النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
كتاب الحدود وغيرها
عنيد وبمن قتل نفسا بِغَيْرِ نفس فتنطلق بهم قبل سَائِرِ النَّاسِ بِخَمْسِمِائَة عَام
وَفِي إسناديهما عَطِيَّةِ الْعَوْفِيّ وَرَوَاهُ الطََّرَانِيّ بِسْنَادَيْنِ رُوَاة أَحدهمَا رُوَاة
الصَّحِيحِ وَقد رُوِيَ عَن أبي سعيد من قَوْله مَوْقُوفا عَلَيْهِ(١).
قوله: وعن أبي سعيد رزقّ تقدم.
قوله: (( يخرج عنق من النار)) أي: طائفة منها ومنه حديث الحديبية وإن
[نحرا يكن] عنق قطعها الله أي: جماعة من الناس [٢٥١ / أ] العنق جمعه
أعناق، والأعناق الرؤساء والعنق الجماعة من الناس مذكر، وجاء القوم عنقا
عنقا أي: طوائف قاله المنذري، قال العلماء: يحتمل أن يكون بعد الحساب
وتطاير الكتب في اليمين والشمال وتعظيم الخلق ويدل على هذا قوله في
الحديث الآخر، وبالمصورين فإنهم وإن كانوا موحدين فلابد لهم من
(١) أخرجه أحمد ٣/ ٤٠ (١١٣٥٤)، وهناد في الزهد (١/ ٢٠٣)، وعبد بن حميد (٨٩٦)، وحنبل
في جزئه (٦٨)، والبزار كما في كشف الأستار (٣٥٠٠ و٣٥٠١)، وأبو يعلى (١١٣٨)
و(١١٤٦) والمعجم (١٧٧)، والخرائطى في المساوىء (٥٧٩)، والطبراني في الأوسط
(١٠٣/١ رقم ٣١٨) و(٢٠٣/٤ رقم ٣٩٨١)، وابن عدى في الكامل (٤/ ١٧٣)، وأبو الشيخ
في طبقات أصبهان (٣٥٦/٣)، والبيهقى في البعث (٥٢٥ و ٥٢٦).
قال البزار: وحديث مطرف عن عطية لا نعلم رواه عنه إلا صالح، ولا نعلم أسند أشعث
بهذا الإسناد إلا هذا الحديث. قال الهيثمي في المجمع ٣٩٢/١٠: رواه البزار واللفظ له،
وأحمد باختصار، وأبو يعلى بنحوه، والطبراني في الأوسط، وأحد إسنادي الطبراني رجاله
رجال الصحيح. وقال البوصيرى في اتحاف الخيرة (٨/ ٢٢٢): رواه عبد بن حميد وأبو
يعلى الموصلي واللفظ له وأحمد بن حنبل، ومدار أسانيدهم على عطية العوفي، وهو
ضعيف. وحسنه الألباني في الصحيحة (٢٦٩٩) وصحيح الترغيب (٢٤٥١).

٣٦٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
حساب وسؤال وبعده يكونون أشد الناس عذابا وإن كانوا كافرين مشركين
[فيكون ذكرهم تكراراً في الكلام على أنا نقول:
قال بعض العلماء: ذكر الله تعالى الحساب جملة وجاءت الأخبار بذلك،
وفي بعضها ما يدل على أن كثيراً من المؤمنين يدخلون الجنة بغير حساب، فصار
الناس إذاً ثلاث فرق: فرقة لايحاسبون أصلاً، وفرقة تحاسب حساباً يسيراً،
وهما من المؤمنين، وفرقة تحاسب حساباً شديداً يكون منها مسلم وكافر، وإذا
كان من المؤمنين من يكون أدنى إلى رحمة الله فلا يبعد أن يكون من الكفار من
هو أدنى إلى غضب الله فيدخله النار بغير حساب]، وذكر ابن المبارك عن شهر
بن حوشب عن ابن عباس أن بعد أخذ النار هؤلاء الثلاثة تنشر الصحف
وتوضع الموازين وتدعى الخلائق للحساب، أ.هـ قاله القرطبي(١).
قوله: (( يتكلم بلسان طلق ذلق)) قال الجوهري: لسان طلق ذلق [وطَليقٌ
ذليقٌ، وطُلُقٌ ذُلُقٌ وطُلَقٌ ذُلَقٌ: أربع لغات وَالْمَرَاد الانطلاق والحدة].
قوله: (ذلق)) أربع لغات،أ.هـ، والله أعلم.
وقوله: ((فتنطوي في حمراء جهنم)) الانطواء هو [الاشتمال].
وقوله: ((فيقذفهم)) والقذف هو [الرمي بقوة].
زَهَا قَالَ قَالَ رَسُول اللّه وَخَلّ
٣٦٩٣- وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ
من قتل معاهدا لم يرح رَائِحَة الْجِنَّ وَإِن رِيحِهَا يُوجد من مسيرَة أَرْبَعِينَ عَاما
رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَاللَّفْظِ لَهُ وَالنَّسَائِيّ إِلَّا أَنْه قَالَ من قتل قَتِيلا من أهل الذِّمَّة لم
(١) التذكرة (ص ٦٧٥ -٦٧٦).

