النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
كتاب الحدود وغيرها
مُسْتَقِيمًا فَأَتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهٍ﴾(١) خط
رسول الله و لا خطا فقال: ((هذا سبيل الله تعالى ثم خط عن يمين الخط وعن
شماله خطوطا فقال: هذه سبل الشيطان)) وروى هذا المعنى من حديث جابر
بن عبد الله قال: كنا عند رسول الله وَ لا فخط خطا وخط خطين عن يساره ثم
وضع يده في الخط الأوسط وقال: ((هذه سبيل الله)) ثم تلا الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا
صِرَاطِى مُسْتَقِيمًا فَأَتَّبِعُوهُ﴾ الآية(٢)، وفي حديث آخر: خط خطوطا عن يمينه
وعن شماله ثم قال: ((هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعوا إليها)) ثم
قرأ الآية المشار إليها، قال أبو العالية: الصراط المستقيم النبي وَلّ [وصاحباه
من بعده] أبو بكر وعمر فقيل ذلك للحسن: فقال: صدق أبو العالية(٣)، قال
الطبرى وابن عطية(٤): وهذه السبل تعم اليهودية والنصرانية وسائر أهل
الملل وأهل البدع والضلالات من أهل الأهواء وغير ذلك من أهل التعمق
في الجدل والخوض في الكلام وهذه كلها عرضة للزلل ومطية لسوء المعتقد،
وقال مجاهد في قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ﴾ البدع(٥)، قال ابن شهاب: هذا
(١) سورة الأنعام، الآية: ١٥٣.
(٢) أخرجه أحمد ٣٩٧/٣ (١٥٢٧٧)، وعبد بن حميد (١١٤١)، وابن ماجه (١١)، وابن أبي
عاصم في السنة (١٦)، ومحمد ابن نصر المروزي في السنة (١٣)، والآجري في الشريعة
(١٣)، وابن بطة فى الإبانة (١٢٩)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٩٥). وقال
الألباني: صحيح ظلال الجنة (١٦).
(٣) تفسير الطبرى (١٧٥/١).
(٤) المحرر الوجيز (٣٦٤/٢)، وتفسير الطبرى (٦٦٩/٩)، وتفسير القرطبى (١٣٨/٧).
(٥) تفسير الطبرى (٩/ ٦٧٠).

١٤٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا﴾(١) الآية، فالهرب الهرب
والنجاء والنجاء والتمسك بالصراط المستقيم والسنن القويم الذي سلك
السلف الصالح ففيه المتجر الرابح، والصراط المستقم دين الله تعالى الذي
لا يقبل من العباد غيره(٢)، وقال الفضيل بن عياض(٣): الصراط المستقيم
طريق الحج وهذا خاص والعموم أولى وأصل الصراط في كلام العرب
الطريق المستقيم الذي لا اعوجاجا فيه، قاله في الديباجة.
قوله: ((وعن جنبتي الصراط)) أي جانبيه وجنبة الوادي جانبه وناحيته وهي
بفتح النون وبسكون النون الناحية، يقال نزل فلان جنبة أي ناحية ومنه
حديث عمر رَقَّهُ: ((عليكم بالجنبة فإنها [عفاف])) قال الهروي: يقول:
اجتنبوا النساء والجلوس إليهن ولا تقربوا ناحيتهن، يقال رجل ذو جنبة أي
ذو اعتزال عن الناس مجتنب لهم قاله ابن الأثير (٤).
قوله: ((فصراط الله هو الصراط المستقيم وصراط الشيطان الذي جعله الله
الإغواء بني آدم هو الصراط المعوج)) ولصراط الله شعب ولصراط الشيطان
[٢٢٢ / أ] اللعين شعب، وكل شعبة من صراط الله تعالى يفضي سالكها إلى
الجنة وكل شعبة من شعب الشيطان تفضي صاحبها إلى النار وإلى شعب
الصراط المستقيم أشار عليه الصلاة والسلام بقوله في الحديث الصحيح
(١) سورة الأنعام، الآية: ١٥٩.
(٢) تفسير القرطبى (١٣٨/٧).
(٣) تفسير القرطبى (١ / ١٤٧).
(٤) النهاية (٣٠٣/١).

١٤٣
كتاب الحدود وغيرها
((الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله)) الحديث، ولما
كانت شعب الصراط المستقيم بضعا وسبعين كانت أيضا شعب الصراط
للعوج الذي هو صراط الشيطان اللعين بضعا وسبعين، كما ورد في الحديث
الصحيح عن النبي ◌َّ: ((تفرقت بنو إسرائيل على سبعين فرقة وستفترق
أمتي على نيف وسبعين فرقة كلها في النار إلا ما أنا وأصحابي عليه))(١)
الحديث، ففي هذا المثل الذي ضربه النبي ◌ّ أن الإسلام هو الصراط
المستقيم الذي أمر الله تعالى بالاستقامة عليه ونهي عن تجاوز حدوده وأن
من ارتكب شيئا من المحرمات فقد تعدى حدوده، أ.هـ قاله ابن رجب(٢).
قوله: ((وعلى الصراط واعظ الله على كل مسلم)) يعنى حجة الذي تنهاه عن
الدخول فيما منعه الله وحرمه عليه والبصائر التي جعلها فيه، أ.هـ قاله ابن الأثير(٣).
٣٥٣٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ◌ََّهُ أَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ قَالَ: من يَأْخُذ مني هَذِه
الْكَلِمَات فَيَعْملِ بِهِن أَو يعلم من يعْمل بِهِن فَقَالَ: أَبُو هُرَيْرَة قلت أَنَا يَا رَسُول
الله فَأخذ بيدي وعد خمْسًا قَالَ: اتَّقِ الْمَحَارِم تكن أعبد النَّاس وَارْضَ بِمَا
قسم الله لَك تكن أغْنى النَّاس وَأحسن إِلَى جَارك تكن مُؤمنًا وَأحب للنَّاس مَا
تحب لنفسك تكن مُسلما وَلَا تَكْثر الضحك فَإِن كَثْرَة الضحك تميت القلب
(١) أخرجه الترمذى (٢٦٤١). وحسنه الألباني فى المشكاة (١٧١ / التحقيق الثاني)،
الصحيحة (١٣٤٨).
(٢) جامع العلوم والحكم (١/ ١٠٤).
(٣) النهاية (٢٠٦/٥).

