النص المفهرس

صفحات 621-640

٦٢١
كتاب الأدب وغيره
غضبان)) رواه الطبراني في الكبير (١) واللفظ له، ورواته محتج بهم في الصحيح،
والحاكم (٢) بنحوه، وقال: صحيح على شرط مسلم.
قوله وعن ابن عمر تقدم. قوله وتة من تعظم في نفسه أو اختال في مشيته
لقي الله تبارك وتعالى وهو عليه غضبان، [التعظيم] في النفس هو الكبر
والنخوة والزهو، قاله في النهاية(٣)، والغضب في الآدمي هو حالة تحصل عند
[٤٥/ ب] غَلَيانِ دم القلب لإرادة الانتقام جل ربنا وتعالى عن ذلك،
وغضب الله تعالى هو انتقامه ممن عصاه.
٤٤٢٧- وعن خولة بنت قيس رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: إذا مشت أمتي المطيطاء، وخدمتهم فارس والروم سلط
بعضهم على بعض. رواه ابن حبان في صحيحه(٤)، ورواه الترمذي(٥) وابن
-
(١) المعجم الكبير للطبراني (١٣، ١٣٦٩٢/٦٤/١٤)، وأحمد (٥٩٩٥)، والبخاري في الأدب
المفرد (٥٤٩)، والخرائطي في مساوئ الأخلاق (٥٧٨)، والمزي في تهذيب الكمال
(٥٤٠/٣٢)، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٢٥٣) أخرجه أحمد
والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب من حديث ابن عمر. وقال الهيثمي في
مجمع الزوائد (٩٨/١): رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح
الجامع (٦١٥٧)، والصحيحة (٥٤٣)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٩١٨).
(٢) الحاكم في المستدرك (١/ ٦٠)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم
يخرجاه، والبيهقي في شعب الإيمان (٧٨١٧).
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢٦٠/٣).
(٤) ابن حبان (٦٧١٦).
(٥) أخرجه الترمذي (٢٢٦١) عن ابن عمر وقال: غريب، وابن المبارك (١٨٧)، والعقيلي في
الضعفاء الكبير (١٦١/٤) وقال: كلها لا يتابع عليها إلا من جهة فيها ضعف، وابن عدي في

٦٢٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
حبان(١) أيضا من حديث ابن عمر.
[المطيطاء] بضم الميم وفتح الطاءين المهملتين بينهماياء مثناة تحت
ممدودا ويقصر: هو التبختر، ومد اليدين في المشي.
بئس العبدسها ولها ونسي المقابر والبلى
قوله وعن خولة بنت قیس کذا.
قوله مَله إذا مشت أمتي المطيطا وخدمتهم فارس والروم سلط بعضهم
على بعض. الحديث. المطيطا بضم الميم وفتح الطاءين المهملتين بينهما
ياء مثناة تحت ممدود أو يقصر وهو التبختر ومد اليدين في المشي، اهـ، قاله
المنذري. وقال بعض العلماء المطيطا مشية فيها تبختر ومد اليدين، يقال
مطوت ومططت يعني مددت والتمطي من ذلك لأنه إذا تمطى مد يديه، ومنه
قوله تعالى يتمطى أي يتبختر وهي من المصغرات التي لم يستعمل لها مكبر،
[ومثله] حديث علي زَوّهُ إذا مشت هذه الأمة السميهاء فقد تودع منهم،
السمها والسميها بضم السين وتشديد الميم التبختر من الكبر وفي هذا الباطل
الكامل (٥١٧/٩) وقال: وهذه الأحاديث لموسى عن عَبد الله بن دينار ليست هي محفوظة.
وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٥٢٥/٦)، وقوام السنة في الترغيب والترهيب (٦٣٦) وفي
إسناده موسى بن عبيدة وهو ضعيف، وقال الذهبي في الميزان (١٣٦/٦): الحديث لم يصح.
وأخرجه الطبراني في الأوسط (١٣٢)، وفي الكبير (٢٣٨)- الجزء المفقود من رواية أبي
هريرة- وحسّن إسناده الهيثمي في المجمع (٢٣٧/١٠). انظر العلل للدارقطني
(١٧٣/١١)، وقد صححه الألباني في صحيح الجامع (٨٠١)، والسلسلة الصحيحة
(٩٥٦)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٩١٩).
(١) لم أجده.

