النص المفهرس
صفحات 741-760
٧٣٣
كتاب العلم
وانشر علي من رحمتك وأنزل علي من بركاتك)) ثم قال وَالله: ((أما إنه من
وافى بهن يوم القيامة ولم يتركهن فتح الله لقارئها أبواب الجنة)) انتهى؛ قوله:
((والفالج)) داء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهو داء معروف يرخي نصف
البدن في الغالب، واشتقاقه من الفلج وهو النصف من كل شيء، قاله صاحب
كتاب المغيث في غريب القرآن والحديث(١).
[قوله: الجذام: بالذال المعجمة، علة يحمر منها العضو ثم يسود ثم
ينقطع ويتناثر، ويتصور ذلك في كل عضو لكن في الوجه أغلب (٢)، وأما
البرص فهو بياض يكون في الجلد يذهب دمويته وعلامته: أن يعصر المكان
فلا يحمر؛ لأنه ميت، ولا يلتحق به البهق؛ لأنه بياض على غير هذا الوجه(٣).
١٤٥ - وَعَن أبي أُمَامَة عَنِ النَّبِ وََّ قَالَ من ◌َدا إِلَى الْمَسْجِد لَا يُرِيد إِلَّا
أَن يَتَعَلَّم خيرا أَو يُعلمهُ كَانَ لَهُ كَأَجرِ حَاجِ تَاما حجَّته رَوَاهُ الطََّرَانِيّ فِي الْکَبِیر
بِإِسْنَاد لَا بَأس بِهِ (٤).
قوله: عن أبي أمامة، تقدم.
(١) المجموع المغيث (٦٣٤/٢).
(٢) الحاوي الكبير (٣٤٢/٩).
(٣) النجم الوهاج (٢٣١/٧).
(٤) أخرجه الطبراني في الكبير (٩٤/٨ رقم ٧٤٧٣)، والشاميين (٤٢٣) وعنه أبو نعيم في
الحلية (٦ /٩٧)، والحاكم ٩٧/١، والبيهقي في الآداب (٨٦٠) والمدخل (٣٧٠).
وصححه الحاكم. وقال الهيثمى في المجمع ١٢٢/١-١٢٣: رواه الطبراني في الكبير،
ورجاله موثقون كلهم. وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (٨٦).
٧٣٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: ((من غدا إلى المسجد لا يريد إلا أن يتعلم خيرا أو يعلمه)) الحديث،
الغدو: وهو الذهاب أول النهار.
١٤٦ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ◌َوَّهُ قَالَ سَمِعت رَسُول اللهِ وَّهِ يَقُول من
جَاءَ مَسْجِدي هَذَا لم يَأْتِه إِلَّ لخير يتعلمه أَو يُعلمِهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَة الْمُجَاهدین فِي
سَبِيل الله وَمن جَاءَ بِغَيْرِ ذَلِك فَهُوَ بِمَنْزِلَة الرجل ينظر إِلَى مَتَاعِ غَيرِه رَوَاهُ ابْن
مَاجَهُ وَالْبَيْهَقِيّ وَلَيْسَ فِي إِسْنَاده من ترك وَلَا أجمع على ضعفه(١).
قوله: عن أبي هريرة، اختلف في اسمه اختلافا كثيرًا جدًا، وتقدم ذلك،
واختلف العلماء في الأصح منها، والأصح عند المحققين، والأكثر ما
صححه البخاري وغيره من المتقنين أنه عبد الرحمن بن صخر، وروى
البيهقي وغيره عن الشافعي أنه قال: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في
دهره، قال النووي: روينا في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قلت يا رسول
الله: ادع الله أن يحببني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين ويحببهم إلينا، فقال النبي
(١) أخرجه ابن ماجه (٢٢٧)، وابن حبان (٨٧)، وأبو يعلى (٦٤٧٢)، والحاكم ٩١/١،
والبيهقي في الآداب (٨٦١) والشعب (٢٢٢/٣-٢٢٣ رقم ١٥٧٥). وقال الدار قطنى في
العلل (٢٠٦٦): اختلف فيه على سعيد المقبري، فرواه أبو صخرة حميد بن زياد، عن
سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي وَّر. وخالفه عبيد الله بن عمر فرواه عن سعيد
المقبري، عن عمر بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن كعب الأحبار قوله. ورواه
ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن كعب الأحبار قوله،
وقول عبيد الله بن عمر أشبه بالصواب. وصححه الحاكم والبوصيرى كما في الزجاجة
(٣١/١). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٨٧).
٧٣٥
كتاب العلم
وَ لي: ((اللهم حبب عبيدك هذا وأمه إلى عبادك المؤمنين وحبب إليهم
المؤمنين، فما خلق مؤمن يسمع بي ولا يراني إلا أحبني))(١) انتهى.
قوله وَلة: ((من جاء مسجدي هذا لم يأته إلا لخير يتعلمه [١٠٣/ ب] أو
يعلمه فهو بمنزلة المجاهدين)) الحديث، والمراد هنا: العلم، وورد عنه وَل
أنه قال: ((ما أعمال البر في الجهاد إلا كبصقة في بحر، وما أعمال البر والجهاد
في طلب العلم إلا كبصقة في بحر)) (٢) فتبين من هذا الحديث أن أعظم أعمال
الآخرة إنما هو طلب العلم، قال الله العظيم: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ
وَالْمَلَتَبِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ﴾(٣) فجعل العلماء في ثاني درجة من ملائكته وفي
ثالث درجة منه سبحانه وتعالى، أعني في الشهادة.