٣٦٣
كتاب الحدود وغيرها
يرح بِفَتْحِ الرَّاء أَي لم يجد رِيحِهَا وَلم يشمها (١).
قوله: وعن عبد الله بن عمرو بن العاص وَّنَا، تقدم.
قوله: (( من قتل معاهدا)) المعاهد ذمي أو كافر حربي دخل دار الإسلام
بأمان لتجارة أو رسالة لا يجوز قتله أو ظلمه.
قوله: ((لم يرح رائحة الجنة)) أي: لم يجد ريحها ولم يشمها يقال: راح يريح
وراح يراح وأراح يريح إذا وجد رائحة الشيء وهذا يروي على ثلاثة أوجه لم
يَرَح ولم يَرِح ولم يُرح بضم الياء وهذا محمول على التحذير و[الوعيد] ويحتمل
أنه [لا يجد في] ذلك ثم يدخل الجنة على [ ... ](٢) يحمل ذلك على المستحل
وهذا إن جاز [ ... ](٣) ولكنه بفضله لا يخلد مسلما في النار.
٣٦٩٤ - وَعَن أبي بكرَة رَِّلَّهُ قَالَ سَمِعت رَسُول الله وَِّ يَقُول من قتل
معاهدا في غير كنهه حرم الله عَلَيْهِ الْجِنَّة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَزَاد أَن يشم
رِيحُهَا (٤).
(١) أخرجه البخارى (٣١٦٦) و(٦٩١٤)، وابن ماجه (٢٦٨٦)، والنسائى في المجتبى
٧/ ٣٦٣ (٤٧٩٣).
(٢) بياض بالأصل.
(٣) بياض بالأصل.
(٤) أخرجه الطيالسى (٩٢٠)، وابن أبى شيبة فى المصنف ٤٥٧/٥ (٢٧٩٤٦)، وأحمد
٣٦/٥ (٢٠٣٧٧) و٣٨/٥ (٢٠٤٠٣)، والدارمى (٢٦٩٩)، والبخارى فى التاريخ الكبير
(٤٢٨/١)، وأبو داود (٢٧٦٠)، والبزار (٣٦٧٩)، والنسائى فى المجتبى ٣٦١/٧
(٤٧٩٠) والكبرى (٦٩٢٣)، والحاكم (١٤٢/٢). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
وصححه الألبانى فى صحيح الترغيب (٢٤٥٣)، وصحيح الجامع (٦٤٥٦).

٣٦٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٣٦٩٥ - وَفِي رِوَايَة للنسائي قَالَ من قتل رجلا من أهل الذُّمَّة لم يجد ربح
الْجَنَّة وَإِن رِيحها ليوجد من مسيرة سبعين عَاما(١).
٣٦٩٦- وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحِه وَلَفظه قَالَ من قتل نفسا معاهدة
بِغَيْرِ حَقّهَا لم يرح رَائِحَة الْجِنَّة وَإِن ريح الجنَّة ليوجد من مسيرة مائَة عَام فِي
غير كنهه أَي فِي غير وقته الَّذِي يجوز قَتله فِي حِين ◌َا عهد لَهُ(٢).
قوله: وعن أبي بكرة نَ ◌ّه تقدم.
قوله: (( من قتل معاهدا)) المعاهد هو بفتح الهاء ويجوز كسرها وهو من
دخل بلادنا بأمان أو عقد له ذمة أو أجير ولو ساعة من نهار فلا تصح معاهدة
الرقيق ولا عقد الذمة له فمن شرطه أن يكون حرا أ.هـ قاله شارح الإلمام.
قوله: (( في غير كنهه)) أي: في غير وقته الذي يجوز فيه حين لا عهد له كذا ذكره
المنذري فالكنه الحقيقة وكنه الأمر حقيقته وقيل وقته وقدره وقيل غايته يعني من
قتله في غير [وقته] أو غاية أمره الذي يجوز فيه قتله ومنه الحديث: ((لا تسأل المرأة
(١) أخرجه أحمد ٢٣٧/٤ (١٨٠٧٢) و٣٦٩/٥ (٢٣١٢٨)، والنسائى فى المجتبى ٣٦٢/٧
(٤٧٩٢) والكبرى (٦٩٢٥)، وأبو نعيم فى المعرفة (٧٢٨١) عن رجل من أصحاب النبى
وَال. وأخرجه أحمد ١٨٦/٢ (٦٧٤٥)، والنسائى فى الكبرى (٦٩٢٦) و(٨٦٨٩)
والمجتبى ٣٦٣/٧ (٤٧٩٣)، وابن أبى عاصم فى الديات (ص ٤٦)، والبزار (٢٣٧٣)،
وابن الجارود (٨٣٤)، والطبرانى فى الكبير (٤٥١/١٣ - ٤٥٢ رقم ١٤٣٠٨)، والحاكم
(١٢٦/٢ - ١٢٧)، والبيهقى فى الكبرى (٢٢٩/٨ رقم ١٦٤٨٣) و(٣٤٥/٩ رقم
١٨٧٣٣). وقال ابن حجر فى موافقة الخبر الخبر (١٨٢/٢): هذا حديث صحيح.
وصححه الألبانی فی صحيح الترغيب (٢٤٥٣)، وغاية المرام (٤٥٠).
(٢) أخرجه ابن حبان (٤٨٨١) و(٧٣٨٢) و(٧٣٨٣). وصححه الألبانى فى صحيح الترغيب
(٢٤٥٣)، وصحيح الجامع (٦٤٥٦).

