النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١
كتاب والأدب وغيره
الخيطان الأسودان على ظهر الحية وأصل الطفية خوصة المقل شبه الخطين
على ظهر الحية بخوصتي المقل [وهو] شر الحيات. وقال أبو عمر
النمري(١): يقال أن ذا الطفيتين جنس يكون على ظهره خطان أبيضان،
والأبتر هو الأفعى. وقيل جنس أبتر كأنه مقطوع الذنب، وقيل: صنف من
الحيات أزرق مقطوع الذنب إذا نظرت إليه الحامل ألقت. قاله النضر بن
شميل اهـ. وقال بعض العلماء ذو الطفيتين حية خبيثة والطفية خوصة المقل
في الأصل وجمعها طُفَّى. وقال الزمخشري (٢) في كتاب العين الطفية حية لينة
خبيثة والأبتر الحية القصيرة الذنب، والبُتر شرار الحيات، اهـ. قوله: ((فإنهما
يطمسان البصر ويسقطان الحبل)).
وفي رواية مسلم: يلتمسان البصر ويستسقطان الحبالى، معناه يطمسانه
بمجرد نظرهما إليه بخاصية جعلها الله تعالى فيهما، اهـ. قاله الحافظ. وقال
غيره من العلماء: يلتمسان البصر فيه تأويلان ذكرهما الخطابي وآخرون
أصحهما وأشهرهما أنهما يخطفانه ويطمسانه بمجرد نظرهما لخاصية جعلها
الله تعالى في بصرهما إذا وقع على بصر الإنسان ويؤيد هذا القول ما في رواية
مسلم: يخطفان البصر، و[في](٣) الثاني أنهما يقصدان البصر [باللسع]
و النهش، اهـ
(١) فتح الباري (٣٤٨/٦).
(٢) العين (٤٥٧/٧).
(٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
٤٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قال العلماء: وفي الحيات نوع يسمى الناظر إذا وقع نظره على عين إنسان
مات من ساعته، ونوع آخر إذا سمع إنسان صوته مات. وقد جاء في حديث
أبي سعيد الخدري عن الشاب الأنصاري الذي طعن الحية برمحه فماتت
ومات الشاب من ساعته، وتقدم الكلام على ذلك. قال أبو العباس القرطبي(١):
وظاهر هذا أن هذين النوعين من الحيات لهما من الخاصية ما يكون عنهما
ذلك ولا يستبعد هذا فقد حكى أبو الفرج بن الجوزي في كتابه المسمى
بكشف المشكل لما في الصحيحين أن بعراق العجم أنواعا من الحيات يهلك
الرائي لها بنفس رؤيتها ومنها ما يهلك المرور بطريقها. قوله: ((ويسقطان
الحبل))، أي يطرحانه قبل تمامه، معناه أن المرأة الحامل إذا نظرت إليهما
[فخافت] أسقطت الحمل غالبا. اهــ قوله: ((قال عبد الله بينا أنا أطارد حية
أقتلها ناداني أبو لبابة لا تقتلها. فقلت إن رسول الله وَيهو أمر بقتل الحيات))
؛
الحديث، ومعنى أطاردها أي أطلبها وأتبعها لأقتلها. [قاله] النووي"
[و ]قال ابن الأثير في النهاية(٣): أي أخادعها لأصيدها ومنه طراد الصيد.
وقال عياض(٤) في قوله: أطارد حية، أي أتصيدها وأرواغها ومنه طراد
الصيد وهو اتباعه ومراوغته حيث مال، اهـ. وتقدم الكلام على أبي لبابة.
(١) حياة الحيوان الكبرى (١٣٢/٢).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٤ / ٢٣١).
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ١١٧).
(٤) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (٣١٨/١).
٤٣
کتاب والأدب وغيره
قوله: فقلت أن رسول الله وَل أمر بقتل الحيات، [فقال]: إنه نُهي بعد ذلك
عن ذوات البيوت وهي العوامر، الحديث. نُهي بضم أوله على البناء
للمفعول، كذا ضبطناه. فائدة: وقول الصحابي أمر [٧٤/ أ] بكذا ونهى عن
كذا حكمه الرفع إلى النبي ◌ّ على الصحيح المشهور لانصرافه إلى من له
الأمر والنهي، فإن قال ذلك التابعي ففيه احتمالان للغزالي وقد ورد التصريح
بنهي النبي ◌َّ عن ذلك وهو في الصحيحين [وللنهي] عن ذوات البيوت
شرطان أحدهما: أن يكون ذلك قبل الإنذار والثاني أن لا يكون ذا الطفيتين
[ولا أبتر]. فما كان بهذه الصفة يقتل ولو كان من ذوات البيوت بغير إنذار،
وقد دلّ على ذلك الأحاديث الصحيحة، وإنما تتم فائدة الحديث إذا جمعت
طرقه وقد اجتمع هذان القيدان من طرقه. اهـ. قاله النووي(١).
