النص المفهرس

صفحات 521-540

٥٢١
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
له مرض يمنعه من العمل بالكلية وقد يسأم ويضجر فيقطع العمل فيصير
كالمنبت فلا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى.
قوله: ((في رواية أبي داود: اكلفوا من الأعمال ما تطيقون))، اكلفوا بفتح
اللام معناه خذوا وتحملوا، يقال كلفت بهذا الأمر أكلف به إذا [أولعت]
وأحببته، قاله في النهاية(١).
قوله: ((فإن الله لا يمل حتى تملوا))، الملال فتور يعرض للنفس من كثرة
مزاولة شيء فيوجب الكلال والإعراض عنه، فمعنى الحديث والله أعلم:
اعملوا حسب طاقتكم فإن الله تعالى لا يعرض عنكم إعراض الملول ولا
ينقص ثواب أعمالكم ما بقي لكم نشاط فإذا فترتم فاقعدوا فإنكم إذا مللتم
عن العبادة وأتيتم بها على فتور كانت معاملة الله معكم حينئذ معاملة الملول
عنكم والداعي إلى [هذا] التجوز قصد الازدواج وله في القرآن نظائر، ومعناه
فإن الله لا يمل أبدا وإن مللتم فينبغي لكم أن تأخذوا ما تطيقون الدوام عليه
ليدوم ثوابه لكم وفضله عليكم والله أعلم.
قوله: ((كان عمله ديمة))، بكسر الدال وإسكان الياء [أي يدوم عليه ولا
يقطعه والديمة المطر الدائم في سكون](٢)، شبهت عمله في دوامه مع
الاقتصاد، [بديمة] المطر الدائم، ومنه حديث حذيفة، وذكر الفتن فقال: إنها
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١٩٦/٤).
(٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

٥٢٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
لآتيتكم [ديمة](١)، ديما أي أنها تملأ الأرض في دوام ودِيَم جمع ديمة المطر
والله أعلم. [١٤٠/ب].
٤٨٠٣- وعن أم سلمة قالت: ما مات رسول الله وَليل حتى كان أكثر
صلاته، وهو جالس، وكان أحب العمل ما داوم عليه العبد وإن كان شيئا
یسیرا رواه ابن حبان في صحيحه(٢).
قوله: ((وعن أم سلمة)): تقدمت ترجمتها. قولها: ((ما مات رسول الله وَله
حتى كان أكثر صلاته وهو جالس)) الحديث.
فرع: قال العلماء: يجوز فعل النوافل قاعدا مع القدرة على القيام بالإجماع
لقوله وَليّة: من صلى قائما فهو أفضل، ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم،
ومن صلى نائما فله نصف أجر القاعد، رواه البخاري (٣) ولمسلم(٤) نحوه.
[ولحديث أم سلمة هذا قيد عند النسائى وهو قولها إلا المكتوبة- وفي رواية:
(١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٢) ابن حبان (٢٥٠٧)، والحديث؛ أخرجه وكيع، في الزهد (٢٣٨)، والطيالسي (١٧١٤)،
وإسحاق بن راهوية (١٩٢٠ و١٩٢١)، والنسائي في المجتبى (٢٢١/٣ و٢٢٢) وفي
الكبرى (١٣٦٢ - ١٣٦٣)، وابن ماجه (١٢٢٣) و (٤٢٣٧)، وأحمد (٢٦٥٤٤
(٢٦٥٩٩) و(٢٦٧٠٩) و(٢٦٧١٨) (٢٦٦٠٥) (٢٦٧٠٩) و (٢٦٧٣٠) (٢٦٧٢٦)، وأبو
يعلى ٢٥٧/٦)، والمروزى في قيام الليل (ص ٨٥)، والحارث بن أبي أسامة، بغية
الباحث (٢٣٩)، والطبراني (٥١٣/٢٥٢/٢٣: ٥١٦)، والبيهقي، في شعب الإيمان
(٣٥٩٧)، وصححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (٢٢٢/٤)،
مختصر الشمائل (٢٣٨)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣١٧٥).
(٣) صحيح البخاري (١١١٦).
(٤) صحيح مسلم (١٢٠) (٧٣٥).

٥٢٣
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
إلا الفريضة-] وفي جوازه مضطجعا ومومئا وجهان أصحهما لا يجوز مؤمئا
ويجوز مضطجعا إذا أتى بالركوع والسجود. ونقل الخطابي وابن عبدالبر
الإجماع على منع الاضطجاع فيها وهو غريب فقد جوزه الحسن البصري
كما حكاه الترمذي عنه ولا فرق بين الرواتب وغيرها. وقال ابن كج لا يصلي
العيد والكسوف والاستسقاء قاعدا كالجنازة (١) [والله تعالى أعلم
بالصواب].
(١) المجموع (٢٧٥/٣)، والنجم الوهاج (١٠٣/٢- ١٠٤).

