النص المفهرس

صفحات 721-740

٧٢١
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
القهقهة وإلا فهو الضحك، اهـ. قاله الكرماني (١). قوله: ((أجل يا رسول الله))
معناه: نعم.
قوله: ((فوالله ما الفقر أخشى عليكم))، [الفقر منصوب على أنه مفعول
مقدم بيخشى، ولا يجوز رفعه إلا على وجه بعيد، وفيه ما يدل على أن الفقر
أقرب للسلامة والاتساع في الدنيا أقرب إلى الفتنة، نسأل الله تعالى الكفاف
والعفاف بمنه وكرمه]، قوله: ((ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما
بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها)) الحديث، كان النبي
وَلَّ يتخوف على أمته من فتح الدنيا عليهم فيخاف عليهم الافتتان بها. قوله:
((فتنافسوها)) أي فتتنافسوها، فحذفت إحدى التاءين، ومعنى تنافسوها
[والتنافس] من المنافسة وهي الرغبة في الشيء والانفراد به، وقيل التنافس
التباغض والتحاقد مأخوذ من الشيء النفيس الجيد في نوعه، ونافست في
الشيء منافسة ونفاسا إذا رغبت فيه، ونفس بالضم نفاسة أي صار مرغوبا
فيه، ونفست به بالكسر أي بخلت، ونفست عليه الشيء نفاسة إذا لم يره له
أهلا والله أعلم.
وقال بعض العلماء أيضا: التنافس المسابقة إلى الشيء وكراهة أخذ غيرك
إياه، وهو أول درجات الحسد. وأما الحسد فهو تمني زوال النعمة عن صاحبها،
فمعنى ذلك أي يتحاسدون فيها [فيختلفون] ويتقاتلون فيهلك بعضهم بعضا
كما قد ظهر ذلك ووجد. وقد سمى في هذا الحديث التحاسد تنافسا توسعا
(١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٢١/ ٢١٣).

٧٢٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
لقرب ما بينهما، وقال بعضهم أيضا معناه أي [فترغبون] فيها أي في الدنيا فتكثر
أشغالكم في جمعها وتقل طاعتكم وتحصل بينكم العداوة بسبب المال فيقتل
بعضكم بعضا وتقعوا في المعاصي. قوله {قال: ((فتهلككم كما أهلكتهم)»، ومعناه
تشغلکم عن أمور دینکم وعن الاستعداد لآخرتکم، اهـ.
٤٩١٨- وعن أبي هريرة رَّ ◌َّه قال: قال رسول الله وَله: ما أخشى عليكم
الفقر، ولكن أخشى عليكم التكاثر، وما أخشى عليكم الخطأ، ولكن أخشى
علیکم التعمد. رواه أحمد(١)، ورواته محتج بهم في الصحيح وابن حبان في
صحيحه(٢)، والحاكم (٣) وقال: صحيح على شرط مسلم.
(١) أخرجه أحمد (٨٠٧٤)، (١٠٩٥٨).
(٢) ابن حبان (٣٢٢٢).
(٣) الحاكم في (المستدرك ٥٣٤/٢)، وعنه البيهقي في شعب الإيمان (١٠٣١٤)، وقال
الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وأخرجه البزار في
مسنده - البحر الزخار (٩٣٧٦)، وأبو نعيم في الحلية (٩٩/٤)، والحديث ذكره ابن أبي
حاتم في العلل (١٨٩٨/١٣٣/٢)، من هذا الوجه، وعرض الخلاف فيه، وقال: سألت
أبي عن احاديث يرويها أبو نعيم عن جعفر عن ابن برقان عن يزيد بن الاصم عن أبي
هريرة لولا انكم تذنبون فتستغفرون فيغفر لكم لاتى الله بقوم فذكر الحديث موقوف.
وبهذا الاسناد قال والله ما اخشى عليكم الفقر ولكني أخشى عليكم التكاثر وبهذا الاسناد
عن أبي هريرة موقوف. ليس الغنى عن كثرة العرض الحديث قلت لابي اليس الجزريون
يسندون هذه الليلة الاحاديث قال نعم قلت فايهما اصح قال كما يقول أبو نعيم. وقال
الهيثمي في مجمع الزوائد (١٢١/٣) (٢٣٦/١٠): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٥٢٣)، والصحيحة (٢٢١٦)، وصحيح الترغيب
والترهيب (٣٢٥٦).