١٤٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حَدِيث حسن غَرِيب لا نعرفه إِلَّ من حَدِيث جَعْفَر بن
سُلَيْمَان وَالْحسن لم يسمع من أبي هُرَيْرَة وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْبَيْهَِيّ وَغَيرهمَا
من حَدِيث وَاثِلَة عَن أبي هُرَيْرَة وَتقدم فِي هَذَا الکتاب أحَادِیث کَثِيرَة جدا فِي
فضل التَّقْوَى وَيَأْتِي أَحَادِيث أخر وَالله أعلم(١).
(١) أخرجه أحمد ٣١٠/٢ (٨٠٩٥)، والترمذي (٢٣٠٥)، وابن أبى الدنيا في الورع (٢)، وأبو
يعلى (٦٢٤٠)، والخرائطى في اعتلال القلوب (٢٧٥) ومكارم الأخلاق (٢٥٥)
والطبراني في الأوسط (٧/ ١٢٥ رقم ٧٠٥٤)، وتمام (٥٠)، وأبو نعيم في الحلية
(٢٩٥/٦)، والبيهقى في الشعب (٩٢/١٢-٩٣ رقم ٩٠٩٦) و(٤٥٨/١٣-٤٥٩ رقم
١٠٦١٦) من طريق الحسن عن أبى هريرة.
قال الترمذى: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث جعفر بن سليمان والحسن لم
يسمع من أبي هريرة شيئا. هكذا روي عن أيوب، ويونس بن عبيد، وعلي بن زيد، وروى
أبو عبيدة الناجي، عن الحسن، هذا الحديث قوله: ولم يذكر فيه عن أبي هريرة، عن النبي
وَير. وقال الطبرانى: لم يرو هذا الحديث عن الحسن إلا أبو طارق، تفرد به: جعفر بن
سليمان. وقال أبو نعيم: غريب من حديث الحسن تفرد به جعفر، عن أبي طارق. وحسنه
الألباني في الصحيحة (٩٣٠) وصحيح الترغيب (٢٣٤٩) و(٢٥٦٧).
وأخرجه أبو عبيد في المواعظ (١٢٩)، وهناد في الزهد (١٠٣١) و (١١٤٨)، والبخاري
في الأدب المفرد (٢٥٢)، وابن ماجه (٤٢١٧)، وابن أبى الدنيا في الورع (٣)، وأبو يعلى
(٥٨٦٥)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (٢٤٢)، والطبرانى في الشاميين (٣٨٥)
و (٣٤٠٨)، وأبو نعيم في الحلية ٣٦٥/١٠، وفي أخبار أصبهان ٣٠٢/٢، والبيهقي في
الآداب (٣٢٣) و(٨٣١) والزهد (٨١٨) والشعب (٤٩٩/٧ - ٥٠٠ رقم ٥٣٦٦)،
والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٢٤٩٣) من طريق واثلة عن أبى هريرة. وقال
الدار قطنى في العلل (١٣٣٩): يرويه أبو رجاء محرز بن عبد الله الخراساني، وقيل الجزري
واختلف عنه؛ فرواه إسماعيل بن زكريا، عن أبي رجاء، عن بردة بن سنان، عن مكحول،
=

١٤٥
كتاب الحدود وغيرها
قوله: وعن أبي هريرة رقم تقدم الكلام عليه.
قوله وَجيل لأبي هريرة: ((اتق المحارم تكن أعبد الناس)) الحديث، أصل
التقوى الاجتناب والمراد هنا اجتناب المعاصي وكان المتقي يتخذ له وقاية
من عذاب الله بترك المخالفة والمراد بالمحارم الأشياء التي حرمها الله
تعالی.
=
عن واثلة بن الأسقع، عن أبي هريرة. وتابعه المحاربي، عن أبي رجاء، واختلف عن
المحاربي، فرواه الأحمسي، وأبو السكين زكريا بن يحيى الطائي، عن المحاربي، عن أبي
رجاء، عن برد، عن مكحول، عن واثلة، عن أبي هريرة.
ورواه هناد بن السري، عن المحاربي، فأسقط من الإسناد مكحولا. وكذلك رواه أبو
معاوية الضرير، عن أبي رجاء، عن برد، عن واثلة، عن أبي هريرة. وقال مجاهد بن موسى
عن أبي معاوية، عن محمد بن راشد، عن برد، عن مكحول، عن واثلة، عن أبي هريرة.
وليس هذا القول بمحفوظ، والحديث غير ثابت.
وقال البوصيرى في الزجاجة (٤/ ٢٤٠): هذا إسناد حسن وأبو رجاء اسمه محرز بن عبد
الله. وصححه الألبانى في الترغيب (١٧٤١)، الصحيحة (٥٠٦ و ٩٢٧ و٢٠٤٦).

