النص المفهرس

صفحات 561-580

٥٦١
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
عوف قال: قال رسول الله وَلاهيا عبد الرحمن إنك من الأغنياء وإنك لن
تدخل الجنة إلا زحفا فأقرض الله يطلق قدميك فقال عبد الرحمن زَقْوَلَّهُ، ما
الذي أقرض أو أخرج؟ وخرج عبد الرحمن، فبعث إليه رسول الله وَ له فقال:
مُرْ عبد الرحمن فليضف الضيف وليطعم [١٤٥ / ب] المسكين وليعط
السائل، فإن ذلك يجزيه من كثير ما هو فيه، فالجواب أن جمع المال لا
يخلوا عن فتنة ما، فإذا طريق التخلص منه بإنفاقه [بكثرة] الطاعات.
[قوله]: فبكى عبد الرحمن بن عوف وقال يا رسول الله هذه مائة راحلة
جاءتني الليلة من تجارة مصر فإني أشهدك أنها على فقراء أهل المدينة
وأيتامهم، الحديث. وقيل أن عائشة بينما هي في بيتها إذ سمعت صوتا رجت
له المدينة فقالت: ما هذا؟ قالوا عير قدمت لعبد الرحمن بن عوف من الشام،
وكانت سبع مائة راحلة، فقالت عائشة أما إني سمعت رسول الله وح له يقول:
رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبوا، فبلغ ذلك عبد الرحمن
فأتاها فسألها عما بلغه فحدثته فقال إني أشهدك أنها بأحمالها وأقتابها
وأحلاسها في سبيل الله عز وجل، وباع أرضا من عثمان بأربعين ألف دينار
فقسم ذلك في بني زهرة وفقراء المسلمين وأمهات المؤمنين، وبعث إلى
عائشة [بمال من ذلك.] فقالت عائشة أما إني سمعت رسول وَ لا يقول(١): لن
وضعفه الجمهور، ولا يثبت في دخوله زحفا حديث. الألباني في السلسلة الضعيفة
(١٧٧٢): ضعيف جدا، وفي (٦٥٩٣): منكر جدا، بل موضوع.
(١) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (١٣٣/٣)، وأحمد (٢٤٧٢٤)، (٢٥٠٣٢)، وفي
فضائل الصحابة (١٢٤٩- ١٢٥٠)، وفي الزهد (ص: ١٦٢) وإسحاق (١٧٥٥)،
=

٥٦٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
يحنوا عليكن بعدي إلا الصالحون، سقى الله ابن عوف من سلسبيل الجنة
وكان له من الولد ثمانية وعشرون ولدا ذكورا وإناثا وتوفي في سنة اثنين
وثلاثين في خلافة عثمان. وصلى عليه علي، وقيل الزبير، لأنه كان قد هجر
عثمان بسبب تأمير أقاربه فلما قال له الناس هذا فعلك، دخل عليه ولامه
وقال [إنما قدمتك] ووليتك لتسير بسيرة الشيخين وقد خالفتهما، وقد [وقد
أوطنت أهل] بيتك على رقاب المسلمين فقال عثمان: [كان عمر] يقطع
والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٣٥٦٦)، والطبراني في المعجم الأوسط (٩١١٥)
وأبو نعيم في حلية الأولياء (١ / ٩٨) والحاكم (٣١٠/٣-٣١١)، وابن عساكر في تاريخ
دمشق (٢٨٣/٣٥) وقال الهيثمي في المجمع (١٥٥/٩): رواه الطبراني في الأوسط،
وإسناده حسن. وأخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (١٣٢/٣) وأحمد (٢٦٥٥٩)
(٢٦٥٨٠)، وابن أبي عاصم في السنة (١٤١٢) والبغوي في معجم الصحابة (٤ /٤٠٨)،
والطبراني (٣٧٨/٢٣ /٨٩٦)، وابن شاهين في شرح مذاهب أهل السنة (١٦٥) والحاكم
(٣١٠/٣-٣١١)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٤٧٧)، وفي فضائل الخلفاء الراشدين
(١١٨) ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٨٥/٣٥) وفي كتاب الأربعين في مناقب أمهات
المؤمنين (ص: ١٠٤) عن أم سلمة، وقال ابن عساكر في الأربعين: غريب من حديث
عوف بن الحارث ... تفرد به محمد بن إسحاق بن يسار عن محمد بن عبد الرحمن
التميمي .
وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٢٢٣/٧): رواه أبو بكر بن أبي شيبة والحارث
بن أبي أسامة واللفظ له وأحمد بن حنبل بسند ضعيف لتدليس محمد بن إسحاق. وله
شاهد من حديث عائشة رواه ابن حبان في صحيحه. وقال الهيثمي في المجمع
(٩/ ١٥٥): وعن أم سلمة .... رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات. وصححه الألباني في
السلسلة الصحيحة (١٥٩٤).

