النص المفهرس
صفحات 681-700
٦٨١
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
-- فهو للوارث والوزر على مكتَسِبيه.
٤٨٩١- وعن عبد الله بن الشخير رَّاللهَ، قال: أتيت النبي ◌َّ، وهو يقرأ:
ألهاكم التكاثر قال: يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك يا ابن آدم من مالك
إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت. رواه مسلم(١)
والترمذي(٢) والنسائي(٣)، وتقدم أحاديث من هذا النوع في الصدقة وفي
الإنفاق.
قوله: ((وعن عبد الله بن الشخّير)) [هو بشين وخاء معجمتين مكسورتين،
والخاء فيه مشددة، الصحابي، هو أبو عبد الله بن الشّخير] بن عوف بن كعب
بن وفدان بن الجريش وهو معاوية بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة
العامري الكعبي الجرسي البصري وهو والد مطرف ويزيد، روى له مسلم في
صحيحه حديثين في ذكر جماعة من الصحابة المشهور بالكنا. قوله في
الحديث: ((أو تصدقت فأمضيت))، الحديث، معناه أي أنفذت فيه عطاءك
ولم تتوقف فيه. قاله في النهاية (٤).
٤٨٩٢- وعن جابر نرَّهُ أن رسول الله وَّ ل مر بالسوق، والناس كنفتیه،
فمر بجدي أسك ميت: فتناوله بأذنه ثم قال: أيكم يحب أن هذا بدرهم؟
(١) صحيح مسلم (٣) (٢٩٥٨).
(٢) سنن الترمذي (٢٣٤٢ - ٣٣٥٤)، وقال: هذا حديث حسن صحيح
(٣) سنن النسائي (٢٣٨/٦).
(٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣٣٩/٤).
٦٨٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: أتحبون أنه لكم؟ قالوا: والله
لو كان حيا لكان عيبا فيه لأنه أسك، فكيف وهو ميت؟ فقال: والله للدنيا
أهون على الله عز وجل من هذا عليكم. رواه مسلم (١).
قوله: ((وعن جابر))، هو ابن عبد الله، تقدم. قوله: ((أن النبي وَّل مرّ بالسوق
كنفتيه)) أي جانبيه. قاله المنذري. وفي بعض النسخ: كنفيه، و معناه جانبه،
ذكره النووي. قوله: ((فمرّ بجدي أسك ميّت فتناوله بأذنه)) الحديث. الأسك
ضبطه الحافظ وفسره فقال هو الصغير الأذن، اهـ. وقال بعضهم الأذنين
الضيق [صماخيهما]، وقيل هو الذي لا يسمع.
وقال ابن الأثير (٢) أسك أي مصطلم الأذنين مقطوعهما. وقال ابن الأثير
في موضع آخر (٣): أصك ميت، بالصاد، الصكك أن تضرب إحدى الركبتين
الأخرى [عند] العدو فيؤثر فيهما أثرا كأنه لما رآه ميتا قد تقلصت ركبتاه
وصفه بذلك أو كان شعر ركبتيه قد ذهب من الاصطكاك وانجرد فعرفه به.
ويروى بالسين وتقدم، اهـ. قوله: ((فقال والله للدنيا أهون على الله من هذا
عليكم)) الدنيا وزنها فُعلى وألفها للتأنيث وهي من الدنو بمعنى القرب، وهي
صفة لموصوف محذوف كما قال تعالى: ﴿وَمَا الْخَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّ مَتَعُ
اُلْغُرُورِ﴾ (٤)، غير أنه قد [أُكثِر] استعماله استعمال الأسماء، فاستغنى عن
(١) صحيح مسلم (٢) (٢٩٥٧).
(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣٨٤/٢).
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤٢/٣).
(٤) سورة آل عمران، الآية: ١٨٥.
٦٨٣
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
[وصفها] كما جاء في الحديث، والمراد الدار الدنيا التي تقابلها الدار
الأخرى أو الحياة الأخرى، ومعنى هوان الدنيا على الله سبحانه وتعالى أنه
لم يجعلها مقصودة لنفسها بل جعلها طريقة موصلة إلى ما هو المقصود
لنفسه وأنه لم يجعلها دار إقامة ولا جزاء وإنما جعلها دار رحلة وبلاء وأنه
ملّكها في الغالب الكفرة والجهال وحماها الأنبياء والأولياء والأبدال. وقد
أوضح النبي ◌َّ هذا المعنى بقوله لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح
بعوضة ما سقى [كافرا منها شربة] ماء وحسبك بها هوانا أن الله تعالى [قد]
صغرها وحقرها وذمّها وأبغضها وأبغض أهلها ومحبيها ولم يرض لعاقل
فيها إلا بالتزود منها والتأهب للارتحال عنها، اهـ. ويكفيك من ذلك ما رواه
أبو عيسى الترمذي (١) عن النبي ول أنه قال: الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا
ذكر الله وما والاه وعالم ومتعلم. وقال حديث حسن غريب.
٤٨٩٣- وعن ابن عباس رَّالَّا قال: مر النبي وَّة بشاة ميتة قد ألقاها أهلها
فقال: والذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذه على أهلها. رواه
أحمد(٢) بإسناد لا بأس به.
