النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
تجمل عظيم ومقدم كريم وبقي مدة يحدثهم في مسجده فأرسل إليه أمير
البلد خالد بن محمد الدبيلي يتلطف معه ويسأله أن يأتيه بالصحيح ويحدثهم
به في قصره فامتنع البخاري من ذلك وقال لا أذل العلم ولا أحمله إلى أبواب
الناس، فحصلت وحشة بينهما فأمره الأمير بالخروج [عن] بلده، ويقال أن
البخاري دعا عليه فلم يأت شهر حتى ورد أمر دار الخلافة بأن ينادى على
خالد في البلد فنودي عليه على أتان وحبس إلى أن مات، ولما خرج من
بخارى كتب إليه أهل سمر قند يخبطونه إلى بلدهم فسار إليهم فلما كان بقرية
خَرْتَنَك بفتح المعجمة وإسكان الراء وفتح الفوقانية وسكون النون وهي
على فرسخين من سمرقند بلغه أنه وقع بينهم بسببه فتنة فقوم یریدون دخوله
وقوم يكرهونه فأقام بها حتى ينجلي الأمر فضجر ليلة فدعا وقد فرغ من
صلاة الليل: (١) اللهم قد ضاقت [علي الأرض بما رحبت] فاقبضني إليك
فمات في ذلك الشهر سنة ست وخمسين مائتين وعمره اثنان وستون سنة.
فإن قلت: كيف استجاز الدعاء بالموت وقد خرج هو في صحيحه(٢) لا
يتمنيّن أحدكم الموت لضر نزل به. قلت: نصوا بأن المراد بالضر هو
الدنيوي؛ وأما إذا نزل ضر ديني فإنه يجوز تمنيه خوفا من تطرق الخلل في
الدين. ولما دفن فاح من تراب قبره رائحة الغالية أطيب المسك وظهر سوار
بيض في السماء مستطيلة حذاء القبر وكانوا يرفعون التراب منه للتبرك حتى
(١) طرح التثريب في شرح التقريب (١٠١/١)
(٢) صحيح البخاري (٥٦٧١).

٨٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ظهرت الحفرة للناس ولم يكن يقدر على حفظ القبر [بالحراس] فنصب
على القبر خشب مشبكات فكانوا يأخذون ما حواليه من التراب والحصيات
[ودام] ريح الطيب أياما كثيرة حتى تواتر عند جميع أهل تلك البلاد وأمثال
هذه الكرامات الإلهية لا تستعظم بالنسبة إلى أمثال هؤلاء العبّاد رفع الله ذكره
الشريف، وقد فعل وجعل له لسان صدق في الآخرين وقد جعل وعدد
الأحاديث المسندة فيه سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثا،
والمكررات منه قريب النصف فأحاديثه بدون التكرار تقارب أربعة آلاف
وعدد مشايخه الذين خرج عنهم فيه مائتان وتسعة وثمانون والله أعلم. ذكر
ذلك الکرماني في شرحه(١).
٤٩٨٨- وعن علي بن رباح قال: سمعت عمرو بن العاص زَّ لَّهُ يقول:
لقد أصبحتم وأمسيتم ترغبون فيما كان رسول الله وَل يزهد فيه، أصبحتم
ترغبون في الدنیا، و کان رسول الله ژیټ یزهد فيها، والله ما أتت على رسول الله
وَّ- ليلة من دهره إلا كان الذي عليه أكثر من الذي له قال: فقال بعض
أصحاب رسول الله وَله: قد رأينا رسول الله وهل يستسلف. رواه أحمد (٢)
(١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١/ ١٢).
(٢) مسند أحمد (١٧٨١٧)، وأخرجه ابن عبد الحكم في فتوح مصر (ص٢٥٠)، وابن أبي
الدنيا في الزهد (١٩٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٠٤٠ و١٠٢١٦). وقال الهيثمي
في مجمع الزوائد (٣١٥/١٠): رواه كله أحمد والطبراني، وروى حديث عمرو فقط،
ورجال أحمد رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٢٩٤)،
وصحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (٢/ ١٧٩٥/٣٢٢).

٨٣
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
ورواته رواة الصحيح، والحاكم(١) إلا أنه قال: ما مر به ثلاث من دهره إلا
والذي عليه أكثر من الذي له، وقال: صحيح على شرطهما. ورواه ابن حبان
في صحيحه(٢) مختصرا: كان نبيكم وليد أزهد الناس في الدنيا، وأصبحتم
أرغب الناس فيها.
قوله: ((وعن علي بن رباح)) هو بضم العين وفتح اللام، على المشهور،
وقيل: بفتحها وكسر اللام، وكان يكره الضم. وكان أهل بلده وهو بمصر
يقولونه بالفتح وغيرهم بالضم، وقيل: بالفتح اسم وبالضم لقب. هو أبو عبد
الله، ويقال: أبو موسى على بن رباح بن قصير بن رباح بن المقتشب بن ينبع،
بضم المثناة تحت وفتح النون، ابن أردة بن حجر بن جزيلة بن لخم اللخمى
المصرى التابعى.
سمع عمرو بن العاص، وابنه عبد الله بن عمرو، وعقبة بن عامر، وفضالة
بن عبيد، وأبا قتادة، وأبا هريرة، ومعاوية، وغيرهم من الصحابة، رضى الله
عنهم. روى عنهم ابنه موسى، والحارث بن يزيد، ويزيد بن أبى حبيب،
وآخرون. واتفقوا على توثيقه. روی له مسلم فى صحيحه.
قال أحمد بن عبد الله، ومحمد بن سعد: كان ثقة، ولد سنة خمس عشرة
من الهجرة عام اليرموك، توفى بإفريقيا سنة أربع عشرة ومائة، وقيل: سنة سبع
(١) المستدرك للحاكم (٣١٥/٤)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم
يخرجاه.
(٢) صحيح ابن حبان (٦٣٧٩).