٥٢٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الترغيب في الفقر وقلة ذات اليد
وما جاء في فضل الفقراء والمساكين والمستضعفين وحبهم ومجالستهم
٤٨٠٤- عن أبي الدرداء نَّهُ قال: قال رسول الله وَّ: إن بين أيديكم
عقبة كؤودا لا ينجو منها إلا کل مخف. رواه البزار(١) بإسناد حسن.
قوله: ((عن أبي الدرداء)) تقدم الكلام عليه. قوله وَّة: ((إن بين أيديكم عقبة
كؤودا)) الحديث، العقبة الكئود بفتح الكاف وبعدها همزة مضمومة هي
العقبة الصعبة. قاله الحافظ المنذري. وقال الحافظ شرف الدين الدمياطي في
المتجر الرابح: الكود هي العقبة الوَعِرة الصعبة المرتقى. قوله: ((لا ينجو منا
إلا كلّ مخف))، المخف الخفيف الحال يقال أخف الرجل إذا خفت حاله.
٤٨٠٥- وعن أم الدرداء عن أبي الدرداء زَقْ لَّهَا قال: قلت له: مالك لا
تطلب ما يطلب فلان وفلان؟ قال: إني سمعت رسول الله وَي- يقول: إن
وراءكم عقبة كؤودا لا يجوزها المثقلون فأنا أحب أن أتخفف لتلك العقبة.
رواه الطبراني(٢) بإسناد صحيح.
(١) مختصر زوائد مسند البزار (٢٢٩٧)، وقال البزار: هذا إسناد صحيح، لا نعلمه إلا من هذا
الوجه، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣١٧٦)، وفي السلسلة
الصحیحة (٢٤٨٠).
(٢) معجم ابن الأعرابي (٥١٥)، وأخرجه ابن عدي في الكامل (٧/ ٥٣١)، وأبو نعيم في
الحلية (٢٢٦/١)، والحاكم (٦١٨/٤)، وقال:هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه،
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩٧/٣): رواه الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات.
وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣١٧٧).

٥٢٥
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
[الكؤود] بفتح الكاف وبعدها همزة مضمومة: هي العقبة الصعبة.
قوله: ((وعن أم الدرداء عن أبي الدرداء)»، أم الدرداء هي خيرة بفتح الخاء
المعجمة بنت أبي حدرد الأسلمية من فاضلات الصحابيات وعاقلاتهن
وعابداتهن، ماتت بالشام في خلافة عثمان رَّالََّ. قاله الكرماني(١). وتقدم
الكلام على ترجمة أبي الدرداء.
قوله وَله: ((إنّ من وراءكم عقبة كئودا)) أي أمامكم، كما في قوله تعالى:
﴿وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾(٢)، لأن العقبة إذا كانت أمام
المسافر وقدامه هي التي يخافها لأنه يحتاج إلى أن يقطعها فأما التي تكون
خلفه فإنه لا يبالي بها. والكئود الشاقة [الصعبة]، وتقدم ذلك. قاله شارح
الأربعين الودعانية.
قوله: ((لا يجوزها المثقلون))، الحديث، وفي حديث آخر خففوا أثقالكم
الحديث الأثقال جمع ثقل بفتحتين وهو متاع المسافر ومتاع البيت وجمع ثِقْل
أيضا بوزن حِمل. قال الله تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾(٣)، والمراد بها في
الحديث الخطايا والأوزار، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ
أَثْقَالِهِمٌ﴾ (٤)، والمراد بتخفيف الأثقال تقليل الذنوب والخطايا والله أعلم. قوله:
(١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٤٠/٥).
(٢) سورة الكهف، الآية: ٧٩.
(٣) سورة النحل، الآية: ٧.
(٤) سورة العنكبوت، الآية: ١٣.

٥٢٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
((فأنا أحب أن أتخفف لتلك العقبة)) الحديث. يقال أخف الرجل فهو مُخِف
وخفّ وخفيف إذا خفت حاله ودابته وإذا كان قليل الثقل يريد به المخف من
الذنوب وأسباب الدنيا وعلقها ومنه الحديث الآخر: نجا المخفّون، ومنه حديث
ابن مسعود أنه كان خفيف ذات اليد، أي فقيرا قليل المال والحظّ [١٤١/ أ] من
الدنيا، ويجمع الخفيف على أخفاف، اهـ قاله في النهاية (١).
٤٨٠٦- وروي عن أنس زَّ لَه قال: خرج رسول الله وَليل يوما وهو آخذ
بيد أبي ذر، فقال: يا أبا ذر: أعلمت أن بين أيدينا عقبة كؤودا لا يصعدها إلا
المخفون. قال رجل: يا رسول الله أمن المخفين أنا أم من المثقلين؟ قال:
عندك طعام يوم؟ قال: نعم، وطعام غد. قال: وطعام بعد غد؟ قال: لا. قال:
لو كان عندك طعام ثلاث كنت من المثقلين. رواه الطبراني(٢).
قوله: ((وروي عن أنس))، تقدم. قوله: ((خرج رسول الله رَآلي يوما وهو آخذ
بيد أبي ذر))، وفي الحديث ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة
من أبي ذر، الحديث. الخضراء: السماء، والغبراء: الأرض. توفي نزَ لَّم
بالربذة وهي بلدة معروفة على ثلاث مراحل من المدينة قريبة من ذات عرق،
وتقدمت ترجمته رقُوا﴾. وتقدم الكلام على حديثه في الحدیثین قبله.
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥٤/٢).
(٢) الطبراني في الأوسط (٤٨٠٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٦٣/١٠) رواه الطبراني
في الأوسط، وفيه جنادة بن مروان قال أبو حاتم: ليس بالقوي، وبقية رجاله ثقات.، وقال
الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٨٤٧)، والضعيفة (٦٦٩٢): ضعيف جداً.

