النص المفهرس

صفحات 601-620

٦٠١
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
ورواه ابن ماجه(١) من حديث عمرو بن غيلان الثقفي وهو مختلف في
صحبته قال: قال رسول الله وَليّة: اللهم من آمن بي وصدقني، وعلم أن ما
جئت به الحق من عندك، فأقلل ماله وولده، وحبب إليه لقاءك، وعجل له
القضاء، ومن لم يؤمن بي، ولم يصدقني، ولم يعلم أن ما جئت به الحق من
عندك، فأكثر ماله وولده، وأطل عمره.
قوله: ((وعن فضالة بن عبيد)) تقدم. قوله وَّطلة: ((اللهم من آمن بك وشهد
أني رسولك)) الحديث. قوله: «ورواه ابن ماجه من حديث عمرو بن غيلان
الثقفي، قال: قال رسول الله رَّ: اللهم من آمن بك وصدقني وعلم أن ما
جئت به الحق من عندك الحديث)) وليس لعمر بن غيلان في الكتب الستة
سواه، وقد اختلف في صحبته وعداده في أهل الشام وكان من ساكني البصرة،
روى عن النبي ﴾ هذا الحديث ولا تصح صحبته، وأبو غيلان له صحبة
وهو الذي أسلم على عشر نسوة. فإن قيل: هذا معارض لما رواه البخاري
(٢) عن أنس: قال: دخل النبي ◌َّ على أم سُليم يعني أمه فأتته بتمر وسمن
(١) ابن ماجه (٤١٣٣)، وأخرجه ابن أبي شيبة في مسنده (٦٧٤) ويعقوب بن سفيان في
المعرفة (٣٢٦/١-٣٢٧)، وابن أبي عاصم في الآحاد (١٦٠٧)، والطبراني في الكبير
(٣١/١٧)، وفي مسند الشاميين (١٤٠٦)، وأبو نعيم في الصحابة (٥١٠٧ و٥١٠٨ و
٥١٠٩)، والبيهقي في الشعب (٩٩٦١)، وابن الأثير في أسد الغابة (٢٦١/٤)، والمزي
(١٨٧/٢٢-١٨٨)، وقال ابن عبد البر: عمرو بن غيلان حديثه عند أهل الشام ليس
بالقوي الاستيعاب (٣٤٩/٨).
(٢) صحيح البخاري (١٩٨٢).

٦٠٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فقال: أعيدوا سمنكم في سقائه وتمركم [في وعائه] ثم قام إلى ناحية البيت
فصلى غير المكتوبة فدعا لأم سليم وأهل بيتها، فقالت يا رسول الله إن لي
خويصة. قال: ما هي؟ قالت: خادمك أنس. فما [ترك] خير دنيا ولا آخرة إلا
دعا له بها، اللهم ارزقه مالا وولدا وبارك له. قال: فإني لمن أكثر الأنصار مالا
ودفن لصلبه مائة وبضعا وعشرين ولدا. واتفق العلماء على [مجاوزة] عمره
مائة سنة. قال ابن [قتيبة] في المعارف(١) ثلاثة من أهل البصرة لم يموتوا
حتى رأى كل واحد منهم مائة ذكر من صلبه: أنس بن مالك وأبو بكرة
وخليفة بن بدر. فالجواب لم يذكره المؤلف رحمه الله تعالى. الإيمان في
اللغة التصديق وَفِي الشَّرْعِ تَصْدِيقُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وشهد بمعنى علم.
٤٨٤٧- وعن محمود بن لبيد زَّلَهُ أن النبي وَّ قال: اثنتان يكرههما ابن
آدم: الموت، والموت خير من الفتنة، ويكره قلة المال، وقلة المال أقل
للحساب. رواه أحمد (٢) بإسنادين رواة أحدهما محتج بهم في الصحيح،
ومحمود له رؤية، ولم يصح له سماع فيما أرى، وتقدم الخلاف في صحبته في
باب الرياء وغيره، والله أعلم.
(١) المعارف (٣٠٨/١).
(٢) مسند أحمد (٢٣٦٢٥)، (٢٣٦٢٦). وأخرجه أبو نعيم في معرفة الصحابة (٢٥٢٥)،
والبغوي في شرح السنة (٤٠٦٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣٢١/٢) رواه
أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وقال في (١٠/ ٢٥٧) رواه أحمد بإسنادين، ورجال
أحدهما رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٣٩)، والسلسلة
الصحيحة (٨١٣)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٢١٠).

