النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١
كتاب الحدود وغيرها
هلك المفسدون والصالحون معهم إذا لم يأمروا ولم يكرهوا وهو معنى قوله
تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً﴾(١) [بل يعم]
شؤمها من تعاطاها ورضيها هذا بفساده وهذا برضاه وإقراره، فإن قيل: فقد
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾(٢) و﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ
﴾(٣): ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أُكْتَسَبَتْ﴾(٤) وهذا يوجب أن
٣٨
رَهِينَة
لا يؤاخذ أحد بذنب أحد وإنما تتعلق العقوبة بصاحب الذنب؟ فالجواب:
أن الناس إذا تظاهروا بالمنكر فمن الفرض على من رآه أن يغيره إما بيده فإن
لم يقدر فبلسانه فإن لم يقدر فبقلبه ليس عليه أكثر من ذلك إذا أنكر بقلبه فقد
أدى ما عليه إذا لم يستطيع سوى ذلك أما إذا كره الصالحون ما صنع
المفسدون وأخلصوا كراهيتهم لله تعالى وتبرأوا من ذلك حسب ما يلزمهم
ويجب لله عليهم غير معتدين سلموا قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ
مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ﴾(٥) الآية، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهٌِ
أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوْءِ﴾(٦) الآية، وقال ابن عباس: قد أخبرنا الله عز
وجل عن هذين ولم يخبرنا عن الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ
(١) سورة الأنفال، الآية: ٢٥.
(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٦٤.
(٣) سورة المدثر، الآية: ٣٨.
(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٨٦.
(٥) سورة هود، الآية: ١١٦.
(٦) سورة الأعراف، الآية: ١٦٥.
٦٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
مُهْلِكُهُمْ﴾ (١) الآية، فالصالحون هم الذين أطاعوا الله وعملوا بما أمرهم
وانتهوا عما نهاهم، أ.هـ قاله القرطبي(٢).
تتمة: في الصحيحين من حديث ابن عمر مرفوعًا: ((أن الله تعالى إذا أنزل
بقوم العذاب أصاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم)) وفي رواية: ((على
نياتهم)) (٣) قال ابن بطال(٤): هذا الحديث يبين حديث زينب بنت جحش لما
قالت: ((أنهلك وفينا الصالحون)) فيكون هلاك الناس عند ظهور المنكر
والإعلان بالمعاصي ويكون ذلك العذاب العام طهرة للمؤمنين ونقمة
للفاسقین، أ.هـ.
وخرج الإمام أحمد عن خرشة بن الحارث عن النبي وَ لا قال: ((لا تشهد
قتيلاً لعله أن يكون مظلومًا فتصيبه السخطة)) وفي الحديث الآخر: ((فتنزل
السخطة عليهم فتصيبه معه))(٥) فهذه الأحاديث تدلك على أن العذاب إذا
(١) سورة الأعراف، الآية: ٦٤.
(٢) التذكرة (ص ١٠٦٢ - ١٠٦٤).
(٣) أخرجه البخاري (٧١٠٨)، ومسلم (٨٤ - ٢٨٧٩).
(٤) شرح الصحيح (١٠/ ٥٣).
(٥) أخرجه أحمد ١٦٧/٤ (١٧٥٢٢)، والبزار (٣٣٣٧ - كشف الأستار)، والطبراني في الكبير
(٢١٨/٤ رقم ٤١٨١)، وابن منده في معرفة الصحابة (ص ٥٣٢) وأبو نعيم (٢٥٤٩) عن
خرشة بن الحارث. قال البزار: لا نعلم روى خرشة إلا هذا الحديث بهذا الإسناد.
وقال الهيثمى في المجمع ٢٨٤/٦: رواه أحمد والطبراني إلا أنه قال: ((فعسى أن يقتل
مظلوما؛ فتنزل السخطة عليهم، فتصيبه معهم)). وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه
ضعف، وبقية رجالهما رجال الصحيح. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٥٠٥).
٦٣
كتاب الحدود وغيرها
نزل عم الصالح والطالح (١)،أ.هـ.
٣٤٨٧ - وَعَنِ عَائِشَة ◌َتَهَا قَالَت قلت يَا رَسُول الله إِن الله أنزل سطوته
بِأَهْلِ الأَرْض وَفِيهِمْ الصالحون فيهلكون بهلاكهم فَقَالَ يَا عَائِشَة إِن الله عز
وَجل إِذا أنزل سطوته بِأهْل نقمته وَفِيهِمْ الصالحون فيصيرون مَعَهم ثمَّ يبعثون
على نياتهم رَوَاهُ ابْن حِبَان فِي صَحِيحِه(٢).
قوله: وعن عائشة رَكَرِيّهَا، تقدم الكلام عليها.
قوله: قالت: قلت يا رسول الله إن الله أنزل سطوته بأهل الأرض وفيهم
الصالحون فيهلكون بهلاكهم، فقال: (( يا عائشة إن الله عز وجل إذا أنزل
سطوته بأهل نقمته وفيهم الصالحون فيصيرون معهم ثم يبعثون على نياتهم))
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قيل يا رسول الله: ((أتهلك
القرية وفيها الصالحون)) قال: ((نعم))، قيل: بم يا رسول الله؟ قال: ((يتهاونهم
وسكوتهم عن معاصي الله تعالی)).
قوله: وعن جابر بن عبد الله رَّهُ قال: قال رسول الله وَّ: ((أوحى الله
تعالى إلى ملك من الملائكة أن أقلب مدينة كذا وكذا على أهلها فقال يارب
إن فيهم عبدك فلانا لم يعصك طرفة عين)) فقال: أقلبها [٢١٣/ أ] عليه
(١) تنبيه العافلين (ص ٩٠).