٣٦٥
كتاب الحدود وغيرها
طلاقها في غير كنهه)) أي في غير أن تبلغ من الأذى إلى الغاية التي تعذر في سؤال
الطلاق معها قاله المنذري فالمعاهد يدخل فيه الذمي والمستأمن فلا يقتل
المستأمن الأبعد عوده إلى مأمنه وفي هذا الحديث تعظيم تحريم الغدر وأن من
عقد له ذمة أو أمنه مسلم عصم دمه وماله وكذلك يحرم ظلمه وأذاه إلا ما وردت
به السنة في إهانته في أخذ الجزية وفي أبي داود: ((من ظلم ذميا أو انتقصه كنت
حجيجه يوم القيامة)) وفيه دليل على أن المسلم لا يقتل بالذمي إذ لو كان لذكر
للتنفير ولكن سبيله سبيل الذنب الكبير المتوعد عليه.
قوله: ((لم يرح رائحة الجنة)) أي لم يشم ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة
أربعين عاما)) رواه البخاري في الجزية والديات(١) وفي حديث آخر: ((من قتل
معاهدا له ذمة الله وذمة رسوله وير لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من
مسيرة سبعين عاما)) رواه الترمذي وهو حديث حسن صحيح (٢) ورواه الطبراني
من حديث أبي هريرة يرفعه: (( من قتل نفسا [معاهدة] بغير حقها لم يرح [رائحة
الجنة] وإن ريح الجنة ليوجد من مسيرة [مائة] عام))(٣)، وفي حديث آخر: (يوجد
[٢٥١/ ب] من مسيرة ألف [عام لا] يجده عاق ولا قاطع رحم))(٤) قال في حدائق
(١) أخرجه البخارى (٣١٦٦) و(٦٩١٤) عن عبد الله بن عمرو.
(٢) أخرجه الترمذى (١٤٠٣). وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح.
(٣) أخرجه الطبرانى فى الأوسط (٢٠٦/١-٢٠٧ رقم ٦٦٣)، و(٧٦/٨ رقم ٨٠١١). وقال
الهيثمى فى المجمع ٢٩٤/٦: رواه الطبراني في الأوسط عن شيخه أحمد بن القاسم ولم
أعرفه، وبقية رجاله ثقات رجال الصحيح غير معلل بن نفيل وهو ثقة.
(٤) أخرجه الطبرانى فى الأوسط (١٨/٦ رقم ٥٦٦٤). قال الطبرانى: لا يروى هذا الحديث عن
جابر إلا بهذا الإسناد، تفرد به أحمد بن محمد بن طريف. وقال الهيثمى فى المجمع ١٤٩/٨ :
=

٣٦٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الأرواح(١): وهذه الألفاظ لا تعارض [بينها بوجه] وريح الجنة [نوعان] ريح
يوجد [في الدنيا] تشمه الأرواح أحيانًا لا تدركه [العباد] وريح يدرك بحاسة الشم
للأبدان كما تشم روائح الأزهار وغيرها [وهذا] يشترك أهل الجنة في إدراكه في
الآخرة [من] قرب وبعد، وأما في الدنيا فقد يدركه من يشاء الله من أنبيائه ورسله،
وقد أشهد الله سبحانه وتعالى عباده في هذه الدار [آثارا من] آثار الجنة وأنموذجا
منها الرائحة الطيبة واللذات المشتهاة والمناظر البهية والفواكه الحسنة والنعيم
والسرور وقرة العين، وقد روى أبو نعيم من حديث الأعمش عن أبي [سفيان]
عن جابر قال: قال رسول الله وَليقول: ((يقول الله عز وجل للجنة طيبي لأهلك [فتزداد
طيبًا] فذلك البرد [الذي يجده الناس بسحر من ذلك] كما جعل سبحانه وتعالى
نار الدنيا وآلامها وغمومها [تذكرة بنار الآخرة قال تعالى في هذه النار: ﴿نَحْنُ
جَعَلْنَهَا تَذْكِرَةَ﴾(٢) وأخبر النبي ◌َّ: ((أن شدة الحر والبرد من أنفاس جهنم فلا
بد أن يشهد عباده جنته وما يذكرهم بها)» والله المستعان].
قوله: ((حرم الله عليه الجنة)) هذا الحديث يتأول على ما تقدم في نظائره من
الأحادیث.
رواه الطبراني في الأوسط من طريق محمد بن كثير، عن جابر الجعفي، وكلاهما ضعيف جدا.
=
(١) حادى الأرواح (ص ١٦٠ - ١٦٢).
(٢) سورة الواقعة ، الآية: ٧٣.

٣٦٧
كتاب الحدود وغيرها
[الترهيب من قتل الإنسان نفسه ]
٣٦٩٧- عَن أبي هُرَيْرَة رَّ ◌َُّ قَالَ: قَالَ رَسُول الله وَالآ من تردی من جبل
فَقتل نفسه فَهُوَ فِي نَار جَهَنَّم یتردی فِيهَا خالدا مخلدا فيها أبدا وَمن تحسی
سما فَقتل نَفسه فسمه فِي يَده يتحساه فِي نَارِ جَهَنَّم خَالِدا مخلدا فِيهَا أبدا وَمن
قتل نفسه بحديدة فحديدته فِي يَده یتوجأ بهَا فِي نَار جَهَنَّم خَالِدا مخلدا فِيهَا
أبدا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ بِتَقْدِيمُ وَتَأْخِيرِ وَالنَّسَائِيّ وَلأبي دَاوُد وَمن
حسا سما فسمه فِي يَده يتحساه فِي نَار جَهَنَّم تردى أَي رمى بِنَفسِهِ من الْجَبَل
أَوَ غَيرِهِ فَهَلَك يتوجأ بهَا مهموزا أَي يضْرب بهَا نَفسه(١).
قوله: عن أبي هريرة ◌َّه تقدم.
قوله وَة: ((من تردى من جبل فقتل نفسه)) الحديث، تردي أي رمى بنفسه
من الجبل فهلك كذا قاله المنذري. قوله وَليقول: ((فهو في نار جهنم يتردى فيها
خالدًا مخلدًا)) الحديث، أي: ينزل فيها.
قوله: ((فهو في نار جهنم)) فهو اسم لنار الآخرة عافانا الله منها [غير
منصرف إما للعجمة والعلمية وإنا للتأنيث والعلمية(٢)].
(١) أخرجه البخارى (٥٧٧٨)، ومسلم (١٧٥ - ١٠٩)، وأبو داود (٣٨٧٢)، والترمذى
(٢٠٤٣) و(٢٠٤٤)، وابن ماجه (٣٤٦٠)، والنسائى فى الكبرى (٢١٠٣) والمجتبى
١٠٩/٤ (١٩٨١)، والبزار (٩١٧٥ و٩١٧٦).
(٢) الكواكب الدرارى (٤٨/٢١-٤٩).