٦٠٣
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
قوله: ((وله عن محمود بن لبيد)) محمود بن لبيد مختلف في صحبته وتقدم
الخلاف في صحبته في باب الرياء. قوله ◌َله: ((اثنتان يكرههما ابن آدم: يكره
الموت والموت خير له من الفتنة، ويكره قلة المال وقلة المال أقل للحساب))
ولهذا كان طاوس بن كيسان يقول: اللهم احرمني كثرة المال والولد وارزقني
الإيمان والعمل. قال شارح البخاري معنى الفتنة في كلام العرب الاختبار
ج
والابتلاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَفَتَنَّكَ فُتُونَا﴾(١) أي اختبرناك. وقد أخبر الله
تعالى عن الأموال والأولاد [١٥١/ أ] أنها فتنة وقال تعالى: ﴿أَلْهَمُكُمُ
التَّكَاثُرُ ﴾﴾(٢) وخرج لفظ الخطاب على العموم لأن الله تعالى فطر العباد
على حب المال والولد(٣)، اهـ. قاله شارح الديباجة.
٤٨٤٨- وروي عن أبي سعيد الخدري رُّه قال: قال رسول الله وَله: من
قل ماله، وكثرت عياله، وحسنت صلاته، ولم يغتب المسلمين جاء يوم
القيامة، وهو معي كهاتين. رواه أبو يعلى(٤) والأصبهاني(٥).
(١) سورة طه، الآية: ٤٠.
(٢) سورة التكاثر، الآية: ١.
(٣) شرح الصحيح لابن بطال (١٥٩/١٠-١٦٠).
(٤) أخرجه أبو يعلى (٩٩٠).
(٥) قوام السنة الأصبهاني في الترغيب والترهيب (٢٢٥٣)، وأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد
(٢٥٩/١١)، ومن طريقه ابن الجوزي في العلل المتناهية (٣١٩/٢)، وقال البوصيري في
إتحاف الخيرة المهرة (٤٣٩/٧): رواه أبو يعلى الموصلي والأصبهاني. وله شاهد من
حديث أبي الدرداء، وذكره الهيثمي في المجمع (٢٥٦/١٠)، ولم ينسبه إلى مخرجه. قال

٦٠٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: ((وعن أبي سعيد الخدري)) تقدم. قوله وَّ: ((من قلّ مال وكثرت
عياله وحسنت صلاته ولم يغتب المسلمين جاء يوم القيامة وهو معي
كهاتين)) تقدم هذا المعنى الأخير في كفالة اليتيم والمراد بقوله وحسنت
صلاته إتمام ركوعها وسجودها. وتقدم الكلام على الغيبة.
٤٨٤٩- وعن أبي هريرة زَ ◌ّلَهُ قال: قال رسول الله وَئله: رب أشعث أغبر
مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره. رواه مسلم (١).
قوله: ((وعن أبي هريرة)) تقدم. قوله وَّلين: (ربّ أشعث أغبر مدفوع
بالأبواب لو أقسم على الله لأبره)) وفي حديث آخر منهم البراء بن مالك. البراء
بن مالك هذا هو أخو أنس بن مالك خادم رسول الله وَ له، شهد أحدا وما
بعدها، وقد صح عنه من غير ما طريق أنه قتل مائة مبارز. قوله: ((أشعث
أغبر)) الحديث، والأشعث المتبلد الشعر متغيره الذي لا [یدهنه] ولا [یکثر
غسله،] المغبر غير مدهون ولا مرجل.
ومدفوع بالأبواب: أي لا قدر له عند الناس فهم يدفعونه عن أبوابهم
ويطردونه عنهم ويحجبونه احتقارا له، وقيل أنه يدفع عنه الدخول باليد أو
=
ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح، قال أحمد: عبد الرحمن بن يزيد ضعيف، وقال
النسائي: متروك.
وأخرجه الطبري في تهذيب الآثار- مسند ابن عباس- (٢٩١/١)، وقال الألباني في
السلسلة الضعيفة (٥٥٢٤)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٨٦٢): موضوع.
(١) مسلم (٢٦٢٢، ٢٨٥٤).

٦٠٥
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
باللسان. وقوله: ((لو أقسم على الله لأبره)) أي لو حلف على وقوع شيء
أوقعه الله تعالى إكراما له لإجابة سؤاله وصيانة له من الحنث في يمينه وهذا
العظم منزلته عند الله تعالى وإن كان حقيرا عند الناس، وقيل معنى القسم هنا
الدعاء، وإبراره إجابته، والله أعلم.
٤٨٥٠- وعن أنس رَّه قال: سمعت رسول الله وَله يقول رب أشعث
أغبر ذي طمرين مصفح عن أبواب الناس لو أقسم على الله لأبره. رواه
الطبراني في الأوسط (١)، ورواته رواة الصحيح إلا عبد الله بن موسى التيمي.
قوله: ((رب أشعث أغبر ذي طمرين مصفح عن أبواب الناس لو أقسم
على الله لأبره)) مصفح أي معرض عنه لا يؤذن له بل يحجب ويطرد
[ولحقارته] عند الناس وخموله فمعناه لا يحنث لكرامته [عليه] يعني لو
حلف يمينا طمعا في كرم الله بإبراره لأبره وقيل لو دعاه لأجابه وقيل معناه لو
دعاه بدعاء المؤمنين فإنه يجيبه ويبر يمينه وإنما أجرى دعاءه مجرى القسم
لأنه يذكر فيها اسم الله تعالى فيقول أسألك بأنك الإله [الواحد] الحي القيوم
ذو الجلال والإكرام أن تنجيني من شدائد الدنيا وعذاب الآخرة ونحو ذلك،
فصار بمنزلة القسم.
(١) المعجم الأوسط (٨٦١)، وأخرجه عبد بن حميد (١٢٣٦)، والطحاوي في المشكل
(٢٩٣/١)، والبيهقي في الشعب (١٠٤٨٢)، والضياء في المختارة (١٨٨١ و١٨٨٢)،
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٦٤/١٠): رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد الله بن
موسى التيمي، وقد وثق، وبقية رجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في السلسلة
الصحيحة (٢٦٤٣)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٢١٢).