٧٢٣
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
قوله: ((وعن أبي هريرة)) تقدم. قوله: ((ما أخشى عليكم الفقر ولكن أخشى
عليكم التكاثر)) الحديث، والفقر منصوب بأخشى، وتقدم معنى الحديث في
الحدیث قبله.
٤٩١٩- وعن أنس رَوَّهُ عن النبي وَّه قال: يجاء بابن آدم كأنه بذج
فيوقف بين يدي الله، فيقول الله له: أعطيتك وخولتك، وأنعمت عليك، فماذا
صنعت؟ فيقول: يا رب جمعته وثمرته، فتركته أكثر ما كان، فارجعني آتك
به، فيقول له: أین ما قدمت؟ فيقول: يا رب جمعته وثمرته، فتر كته أکثر ما
کان، فارجعني آتك به، فإذا عبد لم يقدم خيرا، فيمضى به إلى النار. رواه
الترمذي(١) عن إسماعيل بن مسلم، وهو المكي رواه عن الحسن وقتادة،
وقال: رواه غیر واحد عن الحسن ولم يسندوه.
[قوله: البذج] بياء موحدة مفتوحة ثم ذال معجمة ساكنة وجيم: هو ولد
(١) أخرجه الترمذي (٢٤٢٧)، وقال: وقد روى هذا الحديث غير واحد، عن الحسن، قوله،
ولم يسندوه، وإسماعيل بن مسلم يضعف في الحديث. والحديث أخرجه ابن المبارك في
مسنده (٩٨)، وفي الزهد والرقائق زوائد نعيم بن حماد (١١٧/٢)، وهناد في الزهد
(٤٣٥/٢)، وأبو يعلى (٧/ ١٥١)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٣١٠)، والبغوي (٤٠٥٨).
وقال الهيثمي في المجمع (٢٢١/١٠): رواه أبو يعلى، وفيه مدلسون. وضعفه الألباني في
صحيح وضعيف سنن الترمذي (٤٢٧/٥)، وضعيف، التعليق الرغيب (٣ / ١١)،
وضعيف الجامع الصغير (٦٤١٣)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٠٦٥). أخرجه أسد
بن موسى، في الزهد (٨٣)، قتادة، عن أنس، قال: يوقف ابن آدم، فذكره موقوفا. وأخرج
المروزي في زوائد زهد المبارك (ص ٣٥٧)، وقال: أخبرنا الفضل بن موسى قال: أخبرنا
حزم بن مهران قال: سمعت الحسن، ذكر عن النبي وَلا قال: فذكر معناه.

٧٢٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الضأن، وشبه به من كان هذا عمله لما يكون فيه من الصغار والذل والحقارة
والضعف يوم القيامة.
قوله: ((وعن أنس)) تقدم، قوله: ((يُجاء بابن آدم كأنه بذج))، الحديث.
البذج، [وقد ضبطه الحافظ وفسّره، فقال: هو ولد الضأن، وشبّه به من كان
هذا عمله لما يكون فيه من الصغار والذل والحقارة والضعف يوم القيامة،
انتهى. وقال بعض العلماء (١) البذخ] بالذال المعجمة من أولاد الضأن،
بمنزلة العتود من أولاد المعز، وجمعه بذجان، والعتود بفتح العين الصغير
من أولاد المعز إذا قوي ورعى وأتى عليه حول، والجمع أعتدة و[عدّات]
وأصله عتدان فأدغم، ومعناه أنه يأتي وعليه ذل وليس له منعة كولد الضأن
الصغير وهو ضد البذخ بالخاء المعجمة فإنه الفخر والتطاول، اهـ.
٤٩٢٠- وعن عوف بن مالك رَّان قال: قام رسول الله رَله في أصحابه،
فقال: الفقر تخافون أو العوز أم تهمكم الدنيا؟ فإن الله فاتح عليكم فارس
والروم، وتصب عليكم الدنيا صبا حتى لا يزيغكم بعد أن زغتم إلا هي. رواه
الطبراني(٢) وفي إسناده بقية.
(١) غريب الحديث القاسم بن سلام (١/ ١٦٥). الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٢٩٩/١).
النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ١١٠). حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٢٥٧) .:
(٢) المعجم الكبير للطبراني (٩٣/٥٢/١٨)، وفي مسند الشاميين (١١٥٠ - ٢٥٢٧)،
وأخرجه أحمد (٢٣٩٨٢)، وابن أبي عاصم الزهد (١٧٣ - ٢١٠)، والبزار = البحر
الزخار (٢٧٥٨)، وأبو نعيم الأصبهاني دلائل النبوة (٤٦٧)، وقال الهيثمي في مجمع
الزوائد (٢٤٥/١٠) رواه الطبراني والبزار بنحوه، ورجاله وثقوا إلا أن بقية مدلس، وإن
=

٧٢٥
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
[العوز] بفتح العين والواو: هو الحاجة.
قوله: ((وعن عوف بن مالك)) هو أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد، ويقال:
أبو حماد، ويقال: أبو عمرو عوف بن مالك بن أبى عوف الأشجعى الغطفانى.
أول مشاهده مع النبى وقّ خيبر، وشهد معه فتح مكة، وكانت معه راية أشجع،
نزل الشام، وسكن دمشق، وكانت داره عند سوق الغزل العتيق. روى له عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة وستون حديثا، روى البخارى منها واحدا
ومسلم خمسة.
روى عنه أبو أيوب الأنصارى، والمقدام بن معدی کرب، وأبو هريرة.
وروى عنه من التابعين جماعات منهم أبو مسلم، وأبو إدريس الخولانيان،
و جبير بن نفیر، ومسلم ابن قرضة، وشداد أبو عمار، وراشد بن سعد، ویزید
بن الأصم، وسليم بن عامر، وسالم أبو النضر، وأبو بردة بن أبى موسى،
وشرح بن عبيدة، وضمرة بن حبيب، وكثير ابن مرة، وخلق سواهم، واتفقوا
على أنه توفى بدمشق سنة ثلاث وسبعين فى خلافة عبد الملك بن مروان(١).
قوله: ((قام رسول الله وَّهر في أصحابه)) الحديث، معناه: قام فيهم خطيبا
يعظهم. قوله ◌َّ: ((فقال: الفقر تخافون أم العوز أم تهمكم الدنيا)) الحديث.
العوز قد ضبطه الحافظ وفسره فقال: هو الحاجة، اهـ. قوله: ((فإن الله فاتح
كان ثقة. وصححه الألباني في الصحيحة (٦٨٨)، وصحيح الجامع الصغير (٩)، وصحيح
الترغيب والترهيب (٣٢٥٧).
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٤٠/٢).