٨٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
عشرة، وكان من أهل الوجاهة، وكان يفد لأهل مصر إلى عبد الملك
بدمشق(١).
قوله: ((سمعت عمرو بن العاصي يقول: لقد أصبحتم وأمسيتهم ترغبون
فيما كان رسول الله ◌َآليل يزهد فيه، أصبحتم ترغبون في الدنيا، وكان رسول الله
وَ لا يزهد فيها)) الحديث. [٢٠١/ أ] تقدم الكلام على مناقب عمرو بن
العاصي مبسوطا، وأما الزهد في الدنيا فالزهد في الشيء الإعراض عنه
[لاستقلاله] واحتقاره وارتفاع الهمة عنه. يقال شيء زهيد أي قليل حقير،
وقد تكلف السادات رضى الله [عنهم] ومن بعدهم في تفسير الزهد في الدنيا
وتنوعت عباراتهم عنه وتقدم الكلام على ذلك في أوائل الباب والله أعلم.
٤٩٨٩- وعن عائشة زَّايَتَهَا قالت: توفي رسول الله وَله: ودرعه مرهونة عند
يهودي في ثلاثين صاعا من شعير. رواه البخاري (٢) ومسلم (٣) والترمذي(٤).
قوله: ((وعن عائشة)) تقدم الكلام على مناقبها. قولها رَقُّالّتيهما: ((توفي رسول
الله وَّة ودرعه مرهونة عندي يهودي في ثلاثين صاعا من شعير)) الحديث،
الصاع مكيال معروف، قال صاحب العلم المشهور ذو النسبين: ذكر اسم
اليهودي خاصة أصحاب الغوامض والمبهمات، وذكره الحافظ المحدث
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٥٢).
(٢) صحيح البخاري (٢٩١٦، ٤٤٦٧) عن عائشة رضي الله عنها.
(٣) صحيح مسلم (١٢٤) (١٦٠٣).
(٤) سنن الترمذي (١٢١٤) عن ابن عباس، وقال: هذا حديث حسن صحيح.

٨٥
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب في كتاب الأسماء [المبهمة] له وهو
عندي في مجلد: أن رسول الله وَ ﴿ رهن درعه عند أبي الشحم اليهودي رجل
من بني ظفر، وروى الخرائطي في مكارم الأخلاق وابن مردويه في تفسيره
بإسناد ضعيف من حديث أبي رافع مولى رسول الله وَّ﴾(١) أنه نزل برسول
الله وٍَّ ضيف فقال له: قل لفلان اليهود أنه نزل بي ضيف فأسلفني شيئا من
الدقيق إلى رجب، فقال اليهودي: والله لا أسلفه إلا برهن، قال: فأخبرت
النبي وَليّة، فقال: والله [إني] لأمين من في السماء وأمين من في الأرض ولو
أسلفني لأدّيته فاذهب بدرعي فارهنها عنده. [ومما] يستشكل قديما أن النبي
أخر أجلی اليهود قبل موته من المدينة فلم یکن بها قبل موته بسنین یهودي
وكيف يجتمع مع هذا رهن الدرع عند اليهودي إلا أن يقال: إنّ هذا اليهودي
قدمها تاجرا في ذلك الوقت فاستلف منه النبي ◌َّه. ثم قيل إن النبي ◌َّ افتكه
قبل موته لما تقدم من قوله وَجّ: نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه،
(١) أخرجه البزار (٣٨٦٣)، والروياني (٦٩٥)، والطبراني (٩٨٩/٣٣١/١). وقال العراقي في
المغني عن حمل الأسفار (ص: ٤٤٤): رواه إسحاق بن راهويه في مسنده والخرائطي في
مكارم الأخلاق وابن مردويه في التفسير بإسناد ضعيف. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد
(٤/ ١٢٦): رواه الطبراني في الكبير، والبزار، وفيه موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف.
وقال الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف (٢/ ٣٥٥): ورواه ابن أبي شيبة وعنه أبو يعلي
الموصلي وإسحاق بن راهويه والبزار في مسانیدهم كذلك سندا ومتنا وزادوا فيه اذهب
بدرعي الحديد إليه وكذلك رواه الطبري وابن مردويه في تفسيره والواحدي في أسباب
النزول وسكت البزار عنه. وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٣٣٧).

