النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
الترغيب في ذكر الموت وقصر الأمل
والمبادرة بالعمل، وفضل طول العمر لمن حسن عمله، والنهي عن تمني
الموت.
٥٠٤٩- عن أبي هريرة رَّه قال: قال رسول الله وَّ: أكثروا ذكر هاذم
اللذات يعني الموت. رواه ابن ماجه(١) والترمذي (٢) وحسنه، ورواه الطبراني
في الأوسط (٣) بإسناد حسن وابن حبان في صحيحه(٤) وزاد: فإنه ما ذكره أحد
(١) أخرجه ابن ماجه (٤٢٥٨).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٣٠٧) وقال: حسن غريب وأخرجه نعيم بن حماد في زياداته على
الزهد لابن المبارك (١٤٦)، وأحمد (٧٩٢٥)، والنسائي (٤/٤)، وابن أبي الدنيا في ذكر
الموت (١٥٣)، وابن عدي (٢٢٢/٥)، والحاكم (٣٢١/٤)، والبيهقي في الزهد الكبير
(ص ٢٦٦، ٢٦٧)، وفي شعب الإيمان (١٠٠٧٥- ١٠٠٧٦)، والخطيب في تاريخ بغداد
(٣٨٤/١)، (٩ / ٤٧٠)، والقضاعي في مسند الشهاب (٦٦٩)، (٦٦٨) و (٦٧٠) وقال
الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار
(ص: ١٨٢٧): أخرجه الترمذي وقال حسن والنسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة
وقد تقدم. وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٢١٠) صحيح سنن ابن ماجه
(٣٤٣٤)، صحيح سنن النسائي (١٧٢٠)، صحيح سنن الترمذي (١٨٧٧)، وفي الإرواء
(٦٨٢)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٣٣٣).
(٣) المعجم الأوسط (٨٥٦٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣٠٩/١٠): رواه الترمذي،
وغيره باختصار. رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده حسن.
(٤) ابن حبان (٢٩٩٢).

١٨٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
في ضيق إلا وسعه، ولا ذكره في سعة إلا ضيقها عليه.
قوله: ((عن أبي هريرة تقدم الكلام عليه)). قوله وَّية: ((أكثروا من ذكر هاذم
اللذات)) يعني الموت، والهاذم بالذال المعجمة القاطع، [وهذا كلام مختصر
وجيز قد جمع التذكرة وأبلغ في الموعظة فإن من ذكر الموت حقيقة ذكره
نغص عليه لذته الحاضرة ومنعه من تمنيها في المستقبل وزهده فيما كان منها
مؤمل ولكن النفوس الراكدة والقلوب الغافلة تحتاج إلى تطويل الوعظ
وتزويق الألفاظ وإلا ففيما ذكرته من قوله تعاليّلام: أكثروا من ذكر هاذم اللذات
الموت ما يلقى السامع له ويشغل الناظر فيه.
وقال أبو الدرداء(١): من أكثر ذكر الموت قل فرحه وقل حسده. وكان ابن
سيرين إذا ذكر عنده الموت مات كل عضو منه على حدته وقال [التيمي]
شيئان قطعا عني لذاذة الدنيا: ذكر الموت وذكر الوقوف بين يدي الله تعالى.
وقال عمر بن عبد العزيز (٢): لو فارق ذكر الموتي قلبي ساعة لفسد وقال
لعنبسة: أكثر ذكر الموت فإن كنت واسع العيش ضيقه عليك وإن كنت ضيق
العيش وسعه عليك. وكان يزيد الرقاشي يقول(٣): أيها الناس ألا تبكون ألا
تنوحون على أنفسكم باقي حياتكم، من الموت موعده والقبر بيته والثرى
فراشه والدود [٢١٣/ ب] أنيسه وهو مع هذا ينتظر الفزع الأكبر كيف يكون
(١) الزهد لابن المبارك (١٤٩) حلية الأولياء (٢٢٠/١).
(٢) الزهد لابن المبارك (٢٦٦)، ومصنف ابن أبي شيبة (٣٥٤٣١) عن الربيع بن أبي راشد
(٣) المجالسة وجواهر العلم (٧٣٠)

١٨٣
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
حاله. ويروى أن عيسى كان إذا ذكر عنده الموت والقيامة يقطر جسده دما (١)
. وعن داود ◌َ لَّة أنه كان إذا ذكر عنده الموت والقيامة وبكى حتى تنخلع
أوصاله (٢)، وكان عمر بن عبد العزيز يجمع الفقهاء فيتذاكرون الموت
والقيامة والآخرة ويبكون حتى كأن بين أيديهم جنازة (٣)، وقال مطرف بن
عبد الله بن الشخير (٤) أن هذا الموت نغص على أهل النعيم نعيمهم [فطلبوا]
نعیما لا موت فيه، فکیف ووراءه یوم یعدم فيه الجواب وتدهش فيه الألباب
وتفنى في شرحه الأقلام والكُتاب ويترك النظر فيه والاهتمام به الأولياء
[والأحباب]. واعلم أن كثرة ذكر الموت تردع عن المعاصي وتلين القلب
القاسي ويذهب الفرح في الدنيا وتهون المصائب فيها، اهـ.
قاله في كتاب العاقبة لعبد الحق الإشبيلي (٥).
فائدة في ذكر الموت: هو مفارقة الروح الجسد. قال العلماء: الموت ليس
بعدم محض ولا فناء صرف وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته
وحيلولة بينهما وتبدل حال وانتقال من دار إلى دار وهو من أعظم المصائب،
وقد سماه الله تعالى مصيبة في قوله: ﴿فأصابتكم مصيبة الموت﴾(٦)،
(١) العاقبة في ذكر الموت (ص: ٢٦).
(٢) العاقبة في ذكر الموت (ص: ٢٦).
(٣) تاريخ مدينة دمشق ج ٤٥ ص ٢٣٩) العاقبة في ذكر الموت (ص: ٢٦).
(٤) العاقبة في ذكر الموت (ص: ٢٦).
(٥) العاقبة في ذكر الموت (ص: ٢٦).
(٦) سورة المائدة: ١٠٦.