٦٢٣
كتاب الأدب وغيره
والكذب، اهـ. قال الشاعر:
ولا تمشين في الأرض إلا تواضعا فكم تحتها قوم هم منك أفضل
قوله وخدمتهم فارس والروم، المراد بفارس والروم أي أبناء الملوك،
أبناء فارس والروم، وسلط الله شرارها على خيارها [يعني] إذا صارت أمتي
متكبرين وعظم ملكهم وأخذوا بفارس والروم وخدمتهم أبناء فارس والروم
سلط الله أي جعل الله الحكم بأيدي الظالمين فيظلمون الصالحين ويؤذونهم
وهذا نتيجة فساد بعض الأئمة اهـ. والله أعلم.
٤٤٢٨- وروي عن أسماء بنت عميس رضي الله عنهما قالت: سمعت
رسول الله وَل يقول: ((بئس العبد عبد تخيل واختال، ونسي الكبير المتعال
بئس العبد عبد تجبر واعتدى، ونسي الجبار الأعلى. بئس العبد عبد سها ولها
ونسي المقابر والبلى بئس العبد عبد عتى وطغى، ونسي المبتدا والمنتهى
بئس العبد عبد يختل الدنيا بالدين بالشهوات بئس العبد عبد طمع يقودهبئس
العبد عبد هوى يضله. بئس العبد عبد رغب يذله)) رواه الترمذي(١)، وقال:
(١) سنن الترمذي (٢٤٤٨)، وأخرجه الحاكم (٣٥١/٤)، وقال: هذا حديث ليس في إسناده
أحد منسوب إلى نوع من الجرح وإذا كان هکذا فإنه صحیح ولم يخرجاه، وابن أبي الدنيا
في التواضع والخمول (٢٠٤)، وابن أبي عاصم الزهد (١٧٢)، (٢٨٦)، وفي السنة (١٠)،
والخرائطي في اعتلال القلوب (٩٧)، والطبراني في المعجم الكبير (٤٠١/١٥٦/٢٤)،
والبيهقي في شعب الإيمان (٧٨٣٢)، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص:
١٢٥١) أخرجه الترمذي وقال غريب وليس إسناده بالقوي ورواه الحاكم في المستدرك
وصححه ورواه البيهقي في الشعب من حديث نعيم بن عمار وضعفه. وضعفه الألباني في
ضعيف الجامع (٢٣٥٠)، وفي ضعيف الترغيب والترهيب (١٧٤٢).

٦٢٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
حديث غريب، ورواه الطبراني (١) من حديث نعيم بن همار الغطفاني أخصر
منه وتقدم.
قوله وروي عن أسماء بنت عميس، أسماء بنت عميس امرأة جعفر بن أبي
طالب، وعميس أبوها وأمها هند بنت عوف بن زهير بن الحارث من كنانة
وهي أخت ميمونة بنت الحارث الهلالية زوج النبي رَّد.
قوله وَّ: بئس العبد عبد تخيّل، واختال، ونسي الكبير المتعال، بئس
موضوعة للذم ونعم للمدح.
[قوله ](٢) تخيل واختال أي تخيل أنه خير من غيره فتكبر، والكبير
المتعال، قال ابن الأثير هو العظيم ذو الكبرياء، وقيل المتعال عن صفات
الخلق، وقيل المتكبر على عتات خلقه، والتاء فيه للتفرد والتخصيص لا
للتعاطي والتكلف [والمتعالي] الذي جل عن إفك المفترين وعلا شأنه، وقد
يكون بمعنى العالي.
(١) الطبراني في الكبير (٤٠١/١٥٦/٢٤) عن نعيم بن همار، وأخرجه البيهقي في شعب
الإيمان (٧٨٣٣)، وابن أبي عاصم في السنة (٩)، وابن عدي في الكامل (٣٢٧/٦)،
وقال: وهذا الحديث يعرف بأسماء بنت عميس، عن النبي صَلي الله عَليه وسلم، ومن هذا
الطریق لم يروه إلا طلحة بن زيد.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٣٤/١٠) رواه الطبراني، وفيه طلحة بن زيد الرقي، وهو
ضعيف. وضعفه جداً الألباني في ضعيف الجامع (٢٣٥٠)، وفي ضعيف الترغيب
والترهيب (١٠٨٤).
(٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

٦٢٥
كتاب الأدب وغيره
قوله وَاللّه: بئس العبد عبد تجبر واعتدى ونسي الجبار الأعلى، التجبر
والاعتداء كذا.
قوله وَله: بئس العبد عبد سهى ولهى ونسي المقابر والبلى أي اشتغل
باللعب.
قوله ◌َله: بئس العبد عبد عتا وطغى ونسي المبتدا والمنتهى، العتو التجبر
والتكبر، وطغا أي جاوز الحد والقدر في الشر. وقوله ونسي المبتدا والمنتهى
أي نسي ابتداء خلقه وهو كونه نطفة وانتهاء حاله الذي يصير إليه وهو أن
یکون ترابا.
قوله وَله: بئس العبد عبد يختل الدين بالشهوات، وفي بعض الروايات
يختل الدنيا بالدين أي يطلب الدنيا بعمل الآخرة يريك دينا وورعا [٤٦/ أ]
حتى إذا ظفر بشيء من أمر الدنيا انكشف ضميره الخبيث قبّح الله الفاعل
لذلك، يقال ختله يختله إذا خدعه وراوغَه ويختل الدين بالشهوات أي يقع
في الحرام بالتأويل.
قوله وَل: بئس العبد عبد طمع يقوده أي ذو طمع يقوده الطمع كذا.
قوله وَاللّه: بئس العبد عبد هوى يضله، أي شهوة أي ذو هوى، من الطريق
المستقیم.
قوله ◌َله: بئس العبد عبد رُغب بذله والرغب بضم الراء المهملة وإسكان
الغين المعجمة ثم بالباء الموحدة هو الشَرَه. قال الجوهري (١) يقال الرغب
(١) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (١/ ١٣٧).