٦٠٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٤٨٥١- وعن ثوبان نَّهُ قال: قال رسول الله وَّهِ. إن من أمتي من لو جاء
أحدكم يسأله دينارا لم يعطه، ولو سأله درهما لم يعطه، ولو سأله فلسا لم
يعطه، فلو سأل الله الجنة أعطاها إياه، ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله
لأبره. رواه الطبراني(١)، ورواته محتج بهم في الصحيح.
قوله: ((ذو طمرين لا يؤبه له))، الطمر: الثوب الخَلِقِ.
٤٨٥٢- وعن أبي أمامة زَّالَّلهُ عن النبي ◌َّ قال: إن أغبط أوليائي عندي
المؤمن خفيف الحاذ ذو حظ من صلاة أحسن عبادة ربه وأطاعه في السر،
وكان غامضا في الناس لا يشار إليه بالأصابع، وكان رزقه كفافا، فصبر على
ذلك، ثم نقر بيده فقال: عجلت منيته، قلت بواكيه، قل تراثه. رواه الترمذي(٢)
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧٥٤٨) وأخرجه البيهقي في الشعب (١٠٤٤٧)، والشجري
في الأمالي (٢٠٥/٢)، وقال الهيثمي في المجمع (٢٦٤/١٠): رواه الطبراني في الأوسط
ورجاله رجال الصحيح. وقال العراقي في المغني (٣٣٦٩): ورواه الطبراني في الأوسط
من حديث ثوبان بإسناد صحيح، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٦٤٣)، لكنه
ضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٥٥٣٥)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٨٦٣).
والحديث ؛ رواه مرسلًا أحمد بن حنبل الزهد (ص ١٨-١٩)، وهناد في الزهد (٥٨٧)،
وابن أبي الدنيا في التواضع والخمول (١)، والحارث كما في بغية الباحث (ص ١٣١٢).
(٢) الترمذي (٢٣٤٧)، وقال: هذا حديث حسن، والقاسم هو ابن عبد الرحمن، ويكنى أبا
عبد الرحمن، ويقال أيضا: يكنى أبا عبد الملك، وهو مولى عبد الرحمن بن خالد بن يزيد
بن معاوية، وهو شامي ثقة، وعلي بن يزيد يضعف في الحديث، ويكنى أبا عبد الملك.،
وأخرجه ابن المبارك في الزهد-زوائد نعيم (١٩٦)، ووكيع في الزهد (١٣٣). الحميدي
(٩٠٩) أحمد (٢٢١٦٧)، وفي الزهد (ص ١١)، وابن أبي الدنيا في التواضع والخمول
(١٣)، والطبراني في الكبير (٧٨٢٩)، والحاكم ١٢٣/٤، والشجري في أماليه ٢/ ٢٠١،
=

٦٠٧
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
من طريق عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم بن أبي أمامة ثم قال:
وهذا الإسناد عن النبي وَّ قال: عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا،
قلت: لا يا رب، ولكن أشبع يوما، وأجوع يومًا، أو قال: ثلاثا، أو نحو هذا،
فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك. ثم قال
الترمذي: هذا حديث حسن.
٤٨٥٣- وروى ابن ماجه(١) والحاكم(٢) الحديث الأول إلا أنهما قالا:
أغبط الناس عندي. والباقي بنحوه. قال الحاكم: صحيح الإسناد كذا قال.
=
الآجري في الغرباء (ص ٤٧)، وابن عدي في الكامل ١٨٦٥/٥، والبيهقي في شعب
الإيمان (١٠٣٥١) والبغوي في شرح السنة (٤٠٤٤)، وقال العراقي في المغني عن حمل
الأسفار (ص: ١١٨٥): أخرجه الترمذي وابن ماجه بإسنادين ضعيفين. قال ابن حزم في
المحلى (٤٤١/٩): «هذا حديث موضوع، وبيان وضعه أنه لو استعمل الناس ما فيه من
ترك النسل، لبطل الإسلام، والجهاد وغلب أهل الكفر)) أ. هـ. وقال البوصيري في مصباح
الزجاجة (٤ /٢١٥) إسناده ضعيف لضعف أيوب بن سليمان قال فيه أبو حاتم مجهول
وتبعه على ذلك الذهبي في الطبقات وغيرها صدقه بن عبد الله متفق على تضعيفه اه كلام
الزوائد قلت حديث أبي أمامة رواه الترمذي بزيادة بإسناد آخر قد حسنه، وضعفه الألباني
في صحيح وضعيف سنن الترمذي (٣٤٧/٥)، والمشكاة (٥١٨٩ / التحقيق الثاني)،
وضعيف الجامع الصغير (١٣٩٧)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٨٦٤).
(١) أخرجه ابن ماجه (٤١١٧)، والحديث؛ أخرجه الطيالسي (١٢٢٩)، والروياني (١٢٠٥
و١٢١٩)، والطبراني (٧٨٢٩ و٧٨٦٠)، والبيهقي، في شعب الإيمان (٦٣٩٥ و٩٨٧٣)،
والبغوي (٤٠٤٤).
(٢) الحاكم (٤/ ١٢٣).