٣٦٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: ((ومن تحسى سما فقتل نفسه)) الحديث، السم بضم السين وفتحها
وكسرها ثلاث لغات أفصحهن الفتح الثالثة في المطالع وجمعه سمام وسموم(١).
قوله: ((فسمه في يده يتحساه في نار جهنم)) الحديث، ومعنى يتحساه يشربه
في تمهل ويتجرعه(٢).
قوله: ((ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها)) هو بالجيم
وهمزة آخره ويجوز تسهيلها بقلب الهمزة ألفا قال الحافظ رحمه الله ومعناه
يضرب بها نفسه أ.هـ
قوله: ((خالدا مخلدا فيها أبدا)) قيل فيه أقوال أحدها: أنه محمول على من فعل
ذلك مستحلا مع علمه بالتحريم فهذا كافر وهذه عقوبته، والثاني: أن المراد
بالخلود طول المدة والإقامة المتطاولة لا حقيقة الدوام كما يقال خلد الله ملك
السلطان والثالث: أن هذا جزاؤه ولكن تكرم الله سبحانه وتعالى فأخبر أنه لا
يخلد في النار من مات مسلما،أ.هـ، قاله النووي في شرح مسلم(١).
وقال غير النووي: وقد اختلف الناس في هذه النصوص على طرق أحدها
القول بظاهرها وتخليد أرباب هذه الجرائم في النار وهو قول الخوارج
والمعتزلة ثم اختلفوا فقالت الخوارج هم كفار فإنه لا يخلد في النار إلا
الكفار وقالت المعتزلة ليسوا بكفار بل فساق مخلدون في النار هذا كله إذا لم
يتوبوا وقالت فرقة بل هذا الوعيد في حق المستحل لها لأنه كافر وتقدم ذلك
(١) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٢١).
(٢) المصدر السابق.
(٣) شرح النووي على مسلم (١٢٥/٢).

٣٦٩
كتاب الحدود وغيرها
في الذي قاله النووي وأما من فعلها يعتقد تحريمها لم يلحقه هذا الوعيد
وعيد الخلود وإن لحقه وعيد الخلود وقد أنكر الإمام أحمد هذا القول وقال:
لو استحل ذلك ولم يفعله كان كافراً [٢٥٢/ أ] والنبي ◌َالله إنما قال من فعل
كذا وكذا وقالت فرقة ثالثة الاستدلال بهذه النصوص مبنى على ثبوت
العموم وليس في اللغة ألفاظ عامة (١).
ففي هذا الحديث دليل على أن القصاص من القاتل يكون بمثل ما قتل به
محددا كان أو غيره اقتداء بعقاب الله تعالى لقاتل نفسه والاستدلال بهذا لهذا
ضعيف(٢).
وفي هذا الحديث حجة لقاعدة عظيمة لأهل السنة أن من قتل نفسه أو
ارتكب معصية غيرها ومات من غير توبة فليس بكافر ولا يقطع له بالنار بل
هو في حكم المشيئة(٣).
٣٦٩٨ - وَعِنْهُ زَوْنَ قَالَ قَالَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ الَّذِي يخنق نفسه يخنقها فِي
النَّارِ وَالَّذِي يطعن نفسه يطعن نفسه النَّارِ وَالَّذِي يقتحم يقتحم فِي النَّارِ رَوَاهُ
البُخَارِيّ(٤).
قوله: وعنه زئُولَّهُ تقدم الكلام علیه.
(١) مدارج السالكين (٣٩٨/١).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٢٥/٢ -١٢٦).
(٣) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٩/ ١٢٨).
(٤) أخرجه البخارى (١٣٦٥) دون قوله والذى يقتحم فإنه من رواية الامام أحمد
٤٣٥/٢(٩٦١٨) وابن حبان (٥٩٨٧).

٣٧٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله وَالّ: ((الذي يخنق نفسه يخنقها في النار والذي يطعن نفسه يطعن
نفسه النار والذي يقتحم يقتحم في النار)) يخنقها بضم النون، ويطعنها بفتح
العين وضمها والاقتحام معناه [الدخول في الشيء بغتة من غير روية] وفي
الحديث إثبات عقوبة بعض أصحاب المعاصي فإن هذا عوقب في بدنه ففيه
رد على المرجئة القائلين بأن هذه المعاصي لا تضر.
٣٦٩٩- وَعَنِ الْحسنِ الْبَصْرِيّ قَالَ حَدثنَا جُنْدُب بن عبد الله فِي هَذَا
الْمَسْجِد فَمَا نَسِينَا مِنْهُ حَدِيثا وَمَا نَخَاف أَن يكون جُنْدُب كذب على رَسُول
الله وَِّ قَالَ كَانَ بِرَجُل جراح فَقتل نَفسه فَقَالَ الله بَدَرَنِى عَبْدِى بِنَفْسِهِ فَحرمت
عَلَيْهِ الْجِنَّةُ(١).
٣٧٠٠ - وَفِي رِوَايَة كَانَ فِیمَن قبلگُمْ رجل بِهِ جرح فجزع فأخذ سكينا
فحز بهَا يَده فَمَا رقأ الدَّم حَتَّى مَاتَ فَقَالَ الله بادرني عَبدِي بِنَفْسِهِ الحَدِيث رَوَاهُ
البُخَارِيّ وَمُسلم وَلَفظه قَالَ إِن رجلا كَانَ مِمَّن كَانَ قبلَكُمْ خرجت بِوَجْهِهِ
قرحَة فَلَمَّا آذته انتزع سَهْما من كِنَانَتَه فنكأها فَلم يرقإ الدَّم حَتَّى مَاتَ قَالَ
ربكُم قد حرمت عَلَيْهِ الْجنَّة رقأ مهموزا أَي جف وَسكن جَرَیَانه الكنانة بِکَسْر
الْكَاف جعبة النشاب نكأها بِالْهَمْز أَي نخسها وفجرها(٢).
قوله: وعن الحسن البصري، تقدم.
(١) أخرجه البخارى (١٣٦٤) و(٣٤٦٣)، ومسلم (١٨٠ و١٨١ - ١١٣)، وابن حبان (٥٩٨٨
و ٥٩٨٩).
(٢) انظر ما قبله.