٦٢٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
شؤم أي الشره والحرص على الدنيا وقيل [سعة](١) [الأمل] وطلب الكثير
ومنه حديث مازن: وكنت امرأ بالرغب والخمر مولعا. أي بسعة البطن وكثرة
الأكل، ويروى بالزاي يعني الجماع وفيه نظر، [وقيل سعة الأمل وطلب
الكثير]. [قاله في النهاية(٢)](٣).
٤٤٢٩- وعن أبي موسى رَّهُ عن النبيِ وَّ قال: ((إن في جهنم واديا يقال
له هبهب، حقا على الله أن يسكنه كل جبار عنيد)) رواه أبو يعلى (٤)
والطبراني(٥) والحاكم(٦) كلهم من رواية أزهر بن سنان، وقال الحاكم:
(١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢٣٨/٢).
(٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٤) أبو يعلى (٧٢٤٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٢٦/١٠) رواه أبو يعلى، وفيه أزهر
بن سنان، وقد وثق علی ضعفه.
(٥) الطبراني، في الأوسط (٣٥٤٨). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٩٧/٥) رواه الطبراني
في الأوسط، وإسناده حسن.
(٦) الحاكم (٣٣٢/٤، ٥٩٦)، وأخرجه ابن أبي شيبة (١٦٥/١٣)، والدارمي (٤٢٧/٢)،
وابن أبي الدنيا في التواضع (ص ٢٠٩)، ووكيع في أخبار القضاة (٢٥/٢)، والعقيلي
(١٣٤/١)، وابن حبان في المجروحين (١٧٨/١)، وابن عدي (١/ ٤٣٠)، ومن طريقه
ابن الجوزي في الموضوعات (٢٦٤/٣)، وأبو بكر الإسماعيلي في المعجم (٦٣٠/٢)،
وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٥٥) البيهقي في البعث (ص ٢٧٦)، وقال ابن حبان: هذا متن لا
أصل له. وقال الحاكم في الموضع الأول: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال
في الموضع الثاني: هذا حدیث تفرد به أزهر بن سنان عن محمد بن واسع، لم نكتبه عاليا
إلا من هذا الوجه. ووافقه الذهبي في التلخيص. وقال ابن الجوزي: هذا حديث ليس
=

٦٢٧
كتاب الأدب وغيره
صحيح الإسناد.
[هبهب] بفتح الهاءین وموحدتین.
قوله وعن أبي موسى، أبو موسى اسمه عبد الله بن قيس تقدم الكلام عليه.
قوله وَلخيله إن في جهنم واديا يقال له هبهب بفتح الهاءين وبالباءين
الموحدتين، [قاله المنذري](١). والهبهب السريع، وهبهب الشراب إذا
ترقرق، قاله في النهاية (٢).
٤٤٣٠- وعن سلمة بن الأكوع ذَّاللّهُ قال: قال رسول الله وَّه: ((لا يزال
الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في الجبارين فيصيبه ما أصابهم)) رواه
الترمذي(٣)، وقال حديث حسن.
=
بصحيح. قال يحيى بن معين: الأزهر ليس بشيء.
قلت: وخالف هشام بن حسان أزهر بن سنان، فرواه عن محمد بن واسع، قال: بلغني أن
في النار جبا يقال له: جب الحزن، يؤخذ المتكبرون فيجعلون في توابيت من نار، فيجعلون
في ذلك البئر، فيطبق عليهم، وجهنم من فوقهم. أخرجه العقيلي (١ / ١٣٤)، ثم قال: وهذا
الحديث أولى من حديث أزهر. قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٢٥٢)
فيه أزهر بن سنان ضعفه ابن معين وابن حبان وأورد له في الضعفاء هذا الحديث. وقال
البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٣٧٤/٧) أزهر بن سنان ضعيف. وضعفه الألباني في
ضعيف الترغيب والترهيب (١٧٤٣)، وفي السلسلة الضعيفة (١١٨١).
(١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢٤١/٥).
(٣) سنن الترمذي (٢٠٠٠)، وابن أبي الدنيا التواضع والخمول (١٩٨)، والروياني (١٦٧)،
والطبراني المعجم الكبير (٢١/٧) ٦٢٥٤)، والبغوي (٣٥٨٩). وضعفه الألباني في
ضعيف الترغيب والترهيب (١٧٤٤)، وضعيف الجامع الصغير وزيادته (٦٣٤٤)، وفي