٥٦٣
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
أقاربه في الله عز وجل وأنا [أوصلهم] في الله عز وجل، فقال عبد الرحمن
عليّ نذر أن لا أكلمك أبدا، فلم يكلم عثمان وكان رَقُّ فيما ترك من الذهب
بعد هذه الصدقات العظيمة ما قطع بالفئوس حتى مجلت منه أيدي الرجال
وترك أربع نسوة صولحت امرأة من ثمنها بثمانين ألفا. ومناقبه كثيرة
مشهورة. قاله في مجمع الأحباب. قوله في عبد الرحمن بن عوف: «إنه يدخل
الجنة حبوا)) فسر في الحديث زحفا قال ابن دريد [الزحف] المشي على
الإست مع إشرافه بصدره. قال الحربي: حبا الصبي مشى على يديه،
والاحتباء أن ينصب ساقيه (ويدير عليهما ثوبه] أو يعقد يديه على ركبتيه
معتمدا على ذلك، والاسم الحبوة بالضم والكسر، والحبية بالياء، اهــ قاله
عياض(١). وأما ما نقل عن أبي ذر فهذا كان مذهبه بخلاف مذاهب [كثير] من
الصحابة، اهـ. ولعل هذا مذكور في تهذيب النفوس.
٤٨٢٣- وعن أسامة زَقُولَهُ عن النبي وَّ قال: قمت على باب الجنة، فكان
عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجد محبوسون غير أن أصحاب النار
قد أمر بهم إلى النار، وقمت على باب النار، فإذا عامة من دخلها النساء. رواه
البخاري(٢) ومسلم(٣).
[الجد]: بفتح الجيم: هو الحظ والغنى.
(١) مشارق الأنوار (١ / ١٧٦).
(٢) صحيح البخاري (٥١٩٦-٦٥٤٧).
(٣) صحيح مسلم (٩٣) (٢٧٣٦).

٥٦٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: ((وعن أسامة))، هو أسامة بن زيد الصحابي، مولى رسول الله وَالت،
و[ابن] مولاه وحبه وابن حبِّه، كنيته أبو محمد وقيل أبو زيد وقيل أبو يزيد
وقيل أبو خارجة، أسامة بن زيد، وأمه أم أيمن بركة، وتقدم الكلام على
مناقبها رَبِّهَا، رُوِي لأسامة عن رسول الله وَ له مائة وثمانية وعشرون حديثا،
اتفق البخاري ومسلم منها على خمسة وانفرد البخاري بحديثين ومسلم
بحديثين، ولّاه رسول الله وَّ إمارة الحبشة وفيهم عمر بن الخطاب، وعقد
له اللواء، وتوفي رسول الله وٍَّ وله عشرون سنة [١٤٦ / أ] وقيل تسع عشرة
وقيل ثمان عشرة، توفي أسامة بالمدينة، وقيل بوادي القرى وحمل إلى
المدينة سنة أربع وخمسين وقيل تسع وخمسين وقيل سنة أربعين بعد علي
بقليل.
قال ابن عبد البر وغيره: الصحيح سنة أربع وخمسين والله أعلم. تنبيه:
كانت الجاهلية [تقدح] في نسب أسامة بن زيد لكونه وزيد أبيض فمرّ بهما
مجزّز المدلجي بفتح الجيم وكسر الزاي الأولى المشددة، وهما تحت قطيفة
وقد بدت من تحتها أقدامهما فقال إن هذه الأقدام بعضها من بعض فلما
قضى هذا القائف بإلحاق نسبه وكان العرب تعتمد قول القائف ويعترفون
بحقية القيافة فرح رسول الله وَيّ [لكونه] زجرًا لهم عن الطعن في النسب
وكانت أم أسامة اسمها بركة حبشية سوداء واختلف العلماء في العمل بقول
القائف فأثبته الشافعي لأنه عليه الصلاة لا يظهر الفرح ولا يقرره إلا فيما كان
حقا ونفاه أبو حنيفة والمشهور عن مالك إثباته في [الإماء] ونفيه في الحرائر،

٥٦٥
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
اهـ. قاله الكرماني(١).
تنبيه: القائف هو الذي يلحق الفروع بالأصول بالشّبه والعلامات ويراد به
هنا مجزز المدلجي كما تقدم. قوله وَالله: ((قمت على باب الجنة فكان عامة
من دخلها المساكين)) الحديث عامة بالنصب خبر كان واسمه المساكين
ودخلها بمعنى دخل فيها مثل [دخلت] الدار [أي في الدار] على الأصح.
قوله وَيقة: ((وأصحاب الجد محبوسون))، قوله: محبوسون أي ممنوعون عن
دخول الجنة موقوفون للحساب أو حتى يدخلها الفقراء بدليل قوله [صلى
الله تعالى عليه وسلم:] وأما أصحاب النار فقد أمر بهم إلى النار أي من
استحق النار منهم بكفره أو بمعصيت وبقي غيرهم للحساب أو للتأخر عن
منزلة الفقراء [والجد] بفتح الجيم هو الحظ والغنا. قاله المنذري. وقال
بعض العلماء الصحيح المشهور الجد بالفتح وهو الحظ والغنا والعظمة
والسلطان وأصحاب الجد هم أصحاب البخوت والحظوظ الدنيوية بالمال
[والجياه]، ويحتمل أن يريد الملوك المعظمين، وروي بالكسر وهو
الاجتهاد والمعنى لا ينفع ذا الحظ في الدنيا حظه في العقبى إنما ينفعه
طاعتك، وقال بعضهم أيضا قيل المراد به أصحاب البخت والحظ في الدنيا
والغنا والوجاهة بها.
وقيل: المراد أصحاب الولايات، يعني أصحاب الأمر والسلطنة من قوله:
تعالى جد ربنا، أي عظمته وسلطانه، والله أعلم. ومعناه محبوسون للحساب
(١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٤ / ١٤٢).