٦٠٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
[قوله: خفيف الحاذ] بحاء مهملة وذال معجمة مخففة: خفيف الحال
قليل المال.
قوله: ((وعن أبي أمامة)) اسمه صُدى بن عجلان، تقدم. قوله: ((إن أغبط
أوليائي عندي لمؤمن خفيف الحاذ)) الحديث، الحاذ بحاء مهملة، وذاله
معجمة مخففة، معناه خفيف الحال قليل المال، قاله الحافظ، وقال في
النهاية(١) الحاذ والحال واحد وأصله الحاذ طريقة المتن أي الظهر وهو ما
يقع عليه اللبد من ظهر الفرس أي خفيف الظهر من العيال ومنه الحديث
[الآخر] (٢): ليأتين على الناس زمان يغبط فيه الرجل بخفه الحاذ كما يغبط
اليوم أبو العشرة ضربه مثلا لقلة المال والعيال. قال الجوهري(٣): خفيف
الحاذ بالذال المعجمة وهو الخفيف الظهر. وأما حديث خير الناس بعد
المائتين الخفيف الحاذ الذي لا أهل له ولا ولد، فرواه أبو يعلى الموصلي (٤)
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٤٥٧).
(٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٣) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٢/ ٥٦٣).
(٤) أبو يعلى- كما في المطالب العالية (٤٣٥٩) - وابن الأعرابي في الزهد ص (٩٤)،
والعقيلي في الضعفاء (٦٩/٢)، وابن عدي في الكامل (١٧٦/٣ - ١٧٧)، والخليلي في
الإرشاد (٢/ ٤٧١/ منتخبه)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٩٧/٦ - ١٩٨) و(٢٢٥/١١)
وفي الجامع لأخلاق الراوي (٦٢)، وفي الفوائد المنتخبة (٤٥)، والبيهقي في الشعب
(٩٨٦٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٥/٦) و(٢١١/١٨)، وابن الجوزي في العلل
المتناهية (١٠٥١ و١٠٥٢)، والذهبي في السير (١٤/١٣). قال العقيلي: باطل، وقال
الخليلي: وهذا لا يعرف من حديث سفيان إلا من هذا الوجه، وقد خطؤوه فیه، ورواه
=

٦٠٩
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
من حديث حذيفة ورواه الخطابي (١) في كتاب العزلة من حديثه وحديث أبي
أمامة وكلاهما ضعيف، اهـ. قوله: ((يغبط فيه الرجل))، تقول غبطت الرجل
أغبطه غبطا إذا اشتهيت أن يكون لك مثل ماله وأن يدوم عليه ما هو فيه،
والخسران أن يكون لك ماله وأن يزول عنه ما هو فيه، ومنه [١٥١/ ب]
حديث المتحابون في الله على منابر من نور يغبطهم الأنبياء والشهداء، رواه
الترمذي. وقال بعضهم أيضا أغبط أفعل التفضيل ومعنى أغبط أي أحق
ومعناه أن أولياء الله كلهم مقرب لكن أفضلهم موصوفون بالصفات
المذكورة.
قوله: ((ذو حظ من صلاة)) الحديث، أي ذو قربة من صلاة وصيام، أي مع
حضور القلب [والحظ] (٢) النصيب.
[وقوله: ((وكان غامضا في الناس لا يشار إليه بالأصابع))](٣) [فمعنى
==
إبراهيم بن الهيثم البلدي، عن شيخ مجهول لا يعرف يقال له: الحسن بن حماد
الخراساني، عن سفيان، مثله، وزاد: لأن يربي أحدكم بعد المئتين جرو كلب خير له من أن
يربي ولدا من صلبه وهذا منكر جدا. اهـ. وقال الخطيب في الفوائد المنتخبة: هذا حديث
غريب ... تفرد بروايته أبو عصام رواد بن الجراح عن الثوري، وقد رواه - أيضا- عنه
غيره.
وقال الذهبي في السير: غريب جدا، تفرد به رواد. وقال في المغني: خبر منكر. علل
الحديث (١٨٩٠): قال أبي هذا حديث باطل. وقال الألباني في الضعيفة (٣٥٨٠): باطل.
(١) الخطابي في العزلة (ص ١٢٠)،
(٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