٣٧١
كتاب الحدود وغيرها
قوله: حدثنا جُندب بن عبد الله في هذا المسجد فما نسينا منه حديثا،
الحديث، جندب يجوز في أوله الفتح والضم وهو جندب بن عبد الله البجلي
العلقي بفتح العين واللام، والعلق بطن من بجيلة ومنهم خمسة من نسبه إلى
جده فيقول جندب بن سفيان كنيته أبو عبد الله كان بالكوفة ثم صار إلى
البصرة(١).
قوله وَيقة: (برجل جراح فقتل نفسه)) الحديث وفي رواية: ((خرج به خراج))
والخراج بضم الخاء المعجمة وتخفيف الراء هو القرحة والقرحة بفتح القاف
وإسكان الراء وهي واحدة القروح وهي حبات تخرج في بدن الإنسان(٢).
وقيل: بثرة تخرج في بدن الإنسان والبثرة بفتح الباء الموحدة وإسكان الثاء
المثلثة وبفتحها أيضا لغتان وهي خراج صغار وقيل بثر وجهه وبثَر وبتُر ثلاث
لغات(٣).
وخص بعضهم به الوجه والمشهور أنه یعم الوجه وسائر البدن(٤) وروی
ابن السني والنسائي في اليوم والليلة عن بعض أزواج النبي وَّ قالت: دخل
علي النبي ◌َّه وقد خرج من أصبعي بثرة فقال: ((عندك ذريرة)) قلت: نعم،
فوضعها عليها وقال: قولي اللهم مصغر الكبير ومكبر الصغير صغر[ما بي]
(١) الاستيعاب (٢٥٦/١).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٢٤/٢-١٢٥).
(٣) الأذكار (ص١٣٢) للنووى.
(٤) النجم الوهاج (٢/ ٢١١).

٣٧٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فطفيت(١)،أ.هـ، والذريرة هي فتات قصب من قصب الطيب يجاء به من
الهند(٢).
قوله: (( فقال الله تعالى بدرني عبدي بنفسه)) وفي الرواية الأخرى: ((بادرني
عبدي بنفسه)) الحديث، فيه دليل للمعتزلة أن القاتل يقطع أجل المقتول وأنه
لو تركه لعاش إلى أجله ومذهب أهل السنة أنه لا يموت أحد إلا بأجل وأن
القاتل لم يقطع أجل المقتول وإنما قتله عند انتهاء أجله، ووجب القصاص
لتعديه وفعله به هذا الفعل الشنيع ويتأول قوله تعالى: ((بادرني بنفسه (( باعتبار
ما في ظن الذي قتل نفسه فإنه قد ظن أن الأجل كان متأخرًا عن ذلك الوقت
أو أنه بادر إلى تعاظم سبب إزهاق روحه ولو ترك هو هذا السبب لخلق الله
تعالى سببا لهلاكه غير القتل فهذا معنى المبادرة فهي مبادرة إلى تعاطي سبب
الموت وليست مبادرة إلى الموت فاعرفه ذكره ابن العماد في شرح العمدة.
قوله تعالى: ((فحرمت عليه الجنة)) أما تحريم الجنة عليه فيحتمل أن يكون
مشركا [٢٥٢/ ب] قد ضم إلى شركه هذا الفعل أو مستحلا لذلك فإن لم
(١) أخرجه أحمد ٣٧٠/٥ (٢٣١٤١)، والنسائي في الكبرى (١٠٨٠٣) وعمل اليوم والليلة
(١٠٣١)، وابن السنى (٦٣٥)، والحاكم (٤ /٢٠٧)، وأبو نعيم في الطب (٤٨٩)، وابن
حجر في نتائج الأفكار (١٥٧/٤). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. قال الهيثمى في
المجمع ٩٥/٥-٩٦: رواه أحمد، وفيه مريم بنت أبي إياس، تفرد عنها عمرو بن يحيى،
وهو ومن قبله من رجال الصحيح. وقال ابن حجر: هذا حديث صحيح. وضعفه الألبانى
في الضعيفة (٤٠٦٨).
(٢) الأذكار (ص١٣٢) للنووى.