١٨٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فالموت هو المصيبة العظمى والرزية الكبرى وأعظم منه الغفلة عنه
والإعراض عن ذكره وقلة التفكر فيه وترك العمل له وإن فيه وحده عبرة لمن
اعتبر وفكرة لمن افتكر، فقد قال النبي وَّر: لو علمت البهائم من الموت ما
تعلمون ما أكلتم منها سمينا. فيستحب للإنسان كثرة ذكر الموت لأنه أزجر
عن المعاصي وأدعى إلى فعل الطاعات](١)، وفي رواية ابن حبان فإنه ما ذكره
أحد في ضيق إلا وسعه وما ذكره في سعة إلا ضيّقها [عليه](٢)، الحديث.
وفي حديث ابن عمر الذي رواه الطبراني (٣) فإنه ما كان في كثير إلا قلله ولا
قليل إلا جزاه، أي في كثير من الأمل وقليل من العمل. وقد أمر النبي ◌َّ
بكثرة ذكر الموت فقال: أكثروا ذكر هاذم اللذات، وفي حديث مرسل (٤) أنه
(١) حصل تأخير لهذه الصحيفة من النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (وفي حديث ابن عمر
الذي رواه الطبراني فإنه ما كان في كثير إلا قلله ولا قليل إلا جزاه، أي في كثير من الأمل
وقليل من العمل).
(٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٣) المعجم الأوسط (٥٧٨٠)، وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١٠٠٧٤)، وقال الهيثمي
في مجمع الزوائد (٣٠٩/١٠): رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده حسن. وضعفه الألباني
في ضعيف الترغيب والترهيب (١٩٤٣)، وضعيف الجامع الصغير وزيادته (١١١٢).
(٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في الموت مرسلاً كما في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٨٢٨)،
وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٤٠٩). وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار
(ص: ١٨٢٨): أخرجه ابن أبي الدنيا في الموت هكذا مرسلا ورويناه في أمالي الجلال من
حديث أنس ولا يصح. انظر: لطائف المعارف لابن رجب (ص: ٩٩)، والعاقبة في ذكر
الموت (ص: ٣٨).

١٨٥
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
وَله: مرّ بمجلس قد استعلاه الضحك فقال: شوبوا مجلسكم بذكر مكدِّر
اللذات الموت.
وفي الإكثار من ذكر الموت فوائد منها: أن يحث على الاستعداد له قبل
نزوله، ومنها أن يقصر الأمل، ومنها أن يرضى بالقليل من الرزق، ومنها أن
يزهد في الدنيا ويرغب في الآخرة، ومنها أن يهون مصائب الدنيا، ومنها أن
يمنع من الأشر والبطر، ومنها أن يمنع من التوسع في لذات الدنيا، اهـ. قاله
ابن رجب(١).
٥٠٥٠- وَعَن ابْن عمر رَّ لََّا قَالَ قَالَ رَسُول اللهِ وَّةِ أَكْثُرُوا ذكر هاذم
اللَّذَّات يَعْنِي الْمَوْتِ فَإِنَّهُ مَا كَانَ فِي كثير إِلَّا قلله وَلَا قَلِيل إِلَّا جزأه رَوَاهُ
الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن (٢).
٥٠٥١ - وَعَن أنس ◌َّهُ أَن رَسُول الله وَّهِ مر بِمَجْلِس وهم يَضْحَكُونَ
فَقَالَ أَكْثُرُوا من ذكر هاذم اللَّذَّاتِ أَحْسبهُ قَالَ فَإِنَّهُ مَا ذكره أحد فِي ضيق من
الْعَيْش إِلَّا وَسعه وَلَا فِي سَعَة إِلَّا ضيقه عَلَيْهِ رَوَاهُ الْبَزَارِ بِإِسْنَادِ حسن وَالْبَّنْهَقِيّ
(١) لطائف المعارف لابن رجب (ص: ٩٩).
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٥٦/٦ رقم ٥٧٨٠)، والبيهقى في الشعب (١٣٧/١٣ -
١٣٨ رقم ١٠٠٧٤). قال الطبرانى: لم يرو هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر إلا أبو عامر
الأسدي، تفرد به منجاب، ولا يروى عن ابن عمر إلا بهذا الإسناد. قال الهيثمى في
المجمع ٢٠٩/١٠: رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده حسن. وضعفه الألباني في ضعيف
الترغيب (١٩٤٣).