١٤٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
[الترغيب في إقامة الحدود والترهيب من المداهنة فيها]
الحدود: جمع حد، والمداهنة في الحدود المساهلة في الأمور يعني أن
يرى الرجل منكر ويقدر على دفعه ولم يدفعه لمحافظة جانب أحد أو
لاستحياء من أحد أو لقلة مبالاته في الدين، فالمداهن المصانع والغاش فيها
والادهان الليل والمصانعة (١) أ.هـ.
٣٥٣٩- عَن أبي هُرَيْرَة ◌َوَ قَالَ: قَالَ رَسُول الله رَّ لحد ◌ُقَام فِي الأرْض
خير لأهل الأرض من أن يمطروا ثَلاثِينَ صباحًا.
٣٥٤٠ - وَفِي رِوَايَة قَالَ: أَبُو هُرَيْرَة رَمِنََّ إِقَامَة حد فِي الأَرْض خير لأَهْلهَا
من أَن يمطروا أَرْبَعِينَ لَيْلَة رَوَاهُ النَّسَائِيّ هَكَذَا مَرْفُوعًا وموقوفًا وَابْن مَاجَه
وَلَفظه قَالَ: رَسُول الله ◌ِّلِ حد يعْمل بِهِ فِي الأَرْض خير لأهل الأَرْض من أَن
يمطروا أَرْبَعِينَ صباحًا وَابْن مَاجَه فِي صَحِيحِه وَلَفظه قَالَ رَسُول الله وَهِ إِقَامَة
حد بِأَرْض خير لأَهْلهَا من مطر أَرْبَعِينَ صباحًا (٢).
(١) التعريفات (٢٠٧/١) للجرجانى، وشرح المصابيح (٣٦٤/٥) لابن ملك.
(٢) أخرجه ابن المبارك في المسند (١٥٧)، وأحمد ٣٦٢/٢ (٨٧٣٨) و٤٠٢/٢ (٩٢٢٦)،
والبخارى في التاريخ الكبير (٢١٢/٢)، وابن ماجه (٢٥٣٨)، والنسائي في الكبرى
(٧٣٥٠) والمجتبى ٤٦٩/٧ (٤٩٤٨)، وأبو يعلى (٦١١١)، وابن الجارود في المنتقى
(٨٠١)، وابن حبان (٤٣٩٧) و(٤٣٩٨)، والطبراني في الصغير (١٦٦/٢ رقم ٩٦٦).
وأخرجه النسائي في الكبرى (٧٣٥١) والمجتبى ٧/ ٤٧٠ (٤٩٤٩) موقوفا. وقال
الدارقطنى في العلل (٢٢٣١): يرويه جرير بن يزيد، واختلف عنه؛ فرواه عیسی بن یزید،
=

١٤٧
كتاب الحدود وغيرها
٣٥٤١- وروى ابْن مَاجَه أَيْضا عَن ابْن عمر رَّ الََّا أَن رَسُولِ اللهِ وَّهِ قَالَ
إِقَامَة حد من حُدُود الله خير من مطر أَرْبَعِينَ لَيْلَة فِي بِلَاد الله(١).
قوله: عن أبي هريرة نظَّ تقدم الكلام عليه.
قوله وَيقة: ((لحد يقام في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا ثلاثين
صباحا)) وفي رواية ابن ماجه ((خير لأهلها من أن يمطروا أربعين ليلة)) في بلاد
الله الذي يظهر والله أعلم أنما خص المطر بأربعين ليلة لأن أدنى الحدود
شرب الخمر وهو أربعون، وذكر الزمخشري في أوئل سورة النور حديثًا لا
يعرف مخرجه قال: وفي الحديث يؤتى بوال نقص من الحد سوطا فيقال له
لم تنقصت من حد هذا سوطا فيقول: يا رب رحمة [لعبادك] فيقول: له أنت
أرحم مني به فيؤمر به إلى النار ويؤتى بمن زاد سوطا فيقال له لم فعلت هذا
فيقول فعلته لينتهوا عن معاصيك فيؤمر به إلى النار (٢) والذي في حفظي
=
وجرير بن عبد الحميد، عنه، عن أبي زرعة مرفوعًا.
وخالفهما يونس بن عبيد، فرواه عن جرير، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة موقوفا.
واختلف عن يونس في هذا الحديث، فرواه أصحاب ابن علية عنه، عن يونس هكذا.
وخالفهم محمد بن قدامة المصيصي، فرواه عن ابن علية، عن يونس بن عبيد، عن عمرو
بن سعيد، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، مرفوعا. والصحيح عن ابن علية، عن يونس، عن
جرير بن يزيد، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة موقوفا. وحسنه الألباني في الصحيحة
(٢٣١) وصحيح الترغيب (٢٣٥٠).
(١) أخرجه ابن ماجه (٢٥٣٧). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٥١)، والروض
١٠٥٧، والصحيحة ٢٣١.
(٢) تفسير الكشاف (٢٠٩/٣-٢١٠).