٥٢٧
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
٤٨٠٧- وعن أبي أسماء أنه دخل على أبي ذر وهو بالربذة وعنده امرأة
سوداء مشنعة ليس عليها أثر المحاسن، ولا الخلوق، فقال: ألا تنظرون إلى
ما تأمرني هذه السويداء؟ تأمرني أن آتي العراق، فإذا أتيت العراق مالوا علي
بدنياهم، وإن خليلي ◌ٍَّ عهد إلي أن دون جسر جهنم طريقا ذا دحض ومزلة،
وإنا أن تأتي عليه، وفي أحمالنا اقتدار واضطمار أحرى أن ننجو من أن نأتي
علیه، ونحن مواقیر. رواه أحمد(١)، ورواته رواة الصحیح.
[الدحض] بفتح الدال وسكون الحاء المهملتين، وبفتح الحاء أيضا،
وآخره ضاد معجمة: هو الزلق.
قوله: ((وعن أبي أسماء)) اسمه عمرو بن مرثد الرحبى الشامى الدمشقى
قال ابن سمیع: اسم أبيه أسماء روى عن ثوبان وأبي ذر وشداد بن أوس
ومعاوية بن أبي سفيان وأبي هريرة وأبي ثعلبة الخشني وعمرو البكالي وأبي
الأشعث الصنعاني إن كان محفوظا روى عنه أبو الأشعث الصنعاني وأبو
قلابة الجرمي وشداد بن عمار ومكحول الشامي وراشد بن داود الصنعاني
ويحيى بن الحارث الذماري وربيعة بن يزيد القصير وصالح بن جبير. قال
(١) أحمد (٢١٤١٦)، وأخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٢٣٦/٤)، والحارث بن أبي
أسامة كما في بغية الباحث (١٠٨٧)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (١ / ١٦١)، وقال
الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٥٨/١٠) رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.، وقال
البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٧ / ٤٣٦): رواه أبو بكر بن أبي شيبة والحارث بن
أبي أسامة. وأحمد بن حنبل بسند الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الترغيب
والترهيب (٣١٧٨).

٥٢٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
العجلي: شامي تابعي ثقة ذكره بن حبان في الثقات وقال ابن زبر: الرحبي
نسبة إلى رحبة دمشق قرية من قراها بينه وبين دمشق ميل رأيتها عامرة قلت
وذكر أبو سعد بن السمعاني أنه من رحبة حمير وقال: مات في خلافة عبد
الملك بن مروان ويروي عن أبي داود أن اسم أبي أسماء الرحبي عبد الله.
قوله: ((أنه دخل على أبي ذر وهو بالربذة وعنده امرأة سوداء مشنعة ليس
عليها أثر المجاسد ولا الخلوق)) الحديث. المشنعة القبيحة، يقال: منظر
شنيع وأشنع ومشنع، قاله ابن الأثير في النهاية(١)، وفي بعض نسخ الترغيب:
وعنده امرأة سوداء شعثة، ولعله تصحيف، والشعثة بكسر العين المهملة
الشعثاء وهي المغبرة الرأس المنتشرة الشعر، قاله الكرماني (٢).
قوله: ((ليس عليها أثر المجاسد)) هي جمع مجسد بضم الميم وهو
المصبوغ المشبع بالجسد وهو الزعفران أو العصفر. قاله في النهاية(٣). وقال
صاحب المغيث(٤) المجاسد هي جمع مجسد بضم الميم وهو الثوب
المصبوغ المشبع بالجساد وهو الزعفران والعصفر أيضا والمجسد بكسر
الميم الثوب الذي يلي الجسد، اهـ. وقال بعضهم أيضا المجاسد الثياب
الحمر واحدها مجسد، اهــ والخلوق بفتح الخاء المعجمة طيب يخلط
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥٠٥/٢).
(٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٩/ ١٧٣).
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (١ / ٢٧١).
(٤) المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث (٣٢٨/١).

٥٢٩
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
بزعفران. قوله: ((ألا تنظرون إلى ما تأمرني هذه السويداء)) يعني امرأته،
((تأمرني أن آتي العراق فإذا أتيت العراق مالوا علي بدنياهم)) الحديث.
السويداء تصغير السوداء، والعراق إقليم معروف. كذا قوله: ((وإن خليلي وَل
عهد إلي أنّ دون جسر جهنم طريقا ذا دحض ومزلة)) الحديث، عهد إليّ:
أوصاني.
وقوله: ((طريقا ذا دحض ومزلة)) الدحض بفتح الدال وسكون الحاء
المهملتين، وبفتح الحاء أيضا، وآخره صاد معجمة، هو الزلق، قاله الحافظ.
والمزلة بفتح الميم وفي الزاي لغتان مشهورتان بالكسر والفتح، هو المكان
الذي لا تثبت عليه القدم إلا زلت.
قوله: ((وإنا إن نأتي عليه عليه وفي أحمالنا اقتدار واضطمار أحرى أن ننجو
من أن نأتي عليه ونحن مواقير)) الحديث.
قوله: وأحرى، بالحاء المهملة، مقصورا معناه أولى وأوجب والمواقير
جمع موقر وهو الذي حمل فوق طاقته، قاله الحافظ الدمياطي، والوقر بكسر
الواو الحمل وأكثر ما يستعمل في حمل البغل والحمار، والله أعلم.
٤٨٠٨- وعن أبي سعيد الخدري رَو ◌َّهُ أن النبي ◌َّ قال: إن الله عز وجل
ليحمي (١١) عبده المؤمن الدنيا، وهو يحبه كما تحمون مريضكم الطعام
والشراب (١٢). رواه الحاكم(١)، وقال: صحيح الإسناد.
(١) الحاكم (٢٠٨/٤). وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٨١٤)، وفي صحيح الترغيب
والترهيب (٣١٧٩).

٥٣٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: ((وعن أبي سعيد)) تقدم. قوله: ((إنّ [١٤١/ ب]الله تعالى ليحمي عبده
المؤمن من الدنيا وهو يحبه كما تحمون مريضكم الطعام والشراب)) الحديث،
أي كما تمنعون مريضكم الطعام والشراب، والحمية المنع، فأشار إلى الحمية
والحمية الدينية، الحمية أصلها من حميته حماية أي دافعت [عنه]، تقول
حميت المريض الطعام حمية وحموة واحتميت من الطعام احتماء.
قال الشيخ أبو عبد الله القرطبي (١)، في شرح الأسماء الحسنى: حكي أن
الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق فقال لعلي بن حسين ليس في كتابكم من
علم الطيب شيء، والعلم علمان علم الأبدان وعلم الأديان، فقال له علي:
قد جمع الله الطب في نصف آية من كتابنا، فقال: ما هي؟ فقال: قوله عز
وجل: ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلَا تُسْرِفُواْ﴾(٢)، فقال النصراني: لا يؤثر عن رسولكم
شيء من الطب؟ فقال علي: رسولنا مية جمع الطيب في كلمات يسيرة، قال:
ما هي؟ قال: المعدة بيت الأدواء والحِمْيَة رأس الدواء، وأعطِ كل جسد ما
عودته. فقال النصراني: ما ترك کتابکم ولا نبیکم لجالینوس طبا. ثم قال: قال
علماؤنا: يقال أن معالجة المريض نصفان نصف دواء ونصف حمية، فإن
اجتمعا فكأنك بالمريض قد برئ وصح وإلا فالحمية به أولى إذ لا ينفع دواء
مع ترك الحمية وقد تنفع الحمية مع ترك الدواء، ويقال أن الهند جل
معالجتهم بالحمية؛ [يمتنع] المريض عن الأكل والشرب والكلام عدة [عدة
(١) تفسير القرطبي (٧/ ١٩٢).
(٢) سورة المسرفين، الآية: ٣١.

٥٣١
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
أيام، فيبرأ و] يصح، وقال بعض الحكماء أكبر الدواء تقدير الغذاء وقد بين
النبي وَسّ هذا المعنى بيانًا شافيًا يغني عن كلام الأطباء فقال: ما ملأ آدمي
وعاء شرًّا من بطن، الحديث.
قال العلماء: لو سمع بقراط بهذه القسمة لعجب من هذه، وقالوا ليس
للبطنة أنفع من جوعة [تتبعها]، اهـ. قاله في الديباجة.
٤٨٠٩- وعن رافع بن خديج رَّ قال: قال رسول الله وَله: إذا أحب الله
عز وجل عبدا حماه الدنيا كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء. رواه
الطبراني (١) بإسناد حسن، ورواه ابن حبان في صحيحه(٢)، والحاكم(٣) بلفظ
(١) المعجم الكبير للطبراني (٢٥٢/٤) ٤٢٩٦)، وأخرجه أحمد بن منيع (المطالب العالية
٦٢٨/١٣)، والطبري في تهذيب الآثار مسند ابن عباس (٤٨٤)، وأبو نعيم في معرفة
الصحابة (٢٦٦١، ٢٦٦٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٩٩٦٥)، والقضاعي في مسند
الشهاب (١٣٩٧)، والشجري في الأمالي (١٦٣/٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد
(٢٨٥/١٠) رواه الطبراني، وإسناده حسن. قال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة
(٤٣١/٧) رواه أحمد بن منيع. ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم وصححه عن قتادة
بن النعمان مرفوعًا ... فذكره. وله شاهد من حديث أبي سعيد رواه الحاكم وصححه.
وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣١٨٠).
(٢) صحيح ابن حبان (٦٦٩)، وأخرجه الترمذي (٢٠٣٦)، وقال: وهذا حديث حسن غريب،
وقد روي هذا الحديث، عن محمود بن لبيد، عن النبي ◌ّ، مرسلا. وصححه الألباني في
صحيح الترغيب والترهيب (٣١٨١).
(٣) المستدرك (٢٣٠/٤)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وشيوخ هذا
الحديث وبيانه فيما أمر به عمر بن الخطاب زَ لَّهُ .