١٤٧ - وَرُوِيَ عَنِ عَلَيّ رَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولِ اللهِ وَلَّهِ مَا انتعل عبد قطّ وَلَا
تخفف وَلَّا لبس ثوبا في طلب علم إِلَّا غفر الله لَهُ ذُنُوبِه حَيْثُ يخطو عتبة دَاره
رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (٤). قَوْله: تخفف أَي لبس خفه.
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٢٧٠/٢). والحديث أخرجه مسلم (١٥٨ - ٢٤٩١).
(٢) ذكره أبو العرب في طبقات علماء إفريقية (ص ٥٤) من كلام البهلول بن راشد.
(٣) سورة آل عمران، الآية: ١٨.
(٤) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/ ٣٧ رقم ٥٧٢٢)، وتمام في الفوائد (١٧٩٠). قال
الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن علي إلا بهذا الإسناد، تفرد به إسماعيل بن يحيى
التيمي. قال الهيثمى في المجمع ١٣٢/١-١٣٣: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه
إسماعيل بن يحيى التيمي، وهو كذاب. وقال الألباني في الضعيفة (٢٦٧٦) وضعيف
الترغيب (٧٢): موضوع.
٧٣٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: عن علي، واسمه: حيدرة، قال الإمام السهيليُّ: ذكر قاسم بن ثابت في
تسميته حيدرة ثلاثة أقوال، الأول: أن اسمه في الكتب القديمة أسد، والأسد هو
حيدرة، والثاني: أن أمه فاطمة بنت أسد، ولدته وكان أبوه غائبا فسمته باسم
أبيها، فقدم أبوه فسماه عليا، والثالث: أنه كان يلقب في صغره بحيدرة، ولأن
الحيدرة الممتلئ لحما العظيم البطن، وكذلك كان زَقُوالَهُ، وسيأتي الكلام على
مناقبه، وسبب قتله ومن قتله في أول باب النكاح مبسوطًا إن شاء الله تعالى(١).
قوله وَله: ((ما انتعل عبد قط ولا تخفف ولا لبس ثوبًا في طلب علم))
الحديث، أي: لبس نعله وخفه ولبس ثوبه، هكذا فسره الحافظ: لبس النعل
مستحب لما روى عن ابن عمر قال: رأيت رسول الله ولو يلبس النعال التي
ليس فيها شعر (٢)، وعن جابر قال: سمعت رسول الله وص له في غزوة غزاها:
(استكثروا من النعال، فإن الرجل لا يزال راكبًا ما انتعل))(٣) وقال: ((إذا انتعل
أحدكم فليبدأ باليمنى وإذا نزع فليبدأ بالشمال لتكن اليمنى أولهما تنعل
وآخرهما تنزع)» (٤)، وعن جابر أيضًا قال: ((نهى رسول الله وَّل أن ينتعل
الرجل قائمًا))(٥)، وفي رواية: ((لا يمشي أحدكم في نعل واحدة))(٦)، وفي رواية:
(١) الروض الأنف (٧/ ١٠٧).
(٢) أخرجه البخاري (٥٨٥١)، ومسلم (٢٥ - ١١٨٧).
(٣) أخرجه مسلم (٦٦ - ٢٠٩٦)، والنسائي في الكبرى (٩٧١٥)، وابن حبان (٥٤٥٨).
(٤) أخرجه البخاري (٥٨٥٥)، ومسلم (٦٨ - ٢٠٩٧) عن أبي هريرة.
(٥) أخرجه أبو داود (٤١٣٥). وصححه الألباني في المشكاة (٤٤١٤) والصحيحة (٧١٩).
(٦) أخرجه مسلم (٧٣ - ٢٠٩٩) عن جابر.
٧٣٧
كتاب العلم
((ولا يمشي في خف واحد ولينعلهما جميعا أو ليخلعهما جميعًا))(١).
قوله: ((ولينعلهما)) فبضم الياء؛ وأما فقه هذه الروايات ففيه ثلاثة مسائل،
أحدها: تستحب البداءة باليمنى في كل ما كان من باب التكريم والتشريف
والزينة والنظافة ونحو ذلك كلبس النعل والخف والمداس والسراويل
والكم وحلق الرأس وترجيله وقص الشارب ونتف الإبط والسواك
والاكتحال وتقليم الأظفار والوضوء والغسل والتيمم ودخول المسجد
والخروج من الخلاء ودفع الصدقة وغيرها من أنواع الدفع الحسنة وتناول
الأشياء الحسنة ونحو ذلك مما هو في معناه، فيستحب التيامن فيه؛ الثانية:
يستحب البداءة باليسار في كل ما هو ضد السابق في المسألة الأولى، من
ذلك: خلع النعل والخف والمداس والسراويل والكم والخروج من
المسجد ودخول الخلاء والاستنجاء وتناول أحجار الاستنجاء ومس الذكر
والامتخاط والاستنثار وتعاطي المستقذرات وأشباهها، فيستحب التياسر
فيه، وذلك كله لكرامة اليمين وشرفها؛ وأجمع العلماء على تقديم اليمين
على اليسار في اليدين والرجلين في الوضوء، وأنه لو خالف ذلك في الوضوء
وغيره فاته الفضل وكان مكروهًا لما ثبت في سنن أبي داود والترمذي
وغيرهما بأسانيد جيدة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّة: ((إذا لبستم
وإذا توضأتم فابدؤوا بأيامنكم)) (٢) فهذا نص في الأمر بتقديم اليمين فمخالفته
(١) أخرجه مسلم بشطره الأول عن جابر (٧١- ٢٠٩٩) وشطره الثانى (٦٧ - ٢٠٩٧) عن أبي هريرة.
(٢) أخرجه أبو داود (٤١٤١)، وابن ماجه (٤٠٢)، وابن خزيمة (١٧٨)، وابن حبان
(١٠٩٠). وصححه الألباني في تخريج المشكاة (٤٠١).
٧٣٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
مكروهة أو محرمة، وقد انعقد الإجماع على أنها ليست محرمة ولم يخالف
فيه إلا الشيعة. [١٠٤ / أ] ثم من أعضاء لوضوء ما لا يستحب فيه التيامن
وهو الأذنان والکفان والخدان، ثم یطهران دفعة واحدة، فإن تعذر
ذلك كما في حق الأقطع ونحوه قدم اليمين(١)، انتهى، قاله في الديباجة.
والثالثة: فيكره المشي في نعل واحدة أو خف واحد أو مداس واحد إلا لعذر،
وقال العلماء: وسببه أن ذلك تشويهٌ ومُثْلَةٌ ومخالفٌ للوقار؛ ولأن الرجل المنتعلة
تصير أرفع من الأخرى فيعسر عليه مشيه، وربما كان مشيا للعثار(٢)، وكما لو
لبس خفا أبيض وآخر أسود أو خضب نصف لحية أو حلق بعض رأسه وخرج
على الناس كذلك حاسرًا لرجل، وقال بعضهم: إن إحدى الرجلين تكتسب
الحرارة والبرودة دون الأخرى فيتأذى البدن بذلك، وإذا انقطعت إحدی نعلیه أو
خفيه وهو طريق المسجد أو غيره استحب أن ينزع الأخرى لنهيه وقديقول أن يمشي
الرجل في نعل واحدة، وقال: ((ليحفيهما جميعا أو لينعلهما جميعا))، وهذه
الآداب الثلاثة مجمع على استحبابها، وأنها ليست واجبة (٣)، والله أعلم.
تتمة: أفاد ابن الجوزي أن من واظب على البداءة في لبس النعل باليمين
والخلع باليسار أمن من وجع الطحال، وأفاد غيره أن سورة الممتحنة إذا كتبت
وسُقي المطحول ماءها يبرأ بإذن الله تعالى، انتهى، قاله في حياة الحيوان(٤).
(١) شرح النووي على مسلم (١٦٠/٣-١٦١) و(٧٤/١٤-٧٥).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٤ / ٧٤ -٧٥).
(٣) المصدر السابق.
(٤) حياة الحيوان (٢٨٩/٢).
٧٣٩
كتاب العلم
١٤٨ - وَعَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َّهِ من خرج فِي طلب العلم فَهُوَ فِي
سَبِيل الله حَتَّى يرجع. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن(١).
قوله: عن أنس، تقدم الكلام علیه.
قوله ◌َّير: ((من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع)) يعني: أن
رجوعه طاعة مکتوبة، ومن کان هذا حاله فهو مرضي عنه.
١٤٩- وَعَن أبي الدَّرْدَاء قَالَ سَمِعت رَسُول الله وَّهِ يَقُول من غَدا يُرِيد
الْعلم يتعلمه لله فتح الله لَهُ بَابًا إِلَى الْجِنَّة وفرشت لَهُ الْمَلَائِكَة أكنافها وصلت
عَلَيْهِ مَلَائِكَة السَّمَوَات وحيتانِ الْبَحْرِ وللعالم من الْفضل على العابد كَالْقَمَرِ
لَيْلَة الْبَدْر على أَصْغَرِ كَوْكَب فِي السَّمَاء وَالْعُلَمَاء وَرَثَة الْأَنْبِيَاء إِن الْأَنْبِيَاء لم
يورثوا دِينَارا وَلَا درهما وَلَكنُهُمْ ورثوا العلم فَمن أخذه أخذ بحظه وَمَوْت
الْعَالم مُصِيبَة لَا تجبر وثلمة لا تسد وَهُوَ نجم طمس موت قَبِيلَة أيسر من
موت عَالم. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَهُ وَابْنِ حبَان فِي صَحِيحِه وَلَيْسَ
عِنْدهم موت الْعَالمِ إِلَى آخِرِه (٢) وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَاللَّفْظَ لَهُ(٣) من رِوَايَة الْوَلِيد
(١) أخرجه الترمذى (٢٦٤٧)، والبزار (٦٥٢٠)، والعقيلى في الضعفاء (١٧/٢)، والطبراني
في الصغير (٢٣٤/١ رقم ٣٨٠). قال الترمذى: هذا حديث حسن غريب ورواه بعضهم
فلم يرفعه. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٠٣٧)، وحسنه في صحيح الترغيب (٨٨).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٦٤١)، والترمذى (٢٦٨٢)، وابن ماجه (٢٢٣ و٢٣٩)، وابن حبان
(٨٨). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٧٠).
(٣) أخرجه البيهقي في الشعب (٢٢٣/٣-٢٢٤ رقم ١٥٧٦)، وعبد الغنى المقدسى في نهاية
المراد (٤٠). وضعفه الألباني جدا في ضعيف الترغيب (٧٣).
٧٤٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ابن مُسلم حَدثْنَا خَالِد بن يزيد بن أبي مَالك عَن عُثْمَان بن أَيمن عَنْهُ وَسَيَأْتِي
فِي الْبَاب بعده حَدِيث أبي الردين إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
قوله: عن أبي الدرداء، واسمه: عويمر، تقدم الكلام على مناقبه.
قوله: ((من غدا يريد العلم يتعلمه لله فتح الله له بابًا إلى الجنة)) الغدو: الذهاب.
قوله: ((وفرشت له الملائكة أكنافها)) أي: أجنحتها، قال الجوهري في
صحاحه(١): والكنف الجانب، وكنفا الطائر: جناحاه، قيل: إنما فرشتها
لتکون وطئًا له إذا مشى.
وقيل: إنه بمعنى التواضع تعظيما لحقه فتضم أجنحتها له تواضعًا،
ويحتمل أن يكون المراد به: وضع الأجنحة بعضها بجنب بعض إظلالًا له
كما يحكي عن فعل الطير بداود النبي وّر وكما في الحديث الآخر: ((تظلهم
الطير بأجنحتها))، وفي رواية أخرى: ((يركب بعضهم بعضا حتى يبلغوا السماء
لمحبتهم لما یطلب))، وقيل: غير ذلك.
قوله: ((وصلت عليه ملائكة السموات)) وتقدم معنى صلاة الملائكة أنه
الاستغفار والدعاء له.
قوله وَالر: ((وللعالم من الفضل على العابد كالقمر ليلة البدر على أصغر
كوكب في السماء)) الحديث، ومعلوم أن القمر إذا تكامل ضوءه ونوره كان
ضوء النجوم معه في حكم المطموس ولا يظهر لها مع القمر أثر، فالعابد شبه
بالنجم لأنه في ضياء ونور في الجملة وعمل صالح، والعالم شبه بالقمر ليلة
(١) الصحاح (٤ / ١٤٢٤).
٧٤١
كتاب العلم
البدر، ونور القكر ليلة البدر ينسي عنده نور البدر مع ما يعم به من المنفعة
وانتشار نوره وبث أشعته في الأرض برا وبحر ليستضاء بنوره، ويكادُ يُلحِقُ
الليلةَ المقمرة بالنهار ضياء إلا أن نور الشمس إذا جاء تلافي معه نور القمر.
قوله وَالخلق: ((والعلماء ورثة الأنبياء، وأن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا،
إنما ورثوا العلم)) الحديث، فهذا غاية في التفضيل، وأن من خلف الشيء قام
مقامه فيشمله من فضل أصله كالتيمم لما خلف الوضوء لحقه من فضل
الوضوء، [١٠٤/ ب] ومعلوم أن العلماء يخلفون الأنبياء فيما أوحي إلى
الأنبياء؛ لأن النبي وَّله إنما أرسل لتبين التنزيل قال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ
الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾(١) الآية، والعلماء يقومون هذا المقام بعد
النبي ◌َّ فإنهم يحفظون الشريعة وما أنزل إلى الرسول فيبلغونه للناس،
ويبينون لهم ما أشكل عليهم من أمر دينهم الذي بيانه على الرسول وَله، فسدً
العلماء في ذلك مسد الأنبياء وقاموا مقامهم فكانوا في المعنى أنبياء لأنهم
يكلمون الناس بما أوحى الله تعالى، والوحي أتى إليهم بواسطة الرسول وَ
وسام
كما أتى الوحي إلى النبي ◌َّ بواسطة الملك إلا أنهم ليسوا أنبياء في الحقيقة
ولكنهم نابوا عن الأنبياء، وقد جعل رتبتهم تلي رتبة الأنبياء إلا أن قوله:
((وأن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم))، تنبيه: على أن
جمع الحطام ليس من شيم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وحق الوارث
لهم والنازل منزلتهم أن يكون فيما ورثه عنهم لا يتخذ العلم سوقا ويجعله
(١) سورة النحل، الآية: ٤٤.
٧٤٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
لكسب الدنيا طريقًا، قال الخطابي رحمه الله كلامًا معناه: أن العلماء كانوا
ورثة الأنبياء، وما ورثوا عن الأنبياء تعليم الناس كيفية الإحسان إلى كل
شيء، ألهم الله تعالى الأشياء الاستغفار للعلماء مكافأة لهم على ذلك، فمن
ثم قال النبي ◌َّ: ((إن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى
الحيتان في جوف البحر))(١).
لطيفة: قال القشيري: يقال إن سليمان عليه الصلاة والسلام سأل الله
تعالى أن يأذن له أن يضيف يوما جميع الحيوانات فأذن له فأخذ سليمان في
جمع الطعام مدة طويلة فأرسل الله تعالى حوتًا واحدًا من البحر فأكل كل ما
جمعه سليمان عليه الصلاة والسلام في تلك المدة، ثم استزاده فقال سليمان
عَ لَاة: لم يبق لي شيء، وقال له: أنت تأكل كل يوم مثل هذا، فقال: رزقي كل
يوم ثلاثة أضعاف هذا، ولكن الله لم يطعمني اليوم إلا ما أطعمتني أنت،
فليتك لم تضفني فإني بقيت اليوم جائعًا حين كنت ضيفك (٢).
أعجوبة: روى الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي في ((كتاب المتفق
والمفترق)) (٣) في ترجمة أسامة بن زيد التنوخي أنه ولي خراج مصر للوليد
وسليمان ابني عبد الملك بن مروان وهو الذي بني مقياس النيل العتيق الذي
بجزيرة فسطاط مصر، ذكره ابن يونس في تاريخه، ثم روى الخطيب في
(١) معالم السنن للخطابي ٤/ ١٨٣.
(٢) حياة الحيوان للدميري (١/ ٣٨٠).
(٣) (١٥٣/١).
٧٤٣
كتاب العلم
ترجمته عن زيد بن أسلم أن صنما كان بالإسكندرية يقال له: شراحيل على
حشفة من حشف البحر مستقبلا بأصبع من أصابع كفه القسطنطينية لا يدري
أكان مما عمله سليمان النبي وليه أو عمله الإسكندر تصاد عنده الحيتان
وكانت تدور حوله وحول الإسكندرية، وكان قدم الصنم طول قامة الرجل
إذا انبطح ومد يده، فكتب أسامة بن زيد هذا وهو عامل مصر للوليد بن عبد
الملك: يا أمير المؤمنين إن عندنا بالإسكندرية صنما يقال له شراحيل من
نحاس وقد غلت علينا الفلوس، فإن رأى الأمير أن ننزله ونجعله فلوسا
فعلنا، وإن رأى غير ذلك فليكتب إلينا في أمره فكتب إليه لا تنزله حتى أبعث
إليك أمناء يحضرونه فبعث إليه رجالا أمناء حتى أنزله عن الحشفة فوجد
عينيه. [١٠٥ / أ] ياقوتتين حمراوتين ليس لهما قيمة وضربه فلوسًا فانطلقت
الحيتان ولم ترجع إلى ذلك المكان، انتهى، قاله في حياة الحيوان(١).
فائدة في قوله {وَّة: ((العلماء ورثة الأنبياء)) الحديث، أي: العلماء بالله؛ لأن
العلم بالله يورث الخشية قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ
اَلْعُلَمَتَؤُاْ﴾(٢)، قال ابن عطاء الله السكندري في كتابه لطائف المنن(٣): اعلم
أن قول رسول الله وَالَ: ((العلماء ورثة الأنبياء، علماء أمتي كأنبياء بني
إسرائيل، فإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إلا إن الدنيا ملعونة ملعون
(١) حياة الحيوان للدميري (٣٨٤/١).
(٢) سورة فاطر، الآية: ٢٨.
(٣) لطائف المنن (ص ١٥).
٧٤٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالما ومتعلما، وأن الملائكة لتضع أجنحتها
لطالب العلم)) و﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُو لَآ إِلَهَ إِلَّ هُوَ وَالْمَلَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ﴾(١)
وغير ذلك من الآيات التي فيها ذكر العلم، وحيثما وقع العلم في كتاب الله
تعالى وكلام رسوله وَّة، فإنما المراد به العلم النافع التي تكتنفه الخشية
وتكون معه الإنابة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ
اُلْعُلَمَؤُأْ﴾ (٢)، الآية، فلم يجعل علم من لم يخشه من العلماء علما، فشاهد
العلم الذي هو مطلوب الله الخشية لله، وشاهد الخشية موافقة الأمر، أما علم
تكون معه الرغبة في الدنيا والتملق لأربابها وصرف الهمة إلى اكتسابها
والجمع الادخار والمباهاة وطول الأمل ونسيان الآخرة فما أبعد من هذا
العلم علمه من أن يكون من ورثة الأنبياء، فعلماء الباطن رضي الله عنهم
أحق بالإرث وأولى وأقرب نسبة وأغلى لأن علمهم تلزمه الخشية وتكتنفه
العظمة، وهل ينتقل الشيء الموروث إلى الوارث إلا بالصفة التي كان بها
عند الموروث عنه، فكل صاحب علم لا خشية له فليس باهل أن يكون
وارثًا، ومثل من هذه الأوصاف أوصافه كمثل الشمعة تضيء على غيرها
وهي تحرق نفسها، جعل الله علمه من هذا وصفه حجة عليه وسببا في تكثير
العقوبة لديه، وذكر أمثلة كثيرة فيها ذكراللام على من هذه صفته اختصرتها
بطولها، والله أعلم؛ قال ابن عطاء الله في لطائف المنن.
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٨.
(٢) سورة فاطر، الآية: ٢٨.
٧٤٥
كتاب العلم
وهاهنا نكتة: وهو أنه مَّ لم يقل علماء أمتي كرسل بني إسرائيل، فمن
الناس من ظن أن النبي ◌ُّ نبئ في نفسه والرسول هو الذي أرسل لغيره،
وليس الأمر كما ظن هذا القائل، ولو كان كذلك فلم ذا خص الأنبياء دون
الرسل بالذكر في قوله: ((علماء أمتي كرسل بني إسرائل)) فدل على أن حكم
الأنبياء يعمها، وإنما الفرق ما قال بعض أهل العلم أن النبي لا يأتي بشريعة
وإنما يجيء مقررًا لشرع من كان قبله كيوشع بن نون فإنه إنما أتي مقررًا
لشريعة موسى وَ﴾ وآمرًا بالعمل بما في التوراة، ولم يأت بشرع عندئذ،
والرسول كموسى ◌َلام، فقد أتى بشرع جديد وهو ما تضمنته التوراة، فقال
وَ ل: ((علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل)) أي: يأتون مقررين ومؤكدين وآمرين
بما جئت به لا أنهم يأتون بشرع جديد(١). انتهى.
تنبيه: ما اشتهر من قوله وَيّ: ((علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل)) فلم يعرف
له مخرج بعد البحث عنه [١٠٥ / ب] ولم يوجد في كتاب معبتر، قاله الكمال
(٢)
الدميري
٠
قوله وَالر: ((وموت العالم مصيبة لا تجبر وثلمة لا تسد)) الحديث، الثلمة:
بضم الثاء المثلثة وبسكون اللام الخلل في الحائط وغيره، ويقال في السيف
ثلم بالفتح، وفي الإناء ثلم إذا انكسر من شفته شيء، قاله الجوهري في
(١) لطائف المنن (ص ١٤).
(٢) النجم الوهاج (١٩٦/١).
٧٤٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
صحاحه(١)؛ وعن علي ◌َّه قال: العالم أفضل من الصائم القائم المجاهد،
وإذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها إلا خلف منه(٢)، والله أعلم.
خاتمة: وما أحسن ما قاله بعض الفضلاء، ويقال: إنه الشافعي، قدس الله
سره:
فَقَدْ ثَلمَتْ مِنَ الإِسْلامِ ثُلْمَةْ
إِذَا مَا مَاتَ ذُو عِلْم وَفَهْمِ
فَفِي مَرْآَهُ لِلأَسْرَارِ نَسْمَهْ
وَمَوْتُ الصالحِ الْمَرْضِيِّ نَقْصُّ
بِحُكْمِ الْحَقِّ مَنْقَصَةً وَقَصْمَهْ
وَمَوْتُ الْعَادِلِ الْمَلِكِ الْمُوَلَّى
فَفِي إِبَقَاءِهِ خَصْبٌ وَنِعْمَهْ
وَمَوْتُ فَتَى كَثِيرِ الْجُودِ مَحْلٌ
فَكَمْ شَهَدَتْ لَهُ بِالنَّصْرِ عَزْمَةْ
وَمَوْتُ الْفَارِسِ الكَرَّارِ ذُلَّ
وَمَوْتُ الْغَيْرِ تَخْفِيفٌ وَرَحْمَهْ
فَحَسْبُكَ خَمْسَةٌ يُنْكَى عَلَيْھمْ
(١) الصحاح (١٨٨١/٥).
(٢) الاحياء (١/ ٧) ومناهج التحصيل (١ / ٥١).
٧٤٧
كتاب العلم
الترغيب في سماع الحديث وتبليغه ونسخه
والترهيب من الكذب على رسول الله وعَالاله
١٥٠ - عَن ابْن مَسْعُود ◌ََّّهُ قَالَ سَمِعت رَسُول الله وَّةٍ يَقُول نصر الله امْرأ
سمع منا شَيْئًا فَبَلغهُ كَمَا سَمعه فَرب مبلغ أوعى من سامع رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
وَالتِّرْمِذِيّ وَابْنِ حبَان فِي صَحِيحه إِلَّا أَنه قَالَ رحم الله امْرأْ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ
حَدِيث حسن صَحِيحٍ(١) قَوْله نضر هُوَ بَتَشْديد الضَّادِ الْمُعْجَمَة وتخفيفها
حَكَاهُ الْخطابِيّ وَمَعْنَاهُ الدُّعَاءِ لَهُ بالنضارة وَهِي النِّعْمَة والبهجة وَالْحسن
فَيكون تَقْدِیره جمله الله وزینه وقیل غیر ذَلِك.
قوله: عن ابن مسعود، تقدم.
قوله وَالخلية: ((نضر الله امرأ سمع منا حديثًا)) الحديث، نضر: هو بتشديد
الضاد المعجمة وتخفيفها، حكاه الخطابي، انتهى، قاله الحافظ.
وقال بعضهم: رواه أبو عبيدة بالتخفيف، ورواه الأصمعي بالتشديد،
ورجح التخفيف الخطابي وابن خلاد، ولم يذكر العسكري سواه، وكلاهما
يقال، وإنما الكلام في الرواية يقال: نضَّر الله وجهه ونَضَر وجهه وأنضر الله
وجهه ثلاث لغات (٢)، قيل معناه: الدعاء له بالنضارة وهي النعمة والبهجة
(١) أخرجه الترمذى (٢٦٥٧) و(٢٦٥٨)، وابن ماجه (٢٣٢)، وابن حبان (٦٦ و٦٨ و٦٩).
قال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح. وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب
(٨٩)، المشكاة (٢٣٠).
(٢) انظر مشارق الأنوار (١٦/٢).
٧٤٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
والحسن، فيكون تقديره: زينه الله وجمله، قاله المنذري ؛ وقيل: أوصله الله إلى
نضرة النعيم وهي نعميها (١)، قال الله تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ
﴾﴾(٢) وقال تعالى: ﴿وَلَقَُّهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾(٣) وقيل (٤): ليس هذا من
الحسن، إنما معناه: حسن الله وجهه في الناس أي: جاهه وقدره، وكان بعض أهل
العلم يقول: إني لأرى في وجوه أهل الحديث نضرة لقوله وَّيه: ((نضر الله امرًا))
يعني: أنها دعوة أجيبت(6)، ومما أنشده هبة الله بن الحسن الشيرازي(٦):
عَلَى مَنْهَج لِلدِّينِ مَا زَالَ مُعْلَمَا
عَلَيْكَ بِأَصْحَابِ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ
إِذَا مَا دَجَى اللَّيْلُ الْبَهِيمُ وَأَظْلَمَا
وَمَا النُّورُ إِلا فِي الْحَدِيثِ وَأَهْلِهِ
وَأَغْبَى الْبَرَايَا مَنْ إِلَى الْبِدَعِ انْتَمَى
وَأَعْلَى الْبَرَايَا مَنْ إِلَى السُّنَنِ اعْتَزَى
وَهَلْ يَتْرُكُ الآثَارَ مَنْ كَانَ مُسْلِمَا؟
وَمَنْ تَرَكَ الْآثَارَ ضُلِّلَ سَعْيُهُ
قوله: ((فبلغه كما سمعه)) وتأدية الحديث كما سمع لا تكاد تحصل إلا من
الكتاب لأن الحفظ خوان، وروى أبو هريرة أن رجلا شكى إلى رسول الله
وَ لّ الحفظ، فقال: ((استعن على حفظك بيمينك)) يعني: الكتاب(٧)، وروى
(١) مطالع الأنوار (٤/ ١٧٧).
(٢) سورة المطففين، الآية: ٢٤.
(٣) سورة الإنسان، الآية: ١١.
(٤) المغرب في ترتيب المعرب (١ / ٤٦٧)
(٥) التعيين في شرح الأربعين (ص ٢٢).
(٦) تساعيات العطار (٥٩)، ومسألة العلو والنزول في الحديث (ص ١٨) لابن القيسرانى.
(٧) أخرجه الترمذى (٢٦٦٦)، والبزار (٨٩٨٩)، والطبراني في الأوسط (٢٤٤/١ رقم ٨٠١)،
=
٧٤٩
كتاب العلم
عن رافع بن خديج قال: قلنا يا رسول الله إنا نسمع منك أشياء، أفنكتبها؟
قال: ((اكتبوا ولا حرج))(١)، وقال في النهاية(٢): وفي الحديث: ((لا تكتبوا عني
غير القرآن)) وجه الجمع بين هذا. [١٠٦ / أ] الحديث وبين إذنه في كتابة
الحديث، فإنه قد ثبت إذنه فيها، أن الإذن في الكتابة ناسخ للمنع منها
بالحديث الثابت وبإجماع الأمة على جوازها، وقيل: إنما نهى أن يكتب
الحدیث مع القرآن في صحیفة واحدة، والأول الوجه، انتهى.
قال أبو الفرج ابن الجوزي (٣): ولتعلم أن الصحابة ضبطت ألفاظ رسول
الله وَ ل وحركاته وأفعاله فاجتمعت الشريعة من رواية هذا ورواية هذا، وقد
والعقيلي في الضعفاء (٨٣/٣)، وابن عدي في الكامل (٥٩/٣ و٦٩)، وابن شاهين في
الناسخ والمنسوخ (٦٢٥)، والخطيب في تقييد العلم (ص ٦٥ و٦٦ و٦٧) وفي الجامع
لأخلاق الراوي (٥٠٤) عن أبي هريرة، قال أبو حاتم في العلل (٢٥٤١): هذا حديث
منكر، وخصيب ضعيف الحديث.
وقال الترمذى: هذا حديث إسناده لیس بذلك القائم وسمعت محمد بن إسماعیل، يقول:
الخليل بن مرة منكر الحديث. وقال الهيثمى في المجمع ١/ ١٥٢: رواه البزار، وفيه
الخصيب بن جحدر، وهو كذاب. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٧٦١).
(١) أخرجه الحكيم الترمذى في نوادر الأصول (١٧٣)، والطبراني في الكبير (٢٧٦/٤ رقم
٤٤١٠)، وابن شاهين في ناسخ الحديث (٦٢٦)، والخطيب في تقييد العلم (ص ٧٢
و٧٣). قال الهيثمى في المجمع ١/ ١٥١: رواه الطبراني في الكبير، وفيه أبو مدرك، روى
عن رفاعة بن رافع، وعنه بقية، ولم أر من ذكره.
(٢) النهاية (٤ /١٤٨).
(٣) تلبيس إبليس (ص ٢٨٩).
٧٥٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قال رسول الله وَ يقول: ((بلغوا عني ولو آية)) انتهى.
قوله : ((فرب مبلغ)) هو: بفتح لام مبلغ، أي: مبلغ إليه.
قوله: ((أوعى من سامع)) أوعى: أفعل التفضيل من الوعي وهو: الحفظ
وقع صفة لمبلغ، وسامع: أي سامع مني، ولابد من هذا التقدير لأن المقصود
ذلك، انتهى، قاله الكرماني(١).
ففي هذا الحديث دليل على تبليغ العلم ونشره، وقد ثبت في صحيح
البخاري: ((بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب
علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار))(٢)،، ومعناه: لينزل منزلة من النار، يقال:
بوأه الله منزلا، أي: أسكنه إياه، وتبوأت منزلا: اتخذته، والمباءة: المنزل،
قاله في النهاية(٣).
١٥١ - وَعَن زيد بن ثَابت قَالَ سَمِعت رَسُول الله وَِّ يَقُول نضر الله امْرأ
سمع منا حَدِيثا فَبَلغهُ غَيرِه فَرِب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ وَربِ حَامِل
فقه لَيْسَ بفقيه ثَلَاث لا يغل عَلَيْهِنَّ قلب مُسلم إخلاص الْعَمَل لله ومناصحة
وُلَاةِ الْأَمْر وَلُزُومِ الْجَمَاعَة فَإِن دعوتهم تحيط من وَرَاءَهُمْ وَمن كَانَتِ الدُّنْيَا
نِيَّتَه فرق الله عَلَيْهِ أمره وَجعل فقره بَين عَيْنَيْهِ وَلم يَأْتُه من الدُّنْيَا إِلَّ مَا كتب لَهُ
وَمَن كَانَتِ الْآخِرَة ◌ِيَّتَه جمع الله أمره وَجعل غناهُ فِي قلبه وأتته الدُّنْيَا وَهِي
(١) الكواكب الدرارى (٢٧/٢).
(٢) أخرجه البخاري (٣٤٦١) عن عبد الله بن عمرو.
(٣) النهاية (١٥٩/١).
٧٥١
كتاب العلم
راغمة رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحِه وَالْبَيْهَفِيّ بِتَقْدِيم وَتَأْخِير وروى صَدرِهِ إِلَى
قَوْله لَيْسَ بفقيه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه بِزِيَادَة
عَلَيْهِمَا (١).
قوله: عن زيد بن ثابت، هو: زيد بن ثابت، الصحابي الأنصاري النجاري
المدني القرطبي، كاتب الوحي والمصحف، كان عمره حين قدم رسول الله
المدينة إحدى عشرة سنة، وحفظ قبل قدوم رسول الله وَجطقة المدينة مهاجرا
ست عشرة سورة، وقتل أبوه ولزيد بن ثابت ست سنين، واستصغره النبي
وَل* يوم بدر فرده، وكان يكتب الوحي لرسول الله وَ ◌ّل ويكتب له المراسلات
أيضًا إلى الناس، وسيأتي الكلام على مناقبه مبسوطا(٢).
قوله وَّية: ((فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)) الحديث، فرق النبي
صَلىالله
بين ناقل السنة وواعيها، ودل على فضل الواعي بقوله واَية: ((فرب حامل فقه
إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه غير فقيه))، ولوجوب الفضل لأحدهما
أثبت الفضل للآخر.
قوله وَله: ((ثلاث لا يغل عليهم قلب مسلم)) تقدم الكلام مبسوطا على
الثلاث في أوائل هذا التعليق مبسوطًا، ودواء هذا الغل واستفراغ أخلاطه
(١) أخرجه أبو داود (٣٦٦٠)، والترمذى (٢٦٥٦)، والنسائي في الكبرى (٥٨١٦)، وابن
ماجه (٢٣٠)، وابن حبان (٦٧) و(٦٨٠). قال الألباني: صحيح- الصحيحة (٩٥٠)،
تخريج فقه السيرة (٣٩)، صحيح الترغيب (٩٠).
(٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢٠٠/١ - ٢٠٢ الترجمة ١٨٦).
٧٥٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
تجريد الإخلاص والنصح ومتابعة السنة، فأخبر النبي وَلّ ان هذه الثلاث
تنفي الغل من قلب المسلم (١)، وتقدم الكلام على ذلك مبسوطًا.
قوله وَله: ((ومناصحة الأمراء))، النصح لولاة الأمر هو: طاعتهم في الحق
ومعونتهم عليه وتذكيرهم وإعلامهم بما شغلوا عنه أو جهلوه في أمر دينهم
ومصالح دنياهم(٢)، ولا يغتلهم ولا يذمهم ولا يلعنهم ولا يدعو عليهم، ومن
النصيحة للولاة الدعاء لهم بالخير والصلاح بظهر الغيب كما قال الفضيل
رحمة الله عليه: لو أن لي دعوة مجابة لجعلتها لإمام المسلمين، لأن في صلاحه
صلاح الدنيا والدين، وأن يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر إما شفاها أو
رسالة، ويصدهم عن الظلم ويقبحه ويذكر لهم غوائل الظلم وشره وعواقبه.
قوله: ((ولزوم الجماعة)) فحيث جاء الأمر بلزوم الجماعة [١٠٦/ ب]
فالمراد به لزوم الحق وأتباعه، وإن كان المتمسك به قليلا والمخالف كثيرًا
لأن الحق هو الذي كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي ◌َّ وأصحابه
رضي الله عنهم، وفي حديث آخر: ((عليكم بالجماعة، فإن يد الله على
الفسطاط، والفسطاط مجتمع الناس، وكل مدينة فسطاط))، ومعنى هذا
الحديث: أن جماعة أهل الإسلام في كنف الله ووقايته، فأقيموا بينهم ولا
تفارقوهم، قاله في النهاية(٣).
(١) مدارج السالكين (٩٠/٢).
(٢) المفهم (٢ /١٠).
(٣) النهاية (٤٤٥/٣).