رق ودمعت عيناه من طول الغربة
ومقاساة الشدة ثم بكى فرحا بوصوله إلى الوطن ونظره إلى الأحباب، قاله
صاحب شرح مشارق الأنوار.
(١) جامع العلوم والحكم (٣٧٩/١).

٢٠٣
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
قوله: ((أو عابر سبيل)) ومنه المسافر، ومنه قوله تعالى: ﴿إلا عابري
سبيل﴾ في أحد الوجهين، السبيل هو الطريق، والمسافر في الطريق يمر
صادقا، كل عزمه وقصده إلى بلوغ مقصده غير ملتفت إلى [جزئيات]
الطريق ولا معرّج عليها، اهـ.
قوله صلى الله عليه وسلم لابن عمر ((فإنك لا تدري يا عبد الله ما اسمك
غدا)) أي لا تعلم اسمك غدا حي فتقدر على العمل وتستدرك فيه ما فاتك
بالأمس أو اسمك ميت [فتقع] في الحسرة والندامة التي لا آخر لها. اهـ.
[وقال ابن رجب.(١)
معناه: يعني لعلك غدا من الأموات دون الأحياء. وقد روي معنى هذه
عن النبي وَّةٍ، قال(٢): نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ.
وقال بعض العلماء أبياتا في المعنى، وهو ابن قيم الجوزية:
وحيّ على جنات عدن فإنها منازلك الأولى وفيها المخيّم
نعود إلى أوطاننا ونسلّم
ولكننا سبي العدو فهل ترى
لها أضحت الأعداء فينا تحكم
وأي اغتراب فوق غربتنا التي
وشطّت به أو طانه ليس يُنعّم
وقد زعموا أن الغريب إذا نئا
فمن أجل ذا لا ينعم العبد ساعة من العمر إلا بعدها يتألم
(١) جامع العلوم والحكم (١/ ٣٨٤).
(٢) صحيح البخاري (٦٤١٢).

٢٠٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وكيف لا يكون العبد في هذه الدار غريبا وهو على جناح سفر لا يحل عن
راحلته إلا بين أهل القبور، فهو مسافر في صورة قاعد:
ما هذه الأيام إلا مراحل يحث بها داع إلى الموت قاصد
منازل تطوى والمسافر قاعد
وأعجب شيء لو تأملت أنها
والغريب في الناس كما قال القائل:
فعيني ترى دهري وليس يراني
تسترت من دهري بظل جناحه
وأين مكاني ما عرفن مكاني
فلو تسأل الأيام ما اسمي ما درت
وقد قال بعض الأدباء كلاما منظوما في وصف زماننا هذا كأنه شاهده:
ذهب الرجال المقتدى بفعالهم والمنكرون لكل أمر منكر
بعضا ليدفع معور عن معور
وبقيت خلف يزكي بعضهم
في صورة الرجل السميع المبصر
أَبْنَيّ إن من الرجال بهيمة
فإذا أصيب بدينه لم يشعر
فطن بكل مصيبة في ماله
من يسع في علم بلبّ يظفر (١). اهـ]
[٢١٦/ أ] فسل اللبيب تكن لبيبا مثله
قول ابن عمر: إذا أمست فلا تنتظر الصباح، الحديث فيه الحض على
تقصير الأمل لأنه المصلح للعمل والمنجي من آفات التواني والكسل فإن من
طال أمله ساء عمله وقصر الأمل هو حقيقة الزهد في الدنيا، كذا قالوه، والحق
أنه سبب للزهد لا الزهد [هو] (٢) نفسه لأن من قصر أمله زهد في هذه الدار
(١) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (قال ابن الجوزي: إذا
رأيت قبرا فتوهمه قبرك، وعد باقي الحياة ربحك).
(٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

٢٠٥
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
الفانية وطول الأمل يتولد منه أربعة أشياء أحدها ترك الطاعة والكسل فيها،
والثاني التسويف بالتوبة، والثالث الرغبة في الدنيا، والرابع القسوة في القلب
والنسيان للآخرة لأنك إذا أملت العيش الطويل نسيت الموت والقبر
والثواب والعقاب وأحوال الآخرة وزلازلها وأهوالها وأقبلت على أسباب
الدنيا وصحبة [الخلق] فيقسو القلب ضرورة فإنما رقة القلب وصفاؤه بذکر
الموت والقبر والثواب والعقاب وأهوال يوم القيامة. قال الله تعالى: ﴿فطال
عليهم الأمد فقست قلوبهم﴾(١)، وقال: ﴿ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم
الأمل فسوف يعلمون﴾(٢)، وقال علي(٣): ارتحلت الدنيا مدبرة وأقبلت
الآخرة مقبلة ولكل واحدة منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من
أبناء الدنيا فإن اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل. قوله: ((وخذ
من صحتك لمرضك)) الحديث، أي اغتنم العمل حال الصحة فإن المرض
مانع منه إذ لا قوة تعين عليه حينئذ فاستسلف وبادر قبل هجومه ففیه حض
على اغتنام أيام الصحة فيمهد فيها لنفسه خوفا من مرض يمنعه من العمل،
وكذلك قوله [صلى الله تعالى عليه وسلم]: خذ من حياتك لموتك؛
فبالموت ينقطع العمل، فينبغي للإنسان أن يقدر أنه مات ثم يبعث فينظر
کیف کان عمله، ففيه تنبيه على اغتنام أيام الحياة ولا يمر عمره باطلا في سهو
(١) سورة الحديد: ١٦.
(٢) سورة الحجر: ٣.
(٣) علقه البخاري (٨٩/٨) كتاب الرقاق، باب في الأمل وطوله.