قال ابن عبد البر(٢): أجمع العلماء على جواز قتل حيات الصحاري
صغارا كن أو كبار أي نوع كن من الحيات والاعتماد على حديث أبي لبابة
فإن فيه بيانا لنسخ قتل حيات البيوت وأن ذلك كان بعد الأمر بقتلها جملة
وفيه استثناء ذي الطفيتين [و](٣) الأبتر، فهو حديث مفسر لا إشكال فيه لمن
فهم وعلم، وهو الصواب في هذا الباب. وعليه يصح ترتيب الآثار فيه والله
أعلم. اهـ
(١) طرح التثريب في شرح التقريب (١٢٤/٨).
(٢) التمهيد لابن عبد البر (٢٨/١٦).
(٣) سقطت حرف العطف النسخة الهندية.
٤٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٤٥٣٠- وفي رواية لمسلم (١) قال: سمعت رسول الله وَالير: ((يأمر بقتل
الكلاب يقول: اقتلوا الحيات والكلاب، واقتلوا ذا الطفيتين والأبتر، فإنهما
يلتمسان البصر، ويستسقطان الحبالى)).
[قال الزهري]: ونرى ذلك من سيمتهما، والله أعلم. قال سالم قال عبد الله
بن عمر: فلبثت لا أترك حية أراها إلا قتلتها فبينما أنا أطارد حية يوما من
ذوات البيوت مر بي زيد بن الخطاب وأبو لبابة، وأنا أطاردها، فقالا: مهلا يا
عبد الله، فقلت: إن رسول الله وَي أمر بقتلهن، قال إن رسول الله وَخلال نهى عن
ذوات البيوت. إن لهذه البيوت لعوامر.
٤٥٣١- وفي رواية لأبي داود(٢)قال: ((إن ابن عمر وجد بعد ما حدثه أبو
لبابة حية في داره، فأمر بها، فأخرجت إلى البقيع. قال نافع: ثم رأيتها بعد في
بیته)).
[الطفيتان] بضم الطاء المهملة وإسكان الفاء: هما الخطان الأسودان في
ظهر الحية، وأصل الطفية: خوصة المقل شبه الخطين على ظهر الحية
بخوصتي المقل، وقال أبو عمر النمري: يقال إن ذا الطفیتین جنس يكون على
ظهره خطان أبيضان. [والأبتر]: هو الأفعى، وقيل: جنس أبتر كأنه مقطوع
الذنب، وقيل: هو صنف من الحيات أزرق مقطوع الذنب إذا نظرت إليه
الحامل ألقت. قاله النضر بن شميل.
(١) صحيح مسلم (٢٢٣٣).
(٢) سنن أبي داود (٥٢٥٤)، (٥٢٥٥).
٤٥
کتاب والأدب وغيره
[وقوله: يلتمسان البصر] معناه يطمسانه بمجرد نظرهما إليه بخاصية
جعلها الله فيهما.
[قال الحافظ]: قد ذهب طائفة من أهل العلم إلى قتل الحيات أجمع في
الصحاري والبيوت بالمدينة، وغير المدينة، ولم يستثنوا في ذلك نوعا ولا
جنسا ولا موضعا، واحتجوا في ذلك بأحاديث جاءت عامة كحديث ابن
مسعود المتقدم، وأبي هريرة، وابن عباس، وقالت طائفة: تقتل الحيات
أجمع إلا سواكن البيوت بالمدينة وغيرها فإنهن لا يقتلن لما جاء في حديث
أبي لبابة وزيد بن الخطاب من النهي عن قتلهن بعد الأمر بقتل جميع
الحيات، وقالت طائفة تنذر سواكن البيوت في المدينة وغيرها، فإن بدین بعد
الإنذار قتلن، وما وجد منهن في غير البيوت يقتل من غير إنذار وقال مالك:
يقتل ما وجد منها في المساجد، واستدل هؤلاء بقوله وَّلة: ((إن لهذه البيوت
عوامر، فإذا رأيتم منها شيئا فحرجوا عليها ثلاثا، فإن ذهب، وإلا فاقتلوه))،
واختار بعضهم أن يقول لها ما ورد في حديث أبي ليلى المتقدم، وقال مالك:
يكفيه أن يقول: أحرج عليك بالله واليوم الآخر أن لا تبدو لنا ولا تؤذينا،
وقال غيره: يقول لها: أنت في حرج إن عدت إلينا، فلا تلومينا أن نضيق عليك
بالطرد والتتبع، وقالت طائفة: لا تنذر إلا حيات المدينة فقط لما جاء في
حديث أبي سعيد المتقدم من إسلام طائفة من الجن بالمدينة، وأما حيات
غير المدينة في جميع الأرض والبيوت فتقتل من غير إنذار لأنا لا نتحقق
وجود مسلمين من الجن ثم، ولقوله وَلّ: ((خمس من الفواسق تقتل في الحل
٤٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
والحرم، وذكر منهن الحية))، وقالت طائفة: يقتل الأبتر وذو الطفيتين من غير
إنذار سواء كن بالمدينة وغيرها لحديث أبي لبابة (سمعت رسول الله ێ نھی
عن قتل الجنان التي تكون في البيوت إلا الأبتر وذا الطفيتين)»، ولكل من هذه
الأقوال وجه قوي، ودليل ظاهر. والله أعلم.