(١) سنن الترمذي (٢٣٢٢)، وقال: هذا حديث حسن غريب، وقال الألباني: حسن.
(٢) أحمد في المسند (٣٠٤٧)، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٦٢٣٦)، وابن أبي الدنيا
في ذم الدنيا (٣)، وابن أبي عاصم في الزهد (٦٠)، (١٣٢)، والبزار (٣٦٩١ - كشف
الأستار)، وأبو يعلى (٢٥٩٣)، وأبو نعيم في الحلية (١٨٩/٢) قال الإمام أحمد: هو
عندي خطأ المنتخب لابن قدامة من العلل للخلال (٤).
وقال أبو حاتم وأبو زرعة في العلل على هذا الحديث (١٨٩٧) مثل ما قال الإِمام أحمد-
=
٦٨٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: ((وعن ابن عباس)) تقدم. قوله وَّل: ((والذي نفسي بيده للدنيا أهون على
الله من هذه على أهلها)) تقدم معنى هوانها على الله تعالى في الحديث قبله.
٤٨٩٤- وعن أبي الدرداء زَّه قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بدمنة
قوم فيها سخلة ميتة فقال: ما لأهلها فيها حاجة؟ قالوا: يا رسول الله لو كان
لأهلها فيها حاجة ما نبذوها، فقال: والله للدنيا أهون على الله من هذه السخلة
على أهلها فلا ألفينها أهلكت أحدا منكم. رواه البزار (١) والطبراني في
=
يعني: إنه خطأ- وقالا: إنما هو أن النبي ◌َّ مر بشاة ميتة فقال: ما على أهل هذِه لو انتفعوا
بإهابها فقلت لهم-أي: ابن أبي حاتم - الوهم ممن هو؟ قالا: من القرقساني.
وقال البزار: لا نعلمه يروى عن ابن عباس إلا من هذا الوجه، ولا نعلم رواه عن الأوزاعي
إلا محمد بن مصعب، ولا نعلم أحدا تابعه عليه. كشف الأستار (٣٦٩١). وقال أبو نعيم
في الحلية (١٨٩/٢) غريب من حديث الأوزاعي عن الزهري، وقال الهيثمي (١٠
/ ٢٨٧): رواه أحمد، وأبو يعلى والبزار وفيه محمد بن مصعب وقد وثق على ضعفه
وبقية رجالهم رجال الصحيح .
وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٤٢٧/٧): رواه أبو يعلى الموصلي وأحمد بن
حنبل بإسناد حسن وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٤٨٢)، وصحيح الترغيب
والترهيب (٣٢٣٦)
(١) مسند البزار = البحر الزخار (٤١١٣)، وقال: وهذا الحديث قد روي نحو كلامه عن
رسول الله ﴿ ﴿ من وجوه وأعلى من يروى ذلك عنه أبو الدرداء بهذا الإسناد وإسناده
صحيح من حديث أهل الشام وفي حديث أبي الدرداء زيادة على سائر الأحاديث: فلا
ألفينها أهلكت أحدا منكم. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٨٧/١٠) رواه البزار،
ورجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٢٣٧)، وفي الصحيحة
=
٦٨٥
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
من حديث ابن عمر بنحوه، ورواتهما ثقات، ورواه أحمد (٢) من حديث أبي
هريرة ولفظه: أن رسول الله وَ لي مر بسخلة جرباء قد أخرجها أهلها، فقال:
أترون هذه هيئة على أهلها؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: الدنيا أهون على
الله من هذه علی أهلها.
٤٨٩٥- وفي رواية للطبراني(٣) من حديث ابن عمر أيضا نحوه، وزاد فيه:
ولو كانت تعدل عند الله مثقال حبة من خردل لم يعطها إلا لأوليائه وأحبابه
من خلقه.
[الدمنة] بكسر الدال: هي مجتمع الدمن، وهو السرجین الملبد بعضه على
بعض [والسخلة] الأنثى من ولد الضأن.
[وقوله: فلا ألفينها] بالفاء وتشديد النون: أي فلا أجدنها.
قوله: ((وعن أبي الدرداء)) تقدم. قوله: ((مرّ النبي ◌َّ بدمنة قوم فيها سخلة
[١٦٢ / أ] ميتة)) الحديث، الدمنة، هي مجتمع الدمن وهو السرجين الملبّد
=
(٣٣٩٢).
(١) المعجم الكبير للطبراني (١٢ /١٣٣١٠/٣٤٨)، وفي المعجم الأوسط (٢٩١٣)، وقال الهيثمي
في مجمع الزوائد (٢٨٧/١٠): هكذا رواه الطبراني في الأوسط والكبير، ورجاله ثقات.
(٢) أحمد (٨٤٦٤)، والدارمي (٢٧٧٩)، وهناد في الزهد (٥٧٩)، وابن أبى عاصم في الزهد
(١٣٤): البزار (٣٦٩٣)، والقضاعي (١٤٤٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد
(٢٨٧/١٠) رواه أحمد، وفيه أبو المهزم، وضعفه الجمهور، وبقية رجاله رجال
الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٢٣٩).