٨٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
والنبي ◌َّ﴾ منزه عن ذلك، والأصح أنه وَّ لم يفكه لقول ابن عباس(١): مات
النبي صَلّ ودرعه مرهونة، وذلك لحديث محمول على من مات ولم يخلف
وفاء، اهـ.
تنبيه: الرهن في اللغة الثبوت، يقال: رهن بالمقام، أي أقام به وثبت فيه،
وفي الشرع جعل عين مال وثيقة بدين ليُستوفى منها عند تعذر استيفائه ممن
عليه. وجمع الرهن رهان كحبل وحبال، ويقال رُهُن بضم الهاء، وهل هو
جمع رهن أم جمع رهان فیکون جمع الجمع. قال الأكثرون: جمع رهان،
وقال أبو عمرو بن العلاء جمع رهن كسقف وسُقُف، يقال رهنت
[وارتهنت]، والمشهور الأول ومنهم من منع الثاني، ويقال في الرهن رهين
والأنثى رهينة، وقد نطق الكتاب العزيز بجواز الرهن في قوله [تعالى:]
﴿فَرِهَنٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ (٢)، قال في العلم المشهور(٣): وأما الأموال التي كانت له
[صلی الله تعالی علیه وسلم] تستخرج من الخمس وغير ذلك فإنه كان يؤثر
بها على نفسه وأهله مساكين الصفة والطارئين [عليه] من غيرهم وفي قضاء
ديون الموتى [٢٠١/ ب] من أمته حتى يبيت ما عنده قرص مع كثرة المال لو
أحبّ جمعه، وإنما آثر الدار الآخرة وعلم فناء هذه الدار [فأفضل] على
الأصحاب ونهج مناهج الإيثار على ما ثبت عنه الرَّ] من صحيح الآثار
(١) صحيح البخاري (٢٩١٦، ٤٤٦٧) عن عائشة رضي الله عنها.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٨٣.
(٣) العلم المشهور (مخ ٢١٤ أدب / لوحة ١٣٧ - ١٣٨).

٨٧
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
صلى الله عليه وعلى آله صلاة تتصل بدوام الليل والنهار، وفي حديث رهن
[الدرع سنين] كثيرة وأحكام استنبطت من فعله وقوله بَّية: الأولى مُداينته
لليهود ومعاملته لهم مع أنهم يشربون الخمور [ويبيعونها] ويأكلون الربا وقد
نهوا كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ
طَيِّبَتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾(١) الآية، فدل ذلك من فعل رسول الله بَّر الذي وكل
الله عز وجل [له] تبيين القرآن فقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ
لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾(٢)، فعفا الله تعالى لنا عما يعتقدونه وجعله في حقنا
حلالا وإن كان في حقهم [حراما] بانتقاله إلينا منهم بالوجه الجائز بيننا
وبينهم. والانتقالات في الملكيات يخالف ما بين المحللات والمحرمات
[كشاة] بريرة لما انتقلت من الصدقة التي هي حرام على رسول الله وَالاله إلى
الهدية حلّت لرسول الله و ◌َّ على ما ثبت عنه بإجماع أهل النقل.
الثانية رهنه لدرعه وَلّ فيه دليل على جواز رهن آلة الحرب في بلد الجهاد
وعند الحاجة إلى الطعام، وفيه من أصول الفقه أنه إذا تعارض أمران قدم
الأهم فالحاجة إلى قوت رسول الله ﴾﴾ وقوت عياله أهم، فقُدِّمت، وفيه دليل
على جواز معاملة أهل الذمة والحكم بثبوت أملاكهم على ما في أيديهم. وفيه
بيان ما كان عليه ليه من التقلل من الدنيا وملازمة الفقر وإيثاره على الغناء، وفيه
جواز رهن آلة الحرب عند أهل الذمة وجواز الرهن في الحضر وبه قال
(١) النساء: ١٦٠.
(٢) النحل: ٤٤.

٨٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأحمد والعلماء كافة إلا مجاهدا وداود الظاهري
فإنهما قالا لا يجوز إلا في السفر تعلقا بقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ
تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَنٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ (١) الآية. واحتج الجمهور بهذا الحديث وهو
مقدم على دليل خطاب الآية، (وأما اشتراء] النبي وَّ الطعام من اليهودي
ورهن عنده دون الصحابة فقيل فعله بيانا لجواز لذلك، وقيل لأنه لم يكن
هناك طعام فاضل عن حاجة صاحبه إلا عنده، وقيل لأن الصحابة لا يأخذون
رهنه وَخلّ ولا [يقبضونه] الثمن فعدل إلى معاملة اليهودي لئلا يضيق على أحد
من الصحابة. وقد أجمع المسلمون على جواز معاملة أهل الذمة وغيرهم من
الكفار إذا لم يتحقق تحريم ما معه لكن لا يجوز للمسلم أن يبيع أهل الحرب
سلاحا وآلة حرب ولا ما يستعينون به في إقامة دينهم ولا بيع المصحف ولا
العبد المسلم لكفار مطلقا، اهـ.
وفيه [بيان] ما يؤدى إليه من الدين والرهن، والدين عديل الكفر كما جاء
في الحديث مع تشديدات فيه شهيرة والله أعلم. قاله صاحب حدائق
الأولياء(٢).
وفي الحديث أحكام منها: جواز معاملة الكفار، ومنها الاستدانة لمصلحة،
ومنها جواز الرهن في الحضر، وقد وقع التصريح به [٢٠٢/ أ] في غير هذه
الرواية، واتفق العلماء على جواز الرهن في السفر عند عدم الكاتب، وقال
(١) البقرة: ٢٨٣.
(٢) حدائق الأولياء (٥٣٦/١-٥٣٧).