٥٦٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
أو لسبقهم الفقراء بخمسمائة عام كما جاء في الحديث. وقيل: محبوسون أي
لم يؤذن لهم بعد في دخول الجنة.
قوله: ((غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار)) وغير بالنصب وهو
بمعنى الاستثناء المنقطع ومعناه من استحق من أهل الغنا النار بكفره أو
معاصيه. قوله: ((وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء)) ومعنى
قمت أى وقفت فنظرت وهذا القيام إما ليلة أسري به، أو حين خسفت
الشمس. وفي الحديث تفضيل الفقر على الغنا، وقد سبق الخلاف في ذلك في
العزلة، وفي فضيلة الفقراء والضعفاء.
٤٨٢٤- وعن أبي أمامة رَوالَّه قال: قال رسول الله ◌َّه: رأيت أني دخلت
الجنة، فإذا أعالي أهل الجنة فقراء المهاجرين، وذراري المؤمنین، وإذا ليس
فيها أحد أقل من الأغنياء والنساء، فقيل لي: أما الأغنياء فإنهم على الباب
يحاسبون ويمحصون، وأما النساء فألهاهن الأحمران: الذهب والحرير.
الحديث. رواه أبو الشيخ ابن حيّان وغيره (١) من طريق عبد الله بن زحر عن
علي بن يزيد عن القاسم عنه.
(١) أحمد بن منيع (إتحاف الخيرة المهرة (٣٥٥/٦) وقال البوصيري: هذا إسناد ضعيف
لضعف مطرح بن يزيد، ضعفه ابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة والنسائي والدارقطني
وغيرهم، وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (١٥٩/٧) رواه أحمد بن منيع ...
بسند ضعيف لضعف مطرح بن یزید والحارث بن أبي أسامة وفي سنده علي بن يزيد وهو
ضعيف ورواه أحمد بن حنبل مطولا. وقال الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب
(١٢٥٥): ضعيف جداً.

٥٦٧
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
قوله: [١٤٦/ ب] ((وعن أبي أمامة)) واسمه صدي بن عجلان الباهلي، تقدم.
قوله: ((وأما الأغنياء فإنهم على الباب يحاسبون ويمحصون)) التمحيص هو
عبارة عن التخليص، ومنه تمحيص الذنوب، أي إزالتها أي يخلصون
بعضهم من بعض، كما يخلص ذهب المعدن من التراب، وقيل: يختبرون
کما یختبر الذهب؛ لتعرف جودته من رداءته.
قوله: ((عبيد الله بن زحر)) قال ابن معين ليس بشيء.
وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات وإذا روى عن علي بن
زيد أتى بالطامات، وإذا اجتمع في إسناد عبيد الله وعلي بن زيد والقاسم بن
عبد الرحمن لم يكن ذلك الحديث غلا مما عملت أيديهم.
وقال الدارقطني: ليس بالقوي، وقال أبو زرعة الرازي: صدوق، وقال
النسائي: لا باس به وحسن الترمذي غير ما حديث له عن علي بن زيد عن
القاسم.
٤٨٢٥- وروي عن أنس رَّه: أن النبي ◌َّ- قال: اللهم أحيني مسكينا،
وأمتني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة، فقالت عائشة: لم يا
رسول الله؟ قال: إنهم يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا يا عائشة لا
تردي مسكينا، ولو بشق تمرة. يا عائشة حبي المساكين وقربيهم، فإن الله
يقربك يوم القيامة. رواه الترمذي(١)، وقال: حديث غريب، وتقدم في صلاة
(١) أخرجه الترمذي (٢٣٥٢)، والبيهقي (١٢/٧)، وفي الشعب (١٣٨٠ و١٠٠٢٥)،
والخطيب في المتفق والمفترق (٤٥٢)، وابن الجوزي في الموضوعات (١٤٢/٣)،
=

٥٦٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الجماعة حديث ابن عباس عن النبي وَّ قال: أتاني الليلة آت من ربي، وفي
رواية: ربي في أحسن صورة. فذكر الحديث إلى أن قال: قال يا محمد. قلت:
لبيك وسعديك. فقال: إذا صليت، قل: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك
المنكرات، وحب المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنة، فاقبضني إليك غير
مفتون. الحدیث. رواه الترمذي(١) وحسنه.
٤٨٢٦- وعن أبي سعيد الخدري زَّ لَهُ قال: سمعت رسول الله وَل يقول:
اللهم أحيني مسكينا، وتوفني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين وإن أشقى
الأشقياء من اجتمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة. رواه ابن ماجه (٢) إلى
=
والذهبي في تذكرة الحفاظ (٨٥١/٣) قال الترمذي: هذا حديث غريب وقال العراقي في
المغني عن حمل الأسفار (ص: ١١٣٩) أخرجه الترمذي من حديث أنس وابن ماجه
والحاكم وصحح إسناده من حديث أبي سعيد. وقال ابن حجر في فتح الباري
(٢٧٤/١١): ضعيف. وصححه الألباني في إرواء الغليل (رقم ٨٥٣) السلسلة الصحيحة
(٣٠٨)، وقال في صحيح الترغيب والترهيب (٣١٩٢): حسن لغيره.
(١) أخرجه الترمذي (٣٢٣٣) (٣٢٣٤)، وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.
والحديث؛ أخرجه أحمد (٣٤٨٤)، وعبد بن حميد (٦٨٣)، وابن أبي عاصم، في السنة
(٤٦٩)، والبزار (٤٧٢٧)، أبو يعلى (٢٦٠٨)، وابن خزيمة، في التوحيد (٣١٩)،
(٣٢٠) والطبراني في الدعاء (١٤٢٠) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب
(٤٠٨).
(٢) ابن ماجه (٤١٢٦)، وأخرجه ابن أبي شيبة كما في مصباح الزجاجة (٢١٨/٤)، والبخاري
في الكنى (ص ٧٥)، وعبد بن حميد في المنتخب (١٠٠٣)، وأبو سعيد الأشج في حديثه
(٧٥) والطبراني، في الدعاء (١٤٢٥ و١٤٢٦)، والبيهقي (٧/ ١٣)، والخطيب في التاريخ
(١١١/٤)، وابن عساكر في معجم الشيوخ (١١٩٠)، وابن الجوزي في الموضوعات
=