١٨٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
بِاخْتِصَارِ(١) وَتقدم فِي بَاب التَّرْهِيب من الظُّلم حَدِيث أبي ذَر وَفِيه قلت يَا
رَسُول الله فَمَا كَانَت صحف مُوسَى لَمْ قَالَ كَانَت عبرا كلهَا عجبت لمن
أَيقَن بِالْمَوْتِ ثمَّ هُوَ يفرح عجبت لمن أَيقَن بالنَّار ثمَّ مُوَ یضْحك عجبت لمن
أَيقَن بِالْقُدرِ ثُمَّ هُوَ ينصب عجبت لمن رأى الدُّنْيَا وَتَقَلُبُهَا بِأَهْلِهَا ثُمَّ اطْمَأَن
إِلَيْهَا وَعَجِبت لمن أَيَقَن بِالْحِسَابِ غَدا ثمَّ لَا يعْمَلِ رَوَاهُ ابْن حبَان فِي
صَحِيحه وَغَيرِه.
٥٠٥٢- وعن أبي سعيد الخدري رَّه قال: دخل رسول الله وَّ مصلاه
فرأى ناسا كأنهم يكتشرون فقال: أما إنكم لو أكثرتم ذكر هاذم اللذات
أشغلكم عما أرى الموت فأكثروا ذكر هاذم اللذات: الموت فإنه لم يأت على
القبر يوم إلا تكلم فيه فيقول: أنا بيت الغربة، وأنا بيت الوحدة وأنا بيت
التراب وأنا بيت الدود، فإذا دفن العبد المؤمن قال له القبر: مرحبا وأهلا أما
إن كنت أحب من يمشي على ظهري أي فإذ وليتك اليوم فسترى صنيعي بك
قال فيتسع له مد بصره، ويفتح له باب إلى الجنة، وإذا دفن العبد الفاجر أو
الكافر فقال له القبر: لا مرحبا ولا أهلا أما إن كنت لأبغض من يمشي على
ظهري إلي فإذا وليتك اليوم وصرت إلي فسترى صنيعي بك قال: فيلتئم عليه
حتى تلتقي عليه وتختلف أضلاعه قال: فأخذ رسول الله قال﴾ بأصابعه، فأدخل
(١) أخرجه البزار (٦٩٨٧)، والبيهقى في الشعب (٢٤٦/٢-٢٤٧ رقم ٨٠٢) و(٤٧٤/٦ رقم
٤٤٩٣). قال البزار: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن حماد بن سلمة إلا مؤمل. وحسنه
الألباني في صحيح الترغيب (٣٣٣٤).

١٨٧
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
بعضها في جوف بعض قال: ويقيض له سبعون تنينا لو أن واحدا منها نفخ في
الأرض ما أنبتت شيئا ما بقيت الدنيا فتنهشه وتخدشه حتى يفضى به إلى
الحساب قال رسول الله : إنما القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من
حفر النار. رواه الترمذي(١) واللفظ له والبيهقي (٢) كلاهما من طريق عبيد الله
بن الوليد الوصافي وهو واه، عن عطية وهو العوفي عن أبي سعيد، وقال
الترمذي: حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
قوله: ((وعن أبي سعيد)) هو الخدري تقدم. قوله: ((دخل رسول الله
صَلى الله
وَسلم
مصلاه فرآى ناسا كأنهم يكتشرون)) الحديث، [يكتشرون هو بالشين
المعجمة، قال ابن الأثير: الكشر ظهور الأسنان عند الضحك، أي
يبتسمون،] يقال كشر أي كشف عن أسنانه، الاكتشار انكشاف الأسنان عند
الضحك وكاشره إذا ضحك في وجهه وابتسم [في وجهه] (٣). قوله: ((فقال:
أما إنكم لو أكثرتم ذكر هاذم اللذات لشغلكم عما أرى الموت)) أي من
الضحك. قوله مَ: ((فإنه لم يأت على القبر يوم إلا تكلم فيه فيقول: أنا بيت
الغربة وأنا بيت الدود)) الحديث.
(١) أخرجه الترمذي (٢٤٦٠)، وقال: قال: غريب لانعرفه إلا من هذا الوجه، وقال الألباني في ...
ضعيف سنن الترمذي (ص: ٢٨٠): (ضعيف جدا)، وفي الضعيفة (٤٩٩٠): لكن جملة
هاذم اللذات صحيحة، فانظر الحديث (٢٤٠٩)، وضعيف الجامع الصغير (١٢٣١).
وضعفه في ضعيف الترغيب والترهيب (١٩٤٤).
(٢) البيهقي في الشعب (٨٠٣).
(٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