٥٣٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
من حديث أبي قتادة وقال الحاكم: صحيح الإسناد.
قوله: ((وعن رافع بن خديج)) تقدم. قوله وثيقة: ((إذا أحبّ الله عبدا حماه
الدنيا)) تقدم معناه في الحدیث قبله.
٤٨١٠- وعن ابن عباس رًَّا عن النبي وَّ قال: اطلعت في الجنة فرأيت
أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء. رواه
البخاري(١) ومسلم(٢)، ورواه أحمد(٣) بإسناد جيد من حديث عبد الله بن
عمرو إلا أنه قال فيه: واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها الأغنياء والنساء.
قوله: ((وعن ابن عباس)) تقدمت ترجمته. قوله وَاليقول: ((اطلعت في الجنة
فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء))
الحديث، الاطلاع عبارة كذا.
٤٨١١- وعن أبي سعيد الخدري رَّهُ عن النبي ◌َّ- أنه قال: إن موسى
صلوات الله وسلامه عليه قال: أي رب عبدك المؤمن تقتر عليه في الدنيا؟ قال:
فيفتح له باب من الجنة فينظر إليها، قال له: يا موسى: هذا ما أعددت له، فقال
موسى: أي رب وعزتك وجلالك لو كان أقطع اليدين والرجلين يسحب على
(١) علقه البخاري (٦٤٤٩).
(٢) صحيح مسلم (٩٤) (٢٧٣٧).
(٣) مسند أحمد (٦٦١١)، وأخرجه ابن أبي شيبة (المطالب العالية ٦٢٨/١٨) ابن حبان في
صحيحه (٧٤٨٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٦١/١٠) رواه أحمد، وإسناده
جيد.، وقال ابن حجر: هذا إسناد حسن. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٢٨٠٠)،
وضعيف الترغيب والترهيب (١٨٩٢)، وضعيف الجامع الصغير وزيادته (٩١١).

٥٣٣
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
وجهه منذ يوم خلقته إلى يوم القيامة، وكان هذا مصيره لم ير بؤسا قط. قال: ثم
قال موسى: أي رب عبدك الکافر توسع عليه في الدنيا؟ قال: فیفتح له باب من
النار، فيقال له: يا موسى! هذا ما أعددت له. فقال موسى: أي رب وعزتك
وجلالك لو كان له الدنيا منذ يوم خلقته إلى يوم القيامة، وكان هذا مصيره كأن
لم ير خيرا قط. رواه أحمد (١) من طريق ابن لهيعة عن دراج.
قوله: ((وعن أبي سعيد الخدري)) تقدم. قوله وَخَلّ: ((عن موسى ◌َّ أنه قال
أي رب عبدك المؤمن تقتر عليه في الدنيا)) الحديث، التقتير عبارة عن التضييق
في الرزق، ضد التوسع في الرزق. قوله: ((لم ير بؤسا قط)) البؤس والبأس هو
الشدة. قوله في آخر الحديث: ((من طريق ابن لهيعة)) وابن لهيعة اسمه عبد الله
تقدم الكلام علیه.
تنبيه: قال ابن عباس رَرُّهَنَا: شكى نبي من الأنبياء إلى ربه عز وجل فقال:
يا رب أطيعك وأجتنب معاصيك وتزوي عني الدنيا وتعرض لي البلاء،
والكافر يعصيك وتبسط له الدنيا. فأوحى الله تعالى إليه: إن العباد لي والبلاد
لي وكل يسبح بحمدي فيكون المؤمن عليه من الذنوب فأزوي عنه الدنيا
وأعرض له البلاء فيكون كفارة لذنوبه وزيادة في درجاته ويكون للكافر
[١٤٢ / أ] حسنات فأبسط له الدنيا وأزوي عنه البلاء جزاء بحسناته وزيادة
(١) مسند أحمد (١١٧٦٧) ومن طريقه أبو نعيم في صفة الجنة (٤١) والحديث؛ أخرجه أبو
نعيم، في صفة الجنة (٤٠). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٦٧/١٠) رواه أحمد، وفيه
ابن لهيعة، ودراج، وقد وثقا على ضعف فيهما.، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب
والترهيب (١٨٤٩).

٥٣٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
في درجاته، اهـ. تنبيه: قال القاضي عياض(١): انعقد الإجماع على أن الكفار
لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب لكن بعضهم
أشد عذابا من بعض بحسب جرائمهم والله أعلم كذا كذا كذا.
٤٨١٢- وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ◌َلََّنَا عن رسول الله وَلِ أنه
قال: هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله عز وجل؟ قالوا: الله
ورسوله أعلم قال: الفقراء المهاجرون الذين تسد بهم الثغور، وتتقى بهم
المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطع لها قضاء، فيقول الله
عز وجل لمن يشاء من ملائكته: ائتوهم فحيوهم، فتقول الملائكة: ربنا نحن
سكان سمائك وخيرتك من خلقك، أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء فنسلم عليهم؟
قال: إنهم كانوا عبادا يعبدوني، ولا يشركون بي شيئا، وتسد بهم الثغور،
وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء.
قال: فتأتيهم الملائكة عند ذلك، فيدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم
بما صبرتم فنعم عقبى الدار رواه أحمد (٢) والبزار(٣)، ورواتهما ثقات، وابن
(١) شرح النووي على مسلم (٨٧/٣).
(٢) مسند أحمد (٦٥٧٠).
(٣) البزار (٣٦٦٥)، وأخرجه ابن أبي عاصم في الأوائل (٥٧)، وعبد بن حميد في المنتخب
(٣٥٢)، والطبري في التفسير (٧ / ٤٩١)، والآجري في الغرباء (٥٢)، وأبو نعيم في الحلية
١/ ٣٤٧، وفي صفة الجنة (٨١)، والبيهقي في البعث (٤١٤)، وفي الشعب (١٠٣٨٠)، وابن
عساكر الأربعون في الجهاد (١ / ٩٠)، وإسماعيل الأصبهاني قوام السنة في الترغيب والترهيب
(٨٣٧)، وعبد الغني بن عبدالواحد المقدسي في التوحيد لله عزوجل - (ص ١١٠)، وقال
=

٥٣٥
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
حبان في صحيحه (١).
قوله: ((وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي)) تقدم. قوله وَليقول: ((هل تدرون أو
من يدخل الجنة من خلق الله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: الفقراء
المهاجرون)) الحديث، وفي الخبر أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه أفضل
الصلاة والسلام إذا رأيت الفقر مقبلا إليك فقل مرحبا بشعار الصالحين،
وإذا رأيت الغنا مقبلا إليك فقل ذنب عجلت عقوبته.
فائدة: مراد القوم وهم السادة الصوفية بالفقر تحقيق العبودية والافتقار
إلى الله تعالى في كل حالة وهذا الفقر الذي يشيرون إليه لا تنافيه الجِدَة ولا
الأملاك فقد كان رسل الله وأنبياؤه في ذورته مع جدتهم وملكهم كإبراهيم
الخليل عليه الصلاة والسلام كان أبا الضيفان وكانت له المواشي والأموال
وكذلك كان سليمانمنَالسّلام، وكذلك داود وكذلك نبينا وَّةِ، قال الله تعالى:
﴿فَأَمَّا اُلْيَّتِيمَ فَلَا تَقْهَرُ ﴾﴾(٢) فكانوا أغنياء في فقرهم، فقراء في غناهم،
=
الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٥٩/١٠): قلت: له حديث في الصحيح غير هذا. رواه أحمد،
والبزار، والطبراني، وزاد بعد قول الملائكة: وسكان سماواتك: وإنك تدخلهم الجنة قبلنا.
ورجالهم ثقات.، وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٨/ ٢٧٠) رواه محمد بن یحیی
بن أبي عمر، وعبد بن حميد، وأحمد بن حنبل، والبزار، وأبو يعلى، وعنه ابن حبان في
صحيحه. ورواه أحمد بن منيع مختصرا،، وصححه الألباني في التعليقات الحسان على
صحيح ابن حبان (١٠ /٤٠٥) ٧٣٧٨)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣١٨٣).
(١) ابن حبان (٧٤٢١).
(٢) سورة الضحى، الآية: ٩.

٥٣٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فالفقر الحقيقي هو داوم الافتقار إلى الله تعالى في كل حال وأن يشهد العبد في
كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فاقة تامة إلى الله تعالى من كل وجه.
وقيل: أركان الفقر أربعة: ذكر يؤنسه وورع يحجزه ويقين يحمله وعلم
يسوسه. وقال الشبلي: حقيقة الفقر أن لا تستغني بشيء دون الله(١)، قاله في
تهذيب النفوس.
قوله: ((المهاجرون)) المهاجرون هم الذين هاجروا من مكة إلى رسول الله
وَ له حين هاجر إلى المدينة لإظهار دين الله تعالى. قوله: ((تُسدّ بهم الثغور)»،
[الثغور] جمع ثغر وهو الموضع الذي يكون حدا فاصلا بين بلاد المسلمين
والكفار؛ وهو موضع المخافة من أطراف البلاد.
قوله: ((وتتقى بهم المكاره)) جمع مكره وهو ما يكرهه الإنسان ويشق
عليه، والكره بالضم والفتح: المشقة.
٤٨١٣- وعن ثوبان رَّهُ، قال: قال رسول الله وَّه: إن حوضي ما بين
عدن إلى عمان أكوابه عدد النجوم، ماؤه أشد بياضا من الثلج وأحلى من
العسل، وأكثر الناس ورودا عليه فقراء المهاجرين. قلنا: يا رسول الله صفهم
لنا قال: شعث الرؤوس دنس الثياب الذين لا ينكحون المتنعمات، ولا تفتح
لهم السدد الذين يعطون ما عليهم، ولا يعطون ما لهم. رواه الطبراني (٢)،
(١) مدارج السالكين (٤١٠/٢-٤١٢).
(٢) الطبراني في المعجم الكبير (١٤٣٧/٩٩/٢)، (١٤٤٣/١٠٠/٢)، وفي الشاميين (٩٠٤)
و (١٢٠٦) و (١٤١١) و (١٦٢٥)، وفي الأوسط (٣٩٦)، وفي الأوائل (٣٩) أخرجه
=

٥٣٧
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
ورواته رواة الصحيح، وهو في الترمذي(١) وابن ماجه(٢) بنحوه. [السدد] هنا:
هي الأبواب.
قوله: ((وعن ثوبان)) هو مولى رسول الله وسيلة، تقدم الكلام عليه. قوله مَله.
((إن حوضي ما بين عدن إلى عمان)) الحديث، عدن بلدة معروفة في اليمن مما
يلي البحر سميت برجل من حمير عدن بها أي أقام وهي مدينة لطيفة وإنما
اشتهر اسمها لأنها مرسى [البحرين].
ومنها تسافر مراكب الهند والسند والصين وإليها [تجلب] بضائع هذه
الأقاليم ويحيط بها من شمالها جبل دائر [من] البحر إلى البحر [وفي طرفيه
نقبان] كالبابين يدخل منهما ويخرج وبينهما [وبين] البابين مدينة [الزنج]
مسيرة أربعة أيام وعمّان البلقاء [١٤٢ / ب] بتشديد الميم وفتح العين [فهي]
قرية من عمل دمشق بالشام وسميت بعمّان بن لوط بن هاران كان سكنها
فيما ذكروا وسيأتي الكلام على ذلك في أحاديث الحوض أبسط من هذا.
أحمد (٢٧٥/٥)، والحاكم (١٨٤/٤)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٦٠) رواه
الطبراني .- وفي رواية عنده: وأكثر الناس ورودا عليه فقراء المهاجرين. بدل: أول من
يرده. ورجال الرواية الثانية رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الجامع
(٢٠٦٠). (٣١٦٢) وانظر: الصحيحة (١٠٨٢)، صحيح الترغيب والترهيب (٣١٨٤).
(١) الترمذي (٢٤٤٤)، وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وقد روي هذا الحديث، عن
معدان بن أبي طلحة، عن ثوبان، عن النبي (، وأبو سلام الحبشي اسمه: ممطور، وهو
شامي ثقة.
(٢) ابن ماجه (٤٣٠٣)

٥٣٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: ((أكوابه عدد النجوم)) [الأكواب] جمع كوب وهو كوز لا عروة له،
وسيأتي الكلام على ذلك في أحاديث الحوض.
تنبيه: قال النووي(١): الصواب أن هذا العدد للآنية على ظاهره ولا مانع
عقلي ولا شرعي يمنع من ذلك، بل ورد الشرع به مؤكدا بالقسم وقال
القاضي عياض (٢) هذا إشارة إلى كثرة العدد وغاية الكثرة من باب قوله وَالله:
لا يضع العصى عن عاتقه والله، وسيأتي ذلك في أحاديث الحوض، والله
أعلم. قوله: «قلنا یا رسول الله صفهم لنا. قال: شعث الرءوس دنس الثياب))،
الحديث، الشعب بضم الشين المعجمة جمع أشعث وهو البعيد العهد بدهن
رأسه وغسله وتسريح شعره، والدنس ثيابا بضم الدال والنون جمع دنس
وهو الوسخ. قوله: ((ولا تفتح لهم السّدد)) قال الحافظ: السدد هنا هي
الأبواب، اهـ، أي لا تفتح لهم الأبواب لعدم الاكتراث بهم.
٤٨١٤- وعن أبي سلام الأسود أنه قال لعمر بن عبد العزيز: سمعت
ثوبان رَُّ قال: قال رسول الله وَّ حوضي ما بين عدن إلى عمان البلقاء
ماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، وأوانيه عدد النجوم، من شرب
منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا، وأول الناس ورودا عليه فقراء المهاجرين
الشعث رؤوسا، الدنس ثيابا، الذين لا ينكحون المنعمات، ولا تفتح لهم
السدد. قال عمر: لكني قد نكحت المنعمات فاطمة بنت عبد الملك،
(١) شرح النووي على مسلم (١٥ /٥٦).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٥٦).

٥٣٩
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
وفتحت إلي السدد، لا جرم أني لا أغسل رأسي حتى يشعث، ولا ثوبي الذي
يلي جسدي حتى يتسخ. رواه الترمذي(١)، وابن ماجه(٢) والحاكم(٣)، واللفظ
له، وقال: صحيح الإسناد.
قوله: ((وعن أبي سلام الأسود)) كذا. قوله: ((أنه قال لعمر بن عبد العزيز))
الحديث. وعمر بن عبد العزيز هو ابن مروان بن الحكم بن أبي العاصي بن
أمية بن عبد شمس الأموي التابعي الخليفة الراشد وهو أشج [بني أمية]،
أجمع على جلالته وفضله ووفور علمه وزهده وعدله وشفقته على
المسلمين، صلى أنس بن مالك خلف قبل خلافته ثم قال ما رأيت أحدا
(١) الترمذي (٢٤٤٤) قال: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وقد روي هذا الحدیث، عن
معدان بن أبي طلحة، عن ثوبان، عن النبي وَالر.
(٢) ابن ماجه (٤٣٠٣).
(٣) الحاكم (١٨٤/٤)، والحديث؛ أخرجه الطيالسي (١٠٨٨)، وأحمد (٢٢٣٦٧)، وابن أبي
عاصم، في السنة (٧٠٦) و (٧٠٧) و (٧٤٧) و (٧٤٩)، وفي الآحاد والمثاني (٤٥٩) و
(٤٦٠)، وفي الأوائل (١٨٦)، وابن أبي الدنيا في التواضع والخمول (٣)، والبزار
(٤١٦٧)، والروياني (٦٥٣)، والباغندي في مسند عمر بن عبد العزيز (٦٣)، (٦٤)،
(٦٥)، والدولابي في الكنى ٧٧/٢، وتمام في فوائده (١٧٦٠)، والآجري في الشريعة
ص٣٥٣، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (١٣٨٥)، والبيهقي في البعث والنشور (١٣٥)،
وفي الشعب (١٠٠٠٣).
وقال البزار: هذا الحديث لا نعلمه يروى عن رسول الله وَ له بوجه من الوجوه متصلا بهذا
اللفظ إلا من هذا الوجه عن ثوبان وإسناده حسن محمد بن مهاجر ثقة والعباس بن سالم
ليس به بأس، وأبو سلام مشهور. وانظر: الصحيحة (١٠٨٢)، صحيح سنن ابن ماجه
برقم (٣٤٧٢)، ضعيف سنن ابن ماجه برقم (٩٣٧).

٥٤٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
أشبه صلاة برسول الله والله من هذا الفتى، تولى الخلافة سنة تسع وتسعين
ومدة خلافته سنتان وخمسة أشهر وأربعة عشر يوما نحو خلافة الصديق
زَّ لَهُ فملأ الأرض قسطا وعدلا ولي الأمر بعهد من سليمان بن عبد الملك
له وذلك أنه لما توفي سليمان (صاح النساء عليه، تحيّر الناس،] فخرج
[إليهم](١) رجاء بن حيوة ومعه ابن معبد فقال رجاء إن سليمان مات وقد
أعلمتكم في حياته [أنه قد عهد] عندي عهدا وها هو [ففضّ] فإذا فيه: بسم
الله الرحمن الرحيم من عبد الله سليمان أمير المؤمنين إلى أمة محمد رَاله
سلام عليكم، فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على محمد وَّةٍ، وقد
استخلفت عليكم عمر بن عبد العزيز ويزيد بن عبد الملك من بعده اسمعوا
لهما وأطيعوا، والسلام.
بکی عمر بن عبد العزیز یوما فبکت زوجته فاطمة لبكائه وبكت أهل الدار
معهما ثم قالت له زوجته يا أمير المؤمنين [مم] بكيت؟ قال: يا فاطمة ذكرت
منصرف القوم بين يدي الله عز وجل فريق في الجنة وفريق في السعير ثم خر
وغشي عليه.
وقال رَّهُ لها: تمت حجة الله على ابن الأربعين فمات لها عمر لعشر
[ليال] بقين من رجب وقيل لست سنة إحدى ومائة وهو ابن تسع وثلاثين
سنة وستة أشهر. وتوفي بدير سمعان من أرض حمص وقبره هناك، وصلى
عليه يزيد بن عبد الملك. وقال رجاء بن حيوة قومت ثياب عمر بن عبد
(١) هكذا في الأصل وهو الأصوب، وفي النسخة الهندية: (الناس) ولعله سبق قلم.