٨٩
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
مجاهد لا يجوز إلا في هذه الصورة لظاهر الآية وجوزه الباقون في الحضر
والسفر، وقالوا أنه خرج الكلام فيها على الأعم الأغلب لا على سبيل
الشرط، والحديث بمجموع طرقه يدل على جوازه مطلقا من غير سفر ولا
عند عدم كاتب. ومنها جواز الشراء بالثمن [المؤجل](١) المؤخر قبضه لأن
الرهن إنما يحتاج إليه حيث يكون الثمن مؤجلا وحيث لا يتأتى إقباضه في
الحال غالبا. ومنها جواز رهن السلاح، ومنها جواز رهنه عند الكفار من أهل
الذمة والمعاهدين. ومنها ما كان عليَّلاة عليه من التقلل من الدنيا والزهد فيها
مع تمكنه منها وعرضها عليه وإعراضه عنها (٢).
فإن قيل ما الحكمة في أنه رهن عند يهودي ولم يرهن عند مسلم؟ قلت:
الفوائد منها أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم حتى أن له أخذ طعام المضطر
فكيف من غيره. ومنها أنه لو رهن من المسلم [ربما] ظن أنه له منة عليه
والمنة لله ورسوله فحملته عليه الصلاة والسلام الرأفة والشفقة على المسلم
أن يقع له ذلك. ومنها أن أخذ الرهن منه [عليه الصلاة والسلام] لا يجوز
لأحد من المسلمين لأنه الموثق وكل مسلم واثق به ولا يقال يحتمل الجواز
[لتقدم] به على من لا رهن له لأن الله تعالى يصون نبيه من شغل ذمته بديون
لا توفى عنه. ومنها إباحة القرض ممن أكثر ماله حرام لما علم من فشو الربا
فيهم وبيع الخمر. ومنها صحة معاملتهم فيما بينهم فيما يعتقدونه.
(١) هكذا هذه العبارة في الأصل، وفي النسخة الهندية: (المؤجر)، ولعله سبق قلم.
(٢) العدة (٣/ ١١٨٧).

٩٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فائدة: قدر المرهون به جاء فيه روايات منها: ثلاثون وسق شعير ومنها
عشرون ومنها [غير] ذلك، وكان أخذه [صلى الله تعالى عليه وسلم] لأهله
لا لنفسه، وكان أخذه أولا عشرين ثم أخذ شيئا آخر ثم آخر بحسب الحاجة
حتى تكمل ثلاثين فذكر هذا مرة وهذا مرة والله أعلم.
٤٩٩٠- وعن أبي هريرة زَّ الله قال: خرج رسول الله وَّ ذات يوم أو ليلة،
فإذا هو بأبي بكر وعمر وَظَّالَّهَا، فقال: ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟
قالا: الجوع يا رسول الله، قال: وأنا والذي نفسي بيده أخرجني الذي
أخرجكما، قوموا فقاموا معه، فأتوا رجلا من الأنصار فإذا هو ليس في بيته
فلما رأته المرأة قالت: مرحبا وأهلا، فقال لها رسول الله وَله: أين فلان؟
قالت: ذهب يستعذب لنا الماء، إذ جاء الأنصاري فنظر إلى رسول الله وَله
وصاحبيه، ثم قال: الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني، فانطلق فجاءهم
بعذق فيه بسر وتمر ورطب، وقال: كلوا، وأخذ المدية، فقال له رسول الله
وَلّ: إياك والحلوب، فذبح لهم فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا،
فلما أن شبعوا ورووا قال رسول الله وَّه لأبي بكر وعمر ◌َّالًَّا: والذي نفسي
بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة.
رواه مالك(١) بلاغا باختصار ومسلم (٢)، واللفظ له والترمذي(٣) بزيادة،
(١) موطأ مالك (٢٦٩٣).
(٢) صحيح مسلم (١٤٠) (٢٠٣٨).
(٣) سنن الترمذي (٢٣٦٩)، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.