٧٢٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
عليكم فارس والروم)) الحديث، ومراده وَيّ ما يفتح على أمته [١٦٦/ ب]
منها من ملك فارس والروم وغيرهم من الكفار الذين ورثت هذه الأمة
ديارهم وأموالهم وأراضيهم التي يخرج منها زروعهم وثمارهم وأنهارهم
ومعادنهم وغير ذلك مما يخرج من بركات الأرض، [و]هذا من أعظم
المعجزات وهو إخباره بظهور أمته على كنوز فارس والروم وأموالهم
وديارهم ووقع ما أخبر به النبي {
صَلى الله
عَاجية
وَسِر.
٤٩٢١ - وروي عن أبي مالك الأشعري زَو ◌َّلَهُ أن رسول الله وَّةٍ قال: ليس
عدوك الذي إن قتلته كان لك نورا، وإن قتلك دخلت الجنة، ولكن أعدى
عدو لك ولدك الذي خرج من صلبك، ثم أعدى عدو لك مالك الذي ملكت
يمينك. رواه الطبراني(١).
قوله: ((عن أبي مالك الأشعري)) تقدمت ترجمته، قوله وَالله: ((قال ليس
عدوك الذي إن قتلته كان لك نورا وإن قتلك دخلت الجنة)) الحديث، الأعداء
على أقسام منها: الشيطان لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَنَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ
عَدُوًّا﴾(٢)، ومنها النفس أيضًا عدوة لأنها الأمارة بالسوء إلا ما رحم الله،
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٣٤٤٥/٢٩٤/٣)، وفي الشاميين (١٦٦٨)، قال
الهيثمي في المجمع (٢٤٥/١٠): رواه الطبراني وفيه محمد بن إسماعيل بن عياش وهو
ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٤٨٩١)، والضعيفة (٤٣٧٥)، وضعيف
الترغيب والترهيب (١٨٩٠).
(٢) سورة فاطر، الآية: ٦.

٧٢٧
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
ومنها الزوجات والأولاد لقوله تعالى: ﴿يَتْأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ مِنْ
أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمَّ﴾(١)، ومنها المال، لقوله ◌َّل
في الحديث: أعدى عدو لك مالك الذي ملكت يمينك، وبقية الأعداء كثيرة
تذكر في كتب الوعظ والرقائق.
٤٩٢٢ - وعن عبد الرحمن بن عوف رَّ لَهُ قال: قال رسول الله وَله: قال
الشيطان لعنه الله: لن يسلم مني صاحب المال من إحدى ثلاث: أغدو عليه
بهن وأروح: أخذه من غير حله، وإنفاقه في غير حقه، وأحببه إليه، فيمنعه من
حقه. رواه الطبراني(٢) بإسناد حسن.
قوله: ((وعن عبد الرحمن بن عوف)) تقدمت ترجمته. قوله: ((قال
الشيطان: لن يسلم مني صاحب المال من إحدى ثلاث أغدو عليه بهن
وأروح)) الحديث، الغُدوُّ هو والرواح هو.
قوله: ((إنفاقه في غير حقّ)) أي في المعاصي المهلكات. قوله: ((وأحببه إليه
فيمنعه من حقه)) أي من الزكاة والطاعات.
(١) سورة التغابن، الآية: ١٤.
(٢) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢٨٨/١٣٦/١) وقد أخرجه ابن المبارك (ص
١٩٢)، والبزار = البحر الزخار (١٠٣٠)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٥٠٠)، وقال
الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٤٥/١٠): رواه الطبراني، وإسناده حسن. وقال البوصيري
في إتحاف الخيرة المهرة (٤٣٤/٧) رواه الطبراني بإسناد حسن. وضعفه الألباني في
ضعيف الترغيب والترهيب (١٨٩١)، وفي الضعيفة (٤٨٧٠).