٦٢٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
[قوله: يذهب بنفسه]: أي يترفع ويتكبر.
قوله وعن سلمة بن الأكوع، وهو لغة، المحوج أي طرف الزند الذي يلي
الإبهام واسم الأكوع سنان بن عبد الله الأسلمي المدني وسلمة يكنى بأبي
مسلم أو أبي إياس أو أبي عامر وقيل: هو [أبو] (١) عمرو بن الأكوع شهد بيعة
الرضوان وبايع رسول الله وَل يومئذ ثلاث في أول الناس وأوسطهم
وآخرهم، روي له عن رسول الله وَّله سبعة وسبعون حديثا، خرّج البخاري
منها أحدا وعشرين، وكان شجاعا [راميا] يسبق الفرس فاضلا خيِّرا سكن
الربذة، ويقال أنه كلمه الذئب [قال سلمة رأيت الذئب](٢) قد أخذ ظبيا
فطلبته حتى نزعته منه فقال ويحك مالي ولك عمدت إلى رزق رزقنيه الله
ليس من مالك [فتنزعه] منى قال قلت [يا] عباد الله إن هذا لعجب ذئب
يتكلم، فقال الذئب أعجب منه أن رسول الله وَ له في أصول النخل يدعوكم
إلى عبادة الله وتأبون إلا عبادة الأوثان، قلت فلحقت برسول الله فأسلمت،
مات سنة أربع وسبعين بالمدينة وهو ابن ثمانين سنة، قاله الكرماني(٣). قوله
وَّ لا يزال الرجل يذهب بنفسه الحديث أي يرتفع ويتكبر. [قال] الحافظ
وفيه التحذير من [المبادئ] المؤدية إلى الإعجاب قاله في الحدائق.
=
السلسلة الضعيفة (١٩١٤).
(١) هكذا هذه العبارة في النسخة الهندية، وفي الأصل: (ابن).
(٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٣) الكواكب الدراري (١١٥/٢).

٦٢٩
كتاب الأدب وغيره
٤٤٣١ - وعن أنس رَّ اللّهُ قال: قال رسول الله وَثية: ((لو لم تذنبوا لخشيت
علیکم ما هو أكبر منه: العجب)) رواه البزار (١) بإسناد جيد.
قوله وعن أنس تقدم قوله مي لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر من
العُجب، والعجب أن ينظر العبد إلى نفسه بعين العظمة وينظر غيره فقيرا
ويقول أنا وأنا كما قال إبليس أنا خير منه ويطلب الترفع في المجالس
والتصدر ويستنكف من رد الكلام، قاله صاحب زاد المسافر وتقدم الكلام
عليه قريبا في كلام القرطبي.
٤٤٣٢- وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: ((لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا إنما هم فحم جهنم،
أو ليكونن أهون على الله عز وجل من الجعل الذي يدهده الخرء
بأنفه إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن
تقي، وفاجر شقي، الناس بنو آدم، وآدم خلق من تراب)) رواه أبو
(١) مسند البزار = البحر الزخار (٦٩٣٦)، وأخرجه البيهقي في الشعب (٦٨٦٨)، والقضاعي في
مسند الشهاب (١٤٤٧)، والخرائطي مساوئ الأخلاق (٥٦٨)، والعقيلي في الضعفاء الكبير
(١٥٩/٢) في ترجمة سلام بن أبي الصهباء، وقال: ولا يتابع علیه، عن ثابت، وقد روي بغیر
هذا الكلام بإسناد صالح. وأخرجه ابن حبان في المجروحين (١/ ٣٤٠) في ترجمة سلام،
وقال: من فحش خطؤه وكثر وهمه لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد، ومن زعم أنه أخو عبد
الرحمن بن أبي الصهباء فقد وهم ذاك صدوق وهذا مخطئ، قال العراقي في المغني عن حمل
الأسفار (ص: ١٢٨٦) وفيه سلام بن أبي الصهباء قال البخاري منكر الحديث. وقال أحمد
حسن ورواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي سعيد بسند ضعيف جدا.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٥٣٠٣)، والصحيحة (٦٥٨).