١٨٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
لطيفة: روى البيهقي في الشعب (١) عن صدقة بن يسار قال: كان داود
في محرابه فأبصر دودة صغيرة قال ففكر في خلقها وقال: ما يعبؤا الله جل
ذكره بخلق هذه، قال: فأنطقها الله [٢١٤ / أ] عز وجل فقالت يا داود تعجبك
نفسك لأنا على قدر ما آتاني الله أذكر الله وأشكر له منك على ما آتاك الله، قال
الله عز وجل: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾(٢)، اهـ، [قوله في القبر:
((فإذ وليتك وصرتَ إليّ فسترى صنيعي بك)) الحديث، الصنيع الفعل
الحسن، وقوله: وصرت إلي أي مقهورا تحت أمري، ولم تبق قوة وقدرة
لك](٣). قوله: ((فيلتئم عليه حتى يلتقي عليه وتختلف أضلاعه)) الحديث، أي
تختلط، وهذا صريح في أن البدن يعذب، قاله ابن القيم الجوزية (٤).
قوله: ((ويقيض له سبعون تنينا لو أنّ واحدا منها نفخ في الأرض ما أنبتت
شيئا ما بقيت الدنيا)) الحديث، يقيض معناه كذا والتنين ضرب من الحيات
كأكبر ما يكون منها وهو أيضا نوع من السمك. وقال القزويني: أنه شر من
الكوسج في فمه أنياب مثل أسنة الرماح وهو طويل كالنخلة السحوق أحمر
(١) البيهقي في الشعب (٤٥٨٠)، وانظر: تاريخ مدينة دمشق (١٧ /٩٥).
(٢) سورة الإسراء، الآية: ٤٤.
(٣) حصل تقديم لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت قبل قوله: (قوله ◌َّ: (فإنه لم يأت
على القبر يوم إلا تكلم فيه فيقول: أنا بيت الغربة وأنا بيت الدود) الحديث، لطيفة: روى
البيهقي).
(٤) الروح (ص ٥٥).

١٨٩
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
العينين (مثل الدم واسع الفم والجوف براق العينين](١) يبتلع كثيرا من
الحيوان، تخافه حيوان البر والبحر، إذا تحرك يموج البحر لشدة قوته، فأول
أمره يكون حية متمردة يأكل من دواب البر ما ترى فإذا كثر فسادها احتملها
ملك وألقاها في البحر فتفعل بدواب البحر ما كانت تفعل بدواب البر فيعظم
بدنها فيبعث الله ملكا يحملها ويلقيها إلى يأجوج ومأجوج. وروى عن
بعضهم أنه رآى تنينا طوله نحو من فرسخين ولنه مثل لون النمر مفلسا مثل
فلوس [السمك] بجناحين عظيمين على هيئة جناحي السمك ورأسه كرأس
الإنسان لكنها كالتل العظيم وأذناه طويلتان وعيناه مدورتان كبيرتان جدا،
اهـ، قاله صاحب حياة الحيوان(٢). قوله: ((حتى يفضي به إلى الحساب)) أي
يوصل.
قوله وَ له: (القبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار))
الحديث. قال الإمام القرطبي في التذكرة(٣): قلنا هذا محمول عندنا على
الحقيقة لا على المجاز وإن القبر يملأ على المؤمن خضرا أي نعما غضة
خضرا ومنه الحديث(٤): إن الدنيا حلوة خضرة أي غضة ناعمة طرية وهو
العشب من النبات وقد عيّنه عبد الله بن عمرو بن العاصي فقال: هو الريحان
(١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٢) حياة الحيوان الكبرى (٢٣٨/١)
(٣) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٣٧٧).
(٤) صحيح مسلم (٩٩) (٢٧٤٢).

١٩٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
كما في حق الكافر يفرش له لوحان من نار وقد حمله بعض علمائنا على
المجاز، والمراد خفة السؤال على المؤمن وسهولته عليه وأمنه فيه وطيب
عيشه ووصفه بأنه جنة تشبيها بالجنة، والنعيم بالرياض، يقال فلان في الجنة
إذا كان في رغد من العيش وسلامة فالمؤمن يكون في قبره في روح وراحة
وطيب عيش وقد رفع الله عن عينيه الحجاب حتى يرى مدّ بصره كما في
الخبر، وأراد بحفرة النار ضغطة القبر وشدة المسائلة والخوف والأهوال
التي تكون فيها على الكفرة وبعض أهل الكبائر، والأول أصح لأن الله
سبحانه وتعالى يقص الحق ولا استحالة تلزم من ذلك اهـ، والله أعلم.
٥٠٥٣- وروي عن أبي هريرة ◌َّهُ قال: خرجنا مع رسول الله وَّ في
جنازة، فجلس إلى قبر منها فقال: ما يأتي على هذا القبر يوم إلا وهو ينادي
بصوت ذلق طلق: يا ابن آدم نسيتني ألم تعلم أني بيت الوحدة وبيت الغربة
وبيت الوحشة وبيت الدود وبيت الضيق إلا من وسعني الله عليه، ثم قال
رسول الله وَلي: القبر إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار. رواه
الطبراني في الأوسط(١).
قوله: وروي عن أبي هريرة، تقدم الكلام على ترجمته. قوله ◌َ ين: ((ما يأتي
على هذا القبر من يوم إلا وهو ينادي بصوت ذلق طلق يا ابن آدم نسيتني))
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٨٦١٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤٦/٣):
رواه الطبراني في الأوسط، وفيه محمد بن أيوب بن سويد، وهو ضعيف. وقال الألباني في
ضعيف الترغيب والترهيب (١٩٤٥): موضوع.