٩١
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
والأنصاري المبهم: هو أبو الهيثم بن التيهاني بفتح المثناة فوق وكسر المثناة
تحت وتشديدها، كذا جاء مصرحا به في الموطأ والترمذي، وفي مسند أبي
يعلى(١) ومعجم الطبراني(٢) من حديث ابن عباس أنه أبو الهيثم وكذا في
المعجم أيضا من حديث ابن عمر (٣)؛ وقد رويت هذه القصة من حديث
جماعة من الصحابة مصرح في أكثرها بأنه أبو الهيثم، وجاء في معجم الطبراني
الصغير(٤) والأوسط (٥) وصحيح ابن حبان (٦) من حديث ابن عباس وغيره
(١) أخرجه أبو يعلى (٢٥٠)، وأخرجه البزار (٢٠٥)، وابن أبي حاتم في العلل (١٠٣/٢)، وابن
عدي (١٥٦٥/٤)، والمخلص في المخلصيات (٢٤٣/١)، والحاكم (٢٨٦/٣)،
(٤ / ١٤٦)، وقال ابن عدي: وهذا الحديث لا أعلم رواه عن يونس بهذا الإسناد غير عبد
الله بن عيسى وقال أبو زرعة في علل ابن أبي حاتم (١٠٤/٢): هذا حديث منكر- يعني
بهذا الإسناد- وقال الحاكم (١٤٦/٤) على شرط البخاري ومسلم، وقال ابن كثير في
التفسير (٤ /٥٨٣): غريب من هذا الوجه. وذكره الهيثمي في المجمع (١٠ /٣١٦)، ثم
قال: رواه البزار، وأبو يعلى باختصار قصة الغلام، والطبراني كذلك، وفي أسانيدهم كلها
عبد الله بن عيسى أبو خلف، وهو ضعيف.
(٢) الطبراني، ذكره الهيثمي في المجمع (٣١٦/١٠).
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير (٥٦٩/٢٥٤/١٩)، وذكره الهيثمي في المجمع (٣١٩/١٠)،
ثم قال: رواه الطبراني، وفيه بكار بن محمد السيريني، وقد ضعفه الجمهور، ووثقه ابن
معین، وبقية رجاله ثقات
(٤) الطبراني في الصغير (١٨٥)، وأخرجه ابن بشكوال في الغوامض (٦٢٩).
(٥) الطبراني في الأوسط (٢٢٦٨)، وقال الهيثمي: وفيه عبد الله بن كيسان المروزي وقد وثقه
ابن حبان وضعفه غيره، وبقية رجاله رجال الصحيح المجمع (٣١٨/١٠).
(٦) أخرجه ابن حبان (٥٢١٦) وقال: خبر غريب. وقال العراقي: وأما حديث قصدهم منزل
=

٩٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
أنه أبو أيوب الأنصاري، والظاهر أن هذه القصة اتفقت مرة مع أبي الهيثم،
ومرة مع أبي أيوب. والله أعلم، وتقدم حديث ابن عباس في الحمد بعد
الأكل.
[العذق] هنا بكسر العين وهو الكباسة والقنو، وأما بفتح العين فهو
النخلة.
قوله: ((وعن أبي هريرة)) تقدم الكلام على مناقبه رَقَّهُ. قوله: ((خرج
رسول الله ◌َّ ذات يوم أو ليلة فإذا هو بأبي بكر وعمر انَوَّنَا فقال: ما
أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟ قال: الجوع)) الحديث. قال النووي في
شرح مسلم (١): حديث أبي هريرة هذا مشتمل على أنواع من الفوائد: هذا
الحديث فيه ما كان عليه النبي وَلاو وكبار أصحابه رًَّا من التقلل من الدنيا
وما ابتلوا به من الجوع وضيق العيش في أوقات وقد زعم بعض الناس أن هذا
كان قبل فتح الفتوح والقرى عليهم، وهذا زعم باطل، فإن راوي الحديث
أبو هريرة، ومعلوم أنه أسلم بعد فتح خيبر فإن قيل: لا يلزم من كونه رواه أن
يكون أدرك القضية، فلعله سمعها من النبي وَخلو أو غيره، فالجواب: أن هذا
=
أبي أيوب، فرواها الطبراني في المعجم الصغير من حديث ابن عباس بسند ضعيف.
(المغني مع الإحياء ٢/ ١٠). وأخرجه ابن حجر في نتائج الأفكار: كما في الفتوحات
الربانية (٢٣١/٥)، ثم قال: هذا حديث حسن، فيه غرابة من وجهين: أحدهما: ذكر أبي
أيوب، والثاني: ما في آخره من التسمية والحمد وقصة فاطمة، والمشهور في هذا قصة أبي
الهيثم بن التيهان.
(١) شرح النووي على مسلم (٢١١/١٣-٢١٢).