(٢) أخرجه ابن حبان (٧٣١٤)، وابن عدى فى الكامل (٢٤٢/٦)، والبيهقى فى الشعب
(٧٨/١٠ رقم ٧١٩٣). وقال الألباني: صحيح لغيره - ((الصحيحة)) (١٦٢٢ و ٢٦٩٣)،
وصحيح الترغيب (٢٣١٢)، وصحيح الجامع (١٧١٠).
٦٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وعليهم فإن وجهه لم يتمعر فيّ ساعة قط))(١).
٣٤٨٨ - وَعَنِ حُذَيْفَة ◌َّالَّهُ عَنِ النَّبِيِ نَِّ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لتأمرن
بِالْمَعْرُوفِ ولتنهون عَن الْمُنكر أَو ليوشكن الله يَبْعَث عَلَيْكُمْ عذَابًا مِنْهُ ثُمَّ
تَدعُونَهُ فَلَا يستجيب لكم رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيبٍ(٢).
قوله: وعن حذيفة نَّهُ تقدم الكلام عليه.
قوله وَحله: ((والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو
ليوشكن الله يبعث عليكم عقابا منه)) الحديث، ليوشكن معناه ليسرعن.
٣٤٨٩ - وَعَن أبي سعيد الْخُذْرِيّ ◌َّ ◌َّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله أَّو لا يحقرن
أحدكُم نَفسه قَالُوا يَا رَسُول الله وَكَيف يحقر أَحَدنَا نَفسه قَالَ يرِى أَن عَلَيْهِ
مقَالا ثمَّ لَا يَقُول فِيهِ فَيَقُول الله عز وَجلِ يَوْمِ الْقِيَامَة مَا مَنعك أَن تَقول فِي كَذَا
وَكَذَا فَيَقُول خشيَة النَّاسِ فَيَقُول فإياي كنت أَحَقِ أَن تخشى رَوَاهُ ابْن مَاجَه
(١) أخرجه ابن الأعرابى في المعجم (٢٠١٦)، والطبراني في الأوسط (٣٣٦/٧ رقم ٧٦٦١)،
والبيهقى في الشعب (٧٤/١٠ رقم ٧١٨٩). وقال الطبرانى: لم يرو هذا الحديث عن
الأعمش إلا عمار بن سيف، تفرد به: عبيد بن إسحاق العطار. وقال الهيثمى ٧/ ٢٧٠:
رواه الطبراني في الأوسط من رواية عبيد بن إسحاق العطار عن عمار بن سيف، وكلاهما
ضعيف، ووثق عمار بن سيف ابن المبارك وجماعة، ورضي أبو حاتم عبيد بن إسحاق.
وقال الألباني: ضعيف جدا الضعيفة (١٩٠٤).
(٢) أخرجه أحمد ٣٨٨/٥ (٢٣٧٧٥) و٣٩١/٥ (٢٣٨٠٢)، والترمذى (٢١٦٩)، وابن
خزيمة فى أحاديث إسماعيل بن جعفر (٣٧٨)، والبيهقى فى الكبرى (١٥٩/١٠ - ١٦٠
رقم ٢٠١٩٩) والشعب (٥٤/١٠ رقم ٧١٥٢)، والبغوي (٤١٥٤). وقال الترمذى: هذا
حديث حسن. وحسنه الألبانى فى صحيح الترغيب (٢٣١٣)، والمشكاة (٥١٤٠).
٦٥
كتاب الحدود وغيرها
وَرُوَاتِهِ ثِقَات(١).
قوله: وعن أبي سعيد الخدري رُونَ﴾ تقدم.
قوله: ((فيقول الله عز وجل يوم القيامة ما منعك أن تقول في كذا وكذا،
فيقول: خشية الناس فيقول [فإياي] كنت أحق أن تخشى)) الحديث.
وفي حديث أبي سعيد الخدري وفي آخره فبكى أبو سعيد، وقال: قد رأينا
أشياء فهبنا، فهذا الحديثان محمولان على أن يكون المانع له من الإنكار
مجرد الهيبة دون الخوف المسقط للإنكار(٢).
فإن قدر على إنكار المنكر لكن خاف على نفسه ضررا من هلاك أو غيره
(١) أخرجه الطيالسى (٢٣٢٠)، وأحمد ٣٠/٣ (١١٤٢٧) و٤٧/٣ (١١٦١٦) و٧٣/٣
(١١٨٧٨) و٩١/٣ (١٢٠٤٨)، وعبد بن حميد (٩٧١ و٩٧٢)، وابن ماجه (٤٠٠٨)،
والأصم فى مجموعه (٤١٤)، والطبرانى فى الأوسط (١٣٧/٥-١٣٨ رقم ٤٨٨٧)
و(٢٤٠/٥ رقم ٥١٩٩)، وأبو نعيم فى الحلية (٢٨٤/٤)، والبيهقى فى الكبرى
(١٥٥/١٠ رقم ٢٠١٨٤) والشعب (٦٢/١٠ رقم ٧١٦٤).
وقال الطبرانى: لم يرو هذا الحديث عن محمد بن عبد الله المرادي إلا شريك، تفرد به:
إسحاق الأزرق. وقال فى الموضع الثانى: لم يرو هذا الحديث عن زيد بن أبي أنيسة إلا
عبيد الله بن عمرو.
وقال الدار قطنى فى العلل (٢٣٣٦): يرويه عمرو بن مرة، عن أبي البختري، واختلف عنه؛
فرواه زبيد اليامي، وعمرو بن قيس الملائي، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي
سعيد. وخالفهما شعبة، فرواه عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن رجل لم يسمه عن
أبي سعيد. وضعفه الألبانى فى الضعيفة (٦٨٧٢) وضعيف الترغيب (١٣٨٧).
(٢) جامع العلوم والحكم (٣/ ٩٥٤).
٦٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ففيه احتمالان أحدهما: لا يجب لقوله عز وجل: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُو
مُطْمَيِنٌّ بِالْإِيمَنِ﴾(١) فإذا جاز النطق بكلمة الكفر عند الخوف والإكراه وهو
في معنى ترك إنكار المنكر لذلك، والثاني: يجب لعموم قوله ((فليغيره)) ولقوله
عليه الصلاة والسلام ((يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقول الله عز وجل: ((ما منعك
إذا رأيت كذا وكذا أن تنكره فيقول يا رب خشيت الناس فيقول الله عز وجل:
أنا كنت أحق أن تخشى)) وهذا يقتضي أن لا يسقط الإنكار عند الخوف وإن
أمن على نفسه(٢).
٣٤٩٠ - وَعَن أنس رَّالَهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ◌َ لَا يُؤمن عبد حَتَّى أكون
أحب إِلَيْهِ مِن وَلَده ووالده وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ رَوَاهُ مُسلمٍ وَغَيرِه(٣).
قوله: وعن أنس ◌َّالله تقدم الكلام عليه.
قوله {وَليلة: ((لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس
أجمعين)) وفي الحديث أيضا ((حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس
أجمعین)».
اعلم أن محبة الشخص إما لاتصافه بالصفات الحميدة وإما لاشتماله
على محاسن خلقته كالحسن والجمال وإما لقرابة ككونه والدا أو ولدا وقد
اجتمع ذلك كله في النبي وَلـ
(١) سورة النحل، الآية: ١٠٦.
(٢) التعيين في شرح الأربعين (ص ٢٨٨-٢٨٩).
(٣) أخرجه البخارى (١٥)، ومسلم (٦٩ و٧٠ -٤٤)، وابن ماجه (٦٧)، وابن حبان (١٧٩).
٦٧
كتاب الحدود وغيرها
وقال ابن بطال وغيره: المحبة ثلاثة أقسام محبة إجلال وإعظام كمحبة
الوالد، ومحبة شفقة ورحمة كمحبة الولد، ومحبة مشاكلة واستحسان
كمحبة سائر الناس فجمع وا أصناف المحبة، فمن استكمل الإيمان علم أن
حق النبي وي﴿ آكد عليه من حق أبيه وابنه والناس أجمعين(١).
قال الكرماني: إنما خصص الولد والوالد بالذكر لكونهما أعز خلق الله
تعالى على الرجل غالبا وربما يكونان أعز من نفس الرجل فذكرهما إنما هو
على سبيل التمثيل وكأنه قال حتى أكون أحب إليه من أعزته فإن قلت: فهل
يتناول لفظ الوالد الأم كما أن لفظ الولد يتناول الذكر والأنثى فمعنى لا يؤمن
حتى يؤثر رضاي على هوى الوالدين وإن كان فيه هلاكه (٢).
واعلم أن محبة الرسول وَلّه إرادة فعل طاعته وترك مخالفته وهي من
واجبات الإسلام قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ
وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿بِأَمْرِهْ﴾(٣) (٤)).هـ.
وقال أبو سليمان الخطابي: لم يرد به حب الطبع بل أراد به حب الاختيار
لأن حب الإنسان نفسه طبع ولا سبيل إلى قلبه فمعناه لا تصدق في حبي حتى
تفدي في طاعتي نفسك وتؤثر رضاي على هواك وإن كان فيه هلاكك(٥).
(١) شرح الصحيح (٦٦/١) لابن بطال، وإكمال المعلم (١/ ٢٨٠)، وشرح النووى على
مسلم (٢/ ١٥).
(٢) الكواكب الدرارى (١ /٩٧-٩٨).
(٣) سورة التوبة، الآية: ٢٤.
(٤) الكواكب الدرارى (٩٨/١).
(٥) أعلام الحديث (٢٢٨٢/٤)، وشرح السنة (١/ ٥١)، وشرح النووي على مسلم (١٥/٢).
٦٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وعن أبي عقيل زهرة بن معبد أنه سمع جده عبد الله بن هشام قال: كنا مع
النبي ◌َ﴾ وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال له عمر: يا رسول الله لأنت
أحب إلي من كل شيء إلا نفسي فقال: ((ومن نفسك [٢١٣/ ب] يا عمر))
فقال: ومن نفسي، فقال النبي ◌َّية: ((الآن يا عمر))(١) [فمحبة رسول الله وَله
أكد علي الإنسان من حق أبيه وابنه والناس أجمعين لأن به وليه استنقذنا من
النار فهدانا من الضلال](٢) وهذا كله تصريح بأن هذه المحبة ليست باعتقاد
تعظيم بل ميل إلى المعتقد تعظيمه ويعلق القلب به فتأمل هذا الفرق فإنه
صحيح ومع ذلك فقد خفي على كثير من الناس وعلى هذا فمعنى الحديث
والله أعلم: أن من لم يجد من نفسه ذلك الميل وأرجحيته للنبي وَلّ لم يكمل
إيمانه هذا كلام القاضي (٢)، قال الإمام القرطبي: على أني أقول: إن كل من
صدق بالنبي وَّ، وآمن به إيمانا صحيحا، لم يخل عن وجدان شيء من تلك
المحبة الراجحة للنبي وَ﴾؛ غير أنهم في ذلك متفاوتون:
فمنهم: من أخذ من تلك الأرجحية بالحظ الأوفى؛ كما قد اتفق لعمر رَقُ لّم
حين قال: ومن نفسي، ولهند امرأة أبي سفيان حين قالت للنبي وَله: لقد كان
وجهك أبغض الوجوه كلها إلي، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي
... الحديث، وكما قال عمرو بن العاص: لقد رأيتني وما أحد أحب إلي من
رسول الله وَلّة، ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملاً عيني منه ؛
(١) أخرجه البخارى (٣٦٩٤) و(٦٢٦٤) و(٦٦٣٢).
(٢) شرح الصحيح (١/ ٦٦).
(٣) هذه عبارة القرطبى كما في المفهم (١٤١/١)، والتوضيح (٢/ ٥٢١).
٦٩
كتاب الحدود وغيرها
إجلالا له، ولو سئلت أن أصفه، ما أطقت؛ لأني لم أكن أملاً عيني منه، ولا
شك في أن حظ أصحابه من هذا المعنى أعظم؛ لأن معرفتهم بقدره أعظم ؛
فالمحبة ثمرة المعرفة، فتقوی وتضعف بحسبها.
ومن المؤمنين: من يكون مستغرقًا بالشهوات، محجوبا بالغفلات عن
ذلك المعنى في أكثر الأوقات؛ فهذا بأخس الأحوال، لكنه إذا ذكر بالنبي الرَليل
أو بشيء من] فضائله، اهتاج لذكره، واشتاق لرؤيته، بحیث یؤثر رؤيته، بل
رؤية قبره ومواضع آثاره، على أهله وماله وولده، ووالده، ونفسه والناس
أجمعين، فيخطر له هذا ويجده وجدانا لا شك فيه، غير أنه سريع الزوال
والذهاب ؛ لغلبة الشهوات، وتوالي الغفلات ؛ ويخاف على من كان هذا
حاله ذهاب أصل تلك المحبة، حتى لا يوجد منها حبة، فنسأل الله الكريم،
رب العرش العظيم: أن يمن علينا بدوامها وكمالها، وألا يحجبنا عنها قاله
الإمام القرطبي (١) أحمد بن عمر.
قال القاضي عياض: ومن محبته وَ ل نصر سنته والذب عن شريعته وتمني
حضور حياته فيبذل ماله ونفسه دونه قال: وإذا تبين ما ذكرناه تبين أن حقيقة
الإيمان لا يتم إلا بذلك ولا يصح الإيمان إلا بتحقيق إنافة قدر النبي وَالجيل-
ومنزلته على كل والد وولد ومحسن ومفضل ومن لم يعتقد هذا أو اعتقد ما
سواه فليس بمؤمن هذا كلام القاضي (٢).
(١) المفهم (١ / ١٤٢).
(٢) إكمال المعلم (١/ ٢٨٠-٢٨١).
٧٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وَّةٍ على السّمع وَالطَّاعَة فلقنني
٣٤٩١ - وَعَنِ جرير ◌َّهُ قَالَ بَايَعت النَّبِي
فِيمَا اسْتَطَعْت والنصح لكل مُسلم رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَتقدم حَدِيث تَمِیم
الدَّارِيّ عَنِ النَّبِيِ نَِّ قَالَ الدّينِ النَّصِيحَة قَالَه لَهُ ثَلَانًا قَالَ قُلْنَا لمن يَا رَسُول الله قَالَ
له وَلِرَسُولِهِ ولأئمة الْمُسلمين وعامتهم رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظِ لَهُ(١).
٣٤٩٢ - وَعَنِ ابْن مَسْعُود ◌ََّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َّهِ إِن أول مَا دخل
النَّقْص على بني إِسْرَائِيل أَنْه كَانَ الرجل يلقى الرجل فَيَقُول ◌َا هَذَا اتَّقِ الله
ودع مَا تصنع بِهِ فَإِنَّهُ لَا يحل لَك ثمَّ يلقاه من الْغَد وَهُوَ على حَاله فَلَا يمنعهُ
ذَلِك أَن يكون أكيله وشريبه وقعيده فَلَمَّا فعلوا ذَلِك ضرب الله قُلُوب بعضهم
بِبَعْض ثمَّ قَالَ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ بَنِيّ إِسْرَاءِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ
وَعِيسَى ابْنِ مَرْبَمِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ ﴿ كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن
مُنكَرٍ فَعَلُوةً لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِ اٌلْعَذَابِ
هُمْ خَلِدُونَ ® وَلَوْ كَانُواْ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالتَّبِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا أَّخَذُوهُمْ
ثُمَّ قَالَ كلا وَالله لتأمرن
(٢)
أَوْلِيَآءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَسِقُونَ
(١) أما حديث جرير: أخرجه البخارى (٥٧)، ومسلم (٩٧ و٩٨ و٩٩- ٥٥) والنسائى فى
المجتبى ٦١٢/٦ (٤٢١٢) و٦١٣/٦ (٤٢١٣) و(٤٢١٤) و٦١٤/٦ (٤٢١٥).
وأما حديث تميم الدارى: أخرجه مسلم (٩٥ و٩٦ -٥٥)، وأبو داود (٤٩٤٤)، والنسائى
فى المجتبى ٦٢٨/٦ (٤٢٣٥) و(٤٢٣٦)، وابن حبان (٤٥٧٤) و(٤٥٧٥). ولم يدرج
المصنف تحتهما شرحًا.
(٢) سورة المائدة، الآيات: ٧٨-٨١.
٧١
كتاب الحدود وغيرها
بِالْمَعْرُوفِ ولتنهون عَن الْمُنكر ولتأخذن على يَد الظَّالِم ولتأطرنه على الْحق
أطرا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظِ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيبٍ وَلَفظه قَالَ
رَسُول اللهَ وَّ لما وَقعت بَنو إِسْرَائِيل فِي الْمعاصِي نَهَاهُم علماؤهم فَلم
يْتَهوا فجالسوهم فِي مجَالِسهمْ وواكلوهم وشاربوهم فَضرب الله قُلُوب
بَعضهم بِبَعْض ولعنهم على لِسَان دَاوُد وَعِيسَى ابْن مَرْيَم ذَلِك بِمَا عصوا
وَكَانُوا يعتدون فَجَلَسَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ وَكَانَ مُتكئًا فَقَالَ لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ
حَتَّى تأطروهم على الْحق أطرا قَالَ الْحَافِظ روينَاهُ من طَرِيق أبي عُبَيْدَة بن
عبد الله بن مَسْعُود وَلم يسمع من أَبِيه وَقيل سمعٍ وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن أبي
عَبيدة مُرْسلا تأطروهم أي تعطفوهم وتقهروهم وتلزموهم بِاتَّبَاع الْحق(١).
(١) أخرجه أحمد ٣٩١/١ (٣٧٨٩)، وابن ماجه بإثر (٤٠٠٦)، وأبو داود (٤٣٣٦)
و(٤٣٣٧)، والترمذى (٣٠٤٧) وبإثر (٣٠٤٨)، وابن أبى الدنيا فى الأمر بالمعروف (٤
و٢٠) والعقوبات (١٢)، وأبو يعلى (٥٠٣٥) و(٥٠٩٤)، والطحاوى فى المشكل
(١١٦٤)، والطبرانى فى الأوسط (١٦٦/١ رقم ٥١٩)، والكبير (١٤٥/١٠ رقم
١٠٢٦٤) و(١٤٦/١٠ رقم ١٠٢٦٥ و١٠٢٦٦ و١٠٢٦٧ و١٠٢٦٨)، والبيهقى فى
الكبرى (١٥٩/١٠ رقم ٢٠١٩٦) والشعب (٤٤/١٠-٤٥ رقم ٧١٣٩). وأخرجه ابن
ماجه (٤٠٠٦) والترمذى (٣٠٤٨)، والبيهقى فى الشعب (٤٣/١٠ رقم ٧١٣٨).
قال أبو داود: رواه المحاربي، عن العلاء بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو بن مرة، عن
سالم الأفطس، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، ورواه خالد الطحان، عن العلاء، عن عمرو
بن مرة، عن أبي عبيدة. وقال الترمذى: هذا حديث حسن غريب وقد روي هذا الحديث
عن محمد بن مسلم بن أبي الوضاح، عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، عن
النبي ◌ُّ نحوه، وبعضهم يقول: عن أبي عبيدة، عن النبي ◌ُّ مرسل.
قال البيهقى: هكذا رواه سفيان الثوري، ورواه يونس بن راشد، وشريك، عن علي بن
=
٧٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: وعن ابن مسعود نظرا تقدم الكلام عليه.
قوله وَّيّ: ((إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى
الرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تصنع به فإنه لا يحل لك ثم يلقاه من الغد
وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده)) الحديث،
الأكيل والشريب الذي يصاحبك في الأكل والشرب، فعيل بمعنى مفاعل
والقعيد الذي يصاحبك في قعودك(١) .
ففي هذا الحديث غاية التشديد ونهاية التهديد لمن ترك الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر إذ بين الله سبحانه وتعالى أن السبب في
لعنهم هو ترك التناهي عن المنكر وبين أن ذلك عصيان منهم واعتداء
وان ذلك بئس الفعل فاعتبروا يا أولي الألباب (٢). ولا شك أن من رأى
أخاه [٢١٤ / أ] على منكر ولم ينهه عنه فقد أعانه عليه بالتخلية بينه وبين
ذلك المنكر وعدم الاعتراض عليه وليس هذا منم الدين في شيء إذ لا
يؤمن الرجل حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه وإنما الدين النصيحة ومن
رأی إنسانا يهوي في النار ولم ينصحه فإنما إثمه عليه(٣).
=
بذیمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود وقد ذكرنا إسنادهما في كتاب السنن، وروي
من وجه آخر عن سالم الأفطس، عن أبي عبيدة، عن عبد الله. وضعفه الألباني فى الضعيفة
(١١٠٥)، المشكاة (٥١٤٨)، وضعيف الترغيب (١٣٨٨).
(١) النهاية (٤ /٨٦).
(٢) تنبيه الغافلين (ص٨٣).
(٣) المصدر السابق (ص ٨٤).
٧٣
كتاب الحدود وغيرها
قوله وَجد: «كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على
يد الظالم)) الحديث، الأخذ على يد الظالم منعه من الظلم.
قوله: ((ولتأطرنه على الحق أطرا)) وفي رواية الترمذي: ((حتى تأطروهم
على الحق أطرا)) الحديث، تأطروهم بالهمز وبالطاء المهملة المكسورة في
المضارع الساكنة في المصدر، قال الجوهري(١): آطرت القوس آطرها أطرا
إذا حنيتها وتأطر الرمح تثني وقد فسره الحافظ فقال: تأطروهم أي تعطفوهم
وتقهروهم وتلزموهم باتباع الحق،أ.هـ.
قال ابن النحاس رحمه الله: قلت يعني لا يخلصون من العذاب حتى
تأطروهم والأطر الإمالة والتحريف من جانب إلى جانب يعني حتى تمنعوا
الظلمة والفسقة عن الظلم والفسق وتميلوهم عن الباطل إلى الحق (٢).
قوله: ((فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم بعض)) الحديث يعني
سود الله قلوب من لم يعص بشؤم من عصى فصارت قلوب الجميع قاسية
بعيدة عن الحق من قبول الخير والرحمة بسبب المعاصي وبسبب مخالطة
بعضهم بعضا (٣)، أ.هـ
قال ابن النحاس رحمه الله: قلت في حديث ابن مسعود هذا دليل على أن
من لا يستطيع غير لسانه إذا أمر أحدا بمعروف أو نهاه عن منكر ولم يرجع
إليه وجب عليه أن يهجره في الله تعالى ولا يؤالكه ولا يشاربه فإذا فعل ذلك
(١) الصحاح (٥٨٠/٢).
(٢) هذا كلام المظهرى كما في المفاتيح (٢٦٩/٥).
(٣) شرح المصابيح (٣٧٥/٥) لابن ملك.
٧٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فقد وقى ما عليه وبرئ من الإثم وأما من استطاع التغيير باليد فلا يخرج من
عهدة الوجوب بالهجر والله تعالى أعلم(١).
وذكر في بعض الكتب أن الله تعالى أوحى إلى يوشع بن نون أني مهلك من
قومك أربعين ألفا من خيارهم وستين ألفا من شرارهم فقال: يارب هؤلاء
الأشرار فما بالأخيار قال: ((إنهم لم يغضبوالغضبي وواكلوهم وشاربوهم))(٢).
وقال ابن سعد: إن المعصية إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها وإذا أعلنت
فلم تغير ضرت بالعامة(٣).
قال الله تعالى: ﴿وَتَّقُواْ فِتْنَةَ لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً﴾(٤)
وعن النبي وَيّ أنه قال: ((إن الله لا يعذب العامة بذنوب الخاصة حتى يرى
المنكرين أظهرهم وهم قادرون على أن ينكروا فلم ينكروا))(٥).
(١) تنبيه الغافلين (ص ١٠٢) لابن النحاس.
(٢) تنبيه الغافلين (ص ٩٤) للسمرقندى، والتمهيد (٢٤/ ٣١٠)، وإحياء علوم الدين
(١٥١/٢ و٣١١/٢).
(٣) الزهد (١٣٣٠) لابن المبارك وابن سعد هو بلال بن سعد.
(٤) سورة الأنفال، الآية: ٢٥.
(٥) أخرجه أحمد ١٩٢/٤ (١٧٧٢٠) و(١٧٧٢٥)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني
(٢٤٣١)، والدولابى في الكنى (٢٦٥)، والطحاوي في معاني الآثار (١١٧٥)، والطبرانى
في الكبير (١٣٨/١٧ رقم ٣٤٣)، والبغوى في شرح السنة (٤١٥٥) عن عدى بن عميرة
وعند الطبرانى والطحاوى عن العرس بن عميرة.
وقال الهيثمى في المجمع ٧/ ٢٦٧: رواه أحمد من طريقين، إحداها هذه، والأخرى عن
عدي بن عدي حدثني مولى لنا وهو الصواب، وكذلك رواه الطبراني، وفيه رجل لم يسم،
٧٥
كتاب الحدود وغيرها
٣٤٩٣ - وَعَن جرير بن عبد الله رَّهُ قَالَ سَمِعت رَسُول الله وَّهِ يَقُول مَا من
رجل يكون فِي قوم يعْمل فيهم بِالْمَعَاصِي يقدرُونَ على أَن يُغيرُوا عَلَيْهِ وَلَا
يغيرون إِلَّا أَصَابَهُم الله مِنْهُ بعقاب قبل أن يموتوا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن أبي إِسْحَاق
قَالَ أَظُنْهُ عَن ابْن جریر عَن جریر وَلم يسم ابنه وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن حبان فِي
صَحِيحه والأصبهاني وَغَيرهم عَن أَبِي إِسْحَاق عَن عبيد الله بن جرير عَن أَبِيه(١).
قوله: وعن جرير بن عبد الله نظَّ ه تقدم الكلام عليه، وتقدم أيضا الكلام
على معنى الحديث.
٣٤٩٤- وَعَن أبي بكر الصّدِيقِ رَّهُ قَالَ يَا أَيْهَا النَّاس إِنَّكُم تقرؤون هَذِه
الْآيَةِ ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمٌّ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا
آُهْتَدَیْتُمْ﴾(٢).
وَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ◌َّهِ يَقُولُ: إِن النَّاسِ إِذا رَأَوْا الظَّالِمِ فَلم يَأْخُذُوا
على يَدَيْهِ أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عِنْده رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْ مِذِيّ وَقَالَ
=
وبقية رجال أحد الإسنادين ثقات. وقال في ٣٦٨/٧: رواه الطبراني، ورجاله ثقات. وقال
الحافظ في الفتح (٤/١٣): أخرجه أحمد بسند حسن. وقال فى الإصابة ٧ / ١٧٣ : ورواته
ثقات لكن المولى لم يسم ولا يعرف وضعفه الألباني في الضعيفة (٣١١٠).
(١) أخرجه أحمد ٣٦١/٤ (١٩٤٠٦) و٣٦٣/٤ (١٩٤٢٩) و٣٦٤/٤ (١٩٤٤٣) و٤/ ٣٦٦
(١٩٤٦٦) و(١٩٤٦٧) و(١٩٤٦٩) و(١٩٤٧٠)، وأبو داود (٤٣٣٩)، وابن ماجه
(٤٠٠٩)، وأبو يعلى (٧٥٠٨)، والطحاوي في مشكل الآثار (١١٧٤)، وابن حبان
(٣٠٠) و(٣٠٢)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (٢٩٧). وحسنه الألباني في صحيح
الترغيب (٢٣١٦) وصححه في الصحيحة (٣٣٥٣).
(٢) سورة المائدة، الآية: ١٠٥.
٧٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
حَدِيث حسن صَحِيحٍ وَابْن مَاجَه وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحِه وَلَفظ
النَّسَائِيّ إِنِّي سَمِعت رَسُول الله وَّهِ يَقُول إِن الْقَوْمِ إِذا رَأْوْا الْمُنكر فَلم يغيروه
عمهم الله بعقاب وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد سَمِعت رَسُول الله ◌َّهِ يَقُول مَا من قوم
يعْمل فيهم بِالْمَعَاصِي ثمَّ يقدرُونَ على أَن يُغيرُوا ثمَّ لَا يُغيرُوا إِلَّا يُوشك أَن
يعمهم الله مِنْهُ بعقاب (١).
قوله: وعن أبي بكر الصديق نقمته تقدم الكلام عليه.
قوله: يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمٌّ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾(٢)، ومعنى:
﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمٌّ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾ أي بعد الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، قاله سعيد بن المسيب(٣).
اعلم أن هذه الآية الكريمة مما يغتر بها كثير من الجاهلين ويحملونها على
غير وجهها بل الصواب في معناها والله أعلم أنكم إذا فعلتم ما أمرتم به فلا
يضركم إضلال من ضل، وفي جملة ما أمروا به الأمر بالمعروف والنهي عن
(١) أخرجه الحميدي (٣)، وأحمد ٢/١ (١) وفي ٥/١ (١٦) وفي ٧/١ (٢٩) وفي ١/ ٧
(٣٠) وفي ٩/١ (٥٣) وعبد بن حميد (١)، وأبو داود (٤٣٣٨)، وابن ماجه(٤٠٠٥)،
والترمذي (٢١٦٨) و(٣٠٥٧)، والنسائي في الكبرى (١١٠٩٢)، والطحاوى في مشكل
الآثار (١١٦٥ و١١٦٦ و١١٦٧ و١١٦٨ و١١٦٩ و١١٧٠)، وابن حبان (٣٠٤ و٣٠٥).
وصححه الألباني في الصحيحة (١٥٦٤) وصحيح الترغيب (٢٣١٧).
(٢) سورة المائدة، الآية: ١٠٥.
(٣) تفسير الطبرى (٩/ ٥٠)، وكذلك قال حذيفة بن اليمان كما في تفسير الطبرى في الموضع
السابق.
٧٧
كتاب الحدود وغيرها
(١)
المنكر والآية قريبة المعنى من قوله تعالى: ﴿مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّ الْبَلَغُ﴾
وقد جاء عن أبي عبيد أنه قال: ليس في كتاب [٢١٤/ ب] الله تعالى جمعت
بين الناسخ والمنسوخ غير هذه الآية، قال بعض أهل العلم: الناسخ فيها:
إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ والهدى هنا هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقال
ابن المبارك: في قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ هو خطاب لجميع
المؤمنين أي عليكم أهل دينكم كقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوْ أَنْفُسَكُمْ﴾(٢) فكأنه
قال: ليأمر بعضكم بعضا ولينه بعضكم بعضا بالمعروف والنهي عن المنكر
ولا يضركم ضلال المشركين والمنافقين من أهل الكتاب، وقد روي معنى
هذا عن سعيد بن جبير والله أعلم(٣).
قوله : ((إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن
يعمهم الله بعقاب)) الحديث، تقدم أن الآخذ على اليد عبارة عن المنع تقدم
أيضا معنى أوشك.
٣٤٩٥ - وَعَن أبي كثير السحيمي عَن أَبِهِ قَالَ سَأَلت أَبًا ذَر قلت دلَّنِي على
عمل إِذا عمل العَبْد بِهِ دخل الْجِنَّةُ قَالَ سَأَلَت عَن ذَلِك رَسُول الله ◌َّهِ قَالَ تؤمن
بالله واليوم الآخر قلت يَا رَسُول الله إِن مَعَ الإِيمَان عملا قَالَ برْضخ مِمَّا رزقه الله
قلت يَا رَسُول الله أَرَأَيْتِ إِن كَانَ فَقِيرا لَا يجد مَا يَرْضِخِ بِهِ قَالَ يَأمر بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهِى عَنِ الْمُنكرِ قَالَ قلت يَا رَسُول الله أَرَأَيْتِ إِن كَانَ عبيا لَا يَسْتَطِيعِ أَن يَأْمر
(١) سورة المائدة، الآية: ٩٩.
(٢) سورة النساء، الآية: ٢٩.
(٣) تنبيه الغافلين (ص ٩٣-٩٤).
٧٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهى عَن الْمُنكر قَالَ يصنع لأخرق قلت أَرَأَيْت إِن كَانَ أخرق أَن
يصنع شَيْئًا قَالَ يعين مَغْلُوبًا قلت أَرَأَنْت إِن كَانَ ضَعِيفًا لَا يَسْتَطِيعُ أَن يعين مَغْلُوبًا
قَالَ مَا تُرِيدُ أَن يكون فِي صَاحبك من خير يمسك عَن أَذَى النَّاس فَقلت يَا رَسُول
الله إِذا فعل ذَلِك دخل الجنَّة قَالَ مَا من مُسلم يفعل خصْلَة من هَؤُلاءِ إِلَّا أخذت
بِيَدِهِ حَتَّى تدخله الْجَنَّةُ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ وَاللَّفْظِ لَهُ وَرُوَاته ثِقَات وَابْنِ حبَان
فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمِ وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم(١).
قوله: وعن أبي كثير السحيمي [اسمه يزيد بن عبد الرحمن بن أذينة وهو
من رجال مسلم وهو الذي يقال له الأعمى].
قوله: ((تؤمن بالله واليوم الآخر)) الإيمان في اللغة التصديق.
قوله: ((يرضخ مما رزقه الله)) الرضخ العطية القليلة.
قوله: ((يصنع لأخرق)) الأخرق تقدم معناه أنه الذي لا يتقن صنعة من الصنائع.
٣٤٩٦ - وَرُوِيَ عَن درة بنت أبي لَهَب ◌َََّّهُ قَالَت قلت يَا رَسُول الله من
خير النَّاس قَالَ أَتْقَاهُم للرب عز وَجل وأوصلهم للرحم وَآمَرهُمْ بِالْمَعْرُوفِ
وأنهاهم عَن الْمُنكر رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي كتاب الثَّوَابِ وَالْبَيْهَقِيّ فِي الزّهْد
(١) أخرجه ابن حبان (٣٧٣) واللفظ له، والحاكم في المستدرك (٦٣/١)، والبيهقى في
الشعب (٣٢/٥-٣٣ رقم ٣٠٥٥). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وأخرجه ابن أبى
شيبة في المصنف ١٦١/٦ (٣٠٣٣٦) والإيمان (٧٧)، والطبراني في المعجم الكبير (٢/
١٦٧: ١٦٥٠) ومكارم الأخلاق (٩٨)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (٢٨٧) من
طريق عكرمة بن عمار عن أبي زميل، عن مالك بن مرثد عن أبيه عن أبى ذر. وقال
الألباني: صحيح لغيره - ((الصحيحة)) (٢٦٦٨) وصحيح الترغيب (٢٣١٨).
٧٩
كتاب الحدود وغيرها
الْكَبِيرِ وَغَيرِهِ(١).
قوله: وروي عن درة بنت أبي لهب رَّالله [هى درة بنت أبي لهب بن عبد
المطلب بن هاشم القرشية الهاشمية بنت عم النبي وَلا وهاجرت إلى
المدينة، وكانت عند الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، فولدت
له عقبة والوليد وأبا مسلم(٢)] تقدم الحديث.
٣٤٩٧ - وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عِمر ◌َّهَا قَالَ قَالَ رَسُول اللهِ وَِّ يَا أَيْهَا النَّاسِ
مروا بِالْمَعْرُوفِ وانهوا عَن الْمُنكر قبل أن تدعوا الله فَلا يستجيب لكم وَقبل
أَن تستغفروه فَلَا يغْفر لكم إِن الأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر لا يدْفع
رزقا وَلَّا يقرب أَجَلَا وَإِن الْأَحْبَار من الْيَهُود والرهبان من النَّصَارَى لما تركُوا
الأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهي عَن الْمُنكر لعنهم الله على لِسَان أَنْبِيَائِهمْ ثمَّ عموا
(١) أخرجه ابن أبى شيبة في المصنف ٢١٨/٥ (٢٥٣٩٧) و٥٠٤/٧ (٣٧٨٥٠) وعنه عبد الله
ابن أحمد في زوائد الزهد (١١٨٣) وابن أبى عاصم في الآحاد والمثاني (٣١٦٦)، وأحمد
٤٣١/٦-٤٣٢ (٢٨٠٧٧)، وابن أبى الدنيا في الأمر بالمعروف (٢٢)، وابن أبى عاصم
في الآحاد والمثاني (٣١٦٧)، والخرائطى في مكارم الأخلاق (٢٧١)، والطبراني في الكبير
(٢٥٧/٢٤ رقم ٦٥٧)، والبيهقى في الزهد (٨٧٧) والشعب (٣٢١/١٠ رقم ٧٥٧٨)،
والشجرى في الأمالى (١٧٦/٢).
وقال الهيثمى في المجمع ٢٦٣/٧: رواه أحمد وهذا لفظه والطبراني، وزاد: قالت: كنت
عند عائشة، فجيء برجل إلى النبي ◌َّ كأنه ناداه وهو على المنبر فقال: يا رسول الله، أي
الناس خير؟ قالت: فأتى الرجل فأخذ فقال: يا رسول الله، ليس لي ذنب أمرني فلان،
والباقي بنحوه. ورجالهما ثقات، وفي بعضهم كلام لا يضر. وضعفه الألباني في الضعيفة
(٢٠٩٣) وضعيف الترغيب (١٣٨٩) و(١٤٩٢).
(٢) أسد الغابة (١٠٣/٧).
٨٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
بالبلاء رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ(١).
قوله: وعن ابن عمر زَّنَا، تقدم الكلام عليه.
قوله في الحديث: ((وإن الأحبار من اليهود والرهبان من النصارى لما تركوا
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعنهم الله على لسان أنبيائهم)) الحديث،
الربانيون هم علماء النصارى والأحبار هم العلماء جمع حبر بالفتح والكسر
وكان يقال لابن عباس الحبر والبحر لعلمه وسعته والأحبار هم علماء اليهود
قاله الحسن(٢)، قال الإمام أبو عبد الله القرطبي: وبخ الله سبحانه وتعالى
علماء اليهود في تركهم نهيهم فقال: ليس ما كانوا يصنعون كما وبخ من
يسارع في الإثم في قوله: ﴿لَبِثْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾(٣) ودلت الآية الكريمة
على أن تارك النهي عن المنكر كم ركب المنكر والآية توبيخ للعلماء في ترك
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٤)، أ.هـ.
(١) أخرجه ابن أبى الدنيا في الأمر بالمعروف (٤٤) ومن طريقه المقدسى في الأمر بالمعروف
(٦٦)، والطبراني في الأوسط (٩٥/٢- ٩٦ رقم ١٣٦٧)، وأبو نعيم في الحلية (٨/
٢٨٧)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (٣٠٦).
وقال الطبرانى: لم يرو هذا الحديث عن عبد الله بن عبد العزيز العمري العابد إلا إسحاق
بن إبراهيم الجحدري، تفرد به: ابن دنوقا. قال أبو حاتم في العلل (١٩٠٨) و(٢٨٠٠):
هذا حديث منكر. وقال الهيثمى في المجمع ٧/ ٢٦٦: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه من
لم أعرفهم. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٠٩٢) وضعيف الترغيب (١٣٩٠).
(٢) تفسير القرطبى (٦/ ٢٣٧).
(٣) سورة المائدة ، الآية: ٦٢.
(٤) المصدر السابق في نفس الموضع.