٥٦٩
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
قوله: المساکین، والحاكم(١) بتمامه، وقال صحيح الإسناد.
ورواه أبو الشيخ والبيهقي (٢) عن عطاء بن أبي رباح سمع أبا سعيد يقول:
يا أيها الناس: لا تحملنكم العسرة على طلب الرزق من غير حله، فإني
سمعت رسول الله وي يقول: اللهم توفني فقيرا، ولا توفني غنيا، واحشرني في
زمرة المساكين، فإن أشقى الأشقياء من اجتمع عليه فقر الدنيا، وعذاب
الآخرة. قال أبو الشيخ: زاد فيه غير أبي زرعة عن سليمان بن عبد الرحمن:
ولا تحشرني في زمرة الأغنياء.
قوله: ((وروي عن أنس)) تقدم. قوله وَّير: ((اللهم أحيني مسكينا وأمتني
مسكينًا واحشرني في زمرة المساكين)) الحديث، فإن قيل: فقد جاء في الترمذي
=
(١٤١/٣)، والذهبي في معجم الشيوخ (٣٠٢/٢)، وفي الميزان (٤ / ٥٦٨ -٥٦٩)، وقال
ابن عساكر: هذا حديث غريب، وأبو المبارك لا يعرف له اسم، وقال ابن الجوزي: هذا
حديث لا يصح عن رسول الله وَ﴾، قال أبو حاتم: أبو مبارك رجل مجهول، وقال ابن
معين: يزيد بن سنان ليس بشيء، وقال ابن المديني: ضعيف الحديث، وقال النسائي:
متروك الحديث ووافقه الذهبي في تلخيص كتاب الموضوعات (ص: ١٧٣)، وقال: يزيد
واه وشيخه مجهول. وقال البوصيري في مصباح الزجاجة ٢١٨/٤: هذا إسناد ضعيف،
أبو المبارك لا يعرف اسمه، وهو مجهول، ويزيد بن سنان التيمي أبو فروة ضعيف.
(١) الحاكم (٣٢٢/٤)، وقال: صحيح الإسناد. وأخرجه الطبراني في الدعاء (١٤٢٦)، وفي
الأوسط كما في المجمع (٢٦٧/١٠)، وابن عدي (٨٨٤/٣) وابن بشران (٤١٢)،
والبيهقي (١٣/٧)، وفي الشعب (١٠٠٢٤)، وابن عساكر في معجم الشيوخ (١٥٥٥)،
وقال ابن عساكر: غريب. انظر: إرواء الغليل (رقم ٨٥٣).
(٢) شعب الإيمان (٥١١١).

٥٧٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
هذا اللفظ قلنا ضعيف ولئن سلمنا صحته على ما قاله الحاكم حمل على
مسكنة التواضع لا القلة، قاله في شرح الإلمام أراد [به](١) وَيّ التواضع
والإخبات وأن لا يكون من الجبارين والمتكبرين وقد تكرر في الحدیث ذکر
المسكين والمساكين والمسكنة والتمسكن وكلها يدور معناها على
الخضوع والذلة وقلة المال والحال السيئة، واستكان إذا خضع، والمسكنة
فقر النفس وتمسكن إذا تشبه بالمساكين وهم جمع المسكين وهو الذي لا
شيء له، وقيل هو الذي له بعض الشيء وقد تقع المسكنة على [الضعيف]
والله أعلم، قاله في النهاية(٢).
قوله: ((لا تردي مسكينا ولو بشق تمرة)»، تقدم الكلام على المسكين وشق
التمرة نصفها أو جانبها.
وقد تقدم حديث ابن عباس في صلاة الجماعة وفيه أتاني ربي في أحسن
صورة، [وفي حديث: رأيت ربي في أحسن صورة] قد ثبت وتقرر أن الله
تعالى لا مناسبة بينه وبين العالم المحدث من كل وجه من الوجوه، لقوله
تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾(٣) الآبة، ولو تمسكنا بظاهر هذا الخبر وما
يشبهه لجعلناه مثل العالم المحدث ولم نكن عاملين بقوله: ﴿لَيْسَ کَمِثْلِهِ،
شَىْءٌ﴾ فيجب أن يكون لهذه الأخبار معانٍ الله ورسوله ثم العلماء أعلم
(١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣٨٥/٢).
(٣) سورة الشورى، الآية: ١١.