٦١٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الحديث أي] ذو حظ من صلاة أي مكثر منها مداوم عليها بحيث تكون
غالب [أعماله] [وخصها] (١) بالذكر لأنها أفضل عبادات البدن كما تقدم.
ولأنها صلة بين العبد وبين ربه فاصلة بينه وبين ذنبه، اهـ قوله: ((وكان
غامض في الناس لا يشار إليه بالأصابع)) أي [لا يعرف موضعه ولا يؤبه له](٢)
مغمورا غير مشهور [أي مستور الحال](٣) [والمغموص الغامص] في الناس
المحتقر الذي لا [يرونه] شيئا، وقد فسر في الحديث بأنه الذي لا يؤبه له.
قوله: ((وكان رزقه كفافا)) أي لا يفضل على ما لا بد له منه، والكفاف الذي لا
يفضل عن الإنسان أو يكون بقدر الحاجة إليه. قال عمر (٤) وددت أني سلمت
من الخلافة كفافا لا عليّ ولا لي، وهو منصوب على الحال، وقيل أراد
مكفوفا عن شرها، وقيل معناه أن لا تنال مني ولا أنال منها أي تكف عني
وأكفّ عنها. وفي هذا الحديث تفضيل حالة الكفاف على [حالتي] الغنا
والفقر مع الصبر وهو الذي ذهب إلي الشيخ أبو علي الدقاق مستدلا بقوله
وَ﴾(٥): اللهم اجعل رزق آل محمد كفافا، وفي رواية [قوتا] أي بقدر ما
يمسك الرمق من المطعم، اهــ قوله: ((فصبر على ذلك)) أي على الكفاف،
(١) هكذا العبارة في الأصل وهو الأصوب، وفي النسخة الهندية: (وبعضها).
(٢) حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (أي مغمورا غير
مشهور).
(٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٤) غريب الحديث لابن قتيبة (٢/ ٦٢).
(٥) صحيح مسلم (١٢٦) (١٠٥٥).

٦١١
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
فإن الصبر تجرع المرارات مع الرضا بالقدر. قوله: ((ثم نقر بيده)) يعني النبي
وَّة، أي ضرب، من قولهم نقرت [رأسه] بإصبعي أي ضربته، يقال نقر
الطائر الحب إذا كان يلتقطه واحدا بعد واحد وأريد هنا ضرب الأنملة على
الأنملة أو ضربها على الأرض كالمنقر [للشيء] كما يفعل المتعجب
والمتفكر. قال ابن الأثير(١): هو مثل النقر ويروى بالراء والضرب على هذه
الهيئة [يفعل للتعجب] من الشيء وبالراء رواه الترمذي. قوله: ((فقال:
عجلت له منيته)) أي لقلة تعلقه بالدنيا وغلبة شوقه إلى الآخرة، فإن الموت
راحة لكل مؤمن، قال الشاعر: والمنية الموت ومن كتبت منيته بأرض ***
فليس يموت في أرض سواها. [والمنية الموت،] سمي الموت منية لأنها
مقدرة بوقت مخصوص وجمعه منايا، والمراد ما يؤدى إلى الموت من
أسبابه. قوله: ((قلّت بواكيه)) [أي قلت له نساء باكيات لقلة عياله وقلة ميراثه
لأن الميت يعذب ببكاء أهله، فالمؤمن من قلت بواكيه وشكرت مساعيه
وأطلق الله الألسنة بالثناء عليه] (٢)، والبواكي النساء اللاتي يبكين. قوله: ((قل
تراثه)) والتراث الميراث، أي لم يخلّف مالا يورث عنه، قال الله تعالى:
﴿وَتَأْكُلُونَ الثُّرَاثَ أَكْلَا لَّمَّا ﴾﴾(٣)، قال في النهاية (٤) في حديث الدعاء:
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١٠٤/٥).
(٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٣) سورة الفجر، الآية: ١٩.
(٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ١٨٦).

٦١٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وإليك مآبي ولك تراثي. التراث ما يخلفه الرجل لورثته، والتاء فيه بدل من
الواو [ولما كان] الميت يسأل عما [يخلف] ولا تزول قدماه يوم القيامة حتى
[يسأل] عن أربع، الحديث. فاز المُخِفّون جعلنا الله منهم بمنه وكرمه [إنه
على ما يشاء قدير]. وذكرنا هنا على ظاهر لفظه. تنبيه: في الحديث: إذا أحب
الله عبدا اقتناه: [١٥٢/ أ] فلم يترك له مالا ولا ولدا، أي اتخذه واصطفاه،
يقال قناه يقنوه واقتناه إذا اتخذه لنفسه دون البيع، اهـ، قاله في النهاية(١). [رواه
الخطيب البغدادي عن ابن مسعود أن النبي وَ ليه قال (٢): إذا أحب الله عبدا
اقتناه لنفسه ولم يشغله بزوجة ولا ولد، اهـ](٣). قال العلماء: محبة الله تعالى
لعبده هي إرادته الخير له وهدايته وإنعامه عليه ورحمته. [وبغضه] إرادة
عقابه وشقاوته ونحوه، ومحبة الملائكة للعبد يحتمل وجهين أحدهما
استغفارهم له وثناؤهم عليه ودعاؤهم.
والثاني أن محبتهم على ظاهرها المعروف في المخلوقين وهو ميل القلب
إليه واشتياقه إلى لقائه، وسبب حبهم إياه كونه مطيعا لله تعالى محبوبا له والله
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ١١٧).
(٢) أبو نعيم في الحلية (١/ ٢٥) موقوفا لكن أخرجه من طريقه ابن الجوزي، الموضوعات
(٢٧٨/٢) هذا حديث موضوع على رسول الله وَّ. قال الدار قطني: إسحاق بن وهب
كذاب متروك حدث بالأباطيل. ووافقه الذهبي في تلخيص كتاب الموضوعات (ص:
١٣٦) رواه صاحب الحلية عن عبد الملك بن يزيد ثنا أبو عوانة عن الأعمش عن أبي
وائل عن ابن مسعود مرفوعًا ولا أدري من هو عبد الملك فلعلع واضعه.
(٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