١٤٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قديما أنه يؤتي بالحاكم يوم القيامة فيقال له لم حددت فلانا فوق ما أمرتك
فيقول يارب وجدته جبارا عنيدا لا يرتدع بذلك فيقول الله جل جلاله ما كان
لغضبك أن يسبق غضبي ولا لنقمتك أن تسبق نقمتي ولا لسخطك أن يسبق
سخطي امضوا به إلى النار، ويقال للحاكم لم جلدت عبدي فلانا دون ما
أمرتك به فيقول يا رب وجدته ضعيفا نحيف الجسد لا يحتمل ذلك فيقال له
ما كان رأفتك أن تسبق رأفتي ولا لرحمتك أن تسبق رحمتي ولا لشفقتك أن
تسبق شفقتي امضوا له إلى النار(١)،أ. هـ قاله في الديباجة.
٣٥٤٢ - وَعَنِ ابْن عَبَّاس ◌َوَِّا قَالَ: قَالَ رَسُول الله وَّةِ: يَوْم من إِمَام عَادل
أفضل من عبَادَة سِتَّيْنَ سنة وحد يُقَامِ فِي الأَرْض بِحقُّهِ أزكى فِيهَا من مطر
أَرْبَعِينَ عَامًا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن وَهُوَ غَرِيبٍ بِهَذَا اللَّفْظِ(٢).
(١) أخرجه أبو يعلى كما في جامع السنن (٢٢٤٧) واتحاف الخيرة (٢٦١/٤ رقم ٣٥٢٥)،
والمطالب العالية (٢١٥٥) من طريق خلف بن خالد عن إبراهيم بن سالم، عن عمرو بن
ضرار عن حذيفة بلفظ: أيما رجل استعمل رجلا على عشرة أنفس علم أن في العشرة
أفضل ممن استعمل فقد غش الله وغش رسوله وغش جماعة المسلمين، ويؤتى بالذي
ضرب فوق الحد فيقول: عبدي، لم ضربت فوق ما أمرتك؟ فيقول: غضبت لك. فيقول:
أكان لغضبك أن يكون أشد من غضبي؟ ويؤتى بالذي قصر فيقول: عبدي، لم قصرت؟
فيقول: رحمته. فيقول: أكانت لرحمتك أن تكون أشد من رحمتي؟ فيؤمر بهما جميعا إلى
النار. وضعفه الألبانى بلفظه المختصر في الضعيفة (٧١٤٦).
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٩٢/٥ رقم ٤٧٦٥) والكبير (٣٣٧/١١ رقم ١١٩٣٢)،
وأبو نعيم في فضيلة العادلين (١٦)، والبيهقى في الكبرى (٢٨٠/٨ -٢٨١ رقم ١٦٦٤٩)
والشعب (٩/ ٤٨٢-٤٨٣ رقم ٦٩٩٥)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٢١٨٠)،
وابن عساكر في المعجم (١١٩٢).
=

١٤٩
كتاب الحدود وغيرها
قوله: وعن ابن عباس رَّهَا، تقدم.
قوله: ((يوم من إمام عادل أفضل من [٢٢٢/ ب] عبادة ستين سنة)): ﴿في
اُلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾(١) فناسب ذكر المطر لذلك، ويوضح هذا المعنى
قوله وَّ: (إنما أهلك الذين من قبلكم)) ((وحد يقام في الأرض بحقه أزكى
فيها من مطر أربعين عاما)) وفي رواية ((أزكى فيها من مطر أربعين يوما)) وإنما
كان العدل خيرا من المطر لأن المطر يحيى الأرض والعدل يحيى أهل
الأرض ولأن في إقامة الحد منع الفساد في الأرض بعد إصلاحها فناسبه ذكر
المطر لذلك، ويوضح هذا المعنى قوله وَّ: ((إنما هلك الذين من قبلكم
كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه
الحد)) فمنع إقامة الحد سبب هلاك الأمم، وكذلك منع المطر فيه هلاك
الخلق، وأيضا المطر الدائم قد لا يكون صلاحا وأما إقامة الحد فهو صلاح
محقق فكان خيرا لهم من المطر في المدة المذكورة، وخاطبهم بذلك لأن
العرب لا يسترزقون إلا بالمطر المعهود كما قال تعالى: ﴿وَفِى السَّمَاءِ
وقال الطبرانى: لم يرو هذا الحديث عن عكرمة إلا عفان بن جبير، تفرد به: جعفر بن
عون، ولا يروى عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد. قال ابن عساكر: هذا حديث غريب. قال
الهيثمى في المجمع ١٩٧/٥: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه سعد أبو غيلان
الشيباني ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. وقال في ٢٦٣/٦: رواه الطبراني في الأوسط،
وقال: لا يروى عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد، وفيه زريق بن السخت ولم أعرفه. وضعفه
الألبانى في الضعيفة (٩٨٩) و(١٥٩٥) وضعيف الترغيب (١٤٠٣).
(١) سورة الأعراف، الآية: ٥٦.

١٥٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾﴾(١) والنفوس العاصية لا تنزجر عن المعاصى إلا
بإقامة الحدود(٢)، أ.هـ قاله في الديباجة.
٣٥٤٣- وَعَنِ عِبَادَة بن الصَّامِت ◌َّهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله وَّهِ أَقِيمُوا
حُدُود الله فِي الْقَرِيب والبعيد وَلَا تأخذكم في الله لومة لائم رَوَاهُ ابْن مَاجَه
وَرُوَاته ثِقَاتٍ إِلَّا أَن ربيعَة بن ناجد لم يرو عَنْهُ إِلَّا أَبَا صَادِقٍ فِيمَا أعلم (٣).
قوله: وعن عبادة بن الصامت نَّالَّهُ تقدم. قوله واَية: ((أقيموا حدود الله في
القريب والبعيد ولا تأخذكم في الله لومة لائم)) وكانت الحدود في صدر الإسلام
بالغرامات ثم نسخت بهذه العقوبات المشروعات في الأحاديث والمرويات (٤).
(١) سورة الذاريات، الآية: ٢٢.
(٢) شرح المشكاة (٢٥٢٩/٨) بنحوه.
(٣) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند ٣١٦/٥ (٢٢٦٩٩) و٣٢٦/٥ (٢٢٧٧٦)
و(٢٢٧٧٧) و٣٣٠/٥ (٢٢٧٩٥)، وابن ماجه (٢٥٤٠)، وأبو داود في المراسيل (٢٤١)،
والفسوى في المعرفة والتاريخ (٣٥٩/٢ -٣٦٠)، وابن أبي عاصم في الجهاد (٨) والآحاد
والمثاني (١٨٦٦)، والبزار في مسنده (٢٧١٢)، وأبو يعلى كما في إتحاف الخيرة (١٨١/٥
رقم ٤٤٨٦ / ١)، والطبراني في الأوسط (١٥/٦ رقم ٥٦٦٠) ومسند الشاميين (١٥٠٢)،
والحاكم (٧٤/٢-٧٥)، والبيهقي في الصغير (٤٠٣/٣ رقم ٢٨٩٠) والكبرى (٣٥/٩-٣٦
رقم ١٧٧٩٩) و(١٧٦/٩- ١٧٧ رقم ١٨٢١٩ و١٨٢٢٠ و١٨٢٢١). قال أبوحاتم في العلل
(١٣٦٠): هذا حديث حسن؛ إن كان محفوظا. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال
البوصيرى في الزجاجة ١٠٣/٣: هذا إسناد صحيح على شرط ابن حبان. وصححه الألبانى
في الصحيحة (٦٧٠) و(١٩٤٢) و(١٩٧٢) وصحيح الترغيب (٢٣٥٢)، المشكاة (٣٥٨٧).
(٤) الحاوى (١٨٤/١٣)، وكفاية النبيه (١٦٦/١٧)، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام
(١٣١/٩)، والنجم الوهاج (٩/ ١٣٧).

١٥٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فائدة: المخزومية المذكورة في الحديث في صحيح مسلم قالت عائشة
زَوَلَّهَا أنها تابت وحسنت توبتها وتزوجت فكنت أرفع حاجتها إلى رسول الله
بعد، فإن قيل: فلم قال ◌َّ: ((لو سرقت فاطمة)) ولم خص بذلك ابنته؟
فالجواب: من وجهين، أحدهما أن اسم المخزومية فاطمة بنت الأسود فاتفق
الاسمان، والثاني: أنه ضرب المثل بأعز الخلق عليه زجرا للغير وحفظا لأموال
الناس قاله في مرآة الزمان [وجواب آخر: أن ذلك رد لما استبعدوه من قطعها
وهي على ما هي عليه من الشرف ممثلا ذلك بأشرف نساء العالمين وأن
الشرف لو كان معتبرا في رد الحد ودرئه لكان معتبراً، لا جرم في من لا أشرف
في جنس النساء منها لكن الأمر ليس كذلك، وبهذا يرتبط هذا مع قوله عليه
الصلاة والسلام:((كانوا إذا سرق فيهم الشريف)) والله أعلم، كاتبه].
فائدة: في هذا الحديث دليل على أن فاطمة أفضل نساء الأمة وأشرفهن
لأنه لو كان غيرها أشرف لذكره لأن الحديث سيق لبيان أن كمال الشرف في
الإنسان لا يمنع من إقامة الحد عليه فاعلمه قاله ابن العماد [وبعد كتبي
الجواب يمنة، وقعت على كلام ابن العماد هذا وهو الذي ينبغي أن يعتمد
جوابا وهو شاهد لما ذكرناه والحمد لله].
فائدة أخرى: الفواطم جماعة، فاطمة بنت محمد رَّله، وفاطمة بنت أسد
أم علي بن أبي طالب وفاطمة أم أسماء بنت حمزة، وقيل: الثالثة: بنت عتبة
بن ربيعة (١)،أ.هـ قاله ابن العماد في شرح العمدة.
(١) شرح المشكاة (٢٨٩٤/٩) للطيبى.

١٥٧
كتاب الحدود وغيرها
الشافعية إن نوى به اليمين فهو يمين وإلا فلا وفيه دليل على جواز الحلف
من غير استحلاف وهو مستحب إذا كان فيه تفخيم لأمر مطلوب كما في هذا
الحديث وقد كثرت نظائره في أحاديث كثيرة في هذا التعليق(١).
قوله وليلة: (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)) وفيه عدم
السعي في تعطيل الحدود رعاية لأهل الوجاهة والشرف وصفة ما يفعل عند
ذلك حتى على الحث بنحو اشفع في كذا ثم الإسهاب بنحو القيام
والاختطاب البين وقال ذلك وأنه أهلك الأوائل ثم أظهر التصميم حتى في
الأعز الأحب مؤكدا بالقسم: ﴿وَلَا تَأْخُذُكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِ دِينِ اللَّهِ﴾(٢)
الآية، كذا ذكره في حدائق الأولياء(٣)، ويحك هذا سيد الأولين والآخرين
يقسم بالله تعالى أن ابنته التي هي بضعة منه لو سرقت أقام عليها الحد ليشرع
لك ذلك ويخبرك أن سبب هلاك الأمم قبلك ما أخبر به وأنت لا تنقاد لذلك بل
لو روجعت في الحق لوجدت نفسك حرجا من ذلك [٢٢٤ / أ] وأنت تدعي
الإيمان كذبت قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٤) الآية، فلابد من
تسليمك وعدم حرجك لتحقيق إيمانك، أ.هـ قاله أيضا في الحدائق(٥).
(١) شرح النووى على مسلم (١٨٦/١١-١٨٧)، والمفهم (١١٥/١١)، والعدة
(١٤٨٤/٣)، وكشف المناهج (١٠٧/٥).
(٢) سورة النور، الآية: ٢.
(٣) حدائق الأولياء (١/ ٥٨٢-٥٨٣).
(٤) سورة النساء، الآية: ٦٥.
(٥) المصدر السابق.

١٥٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: ثم قام فاختطب، فقال: ((إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا
سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد)) أنهم
بفتح الهمزة وهو فاعل أهلك ففيه وعيد شديد على ترك القيام بالحدود
وترك التسوية فيها بين الدني والشريف والقوي والضعيف ولاخلاف في
وجوب ذلك وفيه حجة لمن قال إن شرع من قبلنا لنا، وأجيب لأنا نقول به
إذا قرره وهذا تقرير منه ،اليّا له والله أعلم (١).
قوله وقوله: ((وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها))
الحديث، وايم الله فيها لغات كثيرة يقال بوصل الألف وقطعها والقطع لا
يجوز فيها عند الأكثر وبكسر الهمزة وهو مبتدأ خبر محذوف أي ايم الله
فسمي وأبم الله من ألفاظ القسم أي الحلف كقولك لعمر الله وعهد الله وأهل
الكوفة من النحاة يزعمون أنها جميع يمين وقال الهروي كقولهم يمين الله ثم
تجمع اليمين أيمنا فقالوا أيمن الله ثم كثر في كلامهم فحذفوا النون أي
للاستخفاف فقالوا أيم الله وقالوا أم الله وم الله وأيم الله وأيم الله وأيمن الله
وليم الله وكل ذلك قيل وجعل بعضهم هذه الكلمة كلها عوضا من واو
للقسم وهو مذهب المبرد كأنه يقول والله لأفعلن، وبعضهم: هي اسم
موضوع للقسم وقد تكررت في الحديث معناه واسم الله وهية بضم الميم
وفتحها وكسرها وفيه جواز اليمين بهذا اللفظ وهو وايم الله وأيمن الله
واختلف العلماء في ذلك فقال مالك وأبو حنيفة هو يمين وقال أصحابنا أي:
(١) المفهم (١٦ /٤).

١٥٥
كتاب الحدود وغيرها
النووي إجماع العلماء على تحريم الشفاعة في حد من حدود الله تعالى بعد
بلوغه إلى الإمام لهذه الأحاديث وعلى أنه يحرم التشفع فيه، وأما الشفاعة
قبل بلوغ الإمام فقد أجازها أكثر العلماء لما جاء في الستر على مطلقا لكن
قال الإمام مالك كلاما معناه إذا لم يكن المشفوع فيه صاحب شر وأذى فإن
كان فلا أحب أن أشفع فيه وحرم ذلك النووي في شرح [٢٢٣/ ب]
مسلم(١)، وأما الشفاعة في المعاصي التي لا حد فيها وليس فيها حق لآدمي
وواجبها التعزير فتجوز الشفاعة فيها والتشفيع فيها سواء بلغت الإمام أم لا
لأنها أهون لأن الشفاعة فيها مستحبة (٢) لما جاء عن ربيعة بن عبد الرحمن أن
الزبير بن العوام لقي رجلا قد أخذ سارقا وهو يريد أن يذهب به إلى السلطان
فشفع له الزبير ليرسله فقال لا حتى أبلغ به السلطان فقال الزبير: إذا بلغت به
السلطان فلعن الله الشافع والمشفع(٣).
قوله: ثم قام فاختطب، قد تكرر ذكر الشفاعة في الحدیث فيما يتعلق بأمور
الدنيا والآخرة، وهي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم يقال شفع
شفاعة فهو شافع وشفيع والمشفع الذي يقبل الشفاعة والمشفع الذي تقبل
شفاعته قاله في النهاية (٤).
(١) شرح النووي على مسلم (١٨٦/١١).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٨٦/١١)، وشرح المشكاة (٢٥٣٧/٨) و(٣١٧٧/١٠)،
وكشف المناهج (٢٤٥/٣)، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٢١٩/٩).
(٣) أخرجه مالك في الموطأ (٢٤١٧).
(٤) النهاية (٤٨٥/٢).

١٥٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الجاهلية لأن أمه خرجت تزور قومها فأغارت عليهم بنو القين بن جسر
فأخذوا زيدا فقدموا به سوق عكاظ فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة
بنت خويلد فوهبته للنبي ◌َّ قبل النبوة وهو ابن ثمان سنين وقيل رأه النبي
وَلَّ ينادى عليه بالبطحاء فذكره لخديجة فقالت له يشتريه من ملها ثم وهبته
للنبي وَ﴾ فأعتقته وتبناه، قال ابن عمر: ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى
نزل قوله تعالى: ﴿أَدْعُوهُمْ لِأَبَابِهِمْ هُوَ أَقْسَطْ عِندَ اللَّهِ﴾(١) فهو أسامة بن
زيد بن حارثة بالحاء المهملة ابن شراحيل بفتح الشين ابن كعب بن عبد
العزى إلى آخر النسب وآخى رسول الله وَّله بينه وبين جعفر بن أبي طالب
روی لزید عن النبي گلا حديثنا روى عنه ابنه أسامه وتقدم ذکر مناقبه في غیر
ما موضع من هذا التعليق، والله أعلم.
قوله: فكلمه أسامة فقال رسول الله وَالية: ((يا أسامة أتشفع في حد من حدود
الله)) الحديث، ففي هذا الحديث تحريم الشفاعة في الحد بعد رفعه إلى الإمام
لقوله: ((أتشفع في حد من حدود الله)) وقد ورد التشديد في ذلك لأحاديث
وردت وهي قوله: (من حالت شفاعته دون حد من حدود الله تعالی فقد ضاد
الله)) الحديث، وروى الطبراني من حديث الزبير بن العوام في قصة سارق رداء
صفوان: ((اشفعوا ما لم يصل إلى الوالي فإذا وصل إلى الوالي فعفا فلا عفا الله
عنه)) وبالتحريم قال الجمهور ففيه النهي عن الشفاعة في الحدود وعن مراعاة
الأقوياء دون الضعفاء وأنه كان سببا في هلاك بني إسرائيل، وقد حكي
(١) سورة الأحزاب، الآية: ٥.

١٥٣
كتاب الحدود وغيرها
وفي الحديث: اللص إذا قطعت يده سبقت إلى النار فإن تاب اشتلاها أي
استنقذها، ومعنى سبقت، سبقها أنه بالسرقة استوجب النار فكانت من جملة
ما يدخل النار فإذا قطعت سبقته [٢٢٣ / أ] إليها لأنها فارقته فإذا تاب استنقذ
بنيته حتى يده، قاله في النهاية(١).
قال القاضي عياض(٢): صان الله تعالى الأموال بإيجاب القطع على
السارق ولم يجعل ذلك في غير السرقة كالاختلاس والانتهاب والغضب لأن
ذلك قليل بالنسبة إلى السرقة ولأنه يمكن استرجاع هذا النوع بالاستدعاء
إلى ولاة الأمور وتسهيل إقامة البينة عليه بخلاف السرقة فإنه تندر إقامة البينة
عليها فعظم أمرها واشتدت عقوبتها ليكون أبلغ في الزجر عنها.
وقد أجمع المسلمون على قطع السارق في الجملة وإن اختلفوا في فروع
منه، أ.هـ قاله في شرح الإلمام.
قوله: ((ثم قالوا: من يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله)) حب
بكسر الحاء المهملة، أي: محبوبه ومعنى يجترئ يتجاسر عليه بطريق
الإدلال، وفي هذا الحديث منقبة ظاهرة لأسامة (٣) زظريّة وهو مولى رسول
وَ لخلقه أشهر مواليه، ويقال له حب رسول الله وَّله وأبو حبه كان أصابه سبي في
(١) النهاية (٤٩٩/٢).
(٢) إكمال المعلم (٤٩٥/٥) وشرح النووي على مسلم (١١/ ١٨٠-١٨١)، ورياض الأفهام
(٢٣٣/٥-٢٣٤).
(٣) شرح مسلم للنووي (١١ / ١٨٦) ورياض الأفهام (٢٤٧/٥-٢٤٨).

١٥٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
مبهماته: هي فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد أخت أبي سليمة بن عبد
الأسد زوج أم سلمة ذكره عبد الغني (١)، وقيل: هي أم عمرو بنت سفيان بن
عبد الأسد(٢)، ذكره عبد الرزاق(٣) والراجح الأول وهذا هو الحكمة في
قوله: ((لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها)) لمشاركتها في الاسم فقال:
((لو كانت ابنتي فاطمة لقطعت يدها)) وفي الحديث إشارة ظاهرة إلى أن
المرأة قطعت يدها في السرقة وإلا لقال: ولو أن فاطمة جحدت المتاع
لقطعت يدها (٤).
قال في المفهم(٥): وهذا إخبار عن مقدر يفيد القطع بأمر محقق وهو
وجوب إقامة الحد على البعيد والقريب والبغيض والحبيب لا ينفع في درئه
شفاعة ولا يحول دونه قرابة ولا جماعة وتمثيله بابنته عليها السلام فيه إظهار
لمنزلتها عنده إذ لو كان أحد أحب إليه وأعز منها لمثل به في هذا المقام الذي
هو للتهويل والتعظيم وفيه دليل لمن قال: والله لو وقع كذا لفعلت كذا أنه
يكون حانثا كما يقوله المالكية ومثلوه بما لو قال والله لو كنت حاضرا لك
عند مخاصمة لفقأت عينك(٦) أ.هـ قاله في شرح الإلمام.
(١) الغوامض والمبهمات (ص ١٠٤).
(٢) غوامض الأسماء المبهمة (٤١٧/١) لابن بشكوال.
(٣) المصنف (١٨٨٣٢) وما سبق من كلام ذكره العراقى كما في طرح التثريب (٢٩/٨).
(٤) المفهم (١٦ /٢).
(٥) المصدر السابق (٤/١٦).
(٦) رياض الأفهام (٢٥٢/٥)، والإعلام (٢٢٠/٩).

١٥١
كتاب الحدود وغيرها
٣٥٤٤ - وَعَنْ عَائِشَة ◌َرَّا أَن قُريْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْن المخزومية الَّتِي سرقت
فَقَالُوا من يكلم فِيهَا رَسُول الله ◌َّهِ ثُمَّ قَالُوا من يجترىء عَلَيْهِ إِلَّا أَسَامَة بن
زيد حب رَسُول الله ◌َّهِ فَكَلِمَهُ أُسَامَةٍ فَقَالَ رَسُول الله ◌َِّ يَا أُسَامَة أَتَشفع فِي
حد من حُدُود الله ثمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ فَقَالَ: إِنَّمَا هلك الَّذِين من قبلكُمْ أَنْهم
كَانُوا إِذا سرق فيهم الشريف تَرَكُوهُ وَإِذا سرق فيهم الضَّعِيفِ أَقَامُوا عَلَيْهِ
الْحَدِ وَايْمِ الله لَو أَن فَاطِمَة بنت مُحَمَّد سرقت لَقطعت يَدهَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ
وَمُسلمٍ وَأَبُو دَاوُدْ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَهُ(١).
قوله: وعن عائشة ◌َالتّها، تقدم الكلام عليها.
قوله مَّجله: أن قريشا أهمهم شأن المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم
فيها رسول الله وَلهثم قالوا من يجترىء عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول
الله وَّة، الحديث، وفي رواية في الصحيح: كانت امرأة مخزومية تستعير
المتاع وتجحده فأمر النبي ◌َّ بقطع يدها، وفي رواية: فتلون وجه رسول الله
** ثم أمر بتلك المرأة فقطعت يدها.
فائدة: هذه المخزومية اسمها فاطمة وهي ابنة أخي أبي سلمة بن عبد
الأسد زوج أم سلمة ذكره الخطيب في مبهماته(٢) وكذا قال ابن طاهر في
(١) أخرجه البخارى (٣٤٧٥) و(٣٧٣٢) و(٣٧٣٣) و(٤٣٠٤) و(٦٧٨٧) و(٦٧٨٨)
و (٦٨٠٠)، ومسلم (٨ و٩ و١٠ - ١٦٨٨)، وأبو داود (٤٣٧٣) و(٤٣٧٤) و(٤٣٩٦
و ٤٣٩٧)، والترمذى (١٤٣٠)، والنسائى ٤٦٤/٧ (٤٩٣٩) و٤٦٥/٧ (٤٩٤١)
و (٤٩٤٢) و٤٦٦/٧ (٤٩٤٣) و(٤٩٤٤) و٤٦٧/٧ (٤٩٤٥) و ٤٦٨/٧ (٤٩٤٦)
و(٤٩٤٧) و(٤٩٤٦) و(٤٩٤٧)، وابن ماجه (٢٥٤٧).
(٢) الأسماء المبهمة (٢٥٦/٤) للخطيب، وغوامض الأسماء المبهمة (٤١٥/١) لابن بشكوال.

١٥٩
كتاب الحدود وغيرها
حكاية: وقد حكي عن الفضيل بن عياض رحمه الله أنه رأى ولده علیا
وسرق منه مرة دنانير فجلس يبكي فقال له الفضيل تبكي على الدنيا أبكي الله
عينك قال: لا والله ما أبكي على ما خرج مني وإنما أبكي على المسكين
الذي أخذه كيف يكون حظي منه الثواب وحظه من سرقته الحساب
والعقاب، قال: أحسنت لمثل هذا فابك. أ.هـ.
تنبيه: وقد أجمع العلماء رَّاًّا على قطع يد السارق واختلفوا في اشتراط
النصاب وقدره فقال أهل الظاهر لا يشترط نصاب بل يقطع في القليل والكثير
وبه قال ابن بنت الشافعي من أصحابنا وحكاه القاضي عياض عن الحسن
البصري والخوارج وأهل الظاهر واحتجوا بعموم قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ
فَأَقْطَعُوْ أَيْدِيَهُمَا﴾(١) ولم يخصوا الآية (٢)، وقال جماهير العلماء: لا يقطع
إلا في نصاب الأحاديث الصحيحة الواردة بذلك ثم اختلفوا في قدر النصاب
فقال الشافعي النصاب ربع دينار ذهبا أو ما قيمته ربع دينار وسواء كانت
قيمته ثلاثة دراهم أو أقل أو أكثر ولا يقطع في أقل منه، وبهذا قال الأكثرون
وقال مالك والإمام أحمد بن حنبل وإسحاق في رواية: تقطع الید في ربع دینار
أو ثلاثة دراهم أو ما قيمته أحدهما ولا يقطع فيما دون ذلك، وقال أبو حنيفة
وأصحابه لا يقطع إلا في عشرة دراهم أو ما قيمته ذلك قال ويعتبر فيه
التحديد وإذا قلنا أن المعتبر ربع دينار لم يحد ذلك تحديد بل المعتبر بقيمة
(١) سورة المائدة، الآية: ٣٨.
(٢) العدة شرح العمدة (١٤٧٧/٣).

١٦٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
البلد في وقت السرقة نقلا عن الرافعي عن الأكثرين من أصحابنا، وأما رواية
أن النبي وَسَلّ قطع في مجن قيمته دراهم محمولة على أن هذا القدر كان ربع
دينار في ذلك الوقت والمجن الترس الذي يتقي به القتال(١).
تنبيه: السرقة بفتح السين وهو أخذ مال الغير خفية من حرز مثله مأخوذا
من المسارقة ويجوز إسكان رائها مع فتح السين وكسرها والأصل في حكمها
قبل الإجماع قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَعُوْ أَيْدِيَهُمَا﴾(٢).
وقد أجمع المسلمون على قطع يد السارق في [الجملة] وإن اختلفوا في
فروع منه (٣) [٢٢٤ / ب] وجعل الله تعالى حد السرقة قطع اليد لتناول المال
بها ولم يجعل حد الزنى قطع الذكر لموافقة الزنا لثلاثة معان، أحدها: أن
للسارق مثل یدہ إذا قطعت یرد علیہ المقطوع ثانیا فلیس له مثل یده، ولیس
للزاني مثل ذكره إذا قطع، والثاني: أن الحدود زجر للمحدود وغيره واليد
ترى والذكر لا يرى، والثالث: أن في قطع الذكر إبطال النسل وليس ذلك في
قطع اليد (٤).
وقد قطع السارق في الجاهلية [فكان أول] من حكم بقطعه الوليد بن
المغيرة فأمر الله تعالى به في الإسلام، وأول سارق قطعه النبي وَخلال من الرجال
(١) العدة (٣/ ١٤٧٧-١٤٧٩).
(٢) النجم الوهاج (١٤٩/٩).
(٣) شرح النووي على مسلم (١١/ ١٨١).
(٤) النكت والعيون (٢/ ٣٥) للماوردى.