(٣) المعجم الكبير للطبراني (١٢ / ١٣٣١٠/٣٤٨).
٦٨٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
بعضه على بعض، انتهى، قاله المنذري. وقال في النهاية (١) الدمنة مجمتع
الدمن وهو ما تدمنه الإبل والغنم بأبوالها وأبعارها أي تُلبده في مرابضها وهو
السرجين والسرقين بكسر السين وفتحها عجمي معرب وهو الزبل. قوله:
((فيها سخلة ميتة)) الحديث، السخلة الأنثى من ولد الضأن، اهـ قاله الحافظ،
وقال بعض العلماء السخلة ولد الشاة من المعز والضأن ذكرا كان أو أنثى،
والجمع سخل وسخلة وسخال. قال الشاعر:
فللموت تعدو الوالدات سخالها كما لخراب الدور تبنى المساكن
وقال أبو زيد: يقال لأولاد الغنم ساعة تضعها من الضأن والمعز جميعا
ذكرا كان أو أنثى سخلة ثم هي بهمة بفتح الباء الموحدة للذكر والأنثى
وجمعها بهم فإذا بلغت أربعة أشهر وفصلت عن أمها فما كان من أولاد
المعز فهي جفار واحدها جفر والأنثى جفرة فإذا رعى وقوي فهو عريض
وعتود. فرع له تعلق بالسخلة الجلالة: بمعنى السخلة المربّاة بلبن كلبة لها
حكم الجلالة يكره أكلها كراهة تنزيه على الأصح، وقال ابن إسحاق والقفال
كراهة تحريم ورجحه الإمام والغزالي وسئل سحنون المالكي عن خروف
أرضعته خنزيرة فقال لا بأس بأكله. قال الطبري(٢): العلماء مجمعون على أن
الجدي إذا اغتذى بلبن كلبة أو خنزيرة لا يكون حراما ولا خلاف أن ألبان
الخنازير نجسة كالعذرة وسواء كانت الجلالة من الإبل أو البقر أو الغنم أو
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ١٣٤).
(٢) حياة الحيوان الكبرى (٢٦/٢).
٦٨٧
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
الدجاج والأصح أنه لا اعتبار بالكثرة بل بالرائحة فإذا علقت مدة إلى أن زال
نتنها فلا كراهة وإن لم تعلق لم يزل المنع بغسل اللحم ولا بالطبخ وإن زالت
الرائحة، ويكره الركوب عليها من غير حائل بين الراكب وبينها ويطهر
جلدها بالدباغ والأصح أنه كاللحم لا يطهر بالذكاة عند القائل بالتنجيس
والله تعالى أعلم. قوله: ((لو كان لأهلها فيها حاجة فانبذوها)) الحديث، النبذ
الطرح. قوله: ((فقال والله للدنيا أهون على من هذه السخلة على أهلها))،
الحديث. قال الإمام القرطبي(١): قال علماؤنا معنى هوان الدنيا على الله
تعالى هو أنه لم يجعلها مقصودة لنفسها بل جعلها طريقا موصلة إلى ما هو
المقصود لنفسه كما تقدم، ومع هوانها لابد للإنسان منها لأنه السبيل
المقصود والطريق المقصود. قال وَّة: لا تسبوا الدنيا فنعم مطية المؤمن
عليها يبلغ الخير وبها ينجو من الشّ، وذم رجل الدنيا عند علي رَوالَ فقال
علي: الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار نجاة لمن فهم عنها، ودار غنى لمن
تزود منها. وقال محمود الوراق(٢):
وإن دارت بك الـدائرة
لا تتبع الدنيا وأيامها ذما
من شرف الدنيا ومن فضلها أن بها تستدرك الآخرة
قوله: ((لا ألفينها)) ضبطه الحافظ وفسره فقال: أي فلا أجدنها.
٤٨٩٦ - وعن سهل بن سعد زَّ اللّه قال: قال رسول الله وَليو لو كانت الدنيا
(١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٢٢/ ١٤٠).
(٢) أدب الدنيا والدين (١ /١٥٨).
٦٨٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء. رواه ابن ماجه
(١) والترمذي(٢)، وقال: حديث حسن صحيح.
قوله: ((وعن سهل [١٦٢/ ب]ابن سعد))، تقدم قوله وقلله: لو كانت الدنيا
تعدل عند الله جناح بعوضة، الحديث. قال الشاعر:
جناح بعوضة عند من أنت عبده
إذا كان شيء لا يساوي جميعه
يكون على ذا الحال قدرك عنده
[وأشغل جزء منه كلك ما الذي
وأنشدوا في معناه](٣):
فإنك منها بين ناه وآمر
تمتع من الدنيا إن كنت حازما
فما مات من شيء فليس بضائر
إذا أبقت الدنيا على المرء دينه
ولا وزن [زق] من جناح لطائر
وإن تعدل الدنيا جناح [بعوضة]
ولا رضي الدنيا جزاء لكافر] (٤)
[فما رضي الدنيا ثوابا لمؤمن
فائدة: والبعوض على خلقة الفيل إلا أنه أكثر أعضاء منه فإن الفيل أربعة
أرجل وخرطومان وذنبا وله مع هذه الأعضاء رجلان [زائدتان] وأربعة
(١) أخرجه ابن ماجه (٤١١٠)
(٢) أخرجه الترمذي (٢٣٢٠) وقال: حديث صحيح غريب، والحديث؛ أخرجه العقيلي في الضعفاء
(٤٦/٣)، والروياني (١٠٥٩)، والطبراني في الكبير (٣٤٨/١٢ / ٥٨٤٠ و٥٩٢١)، وأبو نعيم
في الحلية (٢٥٣/٣)، والبيهقي، في شعب الإيمان (٩٩٨١ و٩٩٨٢)، والبغوي (٤٠٢٧).
