النص المفهرس

صفحات 721-740

٧١٣
كتاب العلم
(وَلّ يقسم وَأَنْتُم هَا هُنَا أَلا تذهبون فتأخذون نصيبكم مِنْهُ قَالُوا وَأَيْنَ هُوَ قَالَ
فِي الْمَسْجِد فَخَرُوا سرَاعًا ووقف أَبُو هُرَيْرَة لَهُم حَتَّى رجعُوا فَقَالَ لَهُم مَا
لكم فَقَالُوا يَا أَبَا هُرَيْرَة قد أَتَيْنَا الْمَسْجِد فَدَخَلْنَا فِيهِ فَلم نر فِيهِ شَيْئًا يقسم فَقَالَ
لَهُمْ أَبُو هُرَيْرَة وَمَا رَأَيْتُمْ فِي الْمَسْجِد أحدا قَالُوا بَلَى رَأينَا قوما يصلونَ وقوما
يقرؤون الْقُرْآن وقوما يتذاكرون الْحَلَال وَالْحَرَام فَقَالَ لَهُم أَبُو هُرَيْرَة وَيحكم
فَذَاك مِيرَاث مُحَمَّد ◌َِّ رَوَاهُ الطََّرَانِيّ فِي الْأَوْسَطِ بِإِسْنَاد حسن(١).
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (١١٤/٢-١١٥ رقم ١٤٢٩). قال الطبراني: لم يرو هذا
الحديث عن عبد الله بن الرومي إلا علي بن مسعدة. قال الهيثمى في المجمع ١٢٣/١ -
١٢٤ : رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده حسن. وقال العراقي في تخريج الإحياء (٩٢٥):
أخرجه الطبراني في المعجم الصغير بإسناد فيه جهالة أو انقطاع. وحسنه الألباني في صحيح
الترغيب (٨٣).

٧١٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فصل
١٣٩- وَعَنِ جَابر قَالَ قَالَ رَسُول اللهِ وَّهِ الْعلم علمَان علم فِي الْقلب
فَذَاك العلم النافع وَعلم على اللَّسَانِ فَذَاك حجَّة الله على ابْن آدم رَوَاهُ الْحَافِظ
أَبُو بكر الْخَطِيب فِي تَارِيخِه بِإِسْنَاد حسن وَرَوَاهُ ابْن عبد البر النمري فِي
كتاب الْعلم عَنِ الْحسن مُرْسلا بِإِسْنَاد صَحِيح(١).
قوله: فصل، عن جابر، تقدم الكلام على مناقبه.
قوله وَّيّة: ((العلم علمان: علم في القلب، فذلك العلم النافع؛ وعلم على
اللسان، فذلك حجة الله على ابن آدم)) الحديث، قال الشيخ زين الدين بن
رجب رحمه الله في شرح الأربعين النووية: العلم قسمان، أحدهما: ما كان
ثمرته في القلب وهو العلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله المقتضي
لخشيته ومهابته وإجلاله والخشوع له ومحبته ورجائه ودعائه والتوكل عليه
(١) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (٥٦٨/٥)، وابن الجوزى في العلل (٨٨) عن جابر.
وأخرجه ابن المبارك في الزهد (١١٦١) وابن أبي شيبة في المصنف ٨٢/٧ (٣٤٣٦١)
والدارمى (٣٧٧) والحكيم الترمذى في نوادر الأصول (٩٨٥)، وابن عبد البر في جامع
بيان العلم (١١٥٠) عن الحسن مرسلا. وأخرجه الدارمى (٣٧٦) عن الحسن قوله. قال
ابن الجوزى: هذا حديث لا يصح: يحيى بن يمان. قال أحمد: ليس بحجة في الحديث
وقال أبو داؤد يخطئ في الأحاديث ويقلبها.
وقال العراقى في تخريج الإحياء (٧١): أخرجه الترمذي الحكيم في النوادر وابن عبد البر
من حديث الحسن مرسلا بإسناد صحيح، وأسنده الخطيب في التاريخ من رواية الحسن
عن جابر بإسناد جيد وأعله ابن الجوزي. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٦٨).

٧١٥
كتاب العلم
ونحو ذلك، فهذا هو العلم النافع، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع؛
والقسم الثاني: العلم الذي على اللسان، وهو كما في الحديث: ((القرآن حجة
لك أوعليك))(١)، فأول ما يرفع من العلم: العلم النافع وهو: العلم الباطن
الذي يخالط القلوب ويصلحها، ويبقى علم اللسان حجة فيتهاون الناس به
ولا يعملون بمقتضاه لا حملته ولا غيرهم، ثم يذهب هذا العلم بذهاب
حملته، ثم لا يبقى إلا القرآن في المصاحف وليس ثم من يعلم معانيه ولا
حدوده ولا أحكامه، ثم يسري في آخر الزمان فلا يبقى في المصاحف ولا في
القلوب منه شيء بالكلية، وبعد ذلك تقوم الساعة(٢)، انتهى.
١٤٠ - وَرُوِيَ عَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّهِ الْعلم علمَان فَعلم ثابت فِي
الْقلب فَذَاك العلم النافع وَعلم فِي اللِّسَان فَذَاك حجَّة الله على عباده رَوَاهُ أَبُو
مَنْصُور الديلمي فِي مُسْند الفردوس والأصبهاني فِي كِتَابِه وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن
الفضيل بن عِيَاض من قَوْله غير مَرْفُوع (٣).
(١) أخرجه البخاري (٨)، ومسلم (٢٢ - ١٦) عن ابن عمر.
(٢) جامع العلوم والحكم (١٠١٨/٣ - ١٠١٩).
(٣) أخرجه أبو العباس الأصم (٥٥٩)، وأبو الشيخ في طبقات أصبهان (١٠١/٤)، وابن
بشران (١٢٢٤)، والشجرى في الأمالى (٣٠٠)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب
(٢١٣٩)، والسمعانى في المنتخب من شيوخه (١٢٠/١)، وابن الجوزى في العلل (٨٩)،
والديلمى من طريق أبي نعيم كما في الغرائب الملتقطة (٢١٣٢). وأخرجه البيهقي في
الشعب (٢٩٣/٣ رقم ١٦٨٦) عن الفضيل قوله.
قال ابن الجوزى: فيه أبو الصلت وهو كذاب بإجماعهم. وقال العراقى في تخريج الإحياء
(٧١): أخرجه الترمذي الحكيم في النوادر وابن عبد البر من حديث الحسن مرسلا بإسناد
=