٢٠٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وغفلة لأن من مات فقد انقطع عمله وفاته أمله وحضره على تفريطه ندمه.
قال ابن الجوزي: إذا رأيت قبرا فتوهمه قبرك، وعد باقي الحياة ربحك.
٥٠٦٦- وَعَن مِعَاذْ رََّّهُ قَالَ قلت يَا رَسُول الله أوصني قَالَ اعبد الله كَأَنَّك
ترَاهُ واعدد نَفسك فِي الْمَوْتَى وَاذْكُر الله عِنْد كل حجر وَعند كل شجر وَإِذا
عملت سَيَِّة فاعمل بجنبها حَسَنَة السِّرّ بالسر وَالْعَلَانِيَة بالعلانية. رَوَاهُ
الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد جيد إِلَّا أَن فِيهِ انْقِطَاعًا بَين أبي سَلمَة ومعاذ(١).
٥٠٦٧ - وعن عبد الله بن عمر أَّيََّا قال: مر بي النبي ◌َّ وأنا أطين حائطا
لي أنا وأمي فقال: ما هذا يا عبد الله؟ فقلت: يا رسول الله وهی فنحن نصلحه
فقال: الأمر أسرع من ذلك.
٥٠٦٨- وفي رواية قال: مر علينا رسول الله وَّة، ونحن نعالج خصا لنا
وهى، فقال: ما هذا؟ فقلنا: خص لنا وهى، فنحن نصلحه فقال: ما أرى الأمر
إلا أعجل من ذلك. رواه أبو داود (٢) والترمذي(٣) وقال: حديث حسن
(١) أخرجه هناد في الزهد ٢/ ٥٣١ حدثنا عبدة، وابن أبي الدنيا في الصمت (٢٢)، والشاشى
(١٤٠٠)، والطبراني في الكبير (١٥٩/٢٠ رقم ٣٣١)، والبيهقي في الشعب (٧٨/٢ رقم
٥٤٤). قال الهيثمى في المجمع ٢١٨/٤: رواه الطبراني، وأبو سلمة لم يدرك معاذا،
ورجاله ثقات. وقال في ٧٤/١٠: رواه الطبراني، وإسناده حسن. وحسنه الألباني في
الصحيحة (١٤٧٥) وصحيح الترغيب (٣١٤٤) و(٣٣٤٢).
(٢) أبو داود (٥٢٣٥) (٥٢٣٦).
(٣) رواه الترمذي (٢٣٣٥) وقال الترمذي: حسن صحيح، وأخرجه ابن أبي شيبة (٣٥٣٠٨)،
وأحمد (٦٥٠٢)، وفي الزهد (ص ٣٧ -٣٨) و وهناد في الزهد (٥١٥) والبخاري في