والحاكم في المستدرك (٣٢٠/٤) وصححه، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٢٩٢)،
والصحيحة (٩٤٣)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٢٤٠).
(٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
٦٨٩
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
أجنحة وخرطوم الفيل مصمَت وخرطومه مجوف نافد الجوف فإذا طعن
جسد الإنسان [استقر] الدم وقذف به إلى جوفه فهو له كالبلعوم والحلقوم
فلذلك اشتدّ عضّها وقويت على خرق الجلود الغلاظ. قال الراجز:
مثل السقاة دائما طنينها ركب في خرطومها [سكينها]
والبعوضة على صغر جرمها قد أودع الله في مقدّم دماغها قوة الحفظ وفي
وسطه قوة الفكر وفي مؤخره قوة الذكر وخلق لها حاسة البصر وحاسة
اللمس وحاسة الشم وخلق لها منفذا للغذاء ومخرجا للفضلة وخلق لها
جوفا وأمعاء وعظاما، فسبحان من قدر فهدى ولم يخلق شيئا من
المخلوقات سدى. أنشد الزمخشري في تفسير سورة البقرة:
في ظلمة الليل البهيم الأليل
يا من یری مدّ البعوض جناحه
والمخ من تلك العظام النّحّل
ويرى مناط عروقها من لحمها
امنن عليّ بتوبة تمحوبها ما كان مني في الزمان الأول
[وقال الزمخشري:] ونقل ابن خلكان(١) عن بعض الفضلاء أنّ
الزمخشري أوصى أن تكتب هذه الأبيات على قبره، وتوفي في ليلة عرفة
[سنة] ثمان وثلاثين وخمسمائة، و[قد] (٢) تكلم في الإحياء في باب المحبة
على خلق البعوضة وصفتها وما أودعه الله فيها من الأسرار، اهـ. قاله في حياة
(١) حياة الحيوان الكبرى (١٨٨/١).
(٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
٦٩٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الحيوان(١).
لطيفة: روى البخاري في الأدب(٢) والترمذي(٣) في مناقب الحسن
والحسين رَّهنا من حديث عبد الرحمن بن أبي نعيم قال: كنت عند ابن عمر
فسأله رجل عن دم البعوض فقال فمن أنت؟ قال: من أهل العراق. فقال:
انظروا إلى هذا [يسألني] عن دم البعوض وقد قتلوا ابن بنت رسول الله وَاجله .
وسمعته وَّ يقول: هما ريحانتاي من الدنيا. وقال: ولم يكن أحد أشبه
برسول الله [١٦٣ / أ] وَلي من الحسن والحسين، وروى ابن حبان(٤)
والترمذي(٥) عن علي رَّ الََّ قال: كان الحسن أشبه برسول الله وَلاو ما بين
الصدر إلى الرأس، والحسن أشبه بالنبي وَّ ما كان أسفل من ذلك اهـ، قاله
(١) حياة الحيوان الكبرى (١٨٨/١).
(٢) البخاري (٥٩٩٤)، وفي الأدب المفرد (٨٥).
(٣) الترمذي (٣٧٧٠)، وقال: هذا حديث صحيح.
(٤) ابن حبان (٦٩٧٤). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٧٦/٩) رواه الطبراني، وإسناده
جيد. وقال الألباني في ضعيف موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (ص: ٢٧٥/١٧٥):
ضعيف انظر: المشكاة (٦١٦١).
(٥) الترمذي (٣٧٧٩)، وقال: هذا حديث حسن غريب وأخرجه الطيالسي (١٣٠)، وأحمد
(٢٧٧٤)، (٨٥٤)، وفي فضائل الصحابة (١٣٦٦)، والبغوي في معجم الصحابة
(١١/٢)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٧٦٨/٩٥/٣: ٢٧٧٢)، والآجري في الشريعة
(١٦٣١)، وابن أبي عاصم الآحاد والمثاني (٤٠٧)، والدولابي في الذرية الطاهرة
(١٠٨)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٢٧٣٩ - ٢٧٤٠)، وأبو نعيم في
معرفة الصحابة (١٧٦٨)، والبيهقي في دلائل النبوة (١ / ٣٠٧).
٦٩١
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
في حياة الحيوان(١).