٥٧١
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
بمعانيها فيجب على كل مسلم أن يعتقد أن الله تعالى لا يجوز عليه ما يجوز
على المحدثات ولا يوصف بالصورة والتحول والانتقال، [وإذا رأينا آية
مشكلة أو خبرا مشكلا يقتضي التشبيه والتحول والانتقال] کقوله: ينزل ربنا
إلى سماء الدنيا، لا يغير اعتقادنا عما هو عليه ونكل معناه إلى الله و[إلى]
رسوله ثم العلماء. فقوله وَيلر: ((رأيت ربي في أحسن صورة)) [عائد] على
النبي وَيّ كأنه قال رأيت ربي وأنا في أحسن صورة لأن الإنسان أحسن ما
يكون وجهه إذا رآى أسرّ الأشياء وأفضلها عنده. قاله الإمام المحاسبي في
عقيدته.(١)
٤٨٢٧- وعن أبي هريرة نَّهُ مرفوعًا: أحبوا الفقراء، وجالسوهم وأحب
العرب من قلبك، وليردك عن الناس ما تعلم من نفسك. رواه الحاكم (٢)،
وقال: صحيح الإسناد.
قوله: ((وعن أبي هريرة)) تقدم. قوله: ((أحبّوا الفقراء وجالسوهم للمحبة))
[المحبة] هي ميل القلب إلى من يحبه. قال الشيخ أبو عثمان المقرئ الصوفي
العظيم القدر ووفاته سنة ثلاث وسبعين وثلاث مائة: من آثر صحبة الأغنياء
على مجالسة الفقراء ابتلاه الله تعالى بموت القلب. وفي الترمذي من حديث
(١) انظر: النهاية في غريب الأثر (٥٩/٣)، الإنصاف للبطليوسي (١ /١٨٤)، وجامع الاصول
(٥٤٩/٩).
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك (٣٣٢/٤) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه إن كان عمر
الرياحي سمع من حجاج بن الأسود، ووافقه الذهبي، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع
(١٧٥) والسلسلة الضعيفة (١٨٣٨)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٨٥٧).

٥٧٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
عائشة أن النبي وَّ قال: إياكم ومجالسة الموتى، قيل: ومن الموتى؟ قال
الأغنياء. ضعَّفه الترمذي لكن رواه الحاكم وصحح [١٤٧ / أ] إسناده.(١)
٤٨٢٨- وعن عائذ بن عمرو: أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب
وبلال في نفر، فقالوا: ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها، فقال أبو
بكر رَّالَّهُ: أتقولون هذا الشيخ قريش وسيدهم، فأتى النبي ◌َّ- فأجاره، فقال:
يا أبا بكر: لعلك أغضبتهم؟ لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك، فأتاهم
أبو بكر، فقال: يا إخوتاه أغضبتكم؟ قالوا: لا يغفر الله لك يا أخي. رواه
مسلم (٢) وغيره.
قوله: ((وعن عائذ بن عمرو)) وعائذ بن عمرو وهو بالعين المهملة وبعد
الألف ياء آخر الحروف ثم ذال معجمة، المزني الصحابي، وكنيته أبو هبيرة،
(١) أخرجه الترمذي (١٧٨٠)، وفي ترتيب علل الترمذي الكبير (٥٤٤)، وقال أبو عيسى
الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث صالح بن حسان، وسمعت محمدا،
يعني البخاري، يقول: صالح بن حسان منكر الحديث، وصالح بن أبي حسان الذي روى
عنه ابن أبي ذئب ثقة والحديث؛ أخرجه أبو يعلى (٤٦١٠)، والطبراني في الأوسط
(٥١٢٨)، والبيهقي، في شعب الإيمان (٥٧٧٠ و٩٩١٣ و٩٩١٤)، والبغوي (٣١١٥)،
والحاكم (٤/ ٣٤٧)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأخرجه ابن عدي،
في الكامل ٧٩/٥، في ترجمة صالح بن حسان، وقال: هذا رواه بعضهم، عن أبي يحيى
الحماني، عن صالح بن حسان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، ومن قال: عن
صالح، عن عروة أصح. وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ٦٦٩) أخرجه
الترمذي وضعفه والحاكم وصحح إسناده، وقال: الألباني: ضعيف جدا.
(٢) صحيح مسلم (١٧٠) (٢٥٠٤).

٥٧٣
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
كان زَّوَهُ ممن بايع بيعة الرضوان تحت الشجرة، وكان من صالحي
الصحابة، توفي رَّ الَّ في إمرة عبد الله بن زياد وأيام يزيد بن معاوية. قوله: ((أن
أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر)) الحديث، والنفر من ثلاثة
إلى تسعة، والفرق بين الرهط والنفر أن النفر من الثلاثة إلى التسعة كما تقدم،
والرهط من الثلاثة إلى العشرة. قاله الكرماني(١).
وأما أبو سفيان فاسمه صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس الأموي،
وأما سلمان فهو الفارسي مولى رسول الله وَيه، وسئل عن نسبه فقال: أنا
سلمان ابن الإسلام، وقصته أنه كان مجوسيًا فهرب من أبيه يطلب الحق
فلحق براهب ثم بجماعة رهابين واحدًا بعد واحد يصحبهم إلى وفاتهم حتى
دله الراهب الأخير على الذهاب إلى الحجاز وأخبره بظهور نبي آخر الزمان
فقصده مع بعض الأعراب فغدروا به فباعوه في وادي القرى ليهودي ثم
اشتراه منه يهودي آخر من بني قريظة فقدم به المدينة، فأقام مدة حتى قدمها
رسول الله وَّيه فأتاه بصدقة فلم يأكلها ثم أتي بهدية فأكل منها ثم رآى خاتم
النبوة وكان الراهب وصف له هذه العلامات الثلاث للنبي وَّةٍ وأجلسه
رسول الله وَله بين يديه وحدثه بشأنه كله فأسلم وصار من علماء الصحابة
وزهادهم.
وروي أن رسول الله آل ﴾ اشتراه على العتق، والمشهور أنه بالتلآ) قال له يا
سلمان كاتب عن نفسك فكاتبه على أن يغرس ثلاثمائة نخلة وأربعين أوقية
(١) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٩٣/٥).