٣٧٣
كتاب الحدود وغيرها
يكن كان تحريم الجنة المرتفعة القدر من بين الجنان أو المنع من دخول
الجنة في أول الأمر إلى أن يعذب بالنار لأنه إذا وقع العرض دخل قوم الجنة
وقوم إلى النار أ.هـ قاله في [كشف المشكل](١).
وقال بعض العلماء في قوله: ((حرمت عليه الجنة)) فإن قيل: المؤمن لابد
أن يدخل عاقبة أمره الجنة وإن كان صاحب الكبائر؟ قلت: معناه حرمت
عليه قبل دخوله النار أو جنة خاصة لأن الجنان كثيرة أو هو من باب التغليظ
أو إذا كان مستحلا للقتل أو التحريم جزاؤه، وقد يعفى عنه أو هو مقدر
بمشيئة الله (٢) أ.هـ
فهذا الوعيد إن حمل على ظاهره خص به من فعل ذلك مستحلا [فلذلك
حرمت الجنة ]وإلا فالمؤمن لا يخلد في النار ولعل حرم عليه في أول الأمر
ليذوق وباله بإدخاله النار ثم ينجيه منها بفضله ورحمته وقيل: يحتمل أنه كان
كافرا أو راتد من الجراحة والله أعلم فيحمل على تحريم الجنة قبل أن يعذب
أو على تحريمها عليه حين يدخلها السابقون والأبرار إذا فتحت أبوابها لهم
أو يطيل حسابه أو يحبس في الأعراف هذا كلام القاضي قال النووي:
ويحتمل أن شرع أهل ذلك العصر تكفير أصحاب الكبائر (٣).
قوله: في الرواية الأخرى: ((فأخذ سكينافجز بها يده فما رقا الدم حتى
مات)) وجز يده أي قطعها أو بعضها.
(١) كشف المشكل (٤٦/٢) لابن الجوزى.
(٢) الكواكب الدرارى (١٤١/٧).
(٣) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٢٧).

٣٧٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وقوله: ((فلم يرقا الدم)) الحديث، ورقأ الدم، قال الحافظ: هو مهموز، أي:
جف وانقطع وكذا قولها ((لا يرقأ لي دمع)) أي انقطع قاله عياض (١).
وقوله وَّة في صحيح مسلم: ((إن رجلا كان ممن كان قبلكم خرجت
بوجهه قرحة فلما آذته انتزع سهما من كنانته فنكأها» تقدم الكلام على
القرحة والكنانة بكسر الكاف جعبة النشاب قاله المنذرى والجعبة بفتح
الجيم وسميت كنانة لأنها تكن السهام: أي تسترها(٢).
وقوله: ((فنكأها)) بالهمز أي نخسها وفجرها،أ.هـ قاله الحافظ المنذري ثم
إن هذا محمول على أنه نكأها استعجالا للموت ولغير مصلحة فإنه لو كان
على طريق المداواة التي يغلب على الظن نفعها لم يكن حرامًا(٣).
تنبيه: ويدل على ذلك الحديث الصحيح في مسلم في الرجل الذي هاجر
إلى النبي وَلّ وأصابته في يده آفة فأخذ مشاقصه فجز بها أصابعه فما رقأ الدم
حتى مات فرئ بعد موته فقيل له ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بهجرتي إلى
النبي وَّ إلا ما كان من يدي فإنه قيل لي أنا لي نصلح منك ما أفسدت فقال
رسول الله وَي بعدما قصت عليه الرؤيا: ((اللهم وليديه فاغفر)) (2) وسبب
استحقاق الوعيد الدخول إلى الدار الآخرة بغير إذن والله أعلم قاله ابن العماد.
(١) مشارق الأنوار (١/ ٢٩٨).
(٢) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٢٤).
(٣) المصدر السابق (٢/ ١٢٧).
(٤) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٦١٤)، ومسلم (١٨٤ - ١١٦) عن جابر.

٣٧٥
كتاب الحدود وغيرها
فائدة: وفي الحديث دليل على أن نفس الإنسان مملوكة لله تعالى لا يحل
للإنسان التصرف فيها بما يضرها ولا يحل له أن يقتل نفسه في مسائل منها إذا
أحاطت به النار وتحقق أنه لا يمكنه التخلص منها إلا بأن يلقي نفسه في بئر
أو حفرة فيموت فيجوز له ذلك مراعاة لتوقع الصلاة عليه ودفنه.
الثانية: إذا وقع في أيدي المشركين وتحقق أنهم يمثلون به لمؤلم يقتل
نفسه فهذا من العوارض المبيحة للقتل وليس من الأشياء المبيحة [٢٥٣/أ]
للقتل أن يزني وهو محصن ويريد قتل نفسه بل طريقه أن يرفع نفسه إلى
الإمام ويقر ليقتله والستر على نفسه أولى،أ.هـ قاله ابن العماد.
٣٧٠١ - وَعَنِ جَابر بن سَمُرَة ◌َّهُ أَن رجلا كَانَت بِهِ جِرَاحَة فَأَتى قرنا لَهُ
فَأخذ مشقصا فذبح بِهِ نَفسه فَلم يصل عَلَيْهِ النَّبِي ◌ََّ رَوَاهُ ابْن حبَان ◌ِي
صَحِيحه الْقرن بِفَتْحِ الْقَاف وَالرَّاء جعبة النشاب والمشقص بِكَسْر الْمِيم
وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الْقَاف سهم فِيهِ نصل عريض وَقيل هُوَ النصل
وَحده وَقيل سهم فِيهِ نصل طَوِيل وَقيل النصل وَحده وَقيل هُوَ مَا طَال
وَعرض من النصال(١).
قوله: وعن جابر بن سمرة رقائه تقدم الكلام عليه . .
قوله: ((أن رجلًا كانت به جراحة فأتى قرنا له فأخذ مشقصا فذبح به نفسه
فلم يصل عليه النبي (وَّ)) الحديث، القرن: هو جعبة النشاب، والمشقص: قد
(١) أخرجه أبو داود (٣١٨٥)، وابن ماجه (١٥٢٦)، والنسائى في المجتبى ١٠٨/٤ (١٩٨٠)،
وابن حبان (٣٠٩٣) و(٣٠٩٥). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٤٥٧)،
والأحكام (٨٤).