٤٨٩٧ - وَعَن سلمَان رَّ ◌َّهُ قَالَ جَاءَ قومٍ إِلَى رَسُول الله وَّ فَقَالَ لَهُم ألكم
طَعَامٍ قَالُوا نعم قَالَ فلكم شراب قَالُوا نعم قَالَ وتبردونه قَالُوا نعم قَالَ فَإِن
معادهما كمعاد الدُّنْيَا يقوم أحدكُم إِلَى خلف بَيته فَيمسك أَنفه من نَتَنِه رَوَاهُ
الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيحِ(٢).
٤٨٩٨- وعن الضحاك بن سفيان رَّاللّهُ أن رسول الله وَ خلال قال له: يا
ضحاك: ما طعامك؟ قال: يا رسول الله اللحم واللبن. قال: ثم يصير إلى
ماذا؟ قال: إلى ما قد علمت. قال: فإن الله تعالى ضرب ما يخرج من ابن آدم
مثلا للدنيا. رواه أحمد (٣)، ورواته رواة الصحيح إلا علي بن زيد بن جدعان.
(١) حياة الحيوان الكبرى (١٩٠/١).
(٢) أخرجه يحيى بن صاعد في زوائد الزهد (٤٩٢)، والطبراني في الكبير ٦/ ٢٤٨ (٦١١٩).
قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٨٨/١٠: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.
وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٢٤١).
(٣) مسند أحمد (١٥٧٤٧). وأخرجه ابن أبي الدنيا في التواضع والخمول (٢١٠)، وفي الجوع
(١٦٤)، والبغوي في معجم الصحابة (٣٨٨/٣)، وابن قانع في معجم الصحابة (٢٩/٢)،
والطبراني (٨١٣٨/٢٩٩/٨) والبيهقي في شعب الإيمان (٥٢٦٦ و٩٩٨٩). قال علي بن
المديني: حديث بصري، إسناده منقطع، لأن الحسن لم يسمع من الضحاك، فكان
الضحاك يكون بالبوادي، ولم يسمع منه. العلل (٩٧). وقال البوصيري في إتحاف الخيرة
المهرة (٤٢٦/٧) رواه أبو يعلى وأحمد بن حنبل بسند ضعيف لضعف علي بن زيد بن
جدعان. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٨٨/١٠): رجاله رجال الصحيح غير علي بن
زيد بن جدعان وقد وثق. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٣٦). صحيح الترغيب
٦٩٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
((وعن الضحاك بن سفيان)) هو أبو سعيد، الضحاك بن سفيان بن عوف بن
كعب بن أبي بكر بن كلاب بن ربيعة الكلابي العامري. عداده في أهل المدينة
وكان ينزل بنجد، وولاه النبي ◌ّلول على من أسلم من قومه، وهو الذي كتب
إليه النبي وسلّ ليورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها.
روى عنه ابن المسيب، والحسن البصري، ويقال: إنه كان لشجاعته يعد
بمائة فارس، وكان يقوم على رأس النبي وَلّ بالسيف.
قوله وَالله: ((فإن الله ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلا للدنيا)) لخستها
وحقارتها فالمطعم وإن تكلف الإنسان التنوق في صنعته وتطييبه وتحسينه
يعود إلى حال يستقذر فكذا الدنيا المحروص على عمارتها ونظم أسبابها
ترجع إلى خراب وإدبار وقال الحسن قد رأيتهم يطيبونه بالأفاويه والطيب ثم
يرمون به حيث رأيتم وقد قال الله عز وجل فلينظر الإنسان إلى طعامه قال ابن
عباس إلى رجيعه وقال رجل لابن عمر إني أريد أن أسألك وأستحي قال فلا
تستحي واسأل قال إذا قضى أحدنا حاجته فقام ينظر إلى ذلك منه قال نعم إن
الملك يقول له انظر إلى ما بخلت به انظر إلى ماذا صار وكان بشر بن كعب
يقول انطلقوا حتى أريكم الدنيا فيذهب بهم إلى مزبلة فيقول انظروا إلى
ثمارهم ودجاجهم وعسلهم وسمنهم.
=
والترهيب (٢١٥١).
٦٩٣
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
٤٨٩٩- وعن أبي بن كعب ◌َّهُ أن النبي ◌َِّ قال: إن مطعم ابن آدم جعل
مثلا للدنيا وإن قزحه وملحه، فانظر إلى ما يصير؟ رواه عبد الله بن أحمد(١)
وابن حبان في صحيحه (٢).
[قوله: قزحه] بتشديد الزاي: هو من القزح، وهو التابل يقال: قزحت
القدر: إذا طرحت فيها الأبزار. [وملحه] بتخفيف اللام: معروف.
قوله: ((عن أبي بن كعب)) تقدم الكلام على ترجمته. قوله وَاللّه: ((إن مطعم
ابن آدم جعل مثلا للدنيا وإن قزّحه وملحه)) الحديث. قزّحه بتشديد الزاي من
[القزح] وهو [التبائل، انتهى قاله المنذري، وقال ابن الأثير في النهاية(٣): أي
توبَّله] الذي يطرح في القدر أي [يطيّبه] بالأبازير [كالكمون والكزبرة ونحو
ذلك، يقال قزحت القدر إذا تركت فيها الأبازير](٤)، اهـ. وملحه بتخفيف
(١) أحمد (١٣٦/٥)، والحديث؛ أخرجه ابن المبارك، في الزهد (٤٩٣ و٤٩٤)، وابن أبي
عاصم، في الزهد (٢٠٥)، والشاشي (١٥٠١ و١٥٠٢)، والبيهقي، في شعب الإيمان
(٥٦٥١ و٥٦٥٢ و١٠٤٧٣)، والطبراني في الكبير (٥٣١/١٩٨/١).
وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١١١٩): الشطر الأول منه غريب وقال
الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٨٨/١٠) رواه عبد الله، والطبراني، ورجالهما رجال
الصحيح غير عتي، وهو ثقة.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٢١٩٥)، والصحيحة (٣٨٢)، وصحيح الترغيب
والترهيب (٢١٥٠).
(٢) ابن حبان (٧٠٢).
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥٨/٤).
(٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
٦٩٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
اللام وهو معروف، اهـ. قاله المنذري. قال في النهاية(١): وملحه، أي ألقى فيه
الملح بقدر الإصلاح، يقال منه ملحت القدر بالتخفيف وأملحتها وملّحتها
إذا أكثرت ملحها حتى تفسد، اهـ. قوله: ((وضرب الدنيا لمطعم ابن آدم مثلا))
الحديث، فأما تمثيل النبي وٍَّّ بما يخرج من الإنسان فبيّن المعنى وقد مثّل
الدنيا بعض الفضلاء بالجيفة التي تجتذبها الكلاب. للقرطبي فقال:
ماهي إلا جيفة مستحيلة علهيها كلاب هَمُّهُنَّ اجتذابها
فطوبى لنفس أوطنت قعر دارها مغلّقة الأبواب مرخى حجابها
والمعنى أن المطعم وإن تكلف الإنسان التنوق في صنعته [وتطييبه](٢)
فإنه عائد إلى حال يكره ويستقذر فكذلك الدنيا المحروص على عمارتها
ونظم أسبابها راجعة إلى خراب وإدبار. قاله في النهاية (٣).
٤٩٠٠ - وعن أبي هريرة رَقُولَهُ قال: سمعت رسول الله وَالله يقول: إن الدنيا
ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله، وما والاه، وعالم أو متعلم. رواه ابن
ماجه(٤) والبيهقي(٥) والترمذي(٦)، وقال: حديث حسن.
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣٥٥/٤).
(٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥٨/٤).
(٤) سنن ابن ماجه (٤١١٢).
(٥) شعب الإيمان (١٥٨٠).
(٦) سنن الترمذي (٢٣٢٢)، وقال: هذا حديث حسن غريب. وحسنه الألباني في صحيح
الجامع (٣٤١٤). وحسنه الألباني في صحيح الجامع (١٦٠٩)، وصححه في الصحيحة
(٢٧٩٧)، وصحيح الترغيب والترهيب (٧٤).
٦٩٥
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
قوله: ((وعن أبي هريرة)) تقدم. قوله وَّة: ((الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا
ذكر الله وما والاه)) قيل معناه ما تابعه من اتباع أمره ونهيه، قيل وسُئل سهل
عن هذا الحديث فقال: المراد بذكر الله هنا الزهد في الحرام وهو أنه إذا
استقبله حرام يذكر الله تعالى ويعلم أنه مطلع عليه فيجتنب ذلك الحرام.
قوله: ((وعالم أو متعلم)) في كثير من النسخ بالرفع والوجه النصب نسقا على
ذكر الله والله أعلم. فقوله: ((الدنيا ملعونة ملعون ما فيها)) الحديث، هو حديث
حسن غريب. قال أبو العباس القرطبي(١): لا يفهم من هذا الحديث إباحة
لعن الدنيا وسبها مطلقا لما رويناه من حديث أبي موسى الأشعري أن النبي
وَخيّه قال: لا تسبوا الدنيا فنعم مطية المؤمن عليها يبلغ الخير وبها ينجو من
الشر، [وفي حديث أبي موسى هذا:] إن العبد إذا قال لعن الله الدنيا، قالت
الدنيا لعن الله أعصانا لربه؛ خرّجه الشريف أبو القاسم زيد بن عبد الله بن
مسعود الهاشمي، ورواه الطبراني في الدعوات(٢) من حديث ابن مسعود إلى
قوله: وبها ينجو من الشر. فقال: وبها ينجو من النار. وقال على رَقُونَ﴾(٣): لا
تسبوا الدنيا فيها تصلون وفيها تصومون وفيها تعملون، فشبّه الدنيا بالمطيّة
(١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٢٢/ ١٤١).
(٢) الدعاء للطبراني (٢٠٥٢)، وأخرجه ابن عدي في الكامل (٥٠٢/١)، والشاشي (٣٨٣)،
والضياء في حديث أبي نصر العكبري وغيره (٤٥)، وقال الألباني في الضعيفة (٥٤٢٠):
موضوع.
(٣) حياة الحيوان الكبرى (١٨٦/١).