٦٣٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
داود(١) والترمذي(٢) واللفظ له، وقال: حديث حسن، وستأتي أحاديث من
هذا النوع في الترهيب من احتقار المسلم إن شاء الله. [الجعل] بضم الجيم
وفتح العين المهملة: هو دویبة أرضية. [يدهده]: أي يدحرج، وزنه ومعناه.
[والعبية] بضم العين المهملة وكسرها، وتشديد الباء الموحدة وكسرها،
وبعدها ياء مثناة تحت مشددة أيضا: هي الكبر والفخر والنخوة.
قوله وعن أبي هريرة تقدم قوله صلى الله عليه وسلم لينتهين أقوام
يفتخرون بآبائهم الذي ماتوا إنما هم فحم جهنم وليكونن أهون على الله من
[٤٦/ ب] الجُعَل الذي يُدَهْرِهُ الخرا بأنفه الحديث. [يدهده] أي يدحرج
وزنه معناه، قاله المنذري، وفي حياة الحيوان للدميري روى ابن عدي (٣)في
ترجمة أبي معشر واسمه نجيح عن المقبري عن أبي هريرة أن النبي وَّ قال
ليدعن الناس فخرجهم في الجاهلية أو ليكونن أبغض إلى الله من
الخنافس(٤)، والمراد بالجاهلية المدة التي كانت قبل نبوة رسول الله وَلل لما
كانوا عليه من فاحش الجهالات وقيل هو زمن الفترة مطلقا. قاله في
النهاية(٥). والجُعَل بضم الجيم وفتح العين المهملة هو دويبة أرضية اهـ، قاله
(١) أبو داود (٥١١٦)، وعنه البيهقي في الآداب (٤٢٣).
(٢) الترمذي (٣٩٥٦) والحديث؛ أخرجه الطيالسي (٢٤٤٧)، وأحمد (٨٧٣٦، ١٠٧٨١)
والبزار (٨٥٢٦)، والبيهقي ٢٣٢/١٠. وحسنه الألباني في الترغيب والترهيب (٢٩٦٥).
(٣) ابن عدي في الكامل (٢١٩/١٠).
(٤) حياة الحيوان الكبرى (١/ ٤٢٩).
(٥) هذا كلام الكرماني انظر: الكواكب الدراري (٣٨/١).

٦٣١
كتاب الأدب وغيره
المنذري. وقال في حياة الحيوان(١) الجعل كوزن صُرَد ورطب جمعه جعلان
ويقال له أبو جعران وهو دويبة معروفة تسمى الزعقوق تعض البهائم في
فروجها فتهرب وهو أكبر من الخنفساء شديد السواد في بطنه لون حمرة
للذكر قرنان يوجد كثيرا في مراح البقر والجاموس ومواضع الروث يتولد
غالبا من أحشاء البقر ومن شأنه جمع النجاسة وادخارها ومن عجيب أمره
أنه يموت من ريح الورد وريح الطيب فإذا أعيد إلى الروث عاش. قال أبو
الطیب یصفه: کما تضُرّ ریاح الورد بالجعل، وله جناحان لا تكادان تریان إذا
طار وله ستة أرجل وسنام مرتفع جدا وهو يمشي القهقري إلى خلفه وهو مع
هذه المشية يهتدي إلى بيته وإذا أراد الطيران تنفس فيظهر [جناحاه] ومن
عادته أن يحرس النيام فمن قام منهم لحاجته تبعه وذلك من شهوته للغليظ
لأنه قوته، اه.
قوله في حديث ابن عدي أو ليكونن أبغض إلى الله من الخنافس.
الخنافس جمع خنفساء وهي بفتح الفاء ممدودة والأنثى خنفسة وضم الفاء
في ذلك لغة وكنيتها أم الأسود وهي معروفة تتولد من عفونة الأرض
[وبينها](٢) وبين العقرب صداقة ولهذا تسميها أهل المدينة الشريفة جارية
العقرب وهي أنواع منها الجعل وحمار قبّان وبنات وَرْدَان وهي مخصوصة
بكثرة الفسو ولذلك تقول العرب في أمثالها الخنفساء إذا تحركت نفست.
(١) حياة الحيوان الكبرى (١ / ٢٨١).
(٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

٦٣٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
تنبيه: قال الأصفهاني صاحب المغيث(١) في حديث الحجاج أنه رآى خنفساة
فقال قاتل الله تعالى أقواما يزعمون أن هذه من خلق الله تعالى، فقيل مم هي؟
فقال هي من وَدَح إبليس. الودحُ ما يتعلق بإلية الشاة من البعر وغيره، يقال ودَحَت
الغنم تَوْدَح وتأدح ودحا، وقد ذكره صاحب التتمة بالخاء المعجمة اهـ.
فائدة: حكى القزويني أن رجلا رآى خنفساء فقال ماذا يريد الله من خلق هذه
حسن شكلها أو طيب ريحها؟ فابتلاه الله بقرحة عجز عنها الأطباء حتى ترك
علاجها، فسمع يوما صوت طبيب من الطرقيين ينادي في الدرب فقال هاتوه حتى
ينظر في أمري فقالوا ما تصنع بطُرقيّ وقد عجز عنك الأطباء الحذّاق فقال لابدلي
منه، فلما أحضروه ورآى القرحة استدعى بخنفسة فضحك الحاضرون فتذكر
العليل القول الذي سبق منه فقال أحضروا ما طلب فإن الرجل على بصيرة،
فأحرقها ودرّ رمادها على [٤٧ / أ] قرحته فبرئ بإذن الله تعالى، فقال للحاضرين
إن الله أراد أن يعرفني أن أخس المخلوقات أعز الأدوية.
وحكى ابن خلكان(٢) في ترجمة جعفر بن خالد البرمكي أنه كان عنده أبو عبيد
الثقفي فقصدته خنفساء فأمر جعفر بإزالتها فقال أبو عبيد دعوها عسى يأتيني
بقصدها إليّ خير فإنهم يزعمون ذاك فأمر له جعفر بألف دينار وقال تحقق زعمهم
وأمر بتنحيتها فقصدته ثانيا فأمر له بألف دينار أخرى اهـ. ذكر ذلك في حياة
الحيوان(٣) الخواص إذا أخذت رءوس الخنافس وجعلت في برج حمام اجتمع
(١) المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث (٤٠٢/٣).
(٢) وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان (١/ ٣٣٢).
(٣) حياة الحيوان الكبرى (٤٣٠/١).