٥٧٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
من ذهب، فغرس رسول الله مَّه له بيده المباركة الكل، وقال أعينوا أخاكم
فأعانوه حتى أدى الذهب كله، وقال عَلَا﴾(١): سلمان منا أهل البيت، حتى
تنازع الأنصار والمهاجرون فيه إذ قسم رسول الله وَلو حفر الخندق عليهم،
فقال الأنصار سلمان منا وقال المهاجرون سلمان منا. فإن قلت: كيف أمره
رسول الله ◌َ له بالكتابة وهو حر؟
قلت: أراد بالكتابة صورة الكتابة لا حقيقتها فكأنه قال افد نفسك من
ظلمه، ولاه عمر نَّالَّ العراق وكان يعمل الخوص بيده [فیأکل] منه، عاش
مائتين وخمسين سنة بلا خلاف وقيل ثلاثمائة وخمسين، ومات سنة ست
وثلاثين بالمدائن، وتقدم الكلام على مناقبه مبسوطا.
وأما صُهيب فهو بضم الصاد المهملة ابن سنان الرومي وأصله من العرب
من النمر بن قاسط بالقاف وكانت منازل قومه بأرض الموصل فأغارت
(١) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٨٢/٤) و(٣١٨/٧)، والطبري في التفسير
(٣٩/١٩)، وفي تاريخ الرسل والملوك (٢/ ٥٦٧)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين
(١/ ٢٠٥) الطبراني في المعجم الكبير (٢١٢/٦) (٦٠٤٠)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان
(١/ ٨٠)، وفي معرفة الصحابة (٣٣٤٧)، والحاكم (٥٩٨/٣)، والبيهقي في دلائل النبوة
(٤١٨/٣)، والبغوي في التفسير (٣٢٣/٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٠٨/٢١)
وقال الذهبيسير أعلام النبلاء (١/ ٥٤٠): سنده ضعيف. وأعله الذهي في السير، فقال:
کثیر متروك.وقال ابن کثیر جامع المسانید (٤٩٥/٣): فیه نظر.
وقال الهيثميمجمع الزوائد (٦/ ١٣٠): رواه الطبراني، وفيه كثير بن عبد الله المزني، وقد
ضعفه الجمهور، وحسن الترمذي حديثه، وبقية رجاله ثقات. وقال الألباني في السلسلة
الضعيفة (٣٧٠٤): ضعيف جدا.

٥٧٥
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
الروم على تلك الناحية فسَبَت صهيبا وهو غلام صغير فابتاعه [منهم](١)
کلب، ابتاعه بمعنی اشتراه، ثم قدم به مکة واشتراه عبد الله بن جُذعان بضم
الجيم فأعتقه وأسلم قديما، من المستضعفين المعذبين في الله ثم هاجر إلى
المدينة وشهد المشاهد كلها مع رسول الله وَخلال وهو من السابقين الأولين،
وقال صهيب لم يشهد رسول الله صلى [١٤٧ / ب] الله عليه وسلم مشهدا قط
إلا كنت حاضره ولا غزى غزاة إلا كنت فيها عن يمينه أو شماله، ولم [یسر]
سرية إلا كنت حاضره، قيل إن صهيبا هو ابن عم حمران مولى عثمان بن
عفان، وهاجر إلى المدينة في شهر ربيع الأول فأدرك النبي وَّيقول بقباء قبل أن
يدخل المدينة وتوفي بها سنة ثمان وثلاثين وهو ابن سبعين سنة، وكان أحمر
[شديد] الحمرة ليس بالطويل ولا بالقصير كثير الشعر وأما بلال فهو ابن
رياح الحبشي، اشتراه الصديق زَقَّهُ من بني جمح بضم الجيم وسكون
المهملة الأولى، فأعتقه وهؤلاء [الثلاثة] كانوا مأسورين تحت حكم الكفار
ممن عُذِّبوا في الإسلام كثيرا، اهـ. قاله الكرماني(٢).
قوله: ((فقالوا ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها)) الحديث،
ضبطوا مأخذها بوجهين: أحدهما: [فتح الخاء مأخذها] بالقصر والثاني
بالمد وكسرها وكلاهما صحيح أي لم تستوف حقها من عنقه لسوء فعاله،
وهذا الإتيان لأبي سفيان كان وهو كافر في الهُدنة بعد صلح الحديبية. وفي
(١) هكذا هذه العبارة في الأصل، وفي النسخة الهندية: (منه) ولعله خطأ.
(٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٦٩/١٠).