٧٢٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٤٩٢٣- وَعَن ابْنِ مَسْعُود ◌ََّهُ أَنْه كَانَ يُعْطِي النَّاس عطاءهم فَجَاءَهُ رجل
فَأَعْطَاهُ ألف دِرْهَم ثمَّ قَالَ فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ◌َّهِ يَقُول إِنَّمَا أهلك من
كَانَ قبلَكُمْ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَم وهما مهلكاكم رَوَاهُ الْبَزَّارِ بِإِسْنَاد جيد(١).
٤٩٢٤ - وَعَن عبد الله بن عمرو زَوْفُّهَا قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌ََّ اطَّلَعت فِي
الْجِنَّةِ فَرَأَيْت أَكثر أَهْلِهَا الْفُقَرَاء واطلعت فِي النَّارِ فَرَأَيْت أَكثر أَهْلِهَا الْأَغْنِيَاءُ
وَالنِّسَاءَ رَوَاهُ أَحْمدٍ بِإِسْنَاد جيد(٢).
وتقدم معنى حديث ابن مسعود وعبد الله بن عمر اللذين بعده.
٤٩٢٥ - وعن أبي سعيد الخدري نَّالَّهُ قال: جلس رسول الله وَي على
المنبر، وجلسنا حوله فقال: إن مما أخاف عليكم ما يفتح الله عليكم من زهرة
الدنيا وزينتها. رواه البخاري(٣) ومسلم(٤) في حديث.
(١) أخرجه البزار (١٦١٢) و(١٦١٣)، وابن الأعرابى (٩٠٣)، والطبراني في الكبير (٩٥/١٠
رقم ١٠٠٦٩). قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى، عن عبد الله، عن النبي ◌َالآ إلا
من هذا الوجه. قال الدار قطنى في العلل (١٥٩/٥): الصحيح وقفه.
قال الهيثمى في المجمع ١٢٢/٣: رواه الطبراني في الكبير، وفيه يحيى بن المنذر، وهو
ضعيف. وقال في ٢٣٧/١٠: رواه البزار، وإسناده جيد. وكذلك قال البوصيرى في
الاتحاف: ٤٧١/٧. وصححه الألباني في الصحيحة (١٧٠٣) وصحیح الترغيب (٣٢٥٨).
(٢) أخرجه أحمد ١٥٩/٢ (٦٦١١). وقال الهيثمى في المجمع ٢٦١/١٠: رواه أحمد،
وإسناده جيد. وقال ابن حجر في المطالب ٦٢٨/١٨: هذا إسناد حسن. وضعفه الألبانى
في الضعيفة (٢٨٠٠) وضعيف الترغيب (١٨٤٨) و(١٨٩٢).
(٣) صحيح البخاري (١٤٦٥).
(٤) صحيح مسلم (١٢٣) (١٠٥٢).

٧٢٩
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
قوله: ((عن أبي سعيد الخدري)) تقدمت ترجمته. قوله وَالت: ((إن مما أخاف
عليكم ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها)) الحديث. الزهر والزهرة
البياض النير، وهو أحسن الألوان مأخوذ من زهرة الأشجار وهو ما يصفرّ
من نوارها، والنور هو الأبيض منه، هذا قول ابن الأعرابي، وحكى أبو حنيفة
أن النور والزهر سواء، وقد فسّرها عليه الصلاة والسلام بأنها بركات الأرض
أي ما تزهر به الأرض من الخيرات والخصب، اهـ. قاله القرطبي(١). وزهرة
الدنيا حسنها وبهجتها وكثرة خيرها، ففي الحديث التحذير من الاغترار
بالدنيا والنظر إليها والمفاخرة بها.
٤٩٢٦- وعن أبي سنان الدؤلي أنه دخل على عمر بن الخطاب رَقَ الَّم
وعنده نفر من المهاجرين الأولين، فأرسل عمر إلى سفط أتي به من قلعة
العراق، فكان فيه خاتم فأخذه بعض بنیه، فأدخله في فیه، فانتزعه عمر منه، ثم
بكى عمر نَّالَه، فقال له من عنده: لم تبكي، وقد فتح الله عليك، وأظهرك
على عدوك، وأقر عينك؟ فقال عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول: لا تفتح الدنيا على أحد إلا ألقى الله عز وجل بينهم العداوة والبغضاء
إلى يوم القيامة، وأنا أشفق من ذلك. رواه أحمد(٢) بإسناد حسن والبزار (٣)
(١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٩/ ٦٣).
(٢) مسند أحمد (٩٣).
(٣) البزار (٣١١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٣٦/١٠) رواه أحمد، والبزار، وأبو
يعلى في الكبير، وإسناده حسن. وقال ابن كثير في مسند الفاروق (٥٥/٣) هذا إسناد جيد،
لأن ابن لهيعة قد صرح فيه بالتحديث فزال محذور تدليسه، لكن قال الإمام علي ابن

٧٣٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وأبو يعلى(١). [السفط] بسين مهملة وفاء مفتوحتين: هو شيء كالقفة أو
کالجوالق.
قوله: ((وعن أبي سنان الدّؤلي)) اسمه يزيد بن أمية ويقال: اسمه ربيعة،
روى عن علي وابن عباس وأبي واقد الليثي وعنه زيد بن أسلم ونافع
والزهري قال أبو زرعة ثقة وقال أبو حاتم: ولد زمن أحد وذكره بن حبان في
الثقات وقال أراده هشام بن إسماعيل على أن يسب عليا فأبى له في السنن
حديثه عن بن عباس في الحج قلت: وما حكاه بن حبان ذكره البخاري في
تاريخه الكبير بإسناده وذكره في الأوسط في فصل من مات ما بين الثمانين إلى
التسعين وذكره بن عبد البر في أسماء الصحابة.
قوله: ((أنه دخل على عمر بن الخطاب وعنده نفر من المهاجرين الأولين))
الحديث. تقدم الكلام على النفر في مواضع وأنهم من الثلاثة إلى التسعة،
والمهاجرون الأولون هم الذين صلوا إلى القبلتين أو الذين هاجروا قبل
بيعة الرضوان أو الذين شهدوا بدرا.
قوله: ((فأرسل عمر إلى سفط أتي به من قلعة العراق)»، الحديث. [السفط]
قد ضبطه الحافظ وفسره فقال: هو شيء كالقفة أو كالجُوالق اهـ، والجُوالق
=
المديني: الحسن بن موسى إنما سمعه من ابن لهيعة بآخره، وإنما يروى حديث ابن لهيعة
ممن سمع منه قبل أن يصاب بكتبه، مثل ابن المبارك وأبي عبد الرحمن. وضعفه الألباني
في السلسلة الضعيفة (٤٨٧١)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٨٩٣).
(١) أبو يعلى في الكبير كما في المقصد العلي (١٩٧١/٤٧٤/٤).

٧٣١
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
هو الوعاء من جلدو وثياب وغيرها، وهو فارسي معرب، وأصله: كواله،
والجمع: الجوالق، بفتح الجيم والجواليق بزيادة الياء آخر الحروف.
وقوله: ((أتي به من قلعة العراق)) والقلعة بفتح اللام، لا يجوز سوى ذلك
والجمع قلاع(١)، ومنه عند أهل النحو سماعا وقياسا رقبة ورقاب وعقبة وعقاب،
والذي حكى [الجمع] جماعة من اللغويين منهم الإمام الثقة أبو زيد وكان ابن
الأعرابي [١٦٧/ أ] يقول (٢) إن القلعة لا تجمع قلاعا، والذي قاله من جهة
السماع والقياس معا، قال: وإنما تجمع قلعا. والقلعة في اللغة أيضا السحابة
العظيمة، فشبهت بها. قوله رَقْوَّلَهُ: ((وأنا أشفق من ذلك))، الإشفاق الخوف.
٤٩٢٧- وعن أبي ذر رَّالَّهُ قال: بينما النبي ◌َّ- جالس إذ قام أعرابي فيه
جفاء فقال: يا رسول الله أكلتنا الضبع؟ فقال النبي ◌َّ: غير ذلك أخوف
عليكم حين تصب عليكم الدنيا صبابا، فيا ليت أمتي لا تلبس الذهب، رواه
أحمد(٣) والبزار(٤)، ورواة أحمد رواة الصحيح.
(١) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (١٢٧١/٣) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية
(٣/ ١٢٧١).
(٢) الجليس الصالح والأنيس الناصح (٨٥/١)، وتاريخ مدينة دمشق (٢٣١/٥٨).
(٣) رواه أحمد ١٧٨/٥، والحديث؛ أخرجه الطيالسي (٤٤٨)، وابن أبي شيبة (٣٤٣٧٤)،
وابن أبي عاصم في الزهد (١٧٥)، والطبراني في الأوسط (٣٩٦٤)، والبيهقي، في شعب
الإيمان (٩٨٣٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٤٧/٥)، (٢٣٧/١٠): رواه أحمد،
والبزار، والطبراني في الأوسط، ورجال أحمد رجال الصحيح. وضعفه الألباني في السلسلة
الضعيفة (٤١٥٤)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٨٩٤).
(٤) البزار في مسنده (٣٩٨٤ و ٣٩٨٥)، (٣٩٨٦).

٧٣٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
[الضبع] بضاد معجمة مفتوحة وباء موحدة مضمومة: هي السنة المجدبة.
قوله: ((وعن أبي ذر)) تقدم الكلام عليه. قوله: ((إذ قام أعرابي فيه جفاء))
الحديث، الأعرابي هو مفرد الأعراب، وهم سكان البادية من جيل العرب،
قاله الكرماني(١). قوله: ((أكلنا الضبع)) الضبع ضبطه الحافظ وفسره فقال هي
السنة المجدبة، اهـ وقال في النهاية (٢) يعني السنة المجدبة وهي في الأصل
الحيوان المعروف [كنى به عن سنة الجدب] [والعرب تكني عن سنة
الجدب](٣) ومنه حديث عمر رَو ◌َّهُ خشيت أن [يأكله] الضبع. قوله وَيّ:
((فياليت أمتي لا تلبس الذهب)) وفي رواية: ((الديباج))، والديباج هو الثياب
المتخذة من الإبریسم فارسي معرب، وسيأتي الكلام علیه قريبا.
٤٩٢٨- وعن سعد بن أبي وقاص رَّهُ قال: قال رسول الله وَّةٍ لأنا لفتنة
السراء أخوف عليكم من فتنة الضراء إنكم ابتليتم بفتنة الضراء فصبرتم، وإن
الدنيا حلوة خضرة. رواه أبو يعلى(٤) والبزار(٥)، وفيه راو لم يسم وبقية رواته
رواة الصحيح.
(١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٥٨/٢١).
(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٧٣/٣).
(٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٤) أبو يعلى في مسنده (٧٨٠)، وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٩٣/١)، والبيهقي في شعب
الإيمان (٩٨٢٦)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٤٦٤٨)، وفي السلسلة الضعيفة
(٤٢٩٦)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٨٩٥).
(٥) أخرجه البزار في مسنده (١١٦٨).

٧٣٣
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
قوله: ((وعن سعد بن أبي وقاص)) تقدمت ترجمته. قوله: ((وإن الدنيا
خضرة حلوة)) الحديث، [فأما المال فإنه خضرة حلوة] (١) وقد وصف المال
والدنيا بهذا الوصف في أحاديث كثيرة تقدم الكلام عليها، ومعنى خضرة
غضة ناعمة طرية، أي أن هذا المال شيء كالخضرة أو كالبقلة الخضرة كذا
في الميسّر.
٤٩٢٩- وعن أبي ذر زَقُولَّه قال: كنت أمشي مع النبي ◌َّ في حرة
بالمدينة، فاستقبلنا أحد، فقال: يا أبا ذر قلت: لبيك يا رسول الله، قال: ما
يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهبا تمضي عليه ثالثة، وعندي منه دينار إلا
شيء أرصده لدين إلا أن أقول في عباد الله: هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه،
وعن شماله، وعن خلفه، ثم سار فقال: إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة
إلا من قال: هكذا وهكذا وهكذا عن یمینه، وعن شماله، ومن خلفه، وقليل
ما هم، ثم قال لي: مكانك لا تبرح حتى آتيك، الحديث. رواه البخاري (٢)
و ھو
صَلى الله
واللفظ له ومسلم(٣)، وفي لفظ لمسلم(٤) قال: انتهيت إلى النبي
وسلم
جالس في ظل الكعبة، فلما رآني قال: هم الأخسرون ورب الكعبة. قال:
فجئت حتى جلست، فلم أتقار أن قمت فقلت يا رسول الله: فداك أبي وأمي
(١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٢) صحيح البخاري (٢٣٨٨، ٦٢٦٨، ٦٤٤٤).
(٣) صحيح مسلم (٣٢) (٩٤).
(٤) صحيح مسلم (٣٠) (٩٩٠).

٧٣٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
من هم؟ قال: هم الأكثرون أموالا إلا من قال: هكذا وهكذا وهكذا وهكذا
من يديه، ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، وقليل ما هم، الحديث.
الأكثرون هم الأسفلون يوم القيامة، ورواه ابن ماجه(١) مختصرا: الأكثرون
هم الأسفلون يوم القيامة إلا من قال: هكذا وهكذا، و کسبه من طيب
قوله: ((وعن أبي ذر)) تقدم الكلام عليه. قوله: ((كنت أمشي مع النبي وَّ في
حرة بالمدينة)) الحديث، الحرة أرض تركبها حجارة سود. قوله: (فاستقبلنا
أحد)) أحد اسم جبل بالمدينة [قوله] وَّ: ما يسّرني أن عندي مثل أحد ذهبا
تمضي عليه ثالثة وعندي منه دينار)) [إلا شيء أرصده لدين، الحديث. الحرة
أرض تركبها حجارة سود، وقوله: ((فاستقبلنا أحد))، أحد اسم جبل بالمدينة.
قوله: ((ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهبا تمضي عليه ثالثة وعندي منه
دينار))](٢)، وإنما قيّد ذلك بالثلاث لأنه لا يتأتى تفريق جبل الذهب في أقل
من ثلاث ولو استغرق في ذلك أوقاته واستعان بكل أحد. قوله: ((إلا شيء
أرصده لدين)) ومعنى أُرصِده بضمّ الهمزة أي أُعِدُّه من أرصدت كذا العقوبة
(١) سنن ابن ماجه (٤١٣٠). والحديث؛ أخرجه البزار (٤٠٧١)، وابن حبان (٣٣٣١)، وقال
البوصيري في مصباح الزجاجة (٢٢٠/٤): إسناده صحيح ورجاله ثقات. وقال الألباني
في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (٢٣٤/٥): صحيح دون زيادة: وكسبه من
طيب؛ فإنها منكرة - الصحيحة (١٧٦٦ - التحقيق الثاني)، وقال في ضعيف موارد الظمآن
إلى زوائد ابن حبان (ص: ٥٧): هو في الصحيح غير قوله: وكسبه من طيب. ضعيف بهذه
الزيادة، صحيح بدونها -. انظر: صحيح الترغيب والترهيب (٣٢٦٠).
(٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

٧٣٥
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
إذا أعددتها له وحقيقته [إذا] جعلتها على طريقه كالمترقبة له كذا في كتاب
النهاية(١)، وفيه دليل على تقديم وفاء الدين على الصدقة، ثم يحتمل أن
يكون المراد إرصاده لصاحب دين غائب حتى يحضر فيأخذ دينه ويحتمل أن
يكون المراد إرصاده لوفاء دين مؤجل حتى يحل فيوفيه، اهـ. وفيه أنه لا
ينبغي للمؤمن أن يستغرق في كثير الدين خشية العجز عن أدائه، قاله
الكرماني(٢). قوله: ((فقال إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة)) أي أن الأكثرين
مالا [هم](٣) الأقلون ثوابا إلا من تصدق بماله في مرضات الله يمينا وشمالا
وبین یدیه.
قوله: ((إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله ومن خلفه
وقليل ما هم))، والأحاديث من هذه الأنواع كثيرة جدا والمقصود أن من وثق
بوعد الله تعالى وتحقق بالتوكل على الله وأيقن بالخلف من الله فيما ينفقه لله
فلا يضره إنفاق جميع ماله في سبيل الله كما فعل سيدنا أبو بكر الصديق وبخ
بخ ما أعظمها عند الله تعالى من فعلة وما أجلّ ثوابها [١٦٧ / ب] وأجزل
أجرها، ولكن ما يلقاها إلا ذو حظ عظيم، وأما من كان ضعيف التوكل واهي
اليقين فليترك لعياله بعض ما قال النبي وَّ لكعب بن مالك حين قال له(٤):
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢٢٦/٢).
(٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٩٥/١٠).
(٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٤) صحيح البخاري (٢٧٥٧)، وصحيح مسلم (٥٣) (٢٧٦٩).

٧٣٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله، فقال له رسول
الله وَي أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك، وكذلك قال لسعد (١): إنك
أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم فقراء يتكففون الناس.
فإن قلت: فهلا يدل هذا على أن النبي وَله استشعر منهما ضعف التوكل
كما قدمت.
قلت: الواجب أن لا يتوهم مثل هذا في الصحابة وحاشاهم من ذلك
زَُّهَا، والظاهر [أنّ] النبي ◌َّ إنما أمرهما بذلك ليتأسّى بفعلهم ضعفاء
التوكل خشية أن يقتدوا بأفعال الأقوياء مع ضعفهم فيقعوا في الندم بعد
الإنفاق فتنقص أجورهم أو تحبط فأصحاب النبي ◌َّيم كالنجوم بأيهم اقتديتم
اهتديتم، فمن كان عنده ضعف في التوكل واليقين فلينفق البعض ويترك
البعض اقتداء بمن ذكر ومن قوي توكله فلينفق كيف شاء كما فعل الصديق
الأكبر وغيره من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وأما ترك الإنفاق بالجملة
مع القدرة فهو إلقاء باليد إلى التهلكة ولا رخصة فيه البتة، والله يقول الحق
وهو يهدي السبيل. قاله ابن النحاس.
قوله في الحديث: ((ثم قال لي: مكانك لا تبرح حتى آتيك)) أي الزم مكانك
وفي تتمة الحديث، «ثم انطلق في سواد الليل حتى توارى. فسمعت صوتا قد
ارتفع فتخوفت أن يكون أحد عَرض لرسول الله وَّ فأردت أن آتيه فذكرت
قوله لا تبرح حتى آتيك فلم أبرح حتى أتاني فقلت: لقد سمعت صوتا
(١) صحيح البخاري (١٢٩٥)، وصحيح مسلم (٥) (١٦٢٨).

٧٣٧
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
تخوفت، فذكرت، فقال: وهل سمعت له؟ قلت: نعم. فقال: ذاك جبريل
عَ لَّامن أتاني فقال: من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. قلت: وإن
زنى وإن سرق. قال: وإن زنى وإن سرق)) رواه البخاري في الرقائق(١) ومسلم
في الزكاة (٢) عن أبي ذر.
قوله في [الحديث]: فلم أتقارَّ أن قمت، أي [لم] ألبث؛ الحديث. أي لم
يمكني القرار والثبات. وأصله: أتقارَرُ فأدغمت الراء في الراء. قوله وَلِّ: ((قال
هم الأكثرون أموالا إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا)) الحديث. فيه الحث
على الصدقة في وجوه الخير وأنه لا يقتصر على نوع من وجوه البر بل ينفق
[في كل وجه من وجوه الخير يمكنه، وأما إشارته وسيلة إلي قدام ووراء
والجانبين فمعناها ما ذكرناه أنه ينبغي أن ينفق] متى حضر أمر مهم. وقال
بعض العلماء إنما خص الجهات الأربع ولم يذكر فوقه وتحته موافقة لقوله
تعالى حكاية عن إبليس ﴿ثُمَّ لَتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ
أَيْمَنِهِمْ وَعَن شَمَآَبِلِهِمْ﴾(٣).
قوله وَاجله في رواية ابن ماجه ((إلا من قال هكذا وهكذا وكسبه من طيب))
المراد بالطيب الحلال.
فائدة تتعلق بالتوكل: فإنه تقدم الكلام على بعض معناه. قال الله تعالى:
(١) صحيح البخاري (١٢٣٧).
(٢) صحيح مسلم (١٥٣) (٩٤).
(٣) سورة الأعراف، الآية: ١٧.

٧٣٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَّكَّلُوْ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ﴾(١)، وقال: و﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَّكَّل
اُلْمُؤْمِنُونَ﴾(٢). [١٦٩/ أ](٣) ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُوَ﴾ (٤)، وقال
[تعالى لرسوله] وَجِّ ﴿وَمَا لَنَّا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَنْنَا سُبُلَنَا﴾ (٥)،
والآيات في ذلك كثيرة جدا.
وقال أبو ثور: سمعت الشافعي زَّهُ يقول(٦): نزه الله تعالى نبيه ورفع
قدره فقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيّ الَّذِى لَا يَمُوتُ﴾(٧)، وذلك أن الناس في
التوكل على أحوال شتى، متوكل على نفسه أو على ماله أو على جاهه أو
على سلطانه أو على صناعته أو على غلته أو على الناس وكل مستند إلى حي
يموت أو إلى ذاهب يوشك أن ينقطع، فنزّه الله تعالى نبيه عن ذلك وأمره أن
يتوكل على الحي الذي لا يموت، اهـ. وأجمع القوم على أن التوكل لا ينافي
السعي في الأسباب فإن الله تعالى أمر بتعاطي الأسباب مع أمره بالتوكل، فلا
يصح التوكل إلا مع القيام بها وإلا فهو بطالة وتوكل فاسد، فالسعي في
الأسباب بالجوارح طاعة له والتوكل بالقلب عليه إيمان به. قال سهل
(١) سورة المائدة، الآية: ٢٣.
(٢) سورة التوبة، الآية: ٥١.
(٣) اللوحة ١٦٨ تكرار للوحة ١٦٧ ومن اللوحة ١٦٩ -١٨٩ مكررة.
(٤) سورة الطلاق، الآية: ٣.
(٥) سورة إبراهيم، الآية: ١٢.
(٦) أحكام القرآن للشافعي (٢/ ١٨٠).
(٧) سورة الفرقان، الآية: ٥٨.

٧٣٩
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
التستري: من طعن في الحركة يعني في السعي والكسب فقد طعن في السنة،
ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان، فالتوكل حال النبي وَئية، والكسب
سنته فمن عمل على حاله فلا يتركن سنته، قاله ابن رجب (١). وقال ابن
الجوزي في كتابه تلبيس إبليس (٢): ظن بعضهم أن التوكل قطع الأسباب
وإخراج الأموال.
قلت: لو فهم هؤلاء معنى التوكل وأنه ثقة القلب لله عز وجل لا إخراج
صور المال ما قالوا هذا، ولكن قلّ فهمهم وقد كان سادات الصحابة
والتابعين يتَّجرون ويجمعون الأموال، وما قال مثل هذا أحد منهم، وقد روي
عن أبي بكر الصديق أنه قال حين أمر بترك الكسب لأجل شغله بالخلافة
فمن أين أطعم عيالي، اهـ. وقال أهل الحقيقة: اعلم أن معنى التوكل على الله
هو الثقة بما عند الله تعالى واليأس عما في أيدي الناس، وقيل التوكل
الاعتماد على الحق والتخلي من الخلق، وقيل التوكل الثقة بالوعد وترك
التدبير لغد، وقال بعضهم التوكل هو انطراح القلب بين يدي الله تعالى
كانطراح الميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف يشاء، وقال سهل التوكل
الاسترسال مع الله تعالى على ما يريد ومنهم من يفسره بالرضى فيقول هو
الرضا بالمقدور. وقال بشر الحافي رحمة الله عليه (٣): يقول أحدهم توكلت
(١) جامع العلوم والحكم (١/ ٤٣٧).
(٢) تلبيس إبليس (١/ ٢٢٧).
(٣) مدارج السالكين (١١٥/٢).

٧٤٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
على الله يكذب على الله، لو توكل على الله رضي بما يفعل الله. وسئل يحيى
بن معاذ(١): متى يكون الرجل متوكلا؟ فقال: إذا رضي بالله وكيلا. والذي
يقوي التوكل ثلاث خصال: حسن الظن بالله تعالى، والثاني نفي التهم عن الله
عز وجل.
والثالث: الرضا عن الله عز وجل فيما [جرى] به التقدير، ولا تنال هذه
المنزلة إلا باليقين، فإن اليقين إذا تمّ سمى تمامه توكلا، قاله الهروي.
وقد مدح الله تعالى التوكل وحثّ عليه في كتابه العزيز وقال النبي وَالية (٣):
التوكل نصف العبادة، وروى ابن ماجه(٣) والترمذي (٤) والحاكم(6) وصححه
عن ابن عمر أن النبي ◌َّ﴾ قال: لو توكلتم على تعالى حق توكله لرزقكم كما
(١) مدارج السالكين (١١٥/٢).
(٢) ابن ماجه (٤١٦٤).
(٣) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٥٥٩) وابن أبي الدنيا في التوكل (١) والنسائي في الكبرى
(تحفة ٧٩/٨) أحمد (١/ ٣٠) وفي الزهد (ص ٢٥) وعبد بن حميد (١٠) ويعقوب بن
سفيان في المعرفة (٤٨٨/٢) والبزار (٣٤٠) وأبو يعلى (٢٤٧) وابن حبان (٧٣٠) وأبو
نعيم في الحلية (٦٩/١٠) والبيهقي في الآداب (١٠٨٩) وأبو نعيم في الحلية (٦٩/١٠)
والقضاعى (١٤٤٤)، والخطيب في المتفق (١٧١٠) والبغوي في شرح السنة (٤١٠٨)،
وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب (٦٥٢)، وصححه الألباني في صحيح الجامع
(٥٢٥٤)، والصحيحة (٣١٠).
(٤) الترمذي (٢٣٤٤) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه،
وأبو تميم الجيشاني اسمه عبد الله بن مالك
(٥) الحاكم (٣١٨/٤) وقال: صحيح الإسناد