٦٣٣
كتاب الأدب وغيره
الحمام إليه والاكتحال بما في جوفها من الرطوبة يحد البصر ويجلو غشاوة العين
ويزيل البياض وينفع السل نفعا بليغا. وقال حنيس بن إسحاق طريق طرد الخناس
أن تطرح في أماكنها الكرفس فإنها تهرب من ذلك المكان اهـ.
قوله وَّله: إن الله أذهب عنكم عبيّة الجاهلية وفخرجها بالآباء. العبية قد
ضبطها الحافظ وفسرها فقال هي الكبر والفخر والنخوة، اهـ.
قوله إنما هو مؤمن تقي وفاجر شقي، الحديث. يعني انقسم الخلائق على
طائفتين مؤمن تقي أو فاجر شقي فإن كان مؤمنا فلا ينبغي للمؤمن أن يتكبر
على أحد وإن كان فاجرا فهو ذليل عند الله تعالى، والذليل لا [يستحق]
التكبر، والتكبر منهي عنه بكل حال، اهـ. قال العلماء معنى الحديث شببهم
النبي ◌َّ حالة افتخارهم بآبائهم الذين ماتوا في الجاهلية بعد أن نهاهم
[بالجعل، وشبَّه] آبائهم المفتخر بهم بالخراء وشبه نفسه افتخارهم به
بالدهدهة بالأنف انتهى. [وفي مسند أبي داود الطيالسي (١) وشعب البيهقي (٢)
عن ابن عباس أن النبي وَّ قال لا تفتخروا بآبائكم الذين ماتوا في الجاهلية
فوالذي نفسي بيده لما يدحرج الجعل بأنفه خير من آباءكم الذين ماتوا في
(١) أخرجه الطيالسي (٢٨٠٤).
(٢) البيهقي في شعب الإيمان (٤٧٦٦). والحديث؛ أخرجه أحمد (٢٧٣٩)، وابن حبان
(٥٧٧٥)، والطبراني في المعجم الكبير (١١٨٦١/٣١٧/١١، ١١٨٦٢)، وفى الأوسط
(٢٥٩٩)، (١١٨٦١)، وابن عدي في الكامل (٤٧٤/٣)، وأورده الهيثمي في المجمع
٨/ ٨٥ وقال: رواه أحمد والطبراني في الأوسط والكبير بنحوه، ورجال أحمد رجال
الصحيح، وصححه الألباني في صحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (٢/ ٢٥٢)،
والتعليق الرغيب (٢١/٤).

٦٣٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الجاهلية. وفي حديث أبي الأحوص الذي رواه الحاكم(١) والطبراني(٢) عن
ابن مسعود أنه قرأ ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا
مِن دَآبَّةٍ﴾ (٣)، فقال كاد الجعل أن يعذب في حجره بذنب ابن آدم. وروى
الطبراني(٤) وابن أبي الدنيا في كتاب العقوبات(6) والبيهقي في شعب الإيمان
عن ابن مسعود (٦) أيضا قال إن ذنوب بني آدم لتقتل الجعل في حجره. وقال
مجاهد(٧) في قوله تعالى ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّعِنُونَ﴾(٨) دواب الأرض الخنافس
والجعلان منعوا القطر لخطاياهم أي لخطايا بني آدم](٩).
(١) الحاكم (٢/ ٤٦٤)، وقال: صحيح الإسناد.
(٢) الطبراني في معجمه الكبير (٩٠٤٠/٢١٤/٩)، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف
(٣٤٥٦٥)، وابن أبى حاتم في تفسيره (٣١٨٧/١٠) وأورده السيوطي في الدر المنثور
(١٤٠/٥)، وعزاه إلى ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في
الشعب عن ابن مسعود.
(٣) سورة فاطر، الآية: ٤٥.
(٤) الطبراني في معجمه الكبير (٩٠٤٠/٢١٤/٩).
(٥) العقوبات لابن أبي الدنيا (٢٧٣).
(٦) البيهقي في شعب الإيمان (٧٠٧٤).
(٧) حياة الحيوان الكبرى (١/ ٢٨٢).
(٨) سورة البقرة، الآية: ١٥٩.
(٩) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