١٩١
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
الحديث، ذلق بالذال المعجمة، قال الجوهري (١) في صحاحه لسان طلق ذلق
وطليق ذليق وطُلُق ذلُق وطُلَق ذُلَق أربع لغات، اهـ قوله: ((يقول القبر يا ابن
آدم نسيتني [٢١٤ / ب] ألم تعلم أني بيت الوحدة وبيت الغربة وبيت الوحشة
وبيت الدود وبيت الضيق. الحديث.
وفي كتاب العاقبة (٢) عن أبي الحجاج الثمالي قال: قال رسول الله وَالخيل:
يقول القبر للميت إذا وضع فيه ويحك يا ابن آدم ما غرك بي ألم تعلم أني بيت
الفتنة وبيت الظلمة وبيت الدود، ما غرّك إذ كنت تمر بي متبخترا؟ قال: فإن
كان مصلحا أجاب عنه مجيب القبر فيقول: أرأيت إن كان ممن يأمر
بالمعروف وينهى عن المنكر؟ فيقول القبر: فإني أعود عليه خضرا ويعود
جسده نورا وتصعد روحه إلى رب العالمين، ذكر هذا الحديث الحاكم في
كتاب الكنى، وروى ابن المبارك (٣) أن أول ما يُكلم الميت قبره فيقول: ماذا
أعددت لي؟ اهـ.
[لطيفة: قد ورد أن الميت يجد ألم الموت في قبره، ولعل ذلك خاص
ليس بعام، فروى ابن أبي الدنيا (٤) بإسناد وفيه نظر: عن كعب أنه قال: لا
يذهب عن الميت ألم الموت ما دام في قبه، وإنه لأشد ما يمر على المؤمن
(١) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٤/ ١٥١٧).
(٢) العاقبة في ذكر الموت (ص: ١٨٩).
(٣) مصنف ابن أبي شيبة (٣٥٠٠٧) عن عبيد بن عمير.
(٤) حلية الأولياء (٦ / ٤٤ أبو نعيم عن كعب شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور
(٣٨/١).

١٩٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وأهون ما يصيب الكافر.
وعن الأوزاعي(١) قال: بلغنا أن الميت يجد ألم الموت ما لم يبعث من
قبره، أو قال ما لم يبعث في قبره.
فائدة: قال مجاهد(٢): البرزخ هو ما بين الموت إلى البعث.
وقال عطاء الخراساني(٣): البرزخ مدة ما بين الدنيا والآخرة. وصلى أبو
أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه على جنازة، فلما وضعت في لحدها قال
أبو أمامة: هذا برزخ إلى يوم يبعثون. وقيل للشعبي(٤): مات فلان. فقال:
ليس هو في الدنيا ولا في الآخرة، هو في برزخ. وسمعت رجلا يقول: مات
فلان فأصبح من أهل الآخرة. فقال: لا تقل من أهل الآخرة، ولكن قل من
أهل القبور](٥).
٥٠٥٤ - وعن ابن عمر نَّالَّهَا قال: أتيت النبي ◌َّ عاشر عشرة، فقام رجل
من الأنصار فقال: يا نبي الله من أكيس الناس وأحزم الناس؟ قال: أكثرهم
ذكرا للموت، وأكثرهم استعدادا للموت، أولئك الأکیاس ذهبوا بشرف الدنيا
وكرامة الآخرة. رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الموت (٦). والطبراني في
(١) إحياء علوم الدين (٤/ ٤٦٣) شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور (٣٨/١).
(٢) الزهد لابن السري (٣١٤) تفسير الطبري ج ١٨ ص ٥٣).
(٣) تفسير القرطبي ج ١٢ ص ١٥٠).
(٤) تفسير القرطبي ج ١٢ ص ١٥٠).
(٥) سقطت هذه الفقرة من الأصل وأُثبتت من النسخة الهندية.
(٦) أخرجه ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق (٣).

١٩٣
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
الصغير(١) بإسناد حسن، ورواه ابن ماجه(٢) مختصرا بإسناد جيد، والبيهقي
في الزهد (٣)، ولفظه: أن رجلا قال للنبي وَّيّ: أي المؤمنين أفضل؟ قال
أحسنهم خلقا. قال: فأي المؤمنين أكيس؟ قال: أكثرهم للموت ذكرا،
وأحسنهم لما بعده استعدادا، أولئك الأكياس، وذكره رزين في كتابه بلفظ
البيهقي من حديث أنس، ولم أره.
قوله: ((وعن ابن عمر)) تقدم الكلام على ترجمته. قوله: ((يا نبي الله من
أكيس الناس وأحزم الناس)) الحديث. أي [من](٤) أعقل الناس وأحزم الناس
الناس من الحزم وهو ضبط الرجل أمره وأخذه بالثقة من قوله حزمت الشيء
أي شددته، وقيل الحزم إحكام الرأي وأصله من الحِزَام. قوله: أكثرهم
(١) المعجم الأوسط (٦٤٨٨)، وفي المعجم الصغير (١٠٠٨)، وفي المعجم الكبير للطبراني
(١٣٥٣٦/٤١٧/١٢).
(٢) ابن ماجه (٤٢٥٩)، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٣٤٨/٢): هذا إسناد ضعيف،
فروة بن قيس مجهول، وكذا الراوي عنه، وخبره باطل. وأخرجه الروياني (١٤٢٣)،
والدولابي الكنى والأسماء (١٠٧٦/٣)، وأبو نعيم في الحلية (٣٣٣/٨)، وأخرجه ابن
حبان في المجروحين (٢/ ٦٧)، ثم قال: فذكر-أي عبيد الله بن سعيد- حديثا طويلا ليس
من حديث مالك، ولا من حديث أبي سهيل، ولا من حديث ابن عمر.، وقال العراقي في
المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٨٢٨): أخرجه ابن ماجه مختصرا وابن أبي الدنيا
بكماله بإسناد جيد. وقال الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٩٤٦): منكر.
(٣) البيهقي في الزهد الكبير (٤٥٦)، وفي شعب الإيمان (١٠٠٦٥).
(٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