٢٠٧
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
صحيح وابن ماجه(١) وابن حبان في صحيحه(٢).
قوله: وعن عبد الله بن عمر تقدم. قوله: ((مرّ بي رسول الله مطار ونحن
نعالج خصا لنا وَهَى، فقال ما هذا يا عبد الله قلنا نعالج خصى لنا وَهَى فنحن
نصلحه)) الحديث، الخصّ بيت يعمل من الخشب والقصب مثل الأزج
وجمعه خصاص وقال الزهري جمعه أخصاص وخصوص سمى به لما فيه
من الخصاص وهي الفرج والأنقاب ومنه الحديث أن أعرابيا أتى باب النبي
وَالّ [فألقم عينه خصاصة الباب أي فرجته، فبصر به النبي صلى الله تعالى
عليه وسلم،] فقام إليه بمشقص الحديث، قاله في النهاية (٣)، يريد عليه الصلاة
الأدب المفرد (٤٥٦) البزار = البحر الزخار (٢٤٣٦)، وحماد بن إسحاق في تركة النبي
(ص ٥٣) والعباس الدوري في التاريخ (٣٢٣/٢) ويعقوب بن سفيان في المعرفة
(٧٨/٣) وابن أبي الدنيا في قصر الأمل (٢٤٢) والخلال في العلل (المنتخب لابن قدامة
٢) وابن حبان (٢٩٩٦ و ٢٩٩٧)، والطبراني في المعجم الكبير (١٣، ١٤
/ ١٤٤٠٢/٥٢٠)، والبيهقي في الآداب (١٠١٩) وفي الشعب (١٠٢٢٠) وأبو القاسم
الأصبهاني في الترغيب (٢٣٠٧) وابن بشكوال في الغوامض (٩٠٣)، والبغوي في شرح
السنة (٤٠٣٠)، وابن النجار في ذيل تاريخ بغداد (٢٠٣/١٦ -٢٠٤)، قال الحافظ في
الفتح (٩٣/١١): صححه الترمذي وابن حبان. وصححه الألباني في صحيح الجامع
(٥٥٢٦)، وفي صحيح الترغيب والترهيب (٣٣٤٣)، و صحيح وضعيف سنن أبي داود
(ص: ٢) ٥٢٣٦)، وصحيح وضعيف سنن الترمذي (٣٣٥/٥) ٢٣٣٥)، والمشكاة
(٥٢٧٥).
(١) ابن ماجه (٤١٦٠).
(٢) وابن حبان (٢٩٩٦) و (٢٩٩٧).
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣٧/٢).

٢٠٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
والسلام تعجيل الأمر [وتقريبه] وخوف نفسه والحذر من نجاته، وقيل
للحسن البصري: يا أبا سعيد ألا تغسل ثوبك، فقال الأجل أعجل من ذلك،
وكان الحسن البصري قصير الأمل طويل الخوف. [قوله: ((وَهَى)) أي خرب
أو كاد. قوله: ((ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك))](١) وقصر الأمل بناؤه على
أمرين تيقن زوال الدنيا ومفارقتها وتيقن لقاء الآخرة وبقائها ودوامها ثم
تقايس بين الأمرين وتؤثر أولاهما بالإيثار، اللهم ارزقنا قلوبا واعية نعقل بها
دوام الآخرة وانقضاء الدنيا [٢١٦/ ب]ونعمل لكل منهما على ما يليق بها
إنك على كل شيء قدير.
٥٠٦٩- وعن ابن مسعود نََّ قال: خط النبي ◌َّ خطا مربعا، وخط
خطا في الوسط خارجا منه، وخط خطوطا صغارا إلى هذا الذي في الوسط من
جانبه الذي في الوسط فقال: هذا الإنسان وهذا أجله محيط به، أو قد أحاط به،
وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخطط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا
نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا. رواه البخاري(٢) والترمذي(٣)
والنسائي(٤) وابن ماجه(٥). وهذا صورة ما خط وَ ص ٣٦٧ - ٢ ... ع
(١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٢) صحيح البخاري (٦٤١٧).
(٣) سنن الترمذي (٢٤٥٤)، وقال: هذا حديث صحيح.
(٤) السنن الكبرى للنسائي (١١٧٦٤).
(٥) سنن ابن ماجه (٤٢٣١).

٢٠٩
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
قوله: ((عن عبد الله بن مسعود)) تقدم. قوله: ((خط النبي
خطا مربعا
صَلى الله
وسلم
وخط خطا في الوسط خارجا منه وخطّ خطوطا صغارا إلى هذا الذي في
الوسط من .. )) [الحديث]، يريد ناالتام) أن الإنسان قد أحاط به أجله وأنه دائر
به فحيث ما توجّه لقيه وإن محن الدنيا [وفتنتها] تعترضه وتنتهشه وتتلقاه
وتستقبله وهو مع ذلك بعيد الأمل مصروف البصر إليه. واعلم أن طول
الأمل داء عضال ومرض مزمن ومتى تمكن من القلب فسد مزاجه [واشتدّ]
علاجه ولم يفارقه داء ولا ينجع فيه دواء بل أعيا الأطباء ويئس من برئه
الحكماء والعلماء.
وقد ورد في طول الأمل وذمه وفي التحريض على العمل والترغيب فيه ما
في بعضه الكفاية وما بأقل منه يوصل إلى المقصود [مع عون] الله عز وجل.
قوله: ((فإن أخطاه هذا)) أي فإن تجاوزه، وقوله: ((نهشه هذا)) أي لدغه، قوله:
((وهذا أمله)) الأمل [الرجاء]، يقال أمل خيره يأمله أملا وكذلك التأميل.
قوله: ((خط النبي وَلّ خطا مربعا وخط خارجا من الخط المربع، فقال:
أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا الإنسان الخط المربع،
وخط خارجا من الخط وهذه الخطوط إلى جانبه الأعراض تنهشه من كل
مكان فإن أخطاه هذا أصابه هذا والخط المربع الأجل المحيط والخط
الخارج الأمل)). قال ابن بطال(١): مثّل النبي ◌َّ في هذا الحديث أمل ابن آدم
وأجله وإعراض الدنيا التي لا تفارقه بالخطوط فجعل أجله الخط المحيط
(١) شرح صحيح البخاري لابن بطال (١٠ /١٥٠).