٦٣٥
كتاب الأدب وغيره
الترهيب من القول للفاسق والمبتدع يا سيدي
ونحوها من الكلمات الدالة على التعظيم
٤٤٣٣ - عن بريدة رَّ لَهُ قال: قال رسول الله وَله: (( لا تقولوا للمنافق سيد،
فإنه إن يك سيدا، فقد أسخطتم ربكم عز وجل)) رواه أبو داود(١) والنسائي(٢)
والنسائي (٢) بإسناد صحيح، والحاكم(٣)، ولفظه قال: ((إذا قال الرجل
للمنافق: يا سيد، فقد أغضب ربه)). وقال: صحيح الإسناد كذا قال.
قوله عن بريدة هو بريدة بن.
كذا قوله مَّخلو لا تقولوا للمنافق سيد فإنه إن يكن سيدا فقد أسخطتم ربكم
عز وجل الحديث. وفي الحديث [أيضًا] لا تقولوا للمنافق سيد فإنه إن كان
سيدكم وهو منافق فحالكم دون حاله والله لا يرضى لكم ذلك. والسيد يطلق
(١) أبو داود (٤٩٧٧)، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (١٨٦ -زوائد نعيم)، وأحمد
(٢٢٩٣٩)، والبخاري في الأدب المفرد (٧٦٠)، وابن أبي الدنيا في الصمت (٣٦٤)،
والبزار = البحر الزخار (٤٣٨٢)، والطحاوي في المشكل (٥٩٨٧)، والمحاملي في أماليه
(٣٩١)، وابن السني في اليوم والليلة (٣٩١)، وابن منده في التوحيد (٢٨٣) والبيهقي في
الشعب (٤٥٤٢)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣٧١) (١٣٨٩)، وصحيح
الترغيب والترهيب (٢٩٢٣).
(٢) النسائي في السنن الكبرى (١٠٠٠٢)، وفي اليوم والليلة (٢٤٤).
(٣) أخرجه الحاكم (٣١١/٤)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (١٩٨/٢)، والبيهقي في الشعب
(٤٨٥٤)، والخطيب في التاريخ (٤٥٤/٥)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد وتعقبه الذهبي
فقال: عقبة ضعيف.

٦٣٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
على الرب والمالك والشريف والفاضل والكريم والحليم ومحتمل أذى
قومه والزوج والرئيس والمقدم وأصله من ساد يسود فهو سيود فقلبت الواو
ياء لأجل الياء الساكنة قبلها ثم أدغمت، وفي رواية الحاكم إذا قال [٤٧/ ب]
الرجل للمنافق يا سيد فقد أغضب ربه عز وجل. وعن أنس(١) قال قال
رسول الله وَّ إن الله يغضب إذا مدح الفاسق في الأرض، وفي رواية إذا مدح
الفاسق غضب الرب واهتز العرش. قال النووي في الأذكار(٢) ونهى أن يقال
للمنافق يا سيد قال وفي معنى المنافق الفاسق والظالم والمتهم في دينه أو نحو
ذلك، اهـ. قال العلماء وإن كان فاضلا خيرا إما بعلم وإما بصلاح أو بغير
ذلك فلا بأس بإطلاق ذلك، فیقال سيد ویا سید.
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (٢٢٨) (٢٢٩) وفي الغيبة (٩٢، ٩٣)، وأبو يعلى في
معجمه (١٧١) (١٧٢) وفي مسنده (المطالب ٢/٢٧٤٩)، وابن عدي في الكامل
(٤٦٦/٣) (١٣٠٧/٣) (٢٧٩/٥)، والعسكري في تصحيفات المحدثين (٥٣٨/٢)،
وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٢٧٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٥٤٣) (٤٥٤٤)،
(٤٨٨٦)، والخطيب في تاريخ بغداد (٢٩٧/٧-٢٩٨ و٤٢٨/٨)، وابن عساكر في
تاريخ دمشق (٤/٢٠)، وقال الذهبي: هذا خبر منكر الميزان (١٠٩/٢)، وقال ابن حجر
في فتح الباري (٤٧٨/١٠): وفي سنده ضعف، وقال العراقي في المغني عن حمل
الأسفار (ص: ٥٣٢): سند ضعيف، وقال في (ص: ١٠٥٤)، وقال الذهبي في الميزان:
منكر، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٦٩٤)، والضعيفة (٥٩٦، ١٣٩٩).
(٢) الأذكار للنووي (ص: ٣٦٢).

٦٣٧
كتاب الأدب وغيره
الترغيب في الصدق والترهيب من الكذب
٤٤٣٤ - عن عبد الله بن كعب بن مالك رَّه قال: سمعت كعب بن مالك
يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله وَ لخير في غزوة تبوك. قال كعب بن
مالك: لم أتخلف عن رسول الله وَير في غزوة غزاها قط، إلا في غزوة تبوك،
غير أني قد تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحدا تخلف عنه، إنما خرج
رسول الله وَّة والمسلمون يريدون عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين
عدوهم، على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله وَير ليلة العقبة، حين
تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في
الناس منها، وكان من خبري، حين تخلفت عن رسول الله وَّر في غزوة تبوك
أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما
جمعت قبلها راحلتين قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، فغزاها رسول الله
وَل في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ومفازا، واستقبل عدوا كثيرا، فجلا
للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجههم الذي يريد،
والمسلمون مع رسول الله وَيل كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ- يريد بذلك
الديوان- قال كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب، يظن أن ذلك سيخفی له، ما
لم ينزل فيه وحي من الله عز وجل، وغزا رسول الله وَليل تلك الغزوة حين
طابت الثمار والظلال، فأنا إليها أصعر، فتجهز رسول الله وَل والمسلمون
معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض شيئا، وأقول في