٧١٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: عن أنس، تقدم الكلام علیه.
قوله وَّ: ((العلم علمان، فعلم ثابت في القلب)) فذلك العلم النافع، وعلم
[١٠٠/ ب] في اللسان، فذلك حجة الله على عباده، الحديث؛ ومنه قول أبي
هريرة زَوَّهُ: حفظت من رسول الله وَل وعائين(١)، أي: نوعين من العلوم،
فبثئت أحدهما، أي: نشرته، يقال: بث الخير وأبثه بمعنى، أي: نشرته (٢)،
والآخر: لو بثئته لقطع هذا البلعوم، البلعوم بضم الموحدة مجرى الطعام في
الحلق وهو المرئ(٣).
وقال ابن بطال(٤): المراد من الوعاء الثاني: أحاديث أشراط الساعة وما
عرف به النبي ◌ّ من فساد الدين وتغيير الأحوال والتضييع لحقوق الله
تعالى، ولو كانت الأحاديث التي يحدث بها من الحلال والحرام لما وسعه
كتمها بحكم الآية. قال الكرماني(٥): وأقول هذا الحديث هو قطب مدار
استدلالات المتصوفة في الطامات والشطحات، قالوا: والمراد بالأول،
صحيح، وأسنده الخطيب في التاريخ من رواية الحسن عن جابر بإسناد جيد وأعله ابن
الجوزي. وقال الألباني في الضعيفة (٣٩٤٥): منكر مرفوعا، وقال في ضعيف الترغيب
(٦٩): ضعيف جدًّا.
(١) أخرجه البخاري (١٢٠).
(٢) الكواكب الدرارى (٢/ ١٣٧).
(٣) النهاية (١٥٢/١).
(٤) شرح الصحيح (١٩٥/١).
(٥) الكواكب الدرارى (١٣٧/٢-١٣٨).

٧١٧
كتاب العلم
يعني: الوعاء الأول علم الأحكام والأخلاق، وبالوعاء الثاني: علم الأسرار
المصون عن الأغيار المختص بالعلماء بالله من أهل العرفان، قال قائلهم:
فَلَوْنُ الْأَرْضِ مُغْبَرٌ قَبِيخْ
تَغَيَّرَتِ الْبِلَادُ وَمَنْ عَلَيْهَا
لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا
يارُب جوهر علم لو أبوح به
ولاستحل رجال مسلمون دمي يرون أقبح ما يأتونه حسنا
وقال بعضهم: العلم المكنون والسر المصون علمنا، وهو نتيجة الخدمة
وثمرة الحكمة لا يظفر به إلا الغواصون في بحار المجاهدات ولا يسعد بها
إلا المصطفون بأنوار المجاهدات، إذ هي أسرار متمكنة في القلوب لا تظهر
إلا بالرياضة وأنوار ملمعة في الغيوب لا تنكشف إلا للمرتاضة، وأقول: نعم
ما قال، ولكن بشرط أن لا تدفعه القواعد الإسلامية ولا تنفيه القوانين
الإيمانية، إذ ما بعد الحق إلا الضلال، انتهى، قاله الكرماني في شرح
(١)
البخاري(١).
وقال سهل بن عبد الله التستري: العلماء ثلاثة: عالم بالله لا بأمر الله ولا
بأيام الله وهم المؤمنون، وعالم بأمر الله لا بأيام الله وهم المفتون في الحلال
والحرام، وعالم بالله عالم بأيام الله وهم الصديقون (٢).
قوله: بأيام الله، يعني: بنعمه الباطنة وبعقوباته الغامضة، ثم قال: الناس
كلهم موتى إلا العلماء، والعلماء نيام إلا الخائفين والخائفون منقطعون إلا
(١) المصدر السابق.
(٢) قوت القلوب (٢٤٢/١-٢٤٣)، وإحياء علوم الدين (١ /٧٥)

٧١٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
المحبين والمحبون أحياء شهداء وهم المؤثرون لله تعالى على كل حال(١).
وقال مرة أخرى: الدنيا كلها أموات إلا أهل العلم، والعلم حجة على
صاحبه إلا العمال والعاملون على سنن الهلاك إلا المخلصين، والمخلصون
علی خطر حتی ینظر بم يختم لهم (٢).
قال الإمام أبو عبد الله القرطبي: صدق سهل في كلامه هذا قال وَلٍّ في
صحيح مسلم: «إنما الأعمال بالخواتيم))، انتهى.
وقال الثوري: العلماء ثلاثة، عالم بالله وبأمر الله فذلك العالم الكامل،
وعالم بالله غير عالم بأمر الله، فذلك التقي الخائف، وعالم بأمر الله غير عالم
بالله فذلك العالم الفاجر (٣). قال الإمام أبو عبد الله القرطبي: وروي عن