٩٣
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
خلاف الظاهر ولا ضرورة إليه، بل الصواب خلافه، وأن [النبي] وَّ لم يزل
يتقلب في اليسار وفي القلة حتى توفي ◌َلّة، فتارة يوسر، وتارة ينفد ما عنده،
كما ثبت في الصحيح (١) عن [٢٠٢/ ب]أبي هريرة قال: ((خرج رسول الله وَل
من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير))، وتوفي وَّل ودرعه مرهونة على شعير
استدانه لأهله، وغير ذلك مما هو معروف، فكان ◌َا﴾ في وقت یوسر به، ثم
بعد قليل ينفد ما عنده لإخراجه في طاعة الله في وجوه البر، وإيثار المحتاجين،
وضيافة الطارقين، وتجهيز السرايا، وغير ذلك، وهذا كان خلق صاحبيه
بل أكثر أصحابه، وكان أهل اليسار من المهاجرين والأنصار مع برهم
له وَلّ وإكرامهم إياه وإتحافه بالطرف وغيرها، ربما لم يعرفوا حاجته في
بعض الأحيان لكونهم لا يعرفون فراغ ما كان عنده من القوت [بإيثاره]، ومن
علم ذلك منهم ربما كان ضيِّق الحال في ذلك الوقت كما جرى لصاحبيه، ولا
نعلم أحد من الصحابة علم حاجة النبي ◌َّية، وهو متمكن من إزالتها لكن
كان ◌َّة يكتمها عنهم إيثارا لتحمل المشاق، وحملا عنهم، وقد بادر أبو
طلحة- حين قال: سمعت صوت النبي ◌َّ أعرف فيه الجوع- إلى إزالة تلك
الحاجة، وقد وصفهم الله تعالى بذلك فقال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ
وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾(٢). وقال تعالى: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾(٣). [وأشباه هذا
(١) صحيح البخاري (٥٤١٤).
(٢) الحشر: ٩.
(٣) الفتح: ٢٩.

٩٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
كثير في الصحيح مشهور، وكذلك كانوا.] قوله في الحديث: ((فقال ما
أخرجكما من بيوتكما)) بضم الباء وكسرها لغتان قرئ بهما في السبع. وأما
قولهما رَّنَا: ((أخرجنا الجوع)).
وقوله: ((وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما))، قيل معناه
أنهما رَوِّهَا لما كانا عليه من مراقبة الله تعالى ولزوم طاعته والاشتغال به
فعرض لهما هذا الجوع الذي يزعجهما ويقلقهما ويمنعهما من كمال
النشاط للعبادة وتمام التلذذ بها سعيا في إزالته بالخروج في جلب سبب مباح
يدفعانه به وهذا [من] أكمل الطاعات وأبلغ أنواع المراقبات، [وقيل] نهى
عن الصلاة مع مدافعة الأخبثين [وبحضرة طعام تتوق النفس إليه، وفي ثوب له
أعلام وبحضرة المحدثين]، ونُهي القاضي عن القضاء في حالة غضبه وجوعه
وهمه وشدة فرحه وغير ذلك مما يشغل قلبه ويمنعه كمال التفكر والله أعلم.
[وفيه جواز ذكر الإنسان ما يناله من ألم الجوع لا على سبيل التشكي وعدم
الرضا، بل للتسلية والتصبر لفعله صلى الله تعالى عليه وسلم هنا، ولالتماس
دعاء أو مساعدة على التسبب في إزالة ذلك العارض، وهذا كله ليس بمذموم
إنما يُذمّ ما كان تشكيا وتسخطا وتجزعا، والله تعالى أعلم]. وقوله وَّيقول: ((وأنا
والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما)» هكذا هو في جميع النسخ، فأنا
بالفاء وفي بعضها بالواو والبغوي في المصابيح رواه بإسقاطهما. قوله وَالله:
((قوموا فقاموا))، هكذا في الأصول بواو الجمع [على الصحيح] وهو جائز بلا
خلاف لكن الجمهور يقولون إطلاقه على الاثنين مجاز، وآخرون يقولون

٩٥
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
حقيقة وفيه جواز الحلف من غير [٢٠٣/ أ] استحلاف.
قوله: ((فأتوا رجلا من الأنصار فإذا هو ليس في البيت))، وهذا الأنصاري
المبهم هو أبو الهيثم بن التيهان بفتح التاء المثناة فوق وكسر المثناة تحت
وتشديدها، قاله الحافظ، اهـ.
وقال بعض العلماء: هو أبو الهيثم بن التيهان وهو مالك بن التيهان واسم
التيهان أيضا مالك بن عتيك بن عمرو بن عبد الأعلم فذكر نسبه إلى أن قال
ابن الأوس الأنصاري حليف بني عبد الأشهل، كان أحد النقباء ليلة العقبة ثم
شهد بدرا واختلف في وقت وفاته، فأصح ما قيل فيها أنه شهد مع علي رَقُولَّة
صفين وقتل فيها. قال السهيلي وقد وجدت في شعر عبد الله بن رواحة حين
أضاف أبو الهيثم رسول الله وَلجيله في منزله ومعه أبو بكر وعمر، فقال ابن
رواحة في ذلك شعر فمنه:
فلم أر كالإسلام عزا لأهله ولا مثلَ أضياف الأراشي مَعْشَرا
والأراشي منسوب إلى أراشة [من] خزاعة أو إلى راش بن جبار بن
الغوث، فالله أعلم أهو أنصاري الحلف أم بالنسب المذكور، وقد قيل أنه
بلوى من بني أراشة بن فاران بن عمرو بن بلى. والهيثم في اللغة فرخ
العقاب، والهيثم أيضا ضرب من العشب فيما ذكر أبو حنيفة، وبه سمي
الرجل هيثما(١)، والله أعلم.
وفيه جواز الإدلال على الصاحب الذي يوثق به واستتباع جماعة إلى بيته
(١) الروض الأنف (٩٥/٤- ٩٦).

٩٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وفيه منقبة لأبي الهيثم إذ جعله النبي وَيّ أهلا لذلك وكفى به شرفا ذلك.
قوله: ((فلما رأته المرأة قالت مرحبا وأهلا)) هاتان الكلمتان معروفتان
للعرب، ومعناه: صادفْتَ رُحبًا [وسعة] وأهلا تأنس بهم، وفيه استحباب
إكرام الضيف بهذا القول وشبهه، وقد قال النبي وَّ: من كان يؤمن بالله
واليوم الآخر فليكرم ضيفه، وفيه جواز سماع كلام الأجنبية ومراجعتها
الكلام للحاجة، وفيه جواز إذن المرأة في دخول منزل زوجها لمن علمت
علما محققا أنه لا يكره ذلك بحيث لا يخلو بها الخلوة المحرمة(١).
[قولها]: ((ذهب يستعذب لنا الماء))، الحديث، أي يأتينا بماء عذب، وهو
الطيب الذي لا مُلوحة فيه، وذلك لأن أكثر مياه المدينة كانت [مالحة]، ففيه
دليل على جواز الميل طبعا إلى المستطاب، وفيه جواز استعذابه وتطييبه.
قوله: ((ثم قال الحمد لله، ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني)) [وهذا] قول صدق
ومقال حق إذ لم تقلّ الأرض ولا أظلت السماء في ذلك الوقت أفضل من
أضيافه فقابل هذه النعمةل [بعظيم] الشكر فقال: الحمد لله.
قال النووي(٢): هذا الحديث يشتمل على أنواع من الفوائد، منها
استحباب حمد الله تعالى عند ظهور نعمة ظاهرة، وكذلك يستحب عند
اندفاع نقمة كانت متوقعة وفي غير ذلك من الأحوال، ومنها [استحباب]
إظهار البشر والفرح بالضيف في وجهه وحمد الله تعالى وهو يسمع على
(١) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٢١٢-٢١٣).
(٢) شرح النووي على مسلم (٢١٣/١٣).

٩٧
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
حصول هذه النعمة والثناء على ضيفه إذا لم يخف عليه فتنة فإن خاف لم يُثْنِ
عليه في وجهه، وهذا طريق الجمع بين الأحاديث الواردة بجواز ذلك ومنعه،
[ومنها] دلالة كمال فضيلة هذا الأنصاري وبلاغته وعظيم معرفته لأنه أتى
بكلام مختصر بديع في [٢٠٣/ ب] الحسن في هذا الموطن رَموافقته. قوله:
((فانطلق فجاء بعذق فيه بسر وتمر ورطب))، فقال: كلوا. الحديث، العذق هنا
بكسر العين وهو الكباسة والقنو فأما بفتح العين فهو النخلة، اهـ. قاله
الحافظ، والكباسة هي الغصن من النخل وهي من التمر بمنزلة العنقود من
العنب ويسمى العذق أيضا عثكالا وكل غصن من أغصانه شمراخ وهو الذي
عليه البسر، قاله ابن الأثير(١) والكرماني (٢) وإنما أتى بهذا العذق الملون
ليكون أظرف وليجمعوا بين أكل الأنواع فقد يطيب لبعضهم هذا ولبعضهم
هذا ولبعضهم هذا، وفيه دليل على استحباب تقديم أكل الفاكهة على الخبز
واللحم وغيرهما، وفيه استحباب المبادرة إلى الضيف بما تيسر وإكرامه
بعده بطعام يصنعه له لا سيما إن غلب على ظنه حاجته في الحال إلى الطعام،
وقد يكون شديد الحاجة إلى التعجيل وقد يشق عليه انتظار ما يصنع له
لاستعجاله للانصراف.
وقد كره جماعة من السلف التكلف للضيف وهو محمول على ما يشق
على صاحب البيت مشقة ظاهرة لأن ذلك يمنعه من الإخلاص و كمال
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥٠٠/٢).
(٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٧٨/٤).

٩٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
السرور بالضيف وربما ظهر عليه شيء من ذلك فيتأذى به الضيف، وقد
يحضر شيئا يعرف الضيف أنه من حاله يشق عليه وأنه تكلفه فيتأذى الضيف
لشفقته عليه، وكل هذا مخالف لقوله وَّية، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر
فليكرم ضيفه، لأن أكمل إكرامه إراحة خاطره وإظهار السرور به، والله أعلم.
قوله: ((وأخذ المدية، فقال له رسول الله وَالية: إياك والحلوب))، والمدية بضم
الميم وكسرها وفتحها، وهي السكين، سميت بذلك لأنها تقطع مدى حياة
الإنسان. قوله: ((السكين)) سميت بذلك لأنها تسكن حركته، تذكر وتؤنث،
والحلوب أي ذات اللبن، فعول بمعنى مفعولة كركوب ونحوه. يقال ناقة
حلوب: أي هي مما يحلب، وقيل الحلوب والحلوبة سواء، وقيل الحلوب
الاسم والحلوبة الصفة، وقيل الواحدة والجماعة، ومنه حديث أم معبد ولا
حلوبة في البيت، أي شاة تحلب. قاله في النهاية (١).
وأما فعل الأنصاري زَقْلَّه وذبحه الشاة فليس مما يشق عليه، بل لو ذبح
أغناما بل جمالا وأنفق أموالا في ضيافة رسول الله ◌َّخلال وصاحبيه كان مسرورا
بذلك مغبوطا فیه، والله أعلم. قوله: (فلما أن شبعوا ورؤا»، الحدیث فیه دلیل
على جواز الشبع وما جاء [في كراهة] الشبع فهو محمول على المداومة عليه
لأنه يقسي القلب وينسي أمر المحتاجين.
قوله: ((والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة)) الحديث فيه
جواز الحلف من غیر استحلاف، بل هو مستحب إذا كان فيه مصلحة كتو كيد
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤٢٢/١).