٥٧٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
هذا الحديث فضيلة ظاهرة لسلمان ورفقته هؤلاء، وقال بعضهم أيضا في هذا
الحديث إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يلين القول للفقراء والمساكين
والضعفاء والسائل واليتيم ونحوهم والتواضع معهم وعدم انتهارم وكان
بلال خازن سيدنا رسول الله ود ليل على بيت ماله روى عنه أبو بكر وعمر وابنه
عبد الله وأسامة بن زيد وغيرهم من الصحابة وكبار التابعين، اهـ. وفيه مراعاة
قلوب الضعفاء وأهل الدين وإكرامهم وملاطفتهم.
قوله: ((فأتاهم أبو بكر فقال يا إخوتاه أغضبتكم؟ فقلوا: لا يغفر الله تعالى
لك يا أخي))، أما [قوله ] يا أُخيّ فضبطوه بضم الهمزة على التصغير وهو
تصغیر تحبيب وترفيق وملاطفة وفي بعض النسخ بفتحها، اهـ.
وقال النووي(١): يا أخي روي بفتح الهمزة وكسر الخاء وتشديد الياء، اهـ.
قال القاضي قد روي عن أبي بكر أنه نهى عن مثل هذه الصيغة وقال: قل
عافاك الله، رحمك الله، لا تزد. أي لا تقل قبل الدعاء لا فتصير صورته صورة
نفي الدعاء، [وقد] قال بعضهم قل لا ويغفر الله لك.
قوله: ((وعن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد)) وأمية هذا لم يخرّج له
أصحاب الكتب يعني الستة شيئا كذا.
قوله: ((كان رسول الله وَلا يستفتح بصعاليك المسلمين))، وفي رواية
يستنصر بصعاليك المسلمين أي يفتتح بهم القتال تيمّنا بهم وفعل يستنصر
(١) شرح النووي على مسلم (١٦/ ٦٦).

٥٧٧
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
بهم من قوله تعالى ﴿إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحٌ﴾ (١)، ومنه حديث
الحديبية: هو فتح، أي نصر. قاله في النهاية (٢).
٤٨٢٩- وَعَن أَميَّة بن عبد الله بن خَالِد بن أسيد قَالَ كَانَ رَسُول الله وَله
يستفتح بصعاليك الْمُسلمين رَوَاهُ الطّبَرَانِيّ وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح وَهُوَ مُرْسل
وَفِي رِوَايَة يستنصر بصعاليك الْمُسلمين(٣).
٤٨٣٠- وعن أنس بن مالك زَو ◌َّه قال: قال رسول الله وَّ: كان ليعقوب
أخ مؤاخ في الله تعالى، فقال ذات يوم: يا يعقوب ما الذي أذهب بصرك؟ قال:
البكاء على يوسف. قال: ما الذي قوس ظهرك؟ قال الحزن على بنيامين،
فأتأه جبريل فقال: يا يعقوب! إن الله يقرئك السلام. ويقول: أما تستحي أن
تشكوني إلى غيري؟ قال: ﴿إِنََّآ أَشْكُواْ بَغِى وَحُزْنِىّ إِلَى اللَّهِ﴾(٤)، فقال
جبريل: الله أعلم بما تشكو يا يعقوب، ثم قال يعقوب: أي رب أما ترحم
الشيخ الكبير! أذهبت بصري، وقوست ظهري، فازدد علي ريحانتي أشمه
شمة قبل الموت، ثم اصنع بي ما أردت، قال: فأتاه جبريل، فقال: إن الله
يقرئك السلام، ويقول لك: أبشر، وليفرح قلبك، فوعزتي لو كانا ميتين
(١) سورة الأنفال، الآية: ١٩.
(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٤٠٧).
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٩٢/١ رقم ٨٥٧ و٨٥٨ و٨٥٩)، وأبو نعيم في المعرفة
(٩٧٥). قال الهيثمى ٢٦٢/١٠: رواه الطبراني، ورجال الرواية الأولى رجال الصحيح.
وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٨٥٨).
(٤) سورة يوسف، الآية: ٤٦.

٥٧٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
لنشرتهما، فاصنع طعامًا للمساكين فإن أحب عبادي إلي الأنبياء والمساكين،
وتدري لم أذهبت بصرك وقوست ظهرك، وصنع إخوة يوسف بيوسف ما
صنعوا؟ إنكم ذبحتم شاة، فأناكم مسكين يتيم، وهو صائم، فلم تطعموه منه
شيئا. قال: فكان يعقوب ◌َلِّلُ بعد ذلك إذا أراد الغداء أمر مناديا فنادى: ألا
من أراد الغداء من المساكين فليتغذ مع يعقوب، وإن كان صائما أمر مناديا
فنادى: ألا من كان صائمًا من المساكين فليفطر مع يعقوب ◌ًَّا. رواه
الحاكم(١) ومن طريقه البيهقي (٢) عن حفص بن عمر بن الزبير عن أنس قال
(١) الحاكم (٣٧٨/٢)، وقال: هكذا في سماعي بخط يد حفص بن عمر بن الزبير وأظن الزبير
وهما من الراوي فإنه حفص بن عمر بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري ابن أخي أنس بن
مالك فإن كان كذلك فالحديث صحيح.
(٢) شعب الإيمان (٣١٣١ - ٣١٣٢)، وقال: ورواه الحسين بن عمرو بن محمد القرشي، عن
أبيه، عن زافر، عن يحيى بن عبد الملك، عن رجل، عن أنس بن مالك، عن النبي ◌َّ،
وأخرجه ابن أبي الدنيا في العقوبات (١٥٤)، وفي الفرج بعد الشدة (٤٣) ومن طريق أبو علي
التنوخي (٢٥٦/١)، والحدیث اختلف فیه علی یحیی بن عبد الملك، مما یزیده وهنا:
١- فقيل: عن عن يحيى بن عبد الملك عن أنس عن النبي ◌َّ﴾ نحوه أخرجه إسحاق بن
راهويه في تفسيره - كما فيالترغيب والترهيب (٢٣٨/٣).
٢- وقيل عنه: عن حفص بن عمر بن أبي الزبير، عن انس. ابن أبى حاتم في تفسيره
(٢١٨٨/٧) تفسير ابن كثير (٣٤٨/٤)، وقال عقبه: وهذا حديث غريب فيه نكارة.
٣- وقيل عنه: عن حصين بن عمر عن أبي الزبير عن أنس بن مالك عن النبي ◌َّ- قال كان
ليعقوب، خرجه الطبراني في الأوسط (٦١٠٥)، وفي الصغير (٨٥٧)، والحاكم
(٣٣٢٨)، وضعفه الهيثمي في مجمع الزوائد (٧ / ٤٠)، ورواه أبان بن أبي عياش
وهو متهم، عن أنس، أخرجه محمد بن يحيى ابن أبي عمر، في مسنده- كما في
المطالب العالية، (١٤ / ٢٥٢)، وإتحاف الخيرة المهرة (٧ /٥٦).