١٩٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
استعدادا للموت، الاستعداد للشيء التهيؤ له بإحضار ما يعين عليه، قاله
الكمال الدميري(١).
٥٠٥٥ - وَعَن سهل بن سعد السَّاعِدِيّ رَوَّهُ قَالَ مَاتَ رجل من أَصْحَاب
النَّبِي وَِّ فَجعل أَصْحَاب رَسُول الله وَِّ يثنون عَلَيْهِ ويذكرون من عِبَادَته
وَرَسُولِ اللهِ وَِّ سَاكِت فَلَمَّا سكتوا قَالَ رَسُول الله وَِّ هَل كَانَ يكثر ذكر
الْمَوْتِ قَالُوا لَا قَالَ فَهَل كَانَ يدع كثيرا ◌ِمَّا يَشْتَهِي قَالُوا لَا قَالَ مَا بلغ
صَاحبكُم كثيرا مِمَّا تذهبون إِلَيْهِ رَوَاهُ الطََّرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن (٢) وَرَوَاهُ الْبَزَّار
من حَدِيث أنس قَالَ ذكر عِنْدِ النَّبِيِ نَّهِ رجل بِعِبَادة واجتهاد فَقَالَ كَيفَ ذكر
صَاحبكُمْ لِلْمَوْت قَالُوا مَا نَسْمَعهُ يذكرهُ قَالَ لَيْسَ صَاحِبِكُمْ هُنَاكَ(٣).
ـَّا قالت: قال رسول الله صلى الله عليه
٥٠٥٦- وروي عن عائشة رَقُلتَا
وسلم: على المنبر والناس حوله: أيها الناس استحيوا من الله حق الحياء،
فقال رجل: يا رسول الله إنا لنستحبي من الله تعالى، فقال: من كان منكم
مستحييا فلا يبيتن ليلة إلا وأجله بين عينيه، وليحفظ البطن وما وعى، والرأس
(١) النجم الوهاج في شرح المنهاج (٨/٣).
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٨٥/٦ رقم ٥٩٤١). قال الهيثمى في المجمع ٣٠٩/١٠:
رواه الطبراني، وإسناده حسن. وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٥٠٧) وضعيف الترغيب
(١٩٤٧).
(٣) أخرجه الختلى في الديباج (٥٣)، والبزار (٣٦٢٢ / كشف الأستار). قال البزار: لا نعلم
رواه عن ثابت عن أنس إلا يوسف. وقال الهيثمى في المجمع ٣٠٩/١٠: رواه البزار،
وفيه يوسف بن عطية، وهو متروك. وضعفه الألباني جدا في ضعيف الترغيب (١٩٤٨).

١٩٥
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
وما حوى، وليذكر الموت والبلى، وليترك زينة الدنيا. رواه الطبراني في
الأوسط(١).
قوله: ((وروي عن عائشة)) تقدم الكلام على مناقبها. قوله: ((استحيوا من الله
حق الحياء)) إلى قوله ((وليترك زينة الدنيا)) وفي حديث ابن مسعود(٢): ومن أراد
الآخرة ترك زينة الدنيا، الحديث. قوله: ((ليحفظ البطن وما وعى والرأس وما
حوى)) أي ما جمع فيه من الطعام والشراب حتى يكونا من حلهما، [قوله صلى
الله تعالى عليه وسلم: ((ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا))]، قال الله تعالى: ﴿إنا
جعلنا ما على الأرض زينة لها﴾، وقال تعالى: ﴿المال والبنون زينة الحياة
الدنيا﴾، الآية، [و]قال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَتِ مِنَ النِّسَآءِ
(١) المعجم الأوسط (٧٣٤٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٨٤/١٠) رواه الطبراني في
الأوسط، وفيه إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، وهو متروك. وقال الألباني في السلسلة
الضعيفة (٥٢٦٤)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٩٤٩): موضوع.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٤٣، ٣٤٣٢٠) وفي مسنده (٣٤٣) وأحمد (٣٦٧١) والترمذي
(٢٤٥٨) وابن أبي الدنيا في الورع (٥٩) والبزار (٢٠٢٥) وابن نصر في الصلاة (٤٥٠)
وأبو يعلى (٥٠٤٧) والكلاباذي في معاني الأخبار (ص ١٦٦) والحاكم (٣٢٣/٤) وابن
بشران (٣٥٨) والبيهقي في الآداب (١١٥٥) وفي الأربعين الصغرى (٣٥) وفي الشعب
(٧٣٣٤ و ١٠٠٧٧) والبغوي في شرح السنة (٤٠٣٣) قال الترمذي: هذا حديث إنما
نعرفه من هذا الوجه من حديث أبان بن إسحاق عن الصباح بن محمدوقال البزار:
الصباح بن محمد ليس بالمشهور وقال الحاكم: صحيح الإسناد،، وقال وضعفه الألباني
في صحيح الترغيب والترهيب (١٧٢٤)، والروض النضير (٦٠١)، والمشكاة
(١٦٠٨): حسن لغيره.