قوله وَخير في رواية مسلم: أنه أمر بقتل الكلاب والحيات، الحديث. قد
اتفق العلماء على جواز قتل الحيات ويستوي في ذلك جميع أنواعها وهو
الصحيح لإطلاق الحديث، وتقدم أنه أمر ندب عن أصحاب الشافعي، وأما
قتل الكلاب فالظاهر أنه ليس على الإطلاق بل المراد منها والله أعلم
شرارهن لقوله وسلم: لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها، فاقتلوا منها
كل أسود بهيم. أما الأمر بقتل الكلاب فقال الأصحاب: إن كان الكلب
عقورا قتل وإن لم يكن عقورا لم يجز قتله سواء كان فيه منفعة من المنافع
المذكورة أو لم يكن، والبهيم الأسود الذي لا بياض فيه، وعلة قتله أن
الكلب الأسود أكثر [ضُرًّا بالناس] وأقل نفعا وأبعد من الصيد والحراسة
وأكثر نعاسا [و] البهيم الذي لا يخالط لونه لون سواه، وقيل الأسود الذي لا
یکون فيه شيء من البیاض.
قال الإمام أبو المعالي إمام الحرمين (١): الأمر بقتل الكلاب منسوخ. قال:
وقد صح أن رسول الله وَّل أمر بقتل الكلاب مرة، ثم صحّ أنه نهى عن قتلها.
قال: واستقر الشرع على التفصيل الذي ذكرناه. قال: وأمر بقتل الأسود
(١) شرح النووي على صحيح مسلم (١٨٦/٣).
٤٧
کتاب والأدب وغيره
البهيم، وكان هذا في الابتداء وهو الآن منسوخ، هذا كلام إمام الحرمين ولا
مزيد على تحقيقه، اهـ. وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطا في بابه والله أعلم
[بالصواب]. قوله في الرواية المذكورة أعلاه: ((واقتلوا ذا الطفيتين والأبتر))
الحدیث تقدم الكلام علیه.
قوله: ((مرّ بي زيد بن الخطاب وأبو لبابة وأنا أطاردها فقال: مهلا يا عبد
الله)) الحديث، زيد بن الخطاب هو أبو عبد الرحمن زيد بن الخطاب بن نفيل
القرشي العدوي [أخوه] عمر لأبيه وكان أسنّ من عمر وسبقه إلى الإسلام
وهو من المهاجرين الأولين شهد بدار وأحدا والخندق والحديبية والمشاهد
كلها، وكان طويلا بائن الطول، طلب الشهادة يوم أحد فلم تصبه، وتأخر بعد
النبي ◌َّ فكان معه راية المسلمين يوم اليمامة، وانكشف [٧٤/ ب]
المسلمون فجعل زيد يقول: اللهم إني أبرأ إليك [من فرار أصحابي] مما جاء
به هؤلاء [يعني مسيلمة الكذاب] وأعتذر إليك من فرار أصحابي، ثم تقدم
بالراية فلم يزل يتقدم بها في نحر العدو ثم قاتل بسيفه حتى قتل ووقعت الراية
فأخذها سالم مولى أبي حذيفة فقال له المسلمون يا سالم إنا نخاف أن نؤتى
من قبلك فقال بئس حامل القرآن أنا إن أوتيتم من قبلي وآخى رسول الله عَ ليه
بينه وبين معن بن عدي الأنصاري فقتلا جميعًا باليمامة شهيدين وكانت
اليمامة في خلافة أبي بكر في شهر ربيع الأول سنة ثنتي عشرة وقيل سنة
إحدى عشرة، ولما أتى عمر قتلهُ حزن عليه حزنًا شديدًا وقال ما صبت الصبا
إلا وأنا أجد ريح زيد، وقال له عمر يوم أحد خذ درعي فقال إني أريد من
٤٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الشهادة ما تريد فتركا الدرع، ولما أخبر عمر بقتل زيد قال رحم الله أخي
يسبقني إلى الجنتين- في الحاشية: الحُسْنَيْن، [كذا في الأصل](١) - أسلم
قبلي واستشهد [قبلي]، وكان الذي قتل زيدا رجل يقال له أبو مريم [الختلي]
فلما جاء إلى عمر قال له عمر أقتلت أخي زيدا؟ فقال أكرمه الله ولم يهني
بيده. ولما شهد زيد بن رافع عمر كان بينهما درع فقال كل واحد لصاحبه
والله ما يلبسها غيرك وكان ممن ثبت مع رسول الله ما لم يوم أحد وكان عمر
يقول: ما هبّت صبا قط إلا ذكرت أخي زيدًا.
وذكر ابن [قتيبة] في المعارف قال: مات زيد أخو عمر وأمه أم كلثوم في
ساعة واحدة فلم يرث أحد منهما صاحبه، وصلى عليهما عبد الله بن عمر،
فقدّم زیدا وأخر أم كلثوم، فجرت السنة بتقدیم الرجال. روی له مسلم حديثا
والبخاري تعليقا وأبو داود، اهـ. وأبو لبابة تقدمت ترجمته. وقوله: ((فقالا
مهلا يا عبد الله)) هو بإسكان الهاء ومعناه أنظرني. قال الجوهري (٢)، يقال
مهلا يا رجل بالسكون، يعني أمهل.