٦١٣
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
أعلم. قوله {وَّة: عرض عليّ ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا قلت لا يا رب
ولكن أجوع يوما وأشبع يوما، الحديث. المراد باليوم هنا الوقت. قوله: ((وإذا
شبعت شكرتك و حمدتك)).
تنبيه: حقيقة الشكر في العبودية وهو ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده
ثناء واعترافا وعلى قلبه شهودا ومحبة وعلى جوارحه انقيادا وطاعة والشكر
مبني على خمس قواعد خضوع الشاكر للمشكور وحبه له واعترافه بنعمته
والثناء [عليه] بها وأن لا يستعملها فيما يكره فهذه الخمسة هي أساس الشكر
وثناؤه عليها فمتى عدم منها واحدة اختل من قواعد الشكر قاعدة وكل من
تكلم في الشكر وحده فكلامه إليها يرجع وعليها يدور، فقيل [حده] أنه
الاعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع، وقيل الثناء على المحسن بذكر
إحسانه، وقيل هو عكوف القلب على محبة المنعم والجوارح على طاعته
وجريان اللسان بذكره والثناء عليه وشكر العامة على المطعم والملبس
وقوت الأبدان وشكر [من] (١) الخاصة على التوحيد والإيمان وقوت
القلوب.
وقال داود ◌ِالشّامن(٢): يا رب كيف أشكرك وشكري نعمة عليّ من عندك
تستوجب بها شكرا فقال الآن شكرتني يا داود.
(١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٢) تفسير السلمي (١/ ٣٤١)، النكت والعيون تفسير الماوردي (١٢٣/٣)، مدارج السالكين
(٢٤٥/٢).

٦١٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وفي خبر آخر إسرائيلي أن موسى ،فَلما قال(١): يا رب خلقت آدم بيديك
ونفخت فيه من روحك وأسجدت له ملائكتك وعلمته أسماء كل شيء
وفعلت وفعلت فكيف أطاق شكرك؟ فقال: الله عز وجل علم أن ذلك مني
فكانت معرفته بذلك شكرا لي. وفي أثر إلهي يقول الله تعالى (٢): أهل ذكري
أهل مجالستي وأهل شكري أهل زيادتي وأهل طاعتي أهل كرامتي وأهل
معصيتي لا أقنطهم من رحمتي إن تابوا فأنا حبيبهم وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم
أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعائب، اهـ. والله أعلم. قوله: ((وحمدتك))
تقدم الكلام على الحمد مبسوطا في خطبة هذا التعليق، ولله الحمد على ما
أنعم وألهم وله الثناء الحسن الجميل وهو حسبي ونعم الوكيل كذا
٤٨٥٤- وعن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر رضي الله عنه خرج إلى
المسجد فوجد معاذا عند قبر رسول الله صلی الله علیه وسلم يبكي، فقال: ما
یبکیك؟ قال: حدیث سمعته من رسول الله صلی الله عليه وسلم قال: اليسير
من الرياء شرك، ومن عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة إن الله يحب
الأبرار الأتقياء الأخفياء الذين إن غابوا لم يفتقدوا، وإن حضروا لم يعرفوا.
قلوبهم مصابيح الدجى يخرجون من كل غبراء مظلمة. رواه ابن ماجه (٣)
(١) مدارج السالكين (٢٤٥/٢).
(٢) مدارج السالكين (٢٤٥/٢-٢٤٦).
(٣) سنن ابن ماجه (٣٩٨٩) وأخرجه ابن أبي الدنيا في الأولياء (٦)، وفي التواضع والخمول
(٨)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٧٩٨)، (١٧٩٩)، والطبراني في الكبير
٢٠/ (٣٢١)، (٢٠/ (٣٢٢)، وتمام الرازي في فوائده (١٦٧٣)، وأبو نعيم في الحلية
=

٦١٥
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
والحاكم(١) واللفظ له، وقال: صحيح، ولا علة له.
قوله: ((وعن زيد بن أسلم)) كذا [١٥٢/ ب]كذا
قوله: ((إن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء)) الأبرار جمع بر بمعنى
الإحسان وهوكثيرا ما يخص بالأولياء والزهاد والعباد قوله: ((قلوبهم
مصابيح الدجا)) الدجا عبارة
عن الظلمة.
قوله: ((يخرجون من كل غبراء مظلمة)) الحديث، الغبراء بالمد هي التي لا
یهتدی للخروج منها.
وتقدّم هذا الحديث في أوائل هذا التعليق.
=
١/ ٥، والبيهقي في الشعب (٦٨١٢)، وفي الأسماء والصفات (ص ٤٩٩ - ٥٠٠).
(١) الحاكم (٤/١)، (٣٢٨/٤).