٣٧٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ضبطه الحافظ وفسره فقال: هو سهم فيه نصل عريض، وقيل: هو النصل
وحده، وقيل: سهم فيه نصل طويل، وقيل: ما طال وعرض من النصال، أ.هـ.
وقيل: هو [السكين](١) وقد رواه الطبراني بمشقص(٢)، وفي هذا الحديث
دليل لمن يقول: لا يصلي على قاتل نفسه لعصيانه ومذهب أهل السنة أنه لا
يكفر [من قتل نفسه] ونصوا على أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب
وتقدم في المديون أنهم كانوا يصلون عليه وهو متعلق الذمة وحاله أشد ممن
ذنبه فيما بينه وبين الله وإنما ترك الصلاة عليه تحذيرا من مثل فعله وتعظيما
لذنبه وبهذا قال مالك زجرا لهم ولعل هذا القاتل كان مستحلا القتل نفسه
فمات كافرا فلم يصل عليه لذلك وهذا مذهب عمر عبد العزيز، وأما المسلم
القاتل لنفسه أو لغيره فيصلي عليه عند الحسن والنخعي وقتادة ومالك وأبي
حنيفة والشافعي وجماهير العلماء خلافا للأوزاعي وقال أحمد: لا يصلي
عليه الإمام ويصلي عليه غيره وأجابوا عن هذا الحديث بأن النبي لم يصل
عليه بنفسه زجرا للناس عن مثل فعله وصلت عليه الصحابة وهذا كما ترك
النبي وَيّ في أول الأمر الصلاة على من عليه دين زجرا لهم عن التساهل في
الاستدانة وعن إهمال وفائها وأمر الصحابة بالصلاة عليه فقال: ((صلوا على
صاحبكم)) قال القاضي عياض: مذهب العلماء كافة الصلاة على كل مسلم
ومحدود ومرجوم وقاتل نفسه ومرتكب الكبائر وولد الزنا، وعن الإمام
(١) قاله الداودى كما في المشارق (٢٥٧/٢) وإكمال المعلم (٣٢٦/٤).
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٢/ ٢٣٠ رقم ١٩٥٦).

٣٧٧
كتاب الحدود وغيرها
مالك وغيره: أن الإمام يجتنب الصلاة على مقتول في حد الزنا وأن أهل
الفضل لا يصلون على الفساق زجرا لهم، وعن الزهري: لا يصلي على
المرجوم ويصلي على المقتول في قصاص، وقال أبو حنيفة: لا يصلي على
محارب ولا على قتل الفئة الباغية، وقال قتادة: لا يصلي على ولد الزنا،
وعن الحسن: لا يصلي على النفساء تموت من زنا ولا على ولدها، ومنع
بعض السلف الصلاة على الطفل الصغير والله أعلم (١) ذكره ابن العماد في
شرح العمدة.
وفرق بعضهم بين قاتل نفسه لعدم إمكان التوبة متعجلا فلا يصلي عليه
بخلاف قاتل غيره وأما من قتل في حد فتقدم ونقل عن الشافعي أنه لا يصلي
على تارك الصلاة إذا قتل والصحيح أنه يصلي عليه وفي أبي داود: ((صلوا
على من قال لا إله إلا الله))(٢) قاله شارح الإلمام.
٣٧٠٢- وَعَن أبي قلَابَةٌ رََّهُ أَن ثَابت بن الضَّحَّاكِ رَهُ أخبرهُ بِأَنَّهُ بَايِعِ
رَسُول الله ◌ََّ تَحت الشَّجَرَة وَأَن رَسُول الله وَِّ قَالَ من حلف على يَمِين بِمَّة
غير الْإِسْلَامِ كَاذِبًا مُتَعَمدا فَهُوَ كَمَا قَالَ وَمن قتل نَفسه بِشَيْء عذب بِهِ يَوْم
الْقِيَامَة وَلَيْسَ على رجل نذر فِيمَا لَا يملك وَلعن الْمُؤمن كقتله ومن رمى
(١) شرح النووي على مسلم (٤٧/٧-٤٨).
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٤٤٧/١٢ رقم ١٣٦٢٢)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٩١٣)،
والدارقطنى (١٧٦١-١٧٦٣) وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢١٧/٢). قال ابن عدى:
منكر. وقال الهيثمى في المجمع ٢/ ٦٧: رواه الطبراني في الكبير، وفيه محمد بن الفضل
بن عطية وهو كذاب. وضعفه الألباني في الإرواء (٧٢٨) وضعيف الجامع (٣٤٨٣).