٢١٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وجعل أمله وأعراضه خارجة عن ذلك الخط، ومعلوم في العقول أن ذلك
الخط المحيط به وهو أجله أقرب إليه من الخطوط الخارجة منه ألا ترى
قوله ◌َ﴾ في حديث أنس بن مالك فبينما هو كذلك إذ جاءه الخط الأول يريد
أجله، وفي هذا تنبيه من النبي ◌َّير لأمته على تقصير الأمل واستشعار للأجل
خوف بغتة ومن غُيّب عنه أجله فهو حريّ بتوقعه وانتظاره خشية هجومه عليه
في حال غرة وغفلة ونعوذ بالله من ذلك، فليُرض المؤمن نفسه على استشعار
ما نبه عليه ويجاهد أمله وهواه ويستعين بالله على ذلك فإن ابن آدم مجبول
على الأمل كما قال عليه [الصلاة والسلام: لا] يزال قلب الكبير شابا على
حب الدنيا وطول الأمل.
وقال الطبري(١) في قوله تعالى: ﴿ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم
الأمل﴾(٢)، يعني ذر المشركين يا محمد يأكلوا في هذه الدنيا ويتمتعوا من
شهواتها ولذاتها إلى أجلهم الذي أجلت لهم ويلهيهم الأمل عن الأخذ بطاعة
الله تعالى فيها وتزودهم لمعادهم منها بما يقربهم لربهم فسوف يعلمون غدا
إذا وردوا عليه وقد هلكوا بكفرهم بالله حين يعاينوا عذاب الله أنهم كانوا في
تمتعهم بلذات الدنيا في خسار وضلال، اهـ.
٥٠٧٠ - وَعَن أنس رَ قَالَ خطّ رَسُول الله ◌َةِ خطا وَقَالَ هَذَا الأَمَلُ
وَخط إِلَى جنبه خطا وَقَالَ هَذَا أَجله وَخط آخر بعيدا مِنْهُ فَقَالَ هَذَا الأمل
(١) تفسير الطبري ج ١٤ ص ٥) انظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (١٠/ ١٥٠).
(٢) سورة الحجر: ٣.

٢١١
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِك إِذْ جَاءَهُ الْأَقْرَبِ رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَاللَّفْظِ لَهُ وَالنَّسَائِيّ بِنَحْوِهِ (١).
٥٠٧١ - وَعنْهُ زَّوَ قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َِّ هَذَا ابْن آدم وَهَذَا أَجله وَوضع
يَدِهِ عِنْد قَفاهُ ثمَّ بسطها وَقَالَ وَثمّ أمله وَثمّ أمله رَوَاهُ التُّرْمِذِيّ وَابْن حبَان فِي
صَحِيحِه وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضًا وَابْن مَاجَه بِنَحْوِهِ(٢)
٥٠٧٢ - وَعَنِ بُرَيْدَة رََّّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَلِّ هَل تَدْرُونَ مَا مثل هَذِه
وَهَذِه وَرمى بحصاتين قَالُوا الله وَرَسُوله أعلم قَالَ هَذَا الأملِ وَذَاكَ الْأَجَلِ رَوَاهُ
التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب(٣)
٥٠٧٣ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُود ◌ََّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َهِ اقْتَرَبت السَّاعَة وَلَا
نزداد مِنْهُمْ إِلَّا بعدا رَوَاهُ الطََّرَانِيّ وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيحِ وَالْحَاكِم
وَقَالَ صَحِيحِ الْإِسْنَادِ وَلَفظه قَالَ رَسُول الله وَّةِ اقْتَرَبت السَّاعَة وَلَا يزْدَاد
النَّاس على الدُّنْيَا إِلَّا حرصا وَلَا تزدادون من الله إِلَّا بعدا (٤).
(١) أخرجه البخاري (٦٤١٨)، والنسائي في الكبرى (١١٧٦٢).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٤٢٣٢)، والترمذى (٢٣٣٤)، والنسائي في الكبرى (١١٧٦٢)، وابن
حبان (٢٩٩٨). وصححه الألبانى في المشكاة (٥٢٧٧ / التحقيق الثاني) وصحيح
الترغيب (٣٣٤٦).
(٣) أخرجه الترمذى (٢٨٧٠). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٣٤٧).
(٤) أخرجه ابن أبى الدنيا في العقوبات (٢٨٦)، والدولابى في الكنى (٨٦٨)، والشاشى
(٧٦٨)، والطبراني في الكبير (١٣/١٠ رقم ٩٧٨٧) والحاكم (٣٢٣/٤-٣٢٤)،
وأبونعيم في الحلية (٢٤٢/٧، ٣١٥/٨)، والإسماعيلي في معجمه (٢٠٦)، وتمام في
فوائده (١٠٨١)، والقضاعي في مسند الشهاب (٥٩٧). وصححه الحاكم وتعقبه الذهبى
فقال: قلت: هذا منكر، وفيه بشير بن زاذان ضعفه الدار قطني، واتهمه ابن الجوزي. وقال
=

٢١٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٥٠٧٤ - وعن عبد الله عن النبي ◌َّر قال: الجنة أقرب إلى أحدكم من
شراك نعله، والنار مثل ذلك. رواه البخاري (١) وغيره.
[قوله: (( .. )) ابن مسعود، تقدم الكلام عليه رضي الله تعالى عنه، قوله
صلى الله تعالى عليه وسلم: (( ... ))، الحديث الشراك بكسر الشين وهو أحد
سيور النعل، وهو الذي يكون على وجهها وعلى ظهر القدم.].
[قوله: ((وهذا أمله)) الأمل بفتح الميم هو ما يحدّث به الإنسان نفسه مما
يدركه من أمور الدنيا ويبلغه ويحرص عليه. قاله عياض(٢)](٣).
٥٠٧٥ - وَعَن سعد بن أبي وَقَاص ◌ََّّهُ قَالَ جَاءَ رجلٍ إِلَى النَّبِي صلى الله
عليه وسلم فَقَالَ يَا رَسُول الله أوصني قَالَ عَلَيْك بالإياس مِمَّا فِي أَيدي النَّاس
وَإِيَّاك والطمع فَإِنَّهُ الْفقرِ الْحَاضِر وصل صَلَاتك وَأَنْت مُودعٍ وَإِيَّاك وَمَا يعْتَذر
مِنْهُ رَوَاهُ الْحَاكِمِ وَالْبَيْهَقِيّ فِي الزّهْدِ وَقَالَ الْحَاكِمِ وَاللَّفْظ ◌َهُ صَحِيح
(٤)
الْإِسْنَاد.(٤)
=
الهيثمى في المجمع ١٠/ ٢٥٥: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح. وحسنه الألباني في
الصحيحة (١٥١٠)، وصحيح الترغيب (٣٣٤٨). وضعف الألبانى لفظ الحاكم في
ضعيف الترغيب (١٩٥٥).
(١) صحيح البخاري (٦٤٨٨).
(٢) مشارق الأنوار (٣٨/١).
(٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٤) أخرجه الحاكم (٣٢٦/٤-٣٢٧)، والبيهقى في الزهد (١٠١). وصححه الحاكم ووافقه
الذهبى. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٩٥٦) والضعيفة (٣٨٨١).

٢١٣
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
٥٠٧٦ - وَرَوَاهُ الطّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن عمر قَالَ أَتَّى رجلٍ إِلَى النَّبِي
صَلَ اللّه
وسلم
فَقَالَ يَا رَسُول الله حَدثْنِي بِحَدِيث واجعله موجزا فَقَالَ النَِّي ◌َّهِ صل صَلَاة
مُودِعٍ فَإِنَّك إِن كنت لَا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يراك وايأس مِمَّ فِي أَيدِي النَّاس تكن غَنِيا
وَإِيَّاك وَمَا يَعْتَذْر مِنْهُ(١).
٥٠٧٧ - وروى الطَّبَرَانِيّ عَن رجل من بني النخع قَالَ سَمِعت أَبَا الدَّرْدَاء
حِين حَضرته الْوَفَاة قَالَ أحدثكُم حَدِيثا سمعته من رَسُول الله وَّ سمعته یَقُول
اعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك واعدد نَفسك فِي الْمَوْنَى وَإِيَّاك
ودعوة الْمَظْلُومِ فَإِنَّهَا تستجاب الحَدِيث(٢).
٥٠٧٨- وعن عبد الرحمن السلمي قال: نزلنا من المدائن على فرسخ،
فلما جاءت الجمعة حضرنا فخطبنا حذيفة فقال: إن الله عز وجل يقول:
اقتربت الساعة وانشق القمر، ألا وإن الساعة قد اقتربت، ألا وإن القمر قد
انشق، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار، وغدا السباق،
(١) أخرجه الطبرانى في الاوسط (٣٥٨/٤ رقم ٤٤٢٧)، والمخلص في المخلصيات
(١١٢١) و(٣٠٧٣)، والقضاعى (٩٥٢). قال الهيثمى في المجمع ٢٢٩/١٠: رواه
الطبراني في الأوسط، وفيه من لم أعرفهم. وحسنه الألباني في الصحيحة (١٩١٤)
وصحيح الترغيب (٣٣٥٠).
(٢) أخرجه مسدد كما في المطالب العالية (١/٣١٣٠)، والبيهقى في الشعب (١٢٧/١٣ -
١٢٨ رقم ١٠٠٦٠). قال الهيثمى في المجمع ٢/ ٤٠: رواه الطبراني في الكبير والرجل
الذي من النخع لم أجد من ذكره وسماه جابرا. وحسنه الألباني في الصحيحة (١٤٧٤)
وصحيح الترغيب (٤١٨) و(٣٣٥١).

٢١٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فقلت لأبي: أيسبق الناس غدا؟ قال: يا بني إنك لجاهل، إنما يعني: العمل
اليوم والجزاء غدا، فلما جاءت الجمعة الأخرى حضرنا فخطبنا حذيفة فقال:
إن الله يقول: اقتربت الساعة وانشق القمر، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا
وإن اليوم المضمار وغدا السباق، ألا وإن الغاية النار، والسابق من سبق إلى
الجنة. رواه الحاكم(١) وقال: صحيح الإسناد.
قوله: ((وعن أبي عبد الرحمن السّلمي)) هو عبد الله بن حبيب بن ربيعة
السلمي الكوفي. تابعي، ولأبيه حبيب صحبة. وهو أحد أعلام التابعين
وثقاتهم. صحب علي بن أبي طالب، وسمع منه، ومن عثمان بن عفان، وابن
مسعود، وحذيفة، وأبي موسى، وروى عنه أبو إسحاق الهمداني، وسعيد بن
عبيدة، وزيد بن عطاء، وإبراهيم النخعي، يقال: صام ثمانين رمضان. حديثه
عند الكوفيين .. مات سنة خمس ومائة، وله تسعون سنة قال أبو إسحاق
السبيعي اقرأ القرآن في المسجد أربعين سنة وقال العجلي كوفي تابعي ثقة
وقال أبو داود كان أعمى وقال النسائي ثقة وقال عطاء بن السائب عن أبي
عبد الرحمن صمت لله ثمانين رمضان قلت: ذكره البخاري في الأوسط في
فصل من مات بين السبعين إلى الثمانين وقال روى عن أبيه وقال ابن أبي
حاتم عن أبيه ليس تثبت روايته عن علي فقيل له سمع من عثمان قال روى
(١) الحاكم (٦٠٩/٤). وقال: صحيح الإسناد، وأخرجه عبد الرزاق الصنعاني في المصنف
(٥٢٨٥)، وابن أبي الدنيا في الزهد (٢١٩)، والطبري في تفسيره (٨٦/٢٧)، وأبو نعيم في
الحلية (٢٨٠/١-٢٨١)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٣٥٢).

٢١٥
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
عنه ولم يذكر سماعا وقال إسحاق بن منصور عن أبي معين لم يسمع من
عمر وقال البخاري في تاريخه الكبير سمع عليا وعثمان وابن مسعود وقال
ابن سعد: قال محمد بن عمر: كان ثقة كثير الحديث وقال غيره عن الواقدي:
شهد مع علي صفين ثم صار عثمانيًا ومات في سلطان الوليد بن عبد الملك
وكان من أصحاب بن مسعود وقال ابن عبد البر هو عند جميعهم
ثقة [٢١٧/ أ].
قوله: ((نزلنا من المدائن على فرسخ)) الحديث، المدائن اسم بلدة كانت
دار مملكة الأكاسرة والفرسخ ثلاثة أميال هاشمية منسوبة إلى هاشم جد
النبي ◌َّ والميل اسم لمسافة معلومة والله أعلم. قوله: ((ألا إن الدنيا قد
آذنت بفراق)) الحديث، آذنت بمد الهمزة أي أعلمت.
٥٠٧٩ - وعن أبي هريرة زَّ الَّهُ أن رسول الله وَلِّ قال: بادروا بالأعمال فتنا
كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح
کافرا یبیع دینه بعرض من الدنيا. رواه مسلم(١).
قوله: ((وعن أبي هريرة)) تقدم. قوله ومَّالية: ((بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل
المظلمة))، ومعنى المبادرة بالأعمال الانكماش في الأعمال الصالحة
والاهتمام بها قبل وقوعها، وقطع الليل المظلمة طائفة منه وقطعة وجمع
القطعة قطع أراد فتنة مظلمة سوداء تعظيما لشأنها. وفي حديث آخر: إن بين
يدي الساعة أهوالا وأمورا شدادا، أي الحديث، أي أمامها وقبلها، والأهوال
(١) صحيح مسلم (١٨٦) (١١٨).

٢١٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الأفزاع، والمراد بالأمور الشداد والأهوال العظام ما يحدث في آخر الزمان
من الفتن والبدع وفساد الناس، قاله شارح الودعانية.
قوله في الحديث: ((يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا)) الحديث. معنى
الحديث الحث على المبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل تعذرها والاشتغال
عنها بما يحدث من الفتن الشاغلة المتكاثرة المتراكمة كتراكم ظلام الليل
المظلم لا المقمر ووصف وسلّ نوعا من شدائد تلك الفتن وهو أنه يمسي
مؤمنا ثم يصبح كافرا أو عكسه شك الراوي وهذا لعظم الفتن ينقلب الإنسان
في اليوم الواحد هذا الانقلاب والله أعلم.
٥٠٨٠- وعنه رَّهُ أن رسول الله وَّهِ قال: بادروا بالأعمال ستا: طلوع
الشمس من مغربها، أو الدخان، أو الدجال، أو الدابة، أو خاصة أحدكم، أو
أمر العامة. رواه مسلم (١).
قوله: ((وعنه)) تقدم الكلام عليه. قوله وَيقول: ((بادروا بالأعمال ستا طلوع
الشمس من مغربها)) تقدم في كتاب التوبة. قوله: ((أو الدخان)) فأما الدخان
فقد سئل رسول الله و له عنه فقال: يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث
أربعين يوما وليلة، أما المؤمن فيصيبه كهيئة الزكام وأما الكافر فهو كالسكران
يخرج من منخره وأذنيه ودبره. وعن علي زَّهُ أنه قال: يأتي من السماء، قاله
شارح مشارق الأنوار. [وروى حذيفة عن النبي وَالي (٢) أن الدخان يمكث في
(١) صحيح مسلم (١٢٨) (٢٩٤٧).
(٢) الدخان لعله تصحيف.

٢١٧
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
الأرض أربعين يوما ويحتمل أنهما دخانان للجمع بين الآثار، فروى حذيفة
أيضا عن النبي وَلّ أن من أشراط الساعة دخانا يمكث في الأرض أربعين
يوما. قال الشيخ: ويؤيد هذا في الآية: ﴿ربنا اكشف عنا العذاب إنا
مؤمنون﴾(١) قاله في الديباجة](٢).
قوله: ((أو الدجال))، والدجال هو المذكور في الحديث وهو الذي يظهر في
آخر الزمان يدعي الإلهية وفعال من أبنية المبالغة أي يكثر منه الكذب
والتلبيس، قاله في النهاية (٣). وعن أبي بكر الصديق قال: قال رسول الله وَالخيار:
إن الدجال يخرج من أرض بالمشرق يقال لها خراسان يتبعه أقوام كأنّ
وجوههم المجان المطرقة. رواه الترمذي (٤) وقال: حديث حسن غريب.
وقد رواه عبد الله بن شوذب عن أبي التياح ولا يعرف إلا من حديثه، قاله
النووي.
(١) سورة الدخان: ١٢.
(٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ١٠٢).
(٤) الترمذي (٢٢٣٧)، وقال: وهذا حديث حسن غريب وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف
(٣٨٦٥٥)، وأحمد (١٢، ٣٣)، وعبد بن حميد في المسند (٤)، وابن ماجه (٤٠٧٢)،
وأبو بكر المروزي في مسند أبي بكر (٥٧)، والبزار (٤٦: ٤٨)، وأبو يعلى (٣٣)،
والطبراني في مسند الشاميين (١٢٨٥)، والضياء في المختارة (٣٤)، (٣٥)، (٣٦)، (٣٧)،
والحاكم (٤/ ٥٢٧)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وصححه الألباني في صحيح الجامع
(٣٤٠٣)، وفي السلسلة الصحيحة (١٥٩١).

٢١٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
خراسان إقليم عظيم معروف وهو موطن الكثير أو الأكثر من علماء
المسلمين. قال أبو الفتح الهمداني، ويقال له أيضا خرسان بحذف الألف
وإسكان الراء. قوله: ((أو الدابة))، والدابة هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿وإذا
وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم﴾، الآية. قال
المفسرون: قيل إنها دابة عظيمة طولها ستون ذراعا ذات قوائم ووبر. وقيل:
هي مختلفة [٢١٧/ ب]الخلقة تشبه عدة من الحيوانات [ينصدع](١) جبل
الصفا فتخرج منه ليلة جمع والناس سائرون إلى منى فهذه الدابة روي أنها
تخرج من جبل الصفا بمكة، قاله عبد الله بن عمر، وكان يقول: لو شئت أن
أضع قدمي على موضع خروجها لفعلت، وعن قتادة أنها تخرج من تهامة،
وروي أنها تخرج من مسجد الكوفة من حيث فار تنور نوح باتلما، وروى
بعضهم عن حذيفة بن اليمان أنها تخرج ثلاث خرجات وروي أنها دابة كثيرة
الشعر. وعن ابن عمر أنها على هيئة الآدميين رأسها في السحاب وقوائمها في
الأرض، وروي أنها جمعت من خلق كل حيوان، وعن عمرو بن العاصي أنها
الجساسة المذكورة في حديث الدجال والجساسة بفتح الجيم وتشديد السين
الأولى قيل سمت نفسها بذلك لتجسسها أخبار الدجال والفحص عنه ومنه
الجاسوس، وعن ابن عباس أنها الثعبان الذي كان ببئر الكعبة فاختطفه
العقاب، وقد اختلف في صورتها وفي أي موضع تخرج منه على أقوال كثيرة
وليس في شيء من ذلك خبر صحيح مرفوع. وقال بعض المتأخرين من
(١) هكذا هذه العبارة في الأصل، وفي النسخة الهندية: (تصدع).

٢١٩
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
المفسرين، الأقرب أن تكون هذه الدابة إنسانا متكلما يناظر أهل البدع
والكفر ويجادلهم لينقطعوا فيهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة.
وأما كيفية صفتها وخلقتها وبماذا تكلمهم فالله أعلم بذلك. قاله في الديباجة.
قوله وَّية: ((وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم))
وفي رواية من ((قعرة عدن)) وهكذا هو في الأصول بالهاء والقاف مضمومة
ومعناه من أقصى عدن، وفي رواية من أرض الحجاز وعدن، مدينة مشهورة
باليمن، قال الماوردي: سميت عدنا من العدون وهي الإقامة لأن تبعا كان
يحبس فيها أصحاب الجرائم، وهذه النار الخارجة من قعر عدن واليمن هي
الحاشرة الناس كما صرح به الحديث.
قال القاضي: فلعلهما ناران تجتمعان تحشران الناس أو يكون [ابتداء
خروجها] من اليمن وظهورها من الحجاز، اهـ. وقيل تخرج من الحجر
وقيل من أرض الطائف؛ وفي الحديث عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: تخرج الدابة ومعها عصى موسى وخاتم سليمان عليهما
السلام لا يدركها طالب ولا يعجزها هارب، تضرب المؤمن بالعصى
وتكتب في وجهه مؤمن وتطبع الكافر [بالخاتم] وتكتب في وجهه کافرا، كذا
رواه الحاكم في آخر المستدرك، وفي رواية فتسم المؤمن بين عينيه وتكتب
مؤمن وتسم الكافر بين عينيه وتكتب كافر، وفي رواية معها عصى موسى
وخاتم سليمان فتجلو وجه المؤمن بالعصى وتخطم أنف الكافر بالخاتم
حتى أن أهل الخوان ليجتمعون فیقولون هذا یا مؤمن وهذا يا كافر.

٢٢٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وروي عن ابن الزبير أنه وصفها فقال: رأسها رأس الثور وعينها عين
خنزير وأذنها أذن فيل وقرنها قرن أيل والأيل هو التيس الجبلي وصدرها
صدر أسد ولونها لون نمر وخاصرتها خاصرة هر وذنبها ذنب کبش وقوائمها
قوائم بعیر بین كل مفصلين اثنا عشر ذراعا، وفي رواية اثنا عشر ذراعا بذراع
آدم ◌َ لَاة، وعن أبي هريرة فيها من كل لون وما بين قرنيها فرسخ للراكب.
وروي لا يخرج إلا رأسها ورأسها يبلغ الحساب. وعن الحسن لا يتم
خروجها إلا بعد ثلاثة أيام، وسئل النبي وَّ من أي [مكان] تخرج الدابة
فقال من أعظم المساجد، يعني المسجد الحرام.
قال السدي: أنها تکلم ببطلان الأدیان کلها سوی دین الإسلام. وروی
السهيلي أن النبي صلى الله [٢١٨ / أ] عليه وسلم سأل ربه عز وجل أن يريه
الدابة التي تكلم الناس فأخرجها الله له من الأرض فرآى منظرا هاله وأفزعه
فقال أي رب ردها فردها.
وروي: أنها تخرج حين ينقطع الخير ولا يؤمر بالمعروف ولا ينهى عن
المنكر ولا يبقى منيب ولا تائب. وفي الحديث أن الدابة وطلوع الشمس من
المغرب من أول الأشراط ولم يعين الأول منهما وكذلك الدجال، وظاهر
الأحاديث أن طلوع الشمس آخرها، والظاهر أن الدابة التي تخرج [هي](١)
واحدة، وروي أنها تخرج من كل بلد دابة مما هو [مبثوث نوعها] في الأرض
وليست بواحدة فيكون قوله: ﴿دابة﴾ اسم جنس. وعن ابن عباس أنها الثعبان
(١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.