٦١٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الترغيب في الزهد في الدنيا والاكتفاء منها بالقليل
والترهيب من حبها والتكاثر فيها
والتنافس وبعض ما جاء في عيش النبي ◌َالجلد.
وأصحابه في المأكل والملبس والمشرب ونحو ذلك
٤٨٥٥ - عن سهل بن سعد الساعدي نَّه قال: جاء رجل إلى النبي
صلالله
وَسَّة
فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته أحبني الله، وأحبني الناس، فقال:
ازهد في الدنیا یحبك الله، وازهد فیما أيدي الناس يحبك الناس. رواه ابن
ماجه(١)، وقد حسن بعض مشايخنا إسناده، وفيه بعد لأنه من رواية خالد بن
(١) ابن ماجه (٤١٠٢)، وأخرجه العقيلي (١١/٢) وابن حبان في روضة العقلاء (ص ١٤١)،
والطبراني في الكبير (١٩٣/٦ / ٥٩٧٢)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٤٤٧)،
وابن عدي في الكامل (٣١/٣)، والحاكم في المستدرك (٣١٣/٤)، وأبو نعيم في الحلية
(٢٥٢/٣-٢٥٣ و١٣٦/٧) وفي أخبار أصبهان (٢٤٤/٢-٢٤٥) والقضاعي في مسند
الشهاب (٦٤٣) والبيهقي في الشعب (١٠٠٤٣) وابن الجوزي في العلل (١٣٥٢)، وقال
العقيلي: ليس له من حديث الثوري أصل. وقال البيهقي: خالد بن عمرو هذا ضعيف.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد ورده الذهبي فقال: قلت: خالد وضاع. وقال السخاوي في
المقاصد (ص ٥٢): وقال الحاكم: إنه صحيح الإسناد، وليس كذلك فخالد مجمع على
تركه بل نسب إلى الوضع لكن قد رواه غيره عن الثوري. وقال أبو نعيم: هذا حديث
غريب من حديث أبي حازم لم يروه عنه متصلا مرفوعا إلا سفيان الثوري. وقال
البوصيريفي مصباح الزجاجة (٢١٠/٤): هذا إسناد ضعيف. ثم ذكر كلام النقاد في خالد
بن عمرو وخالف في ذلك النووي فقال: حديث حسن رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة
=

٦١٧
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
عمرو القرشي الأموي السعيدي عن سفيان الثوري عن أبي حازم عن سهل،
وخالد هذا قد ترك واتهم، ولم أر من وثقه، لكن على هذا الحديث لامعة من
أنوار النبوة، ولا يمنع كون راويه ضعيفا أن يكون النبي ◌َّ- قاله، وقد تابعه
عليه محمد بن كثير الصنعاني (١) عن سفيان، ومحمد هذا قد وثق على ضعفه
وهو أصلح حالا من خالد، والله أعلم.
قوله: ((عن سهل بن سعد الساعدي)) تقدم. قوله وَالر: ((ازهد في الدنيا
في الأربعون النووية (حديث ٣١)، وتعقبه ابن رجب الحنبلي فقال: وفي ذلك نظر فإنّ
خالد بن عمرو القرشي الأموي قال فيه أحمد: منكر الحديث، وقال مرة: ليس بثقة يروي
أحاديث بواطيل، وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء، وقال مرة: كان كذابا يكذب، حدّث
عن شعبة أحاديث موضوعة في جامع العلوم ١٧٤/٢ - ١٧٥). وقال العراقي في تخريج
أحاديث الإحياء (٤/ ٢١٥): سنده ضعيف.
(١) أخرجه ابن عدي (٩٠٢/٣)، والصيداوي في معجم الشيوخ (ص٣١٢)، والبيهقي في
الشعب (١٠٠٤٤) والبغوي في شرح السنة (٤٠٣٧) وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب
(١٤٩٩)، والخليلي في الإرشاد (٤٧٩/٢)، وقال ابن عدي: ولا أدري ما أقول في رواية
ابن كثير عن الثوري لهذا الحديث فإنّ ابن كثير ثقة وهذا الحديث عن الثوري منكر. وقال
العقيلي: لعل مُحَمَّدْ بن كثير أخذه عن خالد بن عمرو ودلسه لأنّ المشهور به خالد هذا.
وسأل ابن أبي حاتم أباه عن حديث مُحَمَّدْ بن كثير فقال: هذا أيضا حديث باطل. يعني
بهذا الإسناد العلل ٢ / ١٠٧
قلت: لم ينفرد خالد بن عمرو به بل تابعه غير واحد عن سفيان الثوري به، منهم: أبو قتادة
عبد الله بن واقد الحرّاني الحِمّاني. أخرجه البيهقي في الشعب (١٠٠٤٥). علي بن مُشْهِر
القرشي. أخرجه أبو نعيم في الحلية (٢٥٢/٣-٢٥٣).، وصححه الألباني في السلسلة
الصحيحة (٩٤٤).