٥٧٩
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
الحاكم: كذا في سماعي عن حفص بن عمر بن الزبير، وأظن الزبير وهم، وأنه
حفص بن عمر بن عبد الله بن أبي طلحة، فإن كان كذلك فالحديث صحيح،
وقد أخرجه إسحق بن راهويه في تفسيره(١) قال: أنبأنا عمرو بن محمد حدثنا
زافر بن سليمان عن يحيى بن عبد الملك عن أنس عن النبي وَلا بنحوه.
قوله: ((وعن أنس بن مالك)) تقدم. قوله: ((كان ليعقوب أخ مواخ في الله
تعالى، فقال له ذات يوم يا يعقوب ما الذي أذهب بصرك؟ قال: البكاء على
يوسف. قال: ما الذي قوّس ظهرك؟ قال: الحزن على بنيامين)) الحديث.
لطيفة تتعلق بذلك في حبس بنيامين عند عزيز مصر حين [١٤٨ / أ] قالوا
سرق: قيل: لما دخل إخوة يوسف على يوسف عَلَلام شكوا إليه حالهم وما
حصل عند أبيهم يعقوب ،َالَّ من فراق ولده بنيامين وأعطوه كتابا بعثه إلي
يعقوب ففتحه فإذا فيه: باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، من يعقوب
إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر
[المظهر] العدل الموفي في الكيل، أما بعد، فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء فأما
جدي إبراهيم فشدت يداه ورجلاه ألقي في النار فجعلها الله عليه بردا
وسلامًا. وأما [أبي] إسحاق فشدت يداه ورجلاه ووضع السكين على قفاه
ليذبح ففداه الله بذبح عظيم. وأما أنا فكان لي ابن وكان أحب أولادي إليّ
فذهب به إخوته إلى البرية وأتوني بقميصه [ملطخا] بالدماء وقالوا [قد] أكله
(١) الحاكم (٣٧٨/٢) وقد أخرج الإمام أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظلي هذا
الحدیث في التفسير مرسلاً.

٥٨٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الذئب فبكيت عليه حتى ذهبت عيناي، وكان لي ابن هو أخوه من أمه وكنت
أتسلى به فقالوا إنه سرق وأنك حبسته لذلك وإنا أهل بيت لا نسرق ولا نلد
سارقا، فارحم ترحم واردد عليّ ولدي فإن فعلت فالله يجزيك وإن لم تفعل
وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك. فلما قرأ يوسف الشّلام
الكتاب بكى وعيل صبره وأدركته الرأفة ورق لشكواهم وباح لهم بما كان
يكتمه من شأنه ثم رفع التاج عن رأسه وكان فيه علامة مثل الشامة لأبيه
يعقوب مثلها فحين رأوها قالوا: أئنك لأنت يوسف؟ قال أنا يوسف وهذا
أخي بنيامين قد منّ الله علينا بأن جمع شملنا بعدما فرق الله بيننا. اهـ (١)
لطيفة أخرى تتعلق بذلك: (٢) قيل زار ملك الموت يعقوب،التَلا ليلة،
فقال له: ألا أعلمك دعاء؟ قال: بلى. قال: قل يا ذا المعروف الذي لا ينقطع
أبدا [و]لا يحصيه غيرك أحدا اجعل لي من أمري فرجا ومخرجا وارزقني
من حيث لا أحتسب. فدعا بها يعقوب ◌َاليَلاً [حتى جاء البشير يهودا إلى
يعقوب عليه الصلاة والسلام] وألقى القميص على وجهه فارتد بصيرا بعدما
كان أعمى وقوي بعد أن كان ضعيفا، وما أحسن قول الشاعر:
جاء البشير مبشرا بقدومه فمليت من سمعي إليه سرورا
إذ عاد من شم القميص بصيرا
فكأنني يعقوب من شغفي به
(١) انظر: تفسير الثعلبي (٢٥٢/٥)، وتفسير البغوي (٤٤٥/٢).
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في الفرج بعد الشدة (٣٨) ومن طريقه أبو علي التنوخي (٢٥٤/١)،
وأخرجه الدينوري في المجالسة (١٢٢) عن إبراهيم الحربي عن المثنى بن عبد الكريم به.