١٩٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وَالْبَنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ مَتَعُ الْخَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾(١)، ونظير هذا من السنة قوله:
((إن الدنيا خضرة حلوة وإن الله مستخلفكم فيها))، الحديث.
وقوله أيضا عليه الصلاة والسلام (٢): ((إن أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج
الله لكم من زهرة الدنيا، قالوا: وما زهرة الدنيا؟ قال بركات الأرض)). والمعنى
أن الدنيا مستطابة في ذوقها معجبة في منظرها كالتمر المستحلى المعجب
المرأى فابتلى الله بها عباده لينظر أيهم أحسن عملا أي من أزهد الناس فيها
وأترك لها ولا سبيل للعباد إلى بغض ما زينه الله إلا بمعونة على ذلك، ولهذا
كان عمر رَّهُ فيما ذكر البخاري(٣): اللهم لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينته لنا،
اللهم إني أسألك أن أنفقه في حقه، [فدعا الله تعالى أن يعينه على الفاقة في حقه]،
وهذا معنى قوله ◌َلاه)(٤): فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه ومن أخذه
بإشراف نفس کان کالذي يأكل ولا يشبع، وهذا هو المكثر من الدنيا، لا يقنع بما
يحصل له منها بل همه جمعها وذلك لعدم الفهم عن الله تعالى ورسوله، فإن
الفتنة معها حاصلة وعدم السلامة غالبة كما تقدم، وقد أفلح من أسلم ورزق
كفافا وقنعه الله بما آتاه، اهـ، قاله [٢١٥/ أ] القرطبي (٥).
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٤.
(٢) صحيح البخاري (٢٨٤٢)، وصحيح مسلم (١٢١) (١٠٥٢).
(٣) علقه البخاري (٩٣/٨) كتاب الرقاق، باب قول النبي ◌َّ: هذا المال خضرة حلوة.
(٤) صحيح البخاري (٦٤٤١)، وصحيح مسلم (٩٦) (١٠٣٥).
(٥) تفسير القرطبي (٣٥٤/١٠).

١٩٧
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
٥٠٥٧ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود ◌َّ ◌َهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َّاسْتَخْيوا من
الله حق الْحِيَاء قَالَ قُلْنَا يَا نَبِي الله إِنَّا لنستحبي وَالْحَمْدُ لله قَالَ لَيْسَ ذَلِك وَلَكِن
الاستحياء من الله حق الْحيَاء أَن تحفظ الرَّأْس وَمَا وعى وَتحفظ الْبَطن وَمَا
حوى ولتذكر الْمَوْت والبلى وَمِن أَرَادَ الْآخِرَة ترك زِينَة الدُّنْيَا فَمن فعل ذَلِك
فقد استحيا من الله حق الْحيَاء رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيثٍ غَرِيبٍ إِنَّمَا نعرفه
من حَدِيث أبان بن إِسْحَاق عَن الصَّباح بن مُحَمَّد قَالَ الْحَافِظ أبان والصباح
مُخْتَلِف فيهمَا وَقد قيل إِن الصَّباحِ إِنَّمَا رفع هَذَا الحَدِيث وهما مِنْهُ وَضعف
بِرَفْعِهِ وَصَوَابِه مَوْقُوف(١) وَالله أعلم.
٥٠٥٨ - وعن الضحاك أَقْو الله قال: أتى النبي ◌َّه رجل فقال: يا رسول الله
من أزهد الناس؟ فقال: من لم ينس القبر والبلى، وترك فضل زينة الدنيا، وآثر
ما یبقی علی ما یفنی، ولم يعد غدا من أيامه، وعد نفسه من الموتی رواه ابن
أبي الدنيا(٢)، وهو مرسل.
[قوله: وعن الضحاك: تقدم. قوله: من أزهد الناس؟ فقال: من لم ينس
القبر والبلى وترك أفضل زينة الدنيا، الحديث، وفي آخره: وعد نفسه من
الموتى، يعني أنه لا يغتر بالبقاء في دار الفناء فإن الحياة فيها في الحقيقة كزيارة
(١) أخرجه ابن أبى شيبة في المسند (٣٤٣)، والترمذى (٢٤٥٨)، وابن أبى الدنيا في مكارم
الأخلاق (٩٠) والبزار (٢٠٢٥). وضعفه الألباني في المشكاة (١٦٠٨) وحسنه في
صحيح الترغيب (١٧٢٤) و(٢٦٣٨) و(٣٣٣٧).
(٢) في الزهد (١٠٠)، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٩٥٠).

١٩٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
طيف أو سحاب صيف، والله أعلم] (١).
وَّ قَالَ كفى بِالْمَوْتِ واعظا
٥٠٥٩- وَرُوِيَ عَن عُثْمَانِ زَّوَهُ أَن النَّبِى
وَكفى بِالْيَقِينِ غنى رَوَاهُ الطّبَرَانِيّ.
٥٠٦٠ - وَعَنِ الْبَرَاء ◌َهُ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهُ فِي جَنَازَة فَجَلَسَ
على شَفير الْقَبْرِ فَبكى حَتَّى بل الثرى ثمَّ قَالَ يَا إِخْوَانِ لمثل هَذَا فأعدوا رَوَاهُ
ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد حسن.
٥٠٦١- وَرُوِيَ عَن أنس ◌َّالَّهُ قَالَ قَالَ رَسُول اللهِ وَّةِ أَرْبَعَة من الشَّقَاء
جمود الْعين وقسوة القلب وَطول الأمل والحرص على الدُّنْيَا رَوَاهُ الْبَزَار.
٥٠٦٢ - وَعَن عبد الله بن عمر رَالَّنَا لَا أعلمهُ إِلَّ رَفعه قَالَ صَلَاح أول هَذِه
الأمة بالزهادة وَالْيَقِين وهلاك آخرها بالبخل والأمل رَوَاهُ الطَّرَانِيّ وَفِي
إِسْنَاده احْتِمَال للتحسين وَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا والأصبهاني كِلَاهُمَا من طَرِيق
ابْنِ لَهِيعَة عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َّ نجا
أول هَذِه الأمة بِالْيَقِينِ والزهد وَيَهْلك آخرِ هَذِه الأمة بالبخل والأمل.
٥٠٦٣- وَرُوِيَ عَن أم الْوَلِيد بنت عمر قَالَت اطلع رَسُول الله وَِّ ذَات
عَشِيَّةٍ فَقَالَ يَا أَيْهَا النَّاسِ أَلا تستحيون قَالُوا مِم ذَاك يَا رَسُول الله قَالَ تجمعون
مَا لَا تَأْكُلُونَ وتبنون مَا لَا تعمرون وتأملون ما لا تدركون ألا تستحیون من
ذَلِكِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ.
(١) حصل تأخير لهذه العبارة من النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (وقد أفلح من أسلم
ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه، اهـ، قاله إلى هنا انتهى اللوح ٣٧٩ القرطبي).

١٩٩
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
٥٠٦٤- وروي عن أبي سعيد الخدري زَّالله قال: اشترى أسامة بن زيد
وليدة بمائة دينار إلى شهر فسمعت رسول الله وَليم يقول: ألا تعجبون من
أسامة المشتري إلى شهر إن أسامة لطويل الأمل، والذي نفسي بيده ما طرفت
عیناي إلا ظننت أن شفري لا يلتقيان حتی یقبض الله روحي، ولا رفعت قدحا
إلى في، فظننت أني واضعه حتى أقبض، ولا لقمت لقمة إلا ظننت أني لا
أسيغها حتى أغص بها من الموت، والذي نفسي بيده إنما توعدون لآت، وما
أنتم بمعجزين. رواه ابن أبي الدنيا في كتاب قصر الأمل(١)، وأبو نعيم في
الحلية (٢)، والبيهقي(٣) والأصبهاني(٤).
قوله: ((وعن أبي سعيد الخدري)) تقدم الكلام على مناقبه. قوله: ((اشترى
أسامة بن زيد وليدة بمائة دينار)) الحديث، تقدم الكلام على أسامة بن زيد
والوليدة الجارية. قوله: ((ما طرفت عيناي إلا ظننت أن شفريّ لا يلتقيان حتى
يقبض الله روحي)) الحديث، [شفريّ مثنى شفر] والأشفار جمع شفر وهو
بالضم، وقد يفتح. حرف [جفن] العين الذين ينبت عليه الشعر.
(١) ابن أبي الدنيا في قصر الأمل (٦).
(٢) أبو نعيم في الحلية (٦/ ٩١). وقال: غريب من حديث عطاء وأبي بكر تفرد به محمد بن
حمير.
(٣) البيهقي في شعب الإيمان (١٠٠٨٠)، وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين (١٥٠٥)، وقال
العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٨٣١): أخرجه ابن أبي الدنيا ... بسند ضعيف.
وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٤٩٧٧)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٩٥٤).
(٤) قوام السنة في الترغيب والترهيب (١٧٥).

٢٠٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٥٠٦٥ - وعن عبد الله بن عمر زَّوَّهَا قال: أخذ رسول الله مَُّل بمنكبي
فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وكان ابن عمر يقول: إذا
أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك
لمرضك، ومن حياتك لموتك. رواه البخاري(١) والترمذي (٢) ولفظه: قال:
أخذ رسول الله وله ببعض جسدي فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر
سبيل، وعد نفسك في أصحاب القبور، وقال لي: يا ابن عمر إذا أصبحت فلا
تحدث نفسك بالمساء، وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح، وخذ من
صحتك قبل سقمك، ومن حياتك قبل موتك، فإنك لا تدري يا عبد الله ما
اسمك غدا ورواه البيهقي(٣) وغيره نحو الترمذي.
قوله: ((وعن عبد الله بن عمر)) يعني ابن الخطاب، تقدمت ترجمته. قوله:
((أخذ رسول الله (َّلية بمنكبي)) المنكب بفتح الميم وكسر الكاف مجمع
العضد والكتف. قال ابن الفاكهاني [وروايتي] في الحديث، منكبيّ على
التثنية، وفيه مسّ المعلم أعضاء المتعلم عند التعليم، والموعوظ عند الوعظ،
وهذا عندي كقول ابن مسعود علمني رسول الله وَلَو التشهد كفي بين كفيه
وذلك للتأنيس والتنبيه والتذكير إذ محال في العادة أن ينسى عبد الله من عمر
(١) صحيح البخاري (٦٤١٦).
(٢) سنن الترمذي (٢٣٣٣).
(٣) السنن الكبرى (٥١٦/٣)، وفي شعب الإيمان (٩٧٦٣ - ٩٧٦٤ - ٩٧٦٥ - ٩٧٦٦ -
١٠٠٥٩)، وفي الآداب (٨٠٨)، وفي الزهد الكبير (٤٦٥).