٦١٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
يحبك الله وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس)) الحديث. قال النووي(١):
هو حديث حسن رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة، وهو أحد الأحاديث
الأربعة التي عليها مدار الإسلام، قال أبو أيوب السجستاني: كتبت عن رسول
الله ◌َيّة خمسمائة ألف حديث الثابت منها أربعة آلاف حديث وهي ترجع
إلى أربع أحاديث وعُدّ منها هذا الحديث، وقال [ابن] (٢) الفاكهاني في شرح
هذا الحديث. قال العلماء: الدنيا عبارة عما حواه الليل والنهار وأظلته
السماء وأقلته الأرض، هذه ذاتها وحقيقتها، وأما المزهود فيه منها فنقل
الحارث بن أسد المحاسبي في ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها: الدینار والدرهم.
والثاني: المطعم والمشرب والملبس والمسكن.
والثالث: الحياة [فكانوا يزهدون في الحياة] (٣). ثم قال الشارح: والذي
أعتقده ولا أرتاب فيه أن دنيا كل إنسان بحاله حتى أن كلام الفقيه بين طلبته
وكلام الشيخ بين تلامذته وكلام الأمير بين أجناده وما أشبه ذلك دنيا بالنسبة
إليهم إلا أن يقصد بذلك وجه الله تعالى والدار الآخرة، وهذا لا [يكاد] يصح
إلا من [موقن] قد لاح له من علم الآخرة [لائح] فاشتاق إلى لقاء مولاه
وغلب شيطانه وهواه فصرف نفسه عن الدنيا وتقمص لباس التقوى، كما قال
(١) رياض الصالحين (ص: ١٧٥).
(٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

٦١٩
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
جابر للنبي وَ﴾(١): أصبحت مؤمنا حقا، فقال له النبي وَّر: إن لكل حق
حقیقة، ما حقيقة إيمانك؟ قال: عزفت نفسي عن الدنيا فاستوى عندي ذهبها
ومدرها وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة
يتنعمون وإلى أهل النار في النار يعذبون، فقال حارثة عرفتَ فالزم
خليليّ لا والله ما أنا منكما إذا عَلَمٌ من آل ليلي بَدَا لِيَا
فمثل هذا تكون الدنيا له سجنا ومقامه فيها هما وغما، كما قال النبي
ح اليه (٢) الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، فنسأل الله تعالى التوفيق والهداية
إلى أقوم طريق بمنه وكرمه.
واعلم: أن الزهد في اللغة هو الإعراض عن الشيء [١٥٣/ أ] لاستقلاله
واحتقاره وارتفاع الهمة عنه، مأخوذ من قولهم شيء زهيد أي قليل، وفي
الحديث إنك لزهيد، أما في الحكم فهو على أقسام:
أحدها: الزهد في الحرام وهو الزهد الواجب العام.
(١) رواه الطبراني (٣٣٦٧/٢٦٦/٣)، وابن أبي شيبة في المصنف (٣٠٤٢٥)، والسلمي في
الأربعين الصوفية (١٠)، وأبو نعيم في الأربعين (٤٤)، والشجري في الأمالي (٣١/١)،
والبيهقي في شعب الإيمان (١٠١٠٧)، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص:
١٥٧٥): أخرجه البزار من حديث أنس، والطبراني من حديث الحارث بن مالك، وكلا
الحديثين ضعيف. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١ / ٥٧) رواه الطبراني في الكبير، وفيه
ابن لهيعة، وفيه من يحتاج إلى الكشف عنه. وقال ابن حجر في الإصابة (١/ ٢٩٠): فيه
يوسف بن عطية الصفار وهو ضعيف جدا، وقال الألباني في الإيمان لابن أبي شيبة
(١١٥): معضل وله طرق أخرى مرسلة وبعضها موصول.
(٢) صحيح مسلم (١) (٢٩٥٦).

٦٢٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الثاني: الزهد في الشبهات والأشبه وجوبه لأنه وسيلة إلى [إيقاع] الوقوع في
الحرام لقوله ممتدة: [و]من وقع في الشبهات وقع في الحرام، الحديث. واجتناب
الحرام واجب ووسيلة [الواجب واجب] فالزهد في الشبهات واجب.
الثالث الزهد فيما عدا الضرورات من المباحات؛ وهو المراد من هذا
الحديث ظاهر وهو زهد الخواص العارفين بالله تعالى.
الرابع: الزهد فيما سوى الله تعالى من دنيا وجنة وغير ذلك فلا قصد
لصاحب هذا الزهد إلا الوصول إلى الله عز وجل والقرب منه وهو زهد
المقربين فلا جرم لما حصل لهم مقصودهم واندرج في ضمنه كل مقصود
لغيرهم [عفوا] من غير طلب ولا قصد له ولا جعلوه ثمن عبادتهم وكل
الصيد في جوف القرى، قاله الطوفي في شرح الأربعين النووية.
وقد أكثر الناس الكلام في الزهد وكل أشار إلى ذوقه ونطق عن حاله
وشاهده فإن غالب عبارات القوم عن أذواقهم وأحوالهم والكلام بلسان
العلم أوضع من الكلام بلسان الذوق وأقرب إلى الحجة والبرهان، فالزهد
عند أهل الحقيقة بغض الدنيا والإعراض عنها، وقيل هو ترك راحة الدنيا
طلبا لراحة الآخرة، وقال الجنيد.(١)
وخلو اليد من الدنيا وخلو القلب من طلبها [وقيل هو ترك كل ما يشغل
عن الله تعالى] (٢) وقيل هو ترك كل ما سوى الله تعالى، وقال سفيان الثوري
(١) نهاية الأرب في فنون الأدب (٢٦٥/٥).
(٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.