قول الحافظ رحمه الله تعالى: وقد ذهب طوائف من أهل العلم إلى قتل
الحيات أجمع [ويذكر ما قاله المصنف من الاختلاف بين العلماء إلى آخره،
انتهى]. قال مالك رحمه الله تعالى: يكفيه أن يقول لها أحرج عليك بالله
وباليوم الآخر أن لا تبدوا لنا ولا تؤذونا، اهـ. [وفي رواية: ولا تؤذوننا،
(١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٢) الصحاح (١٨٢٢/٥).
٤٩
کتاب والأدب وغيره
انتهى]. قال بعض العلماء: وأظن [مالكا] إنما ذكر هذا لقوله {قَالخلال في صحيح
مسلم: فحرجوا عليها ثلاثا، فلهذا ذكر أحرج عليك، ذكره المازري(١). وغير
مالك يتأول أن ذلك بكل لفظ تضييق عليها ومناشدة لها بألفاظ الحرج
والعهود المضيقة، اهـ. قاله عياض(٢).
تنبيه: قال الغزالي في الإحياء في الباب الثاني من كتاب أدب السفر(٣):
يستحب [لكل](8) [لمن] أراد لبس الخف في حضر أو سفر أن ينكس الخف
وينفض ما فيه حذرا من حية أو عقرب أو شوكة، اهـ.
لطيفة: روى ابن أبي شيبة(٥) وغيره أن فريكا قدم على رسول الله وَل
وعيناه مبيضتان لا يبصر بهما شيئا فسأله ما أصابه فقال كنت أمرن جملا
فوقعت على بيض حية فأصيب بصري، فنفث رسول الله وَاله في عينيه فأبصر.
قال فكان يدخل الخيط في الإبرة وهو ابن ثمانين سنة، وإن عينيه مبيضتان،
(١) مطالع الأنوار على صحاح الآثار (٢٥٣/٢)، والمعلم بفوائد مسلم (١٨٨/٣).
(٢) إكمال المعلم (١٦٧/٧)، ومشارق الأنوار (١ / ١٨٧).
(٣) إحياء علوم الدين (٢٥٩/٢).
(٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٥) مصنف ابن أبي شيبة (٢٣٥٦٣)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٦٣٤)، والطبراني
في المعجم الكبير (٢٥/٤/ ٣٥٤٦)، وسموه: حبيب بن فویك وترجمه ابن عبد البر، قال:
حبيب بن فديك أبو فديك ويقال حبيب بن فويك اضطرب في حديثه روت بنت أخيه أن
رسول الله دقاله وهو أعمى مبيضة عيناه فأبصر وكان يدخل الخيط في الإبرة يختلف في
حديثه وقد ذكرناه في باب الفاء للاختلاف في حديثه انظر: الاستيعاب (٣٢٢/١)، واسد
الغابة (٣٩٢/٤)، وحياة الحيوان الكبرى (٤٠٠/١).
٥٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
اهـ. والله أعلم.
فائدة يختم بها ذكر الحيات: في فتاوى النووي (١) [٧٥/ أ] إذا اصطاد
الحوَّاء حية وحبسها معه على عادتهم فلسعته ومات هل يأثم؟ أجاب زَ الََّم
إن صادها ليرغب الناس في اعتقاد معرفته وهو صادق في صنعته ويسلم منها
في ظنه ولسعته لم يأثم وإذا انفلتت وأتلفت شيئا لم يضمنه.
وروى الإمام أحمد في الزهد (٢) أنّ حوّاء معه حيات في خرج نزل بقوم من
أهل اليمن (فخرج] بالليل بعض الحيات فلسعت بعض أهل البيت فقتلته،
فكُتب بذلك إلى عمر بن عبد العزيز فقال لا شيء عليك لكن مُرُوه إذا نزل
بقوم أن یخبرهم بما معه، اهـ.
٤٥٣٢- وعن أبي هريرة رَّالَّهُ عن رسول الله وَّ: ((أن نملة قرصت نبيا
من الأنبياء، فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحى الله إليه في أن قرصتك نملة،
فأحرقت أمة من الأمم تسبح)). زاد في رواية: ((فهلا نملة واحدة)) رواه
البخاري (٣) ومسلم(٤) وأبو داود(٥) والنسائي(٦) وابن ماجه(٧).
(١) فتاوى النووي (ص: ١١٢).
(٢) حياة الحيوان الكبرى (٣٩٩/١).
(٣) صحيح البخاري (٣٣١٩).
(٤) صحيح مسلم (١٤٨) (٢٢٤١).
(٥) سنن أبي داود (٥٢٦٦).
(٦) سنن النسائي (٢١٠/٧).
(٧) سنن ابن ماجه (٣٢٢٥).
٥١
کتاب والأدب وغيره
٤٥٣٣ - وفي رواية لمسلم(١) وأبي داود (٢) قال: «نزل نبي من الأنبياء تحت
شجرة، فلدغته نملة، فأمر بجهازه، فأخرج من تحتها، ثم أمر فأحرقت،
فأوحى الله إليه هلا نملة واحدة)).
[قال الحافظ]: قد جاء من غير ما وجه أن هذا النبي هو عزير،علىالسّلام)، وفي
قوله: فهلا نملة واحدة دليل على أن التحريق كان جائزا في شريعتهم، وقد
جاء في خبر أنه بقرية أو بمدينة أهلكها الله تعالى فقال: يا رب كان فيهم
صبيان ودواب، ومن لم يقترف ذنبا، ثم إنه نزل تحت شجرة فجرت به هذه
القصة التي قدرها الله على يديه تنبيها له على اعتراضه على بديع قدرة الله
وقضائه في خلقه فقال: إنما قرصتك نملة واحدة فهلا قتلت واحدة، وفي
الحديث تنبيه على أن المنكر إذا وقع في بلد لا يؤمن العقاب العام.
قوله: ((عن أبي هريرة (ظَّالَّهُ)) تقدم.
قوله وَيليه: ((إنّ نملة قرصت نبيا من الأنبياء فأمر بقرية النمل فأحرقت))
الحديث، وسميت النملة نملة لتنمّلها وهو كثرة حركتها وقلة قوائمها. وقوله:
((قرصت)) بالقاف والراء والمهملة المفتوحات أي لدغت وقرص النملة لسعها.
وقوله: ((نبيا من الأنبياء))، قال الحافظ [: قد جاء من غير ما وجه أنّ هذا النبي هو
عزیر گچ﴾، انتهى.
(١) صحيح مسلم (١٤٩، ١٥٠) (٢٢٤١).
(٢) سنن أبي داود (٥٢٦٥).
٥٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وقال الحافظ] الإمام أبو عبد الله القرطبي(١) هذا النبي هو موسى بن
عمران، وفي نوادر الأصول (٢) أنه موسى بن عمران، كذا قاله الحافظ
العسقلاني الشهير بابن حجر على حاشية نسخته. وقوله: ((فأمر بقرية النمل
فأحرقت))، وقرية النمل هي منزلهن وهي مسكنها وبيتها والجمع قرى
والقرية من المساكن والأبنية الضياع وقد تطلق على المدن ومنه الحديث
أمرت بقرية تأكل القرى وهي مدينة الرسول والر ومعنى أكلها القرى ما يفتح
على أيدي أهلها من المدن ويصيبون من غنائمها. قاله في النهاية (٣).
قال العلماء رََّ، هذا الحديث محمول على أن شرع ذلك النبي وَّ كان
فيه جواز قتل النمل وجواز الإحراق بالنار ولم يعتب عليه في أصل القتل
والإحراق بل في الزيادة على نملة واحدة.
وقوله سبحانه وتعالى: ((فهلا نملة واحدة)) أي فهلا عاقبت نملة واحدة
وهي التي قرصتك لأنها الجانية، وأما غيرها فليس له جناية. وأما في شرعنا
فلا يجوز الإحراق بالنار للحيوان إلا إذا أحرق إنسانا فمات بالإحراق فلوليه
الاقتصاص بإحراق الجاني وسواء في منع الإحراق بالنار القمل وغيره
للحديث المشهور: لا يعذب بالنار إلا الله. وأما قتل النمل فمذهبنا أنه لا
يجوز، واحتج أصحابنا فيه بحديث ابن عباس أن النبي ◌َّلالنهى عن قتل أربع
(١) حياة الحيوان الكبرى (٤٩٩/٢).
(٢) نوادر الأصول (١ / ٤٠٧).
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥٧/٤).
٥٣
کتاب والأدب وغيره
من الدواب النملة والنحلة والهدهد والصرد. وسيأتي الكلام عليه بعد هذا.
وقوله في رواية مسلم وأبي داود قال: نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة
فلدغته نملة فأمر بجهازه فأخرج من تحتها ثم أمر فأحرقت، الحديث. تقدم
الكلام على النبي من هو. وقوله: ((لدغته))، بالدال المهملة والغين المعجمة،
أي قرصته، ويستعمل ذلك في سائر ذوات السموم، أما اللذع بالذال المعجمة
والعين المهملة فهو الخفيف من إحراق النار كالكي ونحوه، اهـ. والجهاز
بفتح الجيم [٧٥/ ب] وكسرها وهو المتاع، اهـ. [قوله سبحانه: ((فهل لا نملة
واحدة .. ))، يذكر ما قاله المنذري إلى آخره، ويذكر بعده قبل إلى آخره. قوله:
((فأمر بجهازه فأخرج من حرق النمل)) يعني رحله ومتاع سفره من فراش
وغيره، قاله الجوهري(١).
وأما جهاز العروس وجهاز السفر فيفتح ويكسر، انتهى]، وقيل إنما عاتب
الله تعالى هذا النبي وَجّ لانتقامه لنفسه بإهلاك جمع آذاه واحد منهم وكان
الأولى به الصفح والصبر لكن وقع للنبي ◌ِّ أن هذا النوع مؤذٍ لبني آدم فإن
من آذاك حل لك دفعه عن نفسك ولا أحد من خلق الله أعظم حرمة من
المؤمن وقد أبيح لك دفعه عنك بضرب وقتل على ما له فيه المقدار فكيف
بالهوام والدواب التي سخرت لك وسلطت عليه فإذا آذته أبيح له قتلها.
وقوله: ((أَلَا نملة واحدة)) دليل على أن الذي يؤذي يقتل وكل قتل كان لنفع أو
دفع ضرر فلا بأس به عند العلماء.
(١) انظر: مطالع الأنوار (١٧٢/٢)، شرح النووي على مسلم (٢٣٩/١٤).
٥٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٤٥٣٤- وعن ابن عباس رَّالََّا أن النبي وَّ: ((نهى عن قتل أربع من
الدواب: النملة والنحلة والهدهد والصرد)) رواه أبو داود(١) وابن ماجه(٢)
وابن حبان(٣) في صحيحه.
[الصرد] بضم الصاد المهملة وفتح الراء: طائر معروف ضخم الرأس
والمنقار له ريش عظيم نصفه أبيض، ونصفه أسود. [قال الخطابي]: أما نهيه
عن قتل النمل، فإنما أراد نوعا منه خاصا، وهو الكبار ذوات الأرجل الطوال
لأنها قليلة الأذى والضرر، وأما النحلة فلما فيها من المنفعة، وأما الهدهد
والصرد، فإنما نهى عن قتلهما لتحريم لحمهما، وذلك أن الحيوان إذا نهى
عن قتله، ولم يكن لحرمة ولا لضرر فيه كان ذلك لتحريم لحمه.
قوله: ((وعن ابن عباس)) تقدم. قوله: ((أن النبي ◌َّ نهى عن قتل أربع من
الدواب النملة والنحلة والهدهد والصرد))، وعن أبي هريرة قال نهى رسول
(١) أبو داود (٥٢٦٧).
(٢) ابن ماجه (٣٢٢٤).
(٣) ابن حبان (٥٦٤٦)، وأخرجه عبد الرزاق (٨٤١٥)، وأحمد (٣٠٦٦)، وعبد بن حميد
(٦٥٠)، والدارمي (٢٠٤٢)، والطحاوي في المشكل (٨٦٩)، والخطابي غريب الحديث
(١٤٢/٢) والبيهقي في السنن الكبرى للبيهقي (٣٥٠/٥)، (٥٣٢/٩) وفي المعرفة
(١٩٢١١)، وفي الصغرى (٣٨٧٣)، وقال أبو زرعة (علل ابن أبي حاتم ٣٠١/٢): أخطأ
فيه عبد الرزاق، والصحيح من حديث معمر عن الزهري أنّ النبي ◌َِّ مرسل. وقال أبو
حاتم الرازي كما في العلل (٢٩٠/١)، (٣٠١/٢): هذا حديث مضطرب، وقال الحافظ
في البلوغ (٢٧٧/١): صححه ابن حبان. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٩٦٨)،
وصحيح الترغيب والترهيب (٢٩٩٠).
٥٥
کتاب والأدب وغيره
الله وَّ عن قتل الصرد والضفدع والنملة والهدهد، انفرد به ابن ماجه. روى
الدار قطني(١) والحاكم(٢) عن أبي هريرة أن النبي وَل قال: لا تقتلوا النملة.
[فإنّ] سليمان عَ لَلاثُ خرج ذات يوم يستسقي فإذا هو بنملة مستقلية على
قفاها رافعة قوائهما تقول: اللهم إنا خلق من خلقك لا غنى لنا عن رزقك،
اللهم لا تؤاخذنا بذنوب عبادك الخاطئين واسقنا مطر تنبت لنا به شجرا
وأطعمنا ثمرا. فقال سليمان لقومه: ارجعوا فقد كُفينا وسقيتم بغيركم.
قال الشافعي(٣) والأصحاب ما نهي عن قتله يحرم أكله لأنه لو حل لم ينه
(١) أخرجه الدار قطني (١/٦٦/٢).
(٢) الحاكم (٣٢٥/١ - ٣٢٦) مختصرا، وصححه، ووافقه الذهبي. وأخرجه الطحاوي في
المشكل (٢٠٥/٢)، والخطيب في تاريخ بغداد (٦٥/١٢) ابن عساكر في تاريخ دمشق
(٢٨٨/٢٢)، وأبو الشيخ الأصبهاني في العظمة (١٧٥٣/٥) وصححه النووي
فيالخلاصة (٨٧٤/٢) وصححه ابن الملقن في الخلاصة (١/ ٢٥٠)، وفي البدر المنير
(١٥٧/٥)، وفي تحفة المحتاج (٥٦٤/١)، وقال المناوى في التيسير (١٠٤٣/١): عن
أبي هريرة باسناد صحيح . وفي الباب: عن أبي الصديق الناجي: قال: خرج سليمان بن
داود عليه السلام يستسقي فذكره. أخرجه أحمد فيالزهد (ص٨٧)، ورواه الطحاوي،
ذكره الحافظ في التلخيص الحبير (٢٢٩/٢): رواه الحافظ أبو منصور في كتابه جامع
الدعاء الصحيح ذكره ابن الملقن في البدر المنير (١٥٧/٥) وفيه زيد العمي، لكن له طرق
منها: عن الزهري أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٨٨/٢٢) أن سليمان بن داود
خرج هو وأصحابه يستسقون فرأى نملة قائمة رافعة إحدى قوائمها تستسقي قال
لأصحابه ارجعوا فقد سقيتم إن هذه النملة استسقت فاستجيب لها، وأخرجه ابن عساكر
في تاريخ دمشق (٢٢ /٢٨٨) عن السدي نحوه.
(٣) المجموع (٩ / ٢١).
٥٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
عن قلته، فمن ذلك النمل والنحل، فأكلهما حرام بالاتفاق، وكذلك الخطاف
والصرد والهدهد يحرم أكلها على المذهب. وفي وجه ضعيف أنها مباحة،
وحكاه البندنيجي في كتاب الحج قولا. وقال الرافعي في كتاب الحج لا يجوز
قتل النحل والنمل والخطاف والضفدع لورود النهي عن قتلها.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: قال الخطابي(١): أما نهيه وَله عن قتل النمل
فإنما أراد نوعا منه خاصا وهو الكبار ذوات الأرجل الطوال لأنها قليلة الأذى
والضرر، اهـ وقال في المهمات والمراد بالنمل النمل الكبير المعروف
بالسليماني كما قاله الخطابي(٢) والبغوي في شرح السنة (٣) في أواخر الكتاب.
وقال الحربي النمل ما كان له قوائم أما الصغير المسمى بالذر فقتله جائز
بغير الإحراق. قال: والذي قالاه ظاهر لأن الصغير منه يؤذي وقد رأيته أيضا
مصرحا به في شرح المهذب المسمى بالاستصفاء نقلا عن الإيضاح
للصميري. فقال أن الذي يؤذي منه يجوز قتله بل يستحب أنهم سألوا ابن
عباس(٤) عن قتلها فقال تلك ضلالة لا شيء فيها.
وبالجملة فقد أطلق الرافعي كراهة قتل النمل كما نقله [الطبري] شارح
التنبيه وهو يدل على الجواز على كل حال في الصغير فإنه إما عام أو خاص،
(١) الترغيب والترهيب (٣٨٥/٣).
(٢) حياة الحيوان الكبرى (٤٩٩/٢).
(٣) طرح التثريب في شرح التقريب (٧ /١٨٠).
(٤) طرح التثريب في شرح التقريب (٧ /١٨٠).
٥٧
کتاب والأدب وغیرہ
وكره مالك قتل النمل إلا أن يضر ولا يقدر على دفعه إلا بالقتل.
تنبيه: روى الدار قطني(١) والحاكم(٢) عن أبي هريرة ◌ََّهُ أن النبي
صلى الله
وسلم
قال: لا تقتلوا النمل فإن سليمان ،عَ لَلما خرج ذات يوم يستسقي فإذا هو بنملة
على قفاها رافعة قوائهما تقول: اللهم إنا [٧٦ / أ] خلق من خلقك لا غنى لنا
عن فضلك، اللهم لا تؤاخذنا بذنوب عبادك الخاطئين واسقنا مطرا تنبت لنا
به شجرا وأطعمنا ثمرًا. فقال سليمان عليه الصلاة والسلام لقومه: ارجعوا
فقد گُفینا وسقيتم بغيركم.
وروى الطبراني في معجمه الأوسط (٣) عن أبي هريرة أنه قال لما كلم الله
موسى وجّ كان يبصر دبيب النمل على الصفا في الليلة المظلمة من مسيرة
عشر فراسخ. فائدة: يكره أكل ما حملت النمل بفيها وقوائما لما روى
الحافظ أبو نعيم في الطب النبوي(4) عن صالح بن خوات بن جبير عن أبيه
عن جده أن رسول الله و لل نهى أن يؤكل ما حملت النمل بفيها وقوائمها، اهـ
فائدة أخرى: قال الإمام فخر الدين الرازي(6) في تفسير قوله تعالى: ﴿حَتَّ
(١) سبق.
(٢) سبق.
(٣) المعجم الصغير للطبراني (٧٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٠٣/٨) رواه الطبراني
في الصغير، وفيه الحسين بن أبي جعفر الجفري وهو متروك. انظر: حياة الحيوان الكبرى
(٥٠٠/٢).
(٤) حياة الحيوان الكبرى (٥٠٣/٢).
(٥) التفسير الكبير (٢٤/ ١٦١).
٥٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
إِذَا أَتَوْاْ عَلَى وَادِ الثَّمْلِ﴾(١)، الآية. وادي النمل بالشام كثير النمل، فإن قيل:
لم أتى بِعَلى؟ قلنا لوجهين: أحدهما إن أتيانهم كان من فوق فأتى بحرف
الاستعلاء الثاني أنه يراد به قطع الوادي وبلوغ آخره من قولهم أتى على
الشيء إذا بلغ آخره، فتكلمت النملة بذلك وهذا غير مستبعد فإن حصول
العلم والنطق لها ممكن في نفسه والله تعالى قادر على الممكنات. قال:
ورأيت في بعض الكتب أن تلك النملة إنما أمرت رعيتها بالدخول في
مساكنها لئلا ترى النعم فتقع في كفران نعم الله تعالى، وهذا تنبيه على أن
مجالسة أرباب الدنيا محظورة. يروى أن سليمان قال لها: قلت للنمل ادخلوا
مساكنكم، أخفت عليها مني ظلمًا؟ قالت: ولا ولكن خشيت أن يفتتنوا بما
يروا من جمالك وزينتك فيشغلهم ذلك عن طاعة ربهم. وري أن النملة التي
خاطبت سليمان عليه الصلاة والسلام أهدت نبقة فوضعها في كفه وقالت:
وإن كان عنه ذا عنى فهو قابله
ألم ترنا نهدي إلى الله ماله
لقصّر عنه البحر حين يساحله
ولو كان يُهدى للجليل بقدره
فيرضى به عنا ويُشكر فاعله
ولكننا نهدى إلى من نحبه
وإلا فما في ملكنا من يُشاكِله
وما ذاك إلا من كريم فعاله
فقال سليمان: بارك الله فيكم، فهم بتلك الدعوة أشكر خلق الله وأكثر
خلق الله، اه.
فائدة: النمل عظيم الحيلة في طلب الرزق، فإذا وجد شيئا أنذر الباقين
(١) سورة النمل، الآية: ١٨.
٥٩
کتاب والأدب وغيره
ليأتوا إليه. وقيل: إنما يفعل ذلك منها رؤساؤها، ومن طبعه أنه يحتكر في
زمن [الصيف] لزمن الشتاء، ويقال أن حياته ليست من قبل ما يأكله ولا
قوامه وذلك أنه ليس له جوف ينفذ فيه الطعام ولكنه مقطوع نصفين وإنما
موته إذا قطع الحب في استنثاق ريحه فقط [و](١) ذلك يكفيه. وعن سفيان بن
عيينة أنه قال ليس شيء يخبأ قوته إلا الإنسان والنمل والفأر، وبه جزم في
الإحياء في كتاب التوكل. وعن بعضهم أن البلبل يحتكر وله في الاحتكار من
الحيل ما أنه إذا احتكر ما يخاف [٧٦/ ب] إنباته قسمه نصفين ما خلا
[الكسفرة] (٢) فإنه يقسمها أربعا لما ألهم أن كل نصف منها ينبت، وإذا خاف
العفن على الحب أخرجه إلى ظاهر الأرض ونشره. وأكثر ما يفعل ذلك ليلا
في القمر. ومن أسباب هلاكه نبات أجنحته فإذا صار النمل كذلك أخصبت
العصافير لأنها تصيدها كما في حال طيرانها. ومن عجائبه اتخاذ القرية تحت
الأرض وفيها منازل ودهاليز وغرف وطبقات معلقات يملؤها حبوبا وذخائر
للشتاء، وفيه ما يسمى [الذر] وهو من النمل بمنزلة الزنابير من النحل ومنه ما
يسمى نمل الأسد سمي بذلك لأنه مقدمه يشبه وجه الأسد ومؤخره يشبه
النمل، انتھی.
فائدة أخرى: قال [الخلال] أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي
حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثنا أبو عبد الله الكواز حدثتني حبيبة
(١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٢) هكذا هذه العبارة في النسخة الهندية، وفي الأصل: (الكسبرة).
٦٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
مولاة الأحنف أنها رأت الأحنف بن قيس رحمه الله ورآها تقتل نملة ثم قال
لا تقتليها ثم دعا بكرسي فجلس عليه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إني أحرج
عليكن ألا خرجتن من داري فإني أكره أن تقتلن في داري. قال فخرجن فما
رئي [منهن] بعد ذلك الیوم واحدة(١). قال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل
(٢) رأيت أبي فعل ذلك حرّج على النمل، وأكبر علمي أنه جلس على كرسي
كان يجلس عليه لوضوء الصلاة، ثم رأيت النمل قد خرجن بعد ذلك نمل
كبار سود فلم أرهن بعد ذلك، اهـ. ذكره في حياة الحيوان(٣). قوله: ((وأما
النحلة فلما فيها من المنفعة))، اهـ.
قاله المنذري. وهو العسل والشمع وكفى النحل شرفا قول الله عز وجل:
وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ (٤) الآية، وقرأ يحيى بن وثاب: {وأوحى ربك إلى
النحَل} بفتح الحاء، فأوحى الله سبحانه وتعالى إليها وأثنى عليها فعلمت
مساقط الأنواء من وراء البيداء، قال [في] عجائب المخلوقات: يقال ليوم عيد
الفطر يوم الرحمة إذ فيه أوحى ربك إلى النحل صنعة العسل فبيّن سبحانه
وتعالى أن في النحل أعظم اعتبار وهو حيوان [فهيم].
قال الزجاج: سميت نحلا لأن الله تعالى نحل الناس العسل الذي يخرج
(١) مسائل أحمد بن حنبل رواية ابنه عبد الله (١٦٢٠)، بغية الطلب في تاريخ حلب (١٣٠٦/٣).
(٢) مسائل أحمد بن حنبل رواية ابنه عبد الله (١٦٢١)، بغية الطلب في تاريخ حلب (٣/ ١٣٠٦).
(٣) حياة الحيوان الكبرى (٥٠٢/٢) انظر: الآداب الشرعية (٣٥٣/٣).
(٤) سورة النحل، الآية: ٦٨.