٣٧٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
مُؤمنا بِكَفْر فَهُوَ كقتله وَمن ذبح نَفسه بِشَيْء عذب بِهِ يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ البُخَارِيّ
وَمُسلمٍ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ بِاخْتِصَارِ وَالتِّرْ مِذِيّ وَصَحِحُهُ وَلَفِظِهِ إِن النَِّي ◌َّ
قَالَ لَيْسَ على الْمَرْء نذر فِيمَا لَا يملك ولاعن الْمُؤمن كقاتله ومن قذف مُؤمنا
بِكَفْر فَهُوَ كقاتله وَمن قتل نفسه بِشَيْء عذبه الله بِمَا قتل بِهِ نَفسِه يَوْم الْقِيَامَةِ (١).
قوله: وعن أبي قلابة رَّ الَّهُ اسمه [عبد الله بن زيد بن عمرو، أبو قلابة
الجرمي البصري، أحد الأئمة الأعلام].
قوله: أن ثابت بن الضحاك رَقُوَّهُ أخبره بأنه بايع رسول الله وَل تحت
الشجرة، الحديث ثابت بن الضحاك [بن خليفة بن ثعلبة بن عديابن كعب بن
عبد الأشهل الأنصاري الأوسي الأشهلي، أبو زيدالمدني، سكن البصرة.
وهو أخو جبيرة بن الضحاك، وثبيتة بنت الضحاك، التي كان محمد بن
مسلمة يطاردها ببصره ليتزوجها، وهو ممن بايع تحت الشجرة، وكان رديف
رسول الله وَال﴾، يوم الخندق، ودليله إلى حمراء الأسد روى عنه: أبو قلابة
عبد الله بن زيد الجرمي، وعبد الله بن معقل بن مقرن المزني(٢)].
والمبايعة مأخوذة من البيع وتقدم الكلام على ذلك.
قوله وَاللّه: ((من حلف على [٢٥٣/ ب] يمين بملة غير الإسلام كاذبا
متعمدا فهو كما قال)) الحديث، الحلف بالشيء هم القسم به، وهذا الحديث
(١) أخرجه البخارى (٦٠٤٧) و(٦١٠٥) و(٦٦٥٢)، ومسلم (١٧٦ و١٧٧ - ١١٠)، وأبو
داود (٣٢٥٧)، والترمذى (١٥٢٧) و(٢٦٣٦)، والنسائي في المجتبى ٣٠٩/٦ (٣٨٠٣)
و(٣٨٠٤) و٣٣٥/٦ (٣٨٤٧) والكبرى (٤٧٣٦).
(٢) الاستيعاب لابن عبد البر: ١/ ٢٠٥ وأسد الغابة: ١/ ٢٢٦، والاصابة: ١/ ١٩٤.

٣٧٩
كتاب الحدود وغيرها
له صورتان، الأولى: أن يقول ودين اليهودية أو دين النصرانية لا أفعل كذا
فهذا حكمه حكم من حلف باللات والعزى، وسيأتي الكلام على ذلك،
اللات قيل إنها تأنيث اسم الله تعالى وقيل أرادوا في الجاهلية أن يسموا بعض
آلهتهم باسم الله تعالى فصرف ألسنتهم عن ذلك فقالوا اللات صيانة للاسم
العظيم أن يسمي به غيره ولما نشأ القوم على تعظيم تلك الأصنام وعلى
الحلق بها وأنعم عليها بالإسلام بقيت تلك الأسماء تجري على ألسنتهم من
غير قصد للحلف جعل كفارة ذلك قول لا إله إلا الله إفراد الألوهية وتذكيرا
من الغفلة وإتماما للنعمة وخص اللات بالذكر هنا لأنها أكثر ما كانت تجري
على ألسنتهم وحكم غيرها من أسماء آلهتهم كذلك، الصورة الثانية: قال
النووي إذا حلف بشيء من الأصنام، أو يقول: إن فعلت كذا فهو يهودي أو
نصراني وبرئ من الإسلام أو من النبي ◌َّ فهذا ليس بيمين لأن اليمين لا
تنعقد بغير اسم الله تعالى وصفاته ولكن يحرم عليه الحلف بذلك كما قاله
النووي في الأذكار [بل عليه] أن يستغفر الله تعالى [ويقول لا إله إلا الله] ولا
كفارة [عليه سواء فعله أم لا] هذا مذهب الشافعي ومالك ومالك وجماهير
العلماء، وقال أبو حنيفة: تجب الكفارة في ذلك(١).
ولا يترتب على ذلك الكفر في الحال لأنه قصد بذلك إبعاد نفسه عن
الفعل فإن قصد تعليق الكفر على الفعل كفر في الحال هذا إن حلف على
مستقبل فإن حلف على ماض كقوله إن كنت فعلت كذا فهو يهودي أو
نصراني فظاهر الحديث أنه يصير كافرا لأنه ◌َّيّ قال: ((فهو كما قال))، وقد
(١) شرح النووي على مسلم (١١/ ١٠٧).

٣٨٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
اختلف الحنفية في تكفيره فقیل یکفر کما لو قال هو يهودي وقيل لا يكفر كما
لو حلف بذلك على مستقبل ولم يقصد تعليق الكفر على الفعل ولا الرضى
به، ثم إن كان الحلف به معظما لما حلف به مجلا له كان كافرا وإن لم يكن
معظما بل كان قلبه مطمئنا بالإيمان فهو كاذب في حلفه بما لا يحلف به
ومعاملته إياه معاملة ما يحلف به ولا يكون كافرا خارجا عن ملة الإسلام،
ويجوز أن يطلق عليه اسم الكفر ويراد به كفر الإحسان وكفر نعمة الله تعالى
فإنها تقتضي أن لا يحلف هذا الفعل القبيح (١)،أ.هـ.
قوله {مَّي: (( ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة)) الحديث، يؤخذ منه أن
جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في استحقاق إثم القتل ووجوب
الكفارة في ماله لأن نفس الإنسان ليست ملكا له بل هي ملك لله تعالى(٢) .
وقوله: ((عذب به)) أي: بمثله، واستدل على اعتبار المماثلة في القصاص
فيقتل القاتل بما قتل به محددا كان أو غير محدد، ويحتمل أن يكون المراد
عذب بنفس تلك الألة التي قتل بها نفسه ويدل عليه قوله وَّله: ((من قتل نفسه
بحديدة فحديدته فى يده يتوجأ بها في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا))
والخلود محمول على المكث الطويل أو على تأبيد الخلود إن فعل ذلك
مستحلا للقتل وتقدم ذلك من كلام النووي في أول الباب أ.هـ.
قوله مَّي: ((وليس على رجل نذر فيما لا يملك)) فيه أنه لا يصح النذر فيما
لا يملك ولا يلزم بهذا النذر شيء، وفيه دليل على أن التصرفات الواقعة قبل
(١) شرح النووي على مسلم (١٢٦/٢).
(٢) إحكام الأحكام (٢/ ٢٦١).