٦٣٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
نفسي: أنا قادر على ذلك، إذا أردت، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر
بالناس الجد، فأصبح رسول الله سير غاديا والمسلمون معه، ولم أقض من
جهازي شيئا، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل ذلك يتمادى بي
حتى أسرعوا وتفارط الغزو، فهممت أن أرتحل فأدركهم، فيا ليتني فعلت،
ثم لم يقدر ذلك لي، فطفقت، إذا خرجت في الناس، بعد خروج رسول الله
رَّة، يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق، أو رجلا
ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله وَيّ حتى بلغ تبوك فقال:
وهو جالس في القوم بتبوك ((ما فعل كعب بن مالك؟)) قال رجل من بني سلمة
يا رسول الله حبسه برداه والنظر في عطفيه، فقال له معاذ بن جبل: بئس ما
قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا، فسكت رسول الله وَئلة، فبينما
هو على ذلك رأى رجلا مبيضا يزول به السراب فقال رسول الله وَالية: ((كن أبا
خيثمة)) فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري، وهو الذي تصدق بصاع التمر حين
لمزه المنافقون، فقال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله وَالله قد توجه
قافلا من تبوك، حضرني بثي، فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بم أخرج من
سخطه غدا؟ وأستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي، فلما قيل لي: إن
رسول الله وَله قد أظل قادما، زاح عني الباطل، حتى عرفت أني لن أنجو منه
بشيء أبدا، فأجمعت صدقه، وصبح رسول الله وَّ قادما، وكان إذا قدم من
سفر، بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه
المخلفون، فطفقوا يعتذرون إلیه، ويحلفون له، و کانوا بضعة وثمانين رجلا،
فقبل منهم رسول الله وير علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم

كتاب الأدب وغيره
٦٣٩
إلى الله، حتى جئت، فلما سلمت تبسم تبسم المغضب، ثم قال: ((تعال))
فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: ((ما خلفك؟ ألم تكن قد
ابتعت ظهرك؟)) قال: قلت: يا رسول الله إني، والله لو جلست عند غيرك من
أهل الدنيا، لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني
والله لقد علمت، لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله
أن يسخطك علي ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه
عقبى الله، والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين
تخلفت عنك، قال رسول الله وَي: ((أما هذا، فقد صدق، فقم حتى يقضي الله
فيك)) فقمت، وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي: والله ما علمناك
أذنبت ذنبا قبل هذا، لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله وَ ليه
بما اعتذر به إليه المخلفون، فقد كان كافيك ذنبك، استغفار رسول الله وَالية
لك، قال: فوالله ما زالوا يؤنبوني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله وَالت،
فأكذب نفسي، قال ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحد؟ قالوا: نعم، لقيه
معك رجلان، قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، قال قلت: من
هما؟ قالوا: مرارة بن الربيعة العامري وهلال بن أمية الواقفي، قال: فذكروا
لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا، فيهما أسوة، قال: فمضيت حين ذكروهما
لي، قال ونهى رسول الله وَّيهِ المسلمين عن كلامنا، أيها الثلاثة، من بين من
تخلف عنه، قال: فاجتنبنا الناس، وقال: تغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي
الأرض، فما هي بالأرض التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما
صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم

٦٤٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة وأطوف في الأسواق ولا يكلمني
أحد، وآتي رسول الله وسير فأسلم عليه، وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في
نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام، أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر،
فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال
ذلك علي من جفوة المسلمين، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة،
وهو ابن عمي، وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام.
فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمن أني أحب الله ورسوله؟ قال:
فسکت، فعدت فناشدته، فسكت، فعدت فناشدته، فقال: الله ورسوله أعلم،
ففاضت عيناي، وتوليت، حتى تسورت الجدار، فبينا أنا أمشي في سوق
المدينة، إذا نبطي من نبط أهل الشام، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول:
من يدل على كعب بن مالك، قال: فطفق الناس يشيرون له إلي، حتى جاءني
فدفع إلي كتابا من ملك غسان، وكنت كاتبا، فقرأته فإذا فيه: أما بعد، فإنه قد
بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق
بنا نواسك، قال فقلت: حين قرأتها: وهذه أيضا من البلاء فتياممت بها التنور
فسجرتها بها، حتى إذا مضت أربعون من الخمسين، واستلبث الوحي، إذا
رسول رسول الله وقاله يأتيني، فقال: إن رسول الله وَ له يأمرك أن تعتزل امرأتك،
قال: فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها، فلا تقربنها، قال:
فأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك، قال: فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني
عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر، قال: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول
الله وَيّ، فقالت له: يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم،