النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
كتاب القضاء وغيره
في شاهد الزور أن يجلد أربعين ويسخم وجهه ويحلق رأسه ويطال
[٢٠٦/ أ] حبسه(١).
وفي رواية أخرى عن [ابن] (٢) عمر أنه أمر أن يسخم وجهه وتلقى عمامته
في عنقه ويطاف به في القبائل ويقال هذا شاهد زور ولا تقبل شهادته أبدًا (٣).
وروي ابن وهب عن مالك أنه يجلد ويطاف به ويشنع به، وقال ابن
القاسم: بلغني عن مالك أنه قال: لا تقبل شهادته أبدا وإن تاب وحسنت
توبته اتباعا لقول عمر بن الخطاب، وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد:
يعزر، وقال الشافعي: يعزره ويشهر به، وقال [أحمد وإسحاق و] أبو ثور
كذلك وقال شريح: يشهر ولا يعزر وهو قول أبي حنيفة، وقال الطحاوي (٤):
شهادة الزور فسق ومن فسق (رجلا عزر بوجود الفسق فيه أولى أن يستحق
به التعزير، ولا يختلفون أن من فسق بغير شهادة الزور؛ أن توبته مقبولة)
وشهادته بعد التوبة مقبولة(٥) والله أعلم قاله في شرح الإلمام.
٣٤٧٥ - وَعَن أبي مُوسَى رَََّّهُ عَنِ النَّبِي وَِّ قَالَ من كتم شَهَادَة إِذا دعِي
إِلَيْهَا كَانَ کمن شهد بالزور حَدِيث غَرِیب رَوَاهُ الطَّرَانِيّ فِي الْکَبِير والأوسط
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٥٣٩٢ و١٥٣٩٣) وابن أبى شيبة فى المصنف ٥٣٢/٥ (٢٨٧١٣)
من طريقين عن مكحول عن الوليد بن أبى مالك.
(٢) كذا هو في الأصل وإنما هو عن عمر وابن عمر لم يل من الأمر شيئًا.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٥٣٩٤) من طريق الأحوص بن حكيم، عن أبيه.
(٤) شرح الصحيح (٨/ ٣٢) لابن بطال.
(٥) شرح صحيح البخارى (٨/ ٣٢) لابن بطال.

٢٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
من رِوَايَة عبد الله بن صَالحِ كَاتب اللَّيْثِ وَقد احْتج بِهِ البُخَارِيّ (١).
قوله: وعن أبي موسى زَّل ◌َه تقدم الكلام عليه. قوله وَّ: ((من كتم شهادة إذا
دعي إليها كان كمن شهد بالزور)) الحديث، وأما كتمان الشهادة بلا عذر فالذي
يظهر أن مفسدته لا تنتهي إلى مفسدة شهادة الزور ولتمكن المدعي من تحليف
المدعي عليه ولأنه قد يشهد بعد ذلك والله أعلم.
(١) أخرجه الطبرانى فى الأوسط (٢٧٠/٤ رقم ٤١٦٧). وقال الطبرانى: لم يرو هذا الحديث
عن مكحول إلا العلاء، ولا عن العلاء إلا معاوية، ولا عن معاوية إلا عبد الله بن صالح،
تفرد به: أبو قرة.
قال الهيثمى فى المجمع ٤/ ٢٠٠: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه عبد الله بن
صالح وثقه عبد الملك بن شعيب بن الليث، فقال: ثقة مأمون. وضعفه جماعة. وضعفه
الألبانى فى الضعيفة (١٢٦٧) وضعيف الترغيب (١٣٨٥) وضعيف الجامع (٥٨١١).

٢٣
كتاب الحدود وغيرها
[كتاب الحدود وغيرها]
[الترغيب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
والترهيب من تركهما والمداهنة فيهما]
٣٤٧٦ - عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَوَ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ◌َّهِ يَقُول من
رأى مِنْكُم مُنْكرا فليغيره بِيَدِهِ فَإِن لم يسْتَطع فبلسانه فَإِن لم يسْتَطع فبقلبه
وَذَلِكَ أَضْعَف الْإِيمَانِ رَوَاهُ مُسلمٍ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَالنَّسَائِيّ وَلَفظه أَن
رَسُول الله وَِّ قَالَ من رأى مِنْكُم مُنْكرا فَغَيرِه بِيَدِهِ فقد برىء وَمن لم يسْتَطع
أَن يُغَيِّرُهُ بِيَدِهِ فَغَيرِه بِلِسَانِهِ فقد برىء وَمن لم يسْتَطع أن يُغَيِّرُهُ بِلِسَانِهِ فَغَيره
بِقَلْبِهِ فقد برىء وَذَلِكَ أَضْعَف الْإِيمَان (١).
قوله: عن أبي سعيد الخدري زَقَّهُ واسمه: سعد بن مالك تقدمت ترجمته.
قوله مَله: ((من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم
يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)) الحديث.
فقوله وَالر: ((من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده)) المنكر ما لا يجوز في
الشرع، والمنکر ضد المعروف و کل ما قبحه الشرع وحرمه و کرهه فهو منکر
والمعروف خلافه(٢).
(١) أخرجه مسلم (٧٨ و٧٩-٤٩)، وابن ماجه (١٢٧٥) و(٤٠١٣)، وأبو داود (١١٤٠)
و (٤٣٤٠)، والترمذى (٢١٧٢)، والنسائى فى المجتبى ٥٣٩/٧ (٥٠٥٢) و٥٤٠/٧
(٥٠٥٣)، وأبو عوانة (١٦٦)، وابن حبان (٣٠٦) و(٣٠٧).
(٢) النهاية (١١٥/٥)، وعمدة القارى (١٢/١٣) و(١٦٦/١٥).

٢٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وقال بعضهم أيضاً: المنكر ما كان مستقبحًا عقلًا أو شرعًا، والمعروف ما
كان مستحسنًا عقلاً أو شرعًا (١).
وقوله: ((من رأى منكم منكرا فليغيره)) هو خطاب للامة جميعا حاضرها
حينئذ بمشافهته بالأمر وغائبها ممن يأتي لقوله عليه الصلاة والسلام حكمي
على الواحد حكمي على الجماعة أو لأن الحاضر يضمن الغائب (٢).
وقوله: ((رأى)) يحتمل أنه من رؤية العين ثم يقاس عليه ما علمه وما لم يره
فيجب تغيره مع القدرة لأن المقصود دفع مفسدة المنكر ولا فرق بين ما
ابصره أو علمه ولم يره ويحتمل أن رأى من رؤية القلب أي من عمل منكم
منكرا فليغيره فهو أعم مما أبصره أو علمه وهو أشبه في النظر وإن كانت لفظ
رأى ظاهرا في الإبصار، أ.هـ قاله الطوفي(٣).
وأما صفة النهي ومراتبه فقد قال النبي ◌َّيّة في هذا الحديث الصحيح
فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه معناه فليكرهه بقلبه
وليس ذلك بإزالة وتغير منه للمنكر لكنه هو الذي في وسعه فالإنكار بالقلب
هو كراهة تلك المعصية وبغضها فإن كان المنكر مما يغير باليد بادر إلى
تغييره كإخراجه من المسجد إذا كان جنباً أو قد أكل بصلا أو ثوما أو فجلا
ونحو ذلك مما له رائحة كريهة [٢٠٦/ ب] يتأذي بها الإنسان، ففي صحيح
(١) تفسير الزمخشرى (٤٧٢/١)، وتفسير النسفى (٣٣١/١) وتفسير النيسابورى
(٣٥٢/٢).
(٢) التعيين في شرح الأربعين (ص ٢٨٧).
(٣) المصدر السابق (ص ٢٨٧-٢٨٨).

٢٥
كتاب الحدود وغيرها
مسلم أن النبي وَيّ كان إذا وجد من الرجل في المسجد ريح البصل أو الثوم
أمر به فأخرج إلى البقيع (١) وإن لم يخرج إلا بجره فليجره بيده ونحوها دون
ذقنه وشعر رأسه وإن أمكنه أن لا يباشر شيئًا من ذلك بيده ويوليه غيره
فليفعل وقال بعض أهل العلم: إنكار باليد للأمراء وباللسان للعلماء وبالقلب
للفقراء، أ.هـ رواه النسائي ولفظه قال: قال رسول الله وَله: ((من رأى منكم
منكرا فغيره بيده فقد برء)) الحديث، أي فقد برئ من الإثم بإنكاره، وفيه
الدليل الواضح على أن من استطاع الإنكار فلم ينكر أنه غير برئ من الإثم
بل هو شريك فيه وفيه التصريح الشافي بأن من أنكر بلسانه فلم يرجع إليه مع
إمكان إنكاره باليد لا يسقط عنه الإثم وإنما يسقط عنه الإثم إذا لم يستطع
الإنكار باليد وفيه أنه لا يقتصر على الإنكار بالقلب إلا من ضعف إيمانه
سواء استطاع الإنكار باليد واللسان أو لم يستطع إلا أنه عند عدم الاستطاعة
يسقط عنه الإثم وإن كان ضعيف الإيمان قاله ابن النحاس في تنبيهه (٢).
قوله وَلخلقه: ((وذلك أضعف الإيمان)) معناه والله أعلم أي أضعف أفعال أهل
الإيمان وهذا يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خصال
الإيمان فدل على أن من قدر على خصلة من خصال الإيمان كان أفضل ممن
تركها عجزا عنها ويدل على ذلك أيضًا قوله وَّ في حق النساء: ((أما نقصان
دينها فإنها تمكث الأيام والليالي لا تصلي شيئًا إلى أيام الحيض)) مع انها
(١) أخرجه مسلم (٧٨ - ٥٦٧) عن عمر بن الخطاب.
(٢) تنبيه الغافلين (ص ٢٦)

٢٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ممنوعة عن الصلاة حينئذ وقد جعل ذلك نقصا في دينها فدل على أن من قدر
على واجب وفعله فهو أفضل ممن عجز عنه وتركه وإن كان معذورا في تركه
والله أعلم قاله ابن رجب الحنبلي(١).
فائدة: روي عن الحسن رَ له قال: قال رسول الله وَله: ((من أمر بمعروف
أو نهى عن منكر فهو خليفة الله وخليفة رسول الله وآله وخليفة كتابه)) ذكره
القرطبي في تفسيره (٢).
قوله: في الحديث: ((من رأى منكم منكرًا فليغيره)) وهذا أمر إيجاب
بإجماع الأمة وهو أيضًا من النصيحة الواجبة التي هي الدين وقد تطابق على
وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة والإجماع ولم
يخالف في ذلك إلا الرافضة ولم يعتد بخلافهم (٣)، فالأمر بالمعروف والنهي
(١) جامع العلوم والحكم (٩٥٩/٣ - ٩٦٠).
(٢) التفسير (٤٧/٤). والحديث رواه علي بن معبد في كتاب الطاعة والمعصية ثنا بقية ابن
الوليد الحمصي عن حسان بن سليمان عن أبي نضرة عن الحسن كما في تخريج الكشاف
(٢١٣/١) للزيلعى. وأخرجه نعيم بن حماد في الفتن (٢٤٥) من طريق بقية بن الوليد،
عن عبد الله بن نعيم المعافري، قال: سمعت المشيخة فذكره. وأخرجه ابن عدى في
الكامل (٢٣٠/٧) عن عبادة. وقال ابن عدى: ولكادح غير ما أمليت أحاديث وأحاديثه
عامة ما يرويه غير محفوظة، ولا يتابع عليه في أسانيده، ولا في متونه ويشبه حديثه حديث
الصالحين فإن أحاديثهم يقع فيها ما لا يتابعهم عليه أحد. وأخرجه النسفى في القند
(٣٦٢/١) من طريق بقية بن الوليد، عن أبي المتوكل القشيري، عن حميد، عن أنس.
وإنما هو متوكل بن يحيى القشيرى ومنهم من قال أبو المتوكل القتسرينى الشامى.
وحميد هو ابن العلاء وكلاهما مجهول. والحديث ضعفه الألباني في الضعيفة (٤٨٤٠).
(٣) شرح النووي على مسلم (٢١/٢).

٢٧
كتاب الحدود وغيرها
عن المنكر فرض كفاية إذا قام به بعض الناس سقط الحرج عن الباقين وإذا
تركه الجميع أثم كل من يمكن منه بلا عذر ولا خوف، ثم أنه قد يتعين كما
إذا کان بموضع لا يعلم به إلا هو أو لا يتمكن من إزالته سواه وكمن يرى
زوجته أو ولده أو غلامه على منكر أو تقصير في المعروف قال العلماء: ولا
يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفيد في ظنه
بل يجب عليه فعله فإن الذكرى تنفع المؤمنين وما على الرسول إلا البلاغ،
ومثل العلماء هذا بمن يرى إنسانا في الحمام أو غيره [٢٠٧ / أ] مكشوف
العورة أو بعضها أو نحو ذلك، قال العلماء: ولا يشترط في الأمر ولا في الثاني
أن يكون كامل الحال ممتثلا لما أمر به مجتنبا لما نهي عنه بل عليه الأمر وإن
كان مخللا بأ يأمر به أو كان متلبسا بما ينهي عنه فإنه يجب عليه شيئان أن
يأمر نفسه وينهاها ويأمر غيره وينهاه ولا يختص الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر بأصحاب الولايات بل ذلك ثابت لأحاد المسلمين، قال إمام
الحرمين: والدليل عليه إجماع المسلمين فإن غير الولاة في الصدر الأول
والعصر الذي يليه كانوا يأمرون الولاة بالمعروف وينهونهم عن المنكر مع
تقرير المسلمين لهم وترك توبيخهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
من غير ولاية ثم إنه لا يأمر ولا ينهى من كان عالما بما يامر به وينهي عنه
وذلك يختلف باختلاف الشيء فإن كان من الواجبات الظاهرة والمحرمات
المشهورة كالصلاة والصيام والزنا والخمر ونحوها فكل المسلمين علماء
بها وإن كان دقائق الأقوال والأفعال ومما يتعلق بالاجتهاد ولم يكن للعوام
مدخل فيه ولا لهم إنكار بل ذلك للعلماء ولا ينكر إلا ما أجمع عليه لا ما

٢٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
اختلف فيه لأن على أحد المذهبين كل مجتهد مصيب وهذا هو المختار عند
كثير من المحققين أو أكثرهم، وينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر
أن يرفق به ليكون أقرب إلى تحصيل المطلوب فقد قال الإمام الشافعي: من
وعظ أخاه سار فقد نصحه ومن وعظه علانية فقد فضحه، و کأنه مما يتساهل
أكثر الناس فيه من هذا الباب ما إذا رأى إنسانا يبيع متاعا معيبا أو نحوه وأنهم
لا ينكرون ذلك ولا يعلمون المشتري بعيبه وهذا خطأ ظاهر، وقد نص
العلماء على أنه يحب على من علم ذلك أن ينكر على البائع وأن يعلم
المشتري وأما صفة النهي ومراتيه قد قال النبي وَ﴾ في هذا الحديث
الصحيح: ((فليغيره بيده)) الحديث، فهذه صفة النهي ومراتبه والإنكار بالقلب
هو كراهته لأنه الذي في وسعه وكان أضعف الإيمان لقلة ثمرته فحق عليه أن
يغير بكل ما يمكنه قولا كان أو فعلا(١)، أ.هـ
قال القاضي: هذا الحد [يث أصل في صفة] التغيير فحق على أن يغيره
بكل وجه أمكنه زواله به قولا أو فعلا فيكسر آلات الباطل ويريق المكسر
بنفسه أو يأمر من يفعله وينزع المغصوب ويردها إلى أصحابها بنفسه أو يأمره
إذا أمكنه [ويرفق] في التغيير جهده بالجاهل وبذي العزة الظالم المخوف
شره إذ ذاك أدعى إلى قبول قوله كما يستحب أن يكون متولي ذلك من أهل
الصلاح والفضل لهذا المعنى [ويغلظ] على المتمادي في غيه والمسرف في
بطالته وليس من الأمر بالمعروف البحث والتجسس واقتحام الدور بالظنون،
(١) شرح النووي على مسلم (٢٢/٢-٢٥).

٢٩
كتاب الحدود وغيرها
بل إن عثر على منكر غيره جهده، وقال الماوردي: ليس للمحتسب أن
يبحث عما لم يظهر من المحرمات(١)،أ.هـ.
وقال الماوردي (٢) في الروضة: ولا يكفي الوعظ لمن أمكنه أن يغير بيده
ولا كراهة القلب لمن قدر على النهي باللسان، وأما قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ
أَنفُسَكُمٌّ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾(٣) فليس مخالفا لما ذكرنا لأن
المذهب الصحيح في معنى الآية: أنكم إذا فعلتم ما كلفتم به وأمرتم
بالمعروف ثم عجزتم عن إزالة المنكر فلا يضركم ضلالهم وهذا مثل قوله
تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَ﴾(٤)(٥).
وقوله وَالر: ((فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم)) أي من أنكر بقدر
استطاعته سلم من الاثم ومن لم يستطع إنكارًا أو كره تلك المعصية بقلبه
فقد برئ من الإثم، قاله الحافظ الدمياطي.
٣٤٧٧- وَعَنِ عِبَادَة بن الصَّامِت ◌َِّيَهُ قَالَ بَايعنَا رَسُول اللّهِ وَّ على
السّمع وَالطَّاعَة فِي الْعسر واليسر والمنشط وَالْمَكْرِه وعَلى أَثَرَة علينا وَأَن لَا
ننازع الأمر أهله إِلَّا أَن تروا كفرا بواحا عنْدكُمْ من الله فِيهِ برهَان وعَلى أَن
نقُول بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا لَا نَخَاف في الله لومة لائم رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (٦).
(١) المصدر السابق (٢٥/٢-٢٦).
(٢) كذا هو بالأصل وإنما هو كلام النووى.
(٣) سورة المائدة، الآية: ١٠٥.
(٤) سورة الأنعام، الآية: ١٦٤.
(٥) روضة الطالبين (٢٢٠/١٠) وشرح مسلم (٢/ ٢٢) للنووى.
(٦) أخرجه البخارى (٧٠٥٥ و٧٠٥٦)، ومسلم (٤١ و٤٢-١٧٠٩)، وابن ماجه (٢٨٦٦)،
=

٣٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: وعن عبادة بن [٢٠٧/ ب] الصامت أقواله تقدم الكلام عليه.
قوله: بايعنا رسول الله وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط
والمكره وعلى أثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا
عندكم من الله فيه برهان)) الحديث، المراد بالمبايعة المعاهدة وهي مأخوذة
من البيع لأن كل واحد من المتبايعين كان يمد يده إلى صاحبه وكذا هذه
البيعة تكون بأخذ الكف، وقيل: سميت مبايعة لما فيها من المعاوضة لما
وعدهم الله تعالى من عظيم الجزاء، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ
اُلْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةُ﴾(١) الآية(٢).
قوله: بايعت رسول الله وَية على السمع والطاعة في العسر واليسر
والمنشط والمكره، يعني: المحبوب والمكروه وهما مصدران(٣)، وفي
لفظ: ((في الحزن والسهل)) (٤) والحزن هو الذي فيه عنف وغلظ، والسهل هو
الذي فيه رفق ولين والله أعلم(٥)، وقيل(٦): المنشط مفعل من النشاط وهو
الأمر الذين ينشط له ويخف إليه ويؤثر فعله وهو مصدر معنى النشاط.
=
والنسائى فى المجتبى ٥٩٥/٦ (٤١٨٧) و٥٩٦/٦ (٤١٨٨) و(٤١٨٩) و٦ / ٥٩٧
(٤١٩٠) و٥٩٨/٦ (٤١٩١) و(٤١٩٢)، وابن حبان (٤٥٦٢) و(٤٥٦٦).
(١) سورة التوبة، الآية: ١١١.
(٢) إكمال المعلم (٦ / ٢٤٧-٢٤٨)، وشرح النووي على مسلم (٢٢٩/١٢ -٢٣٠).
(٣) النهاية (١٦٩/٤)، وكشف المناهج (٢٦٧/٣).
(٤) لم أعثر على هذه الرواية.
(٥) كشف المناهج (١١٠/١).
(٦) النهاية (٥٧/٥)، وعمدة القارى (٤٠٣/٢٤).

٣١
كتاب الحدود وغيرها
قوله: ((وعلى أثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله)) الأثرة بفتح الهمزة والثاء
المثلثة على مثال شجرة، ويقال: بضم الهمزة وإسكان الثاء، وبكسر الهمزة
وإسكان الثاء على مثال غرفة وعلى مثال مرية ثلاث لغات حكاهن في
المشارق وغيره(١) وهو استيثار الأمراء بأموال بيت المال (٢)، وقال النووي:
وهو الاستيثار والاختصاص بأمور الدنيا عليكم(٣)، قال الأزهري: وهو
الاستيثار أي يستأثر عليكم بأمور الدنيا ويفضل عليكم غيركم نفسه ولا
يجعل لكم في الأمر نصيب (٤). اهـ. ومعنى الحديث: أي اسمعوا وأطيعوا وإن
وإن اختص الأمراء بالدنيا ولم يوصلوكم حقكم مما عندهم وهذه الأحاديث
في الحث على السمع والطاعة في جميع الأحوال سببها اجتماع كلمة
المسلمين فإن الخلاف سبب لفساد أحوالهم في دينهم ودنياهم(٥).
قوله وَّةٍ: ((إلا أن تروا كفرا بواحا)) هكذا هو في معظم الروايات وفي معظم
النسخ بواحا بالواو، وفي بعضها براحا بالراء والباء مفتوحة فيهما ومعناهما
كفرا ظاهر والمراد بالكفر هنا المعاصي (٦).
(١) مشارق الأنوار (١٨/١)، ومطالع الأنوار (١٩٤/١) شرح النووي على مسلم
(٢٢٥/١٢).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢٣٢).
(٣) شرح النووي على مسلم (٢٢٥/١٢)
(٤) تفسير الخازن (٣٧١/٤)، والتوضيح (٣٨٣/١٥)، وفتح البارى (١ / ٧٥).
(٥) شرح النووي على مسلم (١٢ /٢٢٥).
(٦) المصدر السابق (٢٢٨/١٢-٢٢٩).

٣٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
رواية أكثر الشيوخ هنا بالواو وعند أبي جعفر وبعضهم براحا بالراء وهو
بمعنى الأول أي بينا ظاهر مشتهرًا والمعنى جهارًا، وقال عياض: أي بيانًا لا
تأويل فيه ولا خفاء به ومن رواه بواحا بالواو فهو من باح بالشيء إذا أظهره
أي ظاهرا معناه لا عن ظن ولا إلزام (١)، أ.هـ والمراد بالكفر هنا المعصية
لقوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ اٌلْكَفِرُونَ﴾(٢)
وكقوله وَيّ: ((لا ترجعوا بعدي كفارًا))(٣) أي عصاة وقيل لابسي السلاح،
وقيل: من الكفر على الحقيقة أي لا يكفر بعضهم بعضًا(٤)، وفي الحديث أن
الأوس والخزرج ذكروا ما كان منهم في الجاهلية فثار بعضهم على بعض.
بالسيوف فأنزل الله عز وجل: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ ءَايَتُ
اُللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ,﴾(٥) وليس المراد به الكفر بالله، وفي الحديث أيضا:((من
أيضا: ((من أتى حائضا فقد كفر ومن أتى امرأة في دبرها فقد كفر)) (٦) .
وفيه أيضا ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر))(٧)، ومعنى: ((عندكم من الله
(١) إكمال المعلم (٢٤٦/٦-٢٤٧)، وتحفة الأبرار (٥٤٤/٢).
(٢) سورة المائدة، الآية: ٤٤.
(٣) أخرجه: البخاري (٤٤٠٢)، ومسلم (١١٩ و١٢٠-١٦) عن ابن عمر.
(٤) مشارق الأنوار (٣٤٤/١-٣٤٥)، وشرح النووي على مسلم (٢/ ٥٥).
(٥) سورة آل عمران، الآية: ١٠١.
(٦) أخرجه ابن ماجه (٦٣٩)، وأبو داود (٣٩٠٤)، والترمذي (١٣٥)، والنسائي في الكبرى
(٨٩٦٧) و (٨٩٦٨) عن أبى هريرة. وصححه الألبانى فى صَحِيح الْجَامِعِ: ٥٩٣٩،
الصَّحِيحَة: ٣٣٨٧، صَحِيحِ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيب: ٣٠٤٤.
(٧) أخرجه البخارى (٤٨) و(٦٠٤٤) و(٧٠٧٦)، ومسلم (١١٦ و١١٧ -٦٤) عن ابن مسعود.

٣٣
كتاب الحدود وغيرها
الله فيه برهان)) أي تعلمونه من دين الله تعالى، ومعنى الحديث: لا تنازعوا
ولاة الأمر في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا من
قواعد الإسلام فإذا [٢٠٨ / أ] رأيتم ذلك فأنكروا عليهم وقولوا بالحق حيثما
(١)
کنتم(١).
قوله: (اسمعوا وأطيعوا)) قال العلماء: يجب طاعة الأمراء فيما يشق
وتكرهه النفوس مما ليس بمعصية فإن كان معصية فلا سمع ولا طاعة (٢).
قوله ◌َّله: ((وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم)) معناه:
نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر في كل زمان ومكان الكبار والصغار لا نداهن
فيه أحدا ولا نخافه ولا نلتفت إلى لائميه، ففيه القيام بالأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر، وأجمع العلماء على أنه فرض كفاية فإن خاف من ذلك على نفسه
أو ماله او غيره سقط الإنكار بيده ولسانه ووجب كراهته بقلبه وهذا مذهبنا
ومذهب الجماهير وحكى القاضي عياض عنا عن بعضهم انه ذهب إلى الإنكار
مطلقا في هذه الحالة وغيرها قاله النووي في شرح مسلم(١).
٣٤٧٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس ◌َوََّا قَالَ قَالَ رَسُول الله بَّهِ على كل ميسم من
الْإِنْسَان صَلَاة كل يَوْم فَقَالَ رجل من الْقَوْمِ هَذَا من أَشد مَا أنبأتنا بِهِ قَالَ أَمرك
(١) شرح النووي على مسلم (٢٢٩/١٢).
(٢) شرح النووي على مسلم (٢٢٤/١٢).
(٣) شرح النووي على مسلم (٢٣٠/١٢).

٣٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
بِالْمَعْرُوفِ ونهيك عَن الْمُنكر صَلَاة وحملك عَنِ الضَّعِيف صَلَاة وإنحاؤك
القذى عَن الطَّرِيق صَلَاة وكل خطْوَة تخطوها إِلَى الصَّلَاة صَلَاة رَوَاهُ ابْن
خُزَيْمَة فِي صَحِيحه(١).
قوله: وعن ابن عباس رَّها، تقدم الكلام على ابن عباس.
قوله وَالر: ((على كل ميسم من الإنسان صلاة كل يوم)) الحديث، الميسم
العلامة وتقدم الكلام على هذا الحديث في أوائل هذا التعليق.
٣٤٧٩ - وَعَنِ أبِى ذَرِ رَقَِّنَّهُ أَن أَنَاسًا قَالُوا يَا رَسُول الله ذهب أهل الدُّثُّور
بِالْأُجُورِ يصلونَ كَمَا نصلي وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُوم وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُول
أَمْوَالِهِم قَالَ أَو لَيْسَ قد جعل الله لكم مَا تصدقُونَ بِهِ إِن بِكُل تَسْبِيحَة صَدَقَة
وَبِكُل تَكْبِيرَةٍ صَدَقَة وَبِكُل تَحْمِيدَة صَدَقَة وَبِكُل تَهْلِيلَة صَدَقَة وَأمر بِالْمَعْرُوفِ
صَدَقَة وَنهي عَن مُنكر صَدَقَة رَوَاهُ مُسلمٍ وَغَيرِه(٢).
(١) أخرجه المروزى فى تعظيم قدر الصلاة (٨٠٦)، والبزار كما فى الكشف (٩٢٦)، وأبو
يعلى (٢٤٣٤)، وابن خزيمة (١٤٩٧)، والطبرانى فى الكبير (٢٩٦/١١ رقم ١١٧٩١).
قال البزار: لا نعلمه، عن ابن عباس إلا عن سماك، عن عكرمة عنه.
وقال الهيثمى فى المجمع ١٠٤/٣: رواه أبو يعلى، والبزار، والطبراني في الكبير،
والأوسط، والصغير بنحوه، وزاد فيها: ((ويجزي من ذلك كله ركعتا الضحى)). ورجال
أبي يعلى رجال الصحيح. وضعفه الألبانى فى الضعيفة (١٠٧٦)، وضعيف الترغيب
(١٠٧٦) و(١٣٨٦) و(١٧٦٤).
(٢) أخرجه مسلم (٥٣- ١٠٠٦)، وابن ماجه (٩٢٧)، وابن حبان (٨٣٨) و(٣٣٧٧). ولم
يدرج المصنف تحته شرحًا.

٣٥
كتاب الحدود وغيرها
٣٤٨٠- وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَهُ عَنِ النَّبِيِ وَ قَالَ فضل الْجِهَاد
كلمة حق عِنْد سُلْطَان أَو أَمِير جَائِرِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظِ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن
مَاجَه كلهم عَن عَطِيَّةِ الْعَوْفِيّ عَنْهُ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن غَرِيب(١).
قوله: وعن أبي سعيد الخدري رقيّ﴾ تقدم الكلام عليه.
قوله: ((أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان أو أمير جائر)) الحديث، ففي
هذا الحديث والأحاديث بعده دليل على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
من الجهاد المفترض على المسلمين وأنه في الأئمة الجائرين والأمراء
الظالمين أفضل أنواعه لأنه يعرض نفسه فيه للقتل ويجود بها لله تعالى (٢)،
ولهذا جاء في المستدرك من حديث جابر عن النبي قال: ((سيد الشهداء حمزة
بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله))(٣) وخرج البزار
(١) أخرجه الحميدى (٧٦٩)، وأحمد ١٩/٣ (١١٣١٢) و٦١/٣ (١١٧٦٥)، وعبد بن
حميد (٨٦٤)، وابن ماجه (٤٠١١)، وأبو داود (٤٣٤٤)، والترمذى (٢١٧٤)، وأبو يعلى
(١١٠١)، والحاكم في المستدرك (٤ / ٥٠٥ -٥٠٦). وقال الترمذى: وهذا حديث حسن
غريب من هذا الوجه. وصححه الحاكم وتعقبه الذهبى فقال: فيه ابن جدعان، صالح
الحديث. وصححه الألبانى فى الصحيحة (٤٩١) وصحيح الترغيب (٢٣٠٥)، والمشكاة
(٣٧٠٥ - ٣٧٠٦)، والروض النضير (٩٠٩).
(٢) تنبيه الغافلين (ص ٢٨).
(٣) أخرجه الحاكم فى المستدرك (١١٩/٢-١٢٠) و(١٩٥/٣)، والطبراني في الأوسط (١/
٥٠١ - ٥٠٢ رقم ٩٢٢)، والخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ٣٧٧). وصححه الحاكم وتعقبه
الذهبى فقال: فيه حفيد الصفار، لا يدرى من هو؟ قال الهيثمي في المجمع (٩/ ٢٦٨):
فيه حكيم بن زيد، قال الأزدي: فيه نظر، وبقية رجاله وثقوا. وصححه الألبانى فى
الصحيحة (٣٧٤) وصحيح الترغيب (٢٣٠٨).

٣٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
عن أبي عبيدة بن الجراح قال: قلت يا رسول الله أي الشهداء أكرم على الله
عز وجل قال: ((رجل قام إلى وال جار فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر
فقتله))(١).
قال الشيخ شهاب الدين بن النحاس، قلت: وإنما كان أكرم الشهداء لأن
الشرط في الشهيد في سبيل الله أن يبذل نفسه لتكون كلمة الله هي العليا وهذا
قد بذل نفسه لذلك غير أن الأول قد شفي نفسه يبسط يده إلى العدو فقتل
عزيزا وهذا قد تعرض للقتل مع كف يده فقتل ذليلا فجازاه الله تعالى على
ذله فيه بإكرامه له هذا ما يظهر والله أعلم أ.هـ (٢).
وقال الخطابي (٣): إنما صار هذا أفضل الجهاد لأن من جاهد العدو وكان
مترددا بين رجاء وخوف لا يدرني هل يغلب أو يغلب وصاحب السلطان
مقهور في يده فهو إذا قال الحق وأمر بالمعروف فقد تعرض للتلف [وأهدف]
نفسه للهلاك فصار ذلك أفضل أنواع الجهاد من أجل غلبة الخوف.
لطيفة: اتفق الشيخ نور الدين البكري على بن يعقوب [بن جبريل] وكان
ورعا علامة صالحا نظارا متصوفا نظارا أوصي إليه ابن الرفعة أن يكمل ما
(١) أخرجه البزار (١٢٨٥)، والطبرانى فى الشاميين (٣٥٤١). قال البزار: وهذا الحديث لا
نعلمه يروى عن رسول الله وسلّ بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه، عن أبي عبيدة، ولا نعلم له
طريقا، عن أبي عبيدة غير هذا الطريق، ولم أسمع أحدا سمى أبا الحسن الذي روى عنه
محمد بن حمیر. وقال الهيثمی فی المجمع ٧/ ٢٧٢: رواه البزار، وفيه ممن لم أعرفه اثنان.
(٢) تنبيه الغافلين (ص ٢٨-٢٩).
(٣) معالم السنن (٤/ ٣٥٠).

٣٧
كتاب الحدود وغيرها
بقي من شرحه على الوسيط وهو من صلاة الجمعة إلى البيع لما علمه من
أهليته لذلك دون غيره فلم يتفق له ذلك لما غلب عليه من التخلي والانقطاع
غالبا بالأعمال الجيزية بسبب ما اتفق له مع الملك الناصر محمد بن قلاوون
أنه دخل عليه فقال له قال رسول الله: ((أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان
جائر)) وأنت جائر ظالم لم تفعل كذا وكذا، فأمر السلطان بقطع رأسه فحصل
للشيخ [٢٠٨/ ب] جزع، فشفع فيه الحاضرون، فقال السلطان: والله ما
أردت بهذا القول إلا تجربته هل هو مخلص في أمره ثم رسم أن لا يقيم
بالقاهرة ولا بمصر فأقام بالجيزة إلى أن مات سنة أربع وعشرين وسبعمائة،
ومن شعره:
كن يا علي على الطريق الأقوم وأذعن بخلاف الأنام وسلم
ودع النفس والعوى عنك بمعزل والوجه منك أقم لدين قيم(١)
٣٤٨١- وَعَن أبي عبد الله طارق بن شهَاب البَجلِيّ الأحمسي أَن رجلا
سَأَلَ النَِّي ◌َّهِ وَقد وضع رجله فِي الغرز أَي الْجِهَاد أفضل قَالَ كلمة حق عِنْد
سُلْطَان جَائِرِ رَوَاهُ النَّسَائِيّ بِإِسْنَادِ صَحِيحٍ (٢) الغرز بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَة
(١) شذرات الذهب (٦٤/٦)، الدرر الكامنة (٣/ ٢١٤-٢١٥)، وحسن المحاضرة (١/
٤٢٣ -٤٢٤).
(٢) أخرجه أحمد ٣١٤/٤ (١٩١٣٠) و٣١٥/٤ (١٩١٣٢)، والنسائي في المجتبى ٦/ ٦٣٧
(٤٢٤٧)، وفي الكبرى (٧٧٨٦)، والدولابي في الكنى والأسماء (٤٢٧)، والبيهقى فى
الشعب (٦٨/١٠ رقم ٧١٧٥). وصححه الألبانى فى صحيح الترغيب (٢٣٠٦)،
الصحيحة (٤٩١)، المشكاة (٣٧٠٥).

٣٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وَسُكُون الرَّاء بعدهمَا زَاي هُوَ ركاب كور الْجمل إِذا كَانَ من جلد أَو خشب
وقيل لا یخْتَص بهما.
قوله: وعن أبي عبد الله طارق بن شهاب البجلي الأحمسي(١)، هو: أبو عبد
الله طارق بن شهاب بن عبد شمس بن سلمة الكوفي البجلي الأحمسي بالحاء
والسين المهملتين منسوب إلى أحمس بن الغوث بن أنمار أدرك الجاهلية
وصحب النبي ◌َّ وغزا في زمن أبي بكر وعمر ثلاثا وثلاثين أو ثلاثا وأربعين
غزوة روى عن الخلفاء الأربعة وغيرهم من الصحابة وروى عنه جماعة من
التابعين سكن الكوفة وتوفي سنة ثلاث وثمانين وتقدم الكلام عليه مبسوطًا.
قوله: أن رجلا سأل النبي ◌َّ وقد وضع رجله في الغرز، فذكر الحديث،
الغرز ضبطه الحافظ وفسره فقال: هو ركاب كور الجمل إذا كان من جلد أو
خشب، وقيل: لا يختص بهما وقيل هما للكور مطلقا مثل الركاب للسرج (٢).
٣٤٨٢- وعن أبي أمامة رَو ◌َّهُ قال: «عَرَضَ لرسول الله ◌َّهِ رجلٌ عند
الجمرة الأولى، فقال: يا رسول الله، أيُّ الجهاد أفضل؟ فسكت عنه، فلما
رمى الجمرة الثانية سألهُ، فسكت عنه، فلما رمى جمرة العقبة وضع رجلهُ في
الغَرْزِ ليركب. قال: أين السائل؟ قال: أنا يا رسول الله. قال: كلمة حق تُقالُ
عند ذي سُلطان جائرٍ)) رواه ابن ماجه بإسناد صحيح (٣).
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٥١ ترجمة ٢٦٨).
(٢) مجمل اللغة (٦٩٣/١)، ومشارق الأنوار (١٣١/٢)، والنهاية (٣٥٩/٣).
(٣) أخرجه أحمد ٥/ ٢٥١ (٢٢٥٨٨) و(٢٢٦٣٧) و٢٥٦/٥ (٢٢٧٣٥)، والفاكهى في أخبار
مكة (٢٦٤١)، وابن ماجه (٤٠١٢)، والرويانى (٢/ ٢٧٠ و٢٧٢)، والطبراني في الأوسط
=

٣٩
کتاب الحدود وغيرها
قوله: وعن أبي أمامة يعني الباهلي، تقدم الكلام عليه.
قوله: عرض لرسول الله ◌ُ له رجل عند الجمرة الأولى، فذكر الحديث إلى
أن قال فلما رمى جمرة العقبة وضع رجله في الغرز ليركب، الحديث، جمرة
العقبة هي حد منى من الغرب وليست من منى وهي التي بايع النبي
الأنصار عندها على الإسلام والهجرة، قال الشافعي رحمه الله: الجمرة
مجتمع الحصی لا ما سال من الحصى فمن رمى في المجتمع اجزأه أو رمی
في السائل فلا ذكره النووي في تحريره(١).
٣٤٨٣ - وَعَنِ جَابِرِ رَّهُ عَنِ النَّبِيِِّ قَالَ سيد الشُّهَدَاءِ حَمْزَة بن عبد
الْمطلب وَرجل قَامَ إِلَى إِمَامٍ جَائِرِ فَأَمْرِه وَنَهَاهُ فَقتله رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم
وَقَالَ صَحِيحِ الْإِسْنَادَ(٢).
قوله: وعن حذيفة، تقدم الكلام علیه.
(١٦٦/٢ رقم ١٥٩٦) و(٥٢/٧ رقم ٦٨٢٤)، والكبير (٢٨٢/٨ رقم ٨٠٨١)، والبغوى
في الجعديات (٣٣٢٦)، وأبو الطاهر المخلص في المخلصيات (١٠١٠)، والبيهقى في
الشعب (١٠ / ٦٧ رقم ٧١٧٤)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (٢١٨٦).
وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (٢٣٠٧) والصحيحة (٤٩١)، والروض
النضير (٩٠٩).
(١) المجموع شرح المهذب (١٧٦/٨)، وتحرير ألفاظ التنبيه (ص ١٥٦).
(٢) أخرجه الحاكم فى المستدرك (١١٩/٢-١٢٠) و(١٩٥/٣)، والطبراني في الأوسط (١/
٥٠١ - ٥٠٢ رقم ٩٢٢)، والخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ٣٧٧). وصححه الحاكم وتعقبه
الذهبى فقال: فيه حفيد الصفار، لا يدرى من هو؟ قال الهيثمي في المجمع (٩/ ٢٦٨):
فيه حكيم بن زيد، قال الأزدي: فيه نظر، وبقية رجاله وثقوا. وصححه الألبانى فى
الصحيحة (٣٧٤) وصحيح الترغيب (٢٣٠٨).

٤٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: ((سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره
ونهاه)) فيه الترغيب في الإقدام على القتل والتعرض له وهو أمر مندوب إليه
كما تقدم لكنه إذا خاف شيئا من ذلك وغلب على ظنه وقوعه سقط عنه
الوجوب ونقل الاستحباب وهي رتبة لا يلقاها إلا ذو حظ عظيم، ولا ينالها
إلا من جاد بنفسه لله الكريم وقد اختار جماعة من السلف العزلة والانفراد
خوفا من عجزهم عن تغيير ما يشاهدونه من المنكرات في الخلطة (١) .
وقد روى عن أبي بكر الصدیق حدیث غریب وهو أنه قال: يا رسول هل
من جهاد غير قتال المشركين فقال رسول الله وَالفقه: ((نعم يا أبا بكر إن الله عز
وجل مجاهدين في الأرض أفضل من الشهداء أحياء يرزقون يمشون على
الأرض يباهي الله بهم ملائكة السماء وتزين لهم الجنة)) فقال أبو بكر زَ الَّهُ:
ومن هم يا رسول الله؟ قال: ((هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر
والمتحابون في الله والمبغضون في الله)) ثم قال: ((والذي نفسي بيده إن العبد
منهم ليكون في الغرفة فوق الغرفات فوق غرف الشهداء للغرفة منها ثلاث
[٢٠٩/ أ] مائة باب منها الياقوت والزمرد الأخضر على كل باب نور وإن
الرجل منهم ليتزوج ثلاثمائة حوراء قاصرات الطرف عين كلما التفت إلى
واحدة منهن لينظر إليها فتقول له أتذکر یوم کذا أمرت بمعروف ونهيت عن
منكر، كلما التفت إلى واحدة منهن ذكرت له كل مقام أمر فيه بالمعروف أو
نهي فيه عن المنكر)) (٢)، أ.هـ فدلت الآيات والأخبار على فضل الأمر
(١) تنبيه الغافلين (ص ١٠٧).
(٢) قال العراقى فى تخريج الإحياء (ص ٧٨٦): لم أقف له على أصل، وهو منكر.