٩٩
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
أمر مهم وتحقيقه ونفي المجاز عنه ليكون أوقع في النفس، وقد ذكرت
الأحاديث الصحيحة في حلف رسول الله وَّ في هذا الشيء لهذا المعنى والله
أعلم.
وأما السؤال عن هذا النعيم فقال ابن جبير (١) هو كل ما يتلذذ به من طعام
وشراب، روي عنه وَله أنه قال(٢): النعيم المسئول عنه يوم القيامة الماء البارد
في الصيف. وقال من [٢٠٤ / أ]أكل خبز البرّ وشرب الماء البارد في ظل
فذلك النعيم الذي يسأل عنه، وقال بيت يُكنِّك وخرقة تواريك وكسرة تشد
صلبك، وما سوى ذلك فهو نعيم. قال ◌َاليَة كل نعيم مسئول عنه إلا نعيم في
سبيل الله.
وقال الزمخشري (٣): فإن قيل ما النعيم الذي لا يسأل عنه الإنسان ويعاقب
عليه، فما من أحد إلا وله نعيم؟ قلت: هو نعيم من عكف نفسه على استيفاء
اللذات ولم يعش إلا ليأكل الطيب ويلبس اللين ويقطع أوقاته باللهو
والطرب [وينسى أمر المحتاجين] لا نعيما بالعلم والعمل ولا [يحمل] نفسه
مشاقها، وأما من تمتع بنعيم الله وأرزاقه التي لم يخلقها إلا لعبادة وتقوى بها
على دراية العلم والقيام بالعمل وكان ناهضا بالشكر فهو من ذلك بمعزل.
وإليه [إشارة] رسول الله ◌ُ له بقوله فيما يُروى أنه أكل وأصحابه تمرا وشربوا
(١) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (٥١٩/٥).
(٢) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (٥١٩/٥).
(٣) الكشاف (٧٩٩/٤).

١٠٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
عليه ماء، فقال: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا [وجعلنا مسلمين].
وقال القاضي عياض(١): [والمراد] السؤال عن القيام بحق شكره والذي
نعتقده أن السؤال هنا سؤال تعداد النعم وإعلام بالامتنان بها وإظهار الكرامة
بإسباغها، لا سؤال توبيخ وتقريع ومحاسبة، والله أعلم، وتقدم الكلام على
ذلك أطول من هذا.
قوله: رواه مالك، يعني في الموطأ بلاغا، والبلاغ في اصطلاح المحدثين
هو عبارة أن يروى المحدث الخبر بقوله بلغنى عن فلان.
٤٩٩١- وعن زيد بن أرقم زَقَّ ه قال: كنا مع أبي بكر زقُونَ﴾ فاستسقى،
فأتي بماء وعسل، فلما وضعه على يده بكى وانتحب حتى ظننا أن به شيئا،
ولا نسأله عن شيء فلما فرغ قلنا: يا خليفة رسول الله ما حملك على هذا
البكاء؟ قال: بينما أنا مع رسول الله وَليل إذا رأيته يدفع عن نفسه شيئا، ولا أرى
شيئا، فقلت: يا رسول الله ما الذي أراك تدفع عن نفسك، ولا أرى شيئا قال:
الدنيا تطولت لي، فقلت: إليك عني، فقالت: أما إنك لست بمدركي. قال أبو
بكر. فشق ذلك علي، وخفت أن أكون قد خالفت أمر رسول الله وَلات،
ولحقتني الدنيا. رواه ابن أبي الدنيا(٢) والبزار(٣)، ورواته ثقات إلا عبد الواحد
(١) شرح النووي على صحيح مسلم (٢١٤/١٣).
(٢) ابن أبي الدنيا في الزهد (١١)
(٣) البزار = البحر الزخار (٤٤) (١٩٦/١) رواه الحاكم (٣٠٩/٤)، والبيهقي في شعب
الإيمان (١٠٠٣٩)، وصححه، ورده الذهبي فقال: قلت: عبد الصمد تركه البخاري
وغيره،، وقال البزار في (٤٤): وعبد الواحد بن زيد رجل من أهل البصرة كان متعبدا