٦٩٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
لأن المؤمن مسافر عليها إلى الآخرة، وهذا يقتضي المنع من سب الدنيا
ولعنها. فإن قیل کیف الجمع [١٦٣/ ب] بينهما.
قال العلماء: [وجه] الجمع بينهما أن المباح لعنه من الدنيا ما كان منها
مبعدا عن الله وشاغلا عنه، كما قال بعض السلف كل ما شغلك عن الله من
مال أو ولد فهو عليك مشئوم، وهو الذي نبّه سبحانه وتعالى على ذمه بقوله:
﴿إِنَّمَا الْخَيَوَةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ﴾(١)، الآية. وأما ما كان من الدنيا يقرب من الله
تعالى ويعين على عبادته فهو المحمود بكل لسان والمحبوب لكل إنسان،
فمثل هذا لا يُسبّ بل يرغّب فيه ويُحبّ وإليه الإشارة بالاستثناء، حيث قال:
((إلا ذكر الله وما والاه وعالم أو متعلم)) وهو المصرح به [في ] قوله: نعم مطية
المؤمن عليها يبلغ الخير وبها ينجو من الشر؛ وبهذا يرتفع التعارض بين
الحدیثین والله أعلم.
٤٩٠١- وعن المستورد أخي بني فهر رَقَالَّه قال: قال رسول الله وَله: ما
الدنيا في الآخرة إلا کما يجعل أحدكم اصبعه في هذه اليم، وأشار يحيى بن
يحيى بالسبابة، فلينظر بم يرجع؟ رواه مسلم (٢).
قوله: ((وعن المستورد أخي بني فهد)) المستورد هو ابن شدّاد بن عمرو
القرشي الفهري له ولأبيه صحبة، سكن الكوفة روى عنه البصريون
والكوفيون والمصريون وغيرهم، استشهد به البخاري في الصحيح، [وروی]
(١) سورة محمد، الآية: ٣٦.
(٢) صحيح مسلم (٥٥) (٢٨٥٨).
٦٩٧
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
له في الأدب وروى له الباقون. قوله وَّير: «ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل
أحدكم إصبعه هذه في اليم- وأشار يحيى بن يحيى بالسبابة- فلينظر بم
يرجع)) الحديث. وفي رواية لمسلم: وأشار إسماعيل بالإبهام؛ وإسماعيل هو
ابن أبي خالد، هكذا هو في نسخ بلادنا. بالإبهام وهي الإصبع العظمى
المعروفة، مؤنثة، والجمع الأباهيم، قاله الجوهري(١). [وقال] القاضي
عياض (٢): رواية السبابة أظهر من رواية الإبهام، وأشبه بالتمثيل لأن العادة
الإشارة بها لا بالإبهام، ويحتمل أنه أشار بهذه مرة وبهذه مرة، قاله النووي في
شرح مسلم، وفي رواية له أيضا وأشار يحيى بن سعيد بالسبّابة ويحيى بن
سعيد هو أحد رواة هذا الحديث، عن إسماعيل عن قيس بن أبي حازم عن
المستورد. قوله: ((ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه هذه في
اليم)) الحديث، [اليم] هو البحر الذي لا يدرك قعره، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا
خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِىِ الْيَمِ﴾ (٣)، وقيل هو لجة البحر ومعظم مائه، اهـ. قوله:
((فلينظر بم يرجع)) ضبطوا ترجع بالمثناة فوق جعلوا الفعل للإصبع وهي
مؤنثة، ورواه أهل البصرة بالمثناة تحت جعلوا الفعل لليم والأول أشهر،
فمن رواه بالمثناة تحت أعاد الضمير إلى أحدكم ومن رواه بالمثناة فوق أعاد
الضمير إلى الأصبع وهو الأضهر، ومعناه لا يَعلقُ بها شيء كثير من الماء.
(١) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (١٨٧٥/٥).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٩٢)
(٣) سورة القصص، الآية: ٧.
٦٩٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
[معنى] الحديث ما الدنيا بالنسبة [إلى الآخرة] في قصر مدتها وفناء لذتها
وداوم الآخرة ودوام لذتها ونعيمها إلا كنسبة الماء الذي يعلق بالإصبع إلى
باقي اليم، اهـ. قاله النووي في شرح مسلم(١). وقال في سلاح المؤمن، معنى
الحديث: إنما قدر الدنيا في الآخرة في المساحة، والقدر والقلة في جنب
الآخرة وكثرة خيرها إذ قد يُعطى الواحد من أهل الجنة وهو أدناهم منزلة
مثل الدنيا وعشرة أمثالها إلى ما ورد من [غير](٢) هذا وقد يكون ذلك تمثيلا
لزوال الدنيا وفنائها وحقارة لذتها الفانية في جنب أمر الآخرة ونعيمها الدائم
ولذاتها الباقية، اهـ. قال [بعض العلماء وهو] صاحب تهذيب النفوس
الحنفي: قلت: لا شيء في تحقير الدنيا يبلغ هذا المبلغ [١٦٤ / أ]وما أحسن
عقل من نوّر الله من نوّر الله قلبه ووسّع علیه عقله وفتح بصيرته حتى يعرف
هذه النسبة التي نسبها الذي لا ينطق عن الهوى فتظهر له حقارة الدنيا
وخسّتها ونفاسة الآخرة وشرفها وعلوها؛ وقال عمر بن الخطاب زَّةُ
(٣) والله ما الدنيا من أولها إلى آخرها إلا كرجل نام فرآى في منامه شيئا عجبا
فاستيقظ فإذا هو لا شيء، قال الشاعر:
إنما الدنيا كظل زائــل أو كضيف بات ليلا فارتحل
أو كنوم قدر رآه حالم فإذا ما ذهب النوم بطل
(١) شرح النووي على صحيح مسلم (١٧ / ١٩٢).
(٢) هكذا هذه العبارة في الأصل، وفي النسخة الهندية: (هذا)، ولعله سبق قلم.
(٣) الدر المنثور (٢/ ٥٩٤). عن الحسن
٦٩٩
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
يصبح الإنسان فيها فرحا ربما أمسى إلى القبر انتقل
٤٩٠٢- وعن أبي هريرة نَّاللّه عن النبي ◌َّ قال: تعس عبد الدينار وعبد
الدرهم، وعبد الخميصة إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس
وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد أخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه
مغبرة قدماه، وإن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في
الساقة، وإن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع. رواه البخاري (١)، وتقدم
مع شرح غريبه في الرباط.
قوله: ((وعن أبي هريرة)) تقدم. قوله {وَلّ: ((تعس عبد الدينار وعبد الدرهم))
تقدم الكلام على غريب هذا الحديث، ومعناه في الجهاد والله أعلم.
٤٩٠٣- وعن أبي موسى الأشعري زَّلَهُ أن رسول الله وَيُ قال: من أحب
دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى.
رواه أحمد (٢) ورواته ثقات، والبزار(٣) وابن حبان في صحيحه(٤) والحاكم(٥)
(١) صحيح البخاري (٢٨٨٦ - ٢٨٨٧).
(٢) أخرجه أحمد (١٩٦٩٧)، (١٩٦٩٨).
(٣) مسند البزار = البحر الزخار (٣٠٦٧).
(٤) أخرجه ابن حبان في صحيحه (٢٤٧٣) وأخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الدنيا إسماعيل بن
جعفر في أحاديثه (٣٦٤)، وعبد بن حميد المنتخب من مسند (٥٦٨)، وابن أبي عاصم في
الزهد (١٦٢)، والروياني (٥٧٨)، والقضاعي في مسند الشهاب (٤١٨)، والبيهقي في
السنن الكبرى (٥١٧/٣)، وفي الشعب (١٠٣٣٧)، وفي الآداب (٩٩٣).
(٥) الحاكم (٣٠٨/٤) وقال: صحيح على شرط الشيخين ! ورده الذهبي في تلخيصه فقال:
قلت: فيه انقطاع. قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١١٠٢) أخرجه أحمد
=
٧٠٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
والبيهقي في الزهد (١) وغيره، كلهم من رواية المطلب بن عبد الله بن حنطب
عن أبي موسى وقال الحاكم: صحيح على شرطهما.
[قال الحافظ]: المطلب لم يسمع من أبي موسى (٢)، والله أعلم.
قوله: ((وعن أبي موسى الأشعري)) الصحابي واسمه عبد الله بن قيس
هاجر من اليمن إلى مكة ثم هاجر منها إلى الحبشة ثم هاجر من الحبشة إلى
المدينة ثلاث هجرات، وتقدم الكلام على مناقبه مبسوطا. قوله وَالله: (من
أحب دنياه أضرّ بآخرته ومن أحبّ آخرته أضرّ بدنياه)) الحديث، وفي الأثر (٣):
=
والبزار والطبراني وابن حبان والحاكم وصححه. وقال الهيثمي في المجمع (١٠ / ٢٤٩):
رواه أحمد والبزار والطبراني، ورجاله ثقات . وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة
(٧/ ٣٩٥) رواه أبو بكر بن أبي شيبة وعبد بن حميد وأحمد بن حنبل والبزار وابن حبان
في صحيحه والحاكم والبيهقي كلهم من طريق المطلب بن عبدالله بن حنطب عن أبي
موسى وقال الحاكم: صحيح على شرطهما. قال الحافظ المنذري: المطلب لم يسمع من
أبي موسى.
وله شاهد من حديث عبد الله بن مسعود رواه الحاكم وصححه.، وصححه الألباني في
الصحيحة (٣٢٨٧)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٢٤٧). ولكنه ضعفه في التعليقات
الحسان على صحيح ابن حبان (١٣٨/٢)، والضعيفة (٥٦٥٠)، وضعيف الجامع
(٥٣٤٠).
(١) الزهد الكبير للبيهقي (٤٥١).
(٢) المطلب بن عبد الله - وهو ابن حنطب- لا يعرف له سماع من الصحابة، فيما نقل الترمذي
في العلل الكبير ٢/ ٩٦٤ عن البخاري. وقال أبو حاتم في المراسيل (ص٦٤): عامة روايته
مرسل.
(٣) الرسالة القشيرية (٣٥٦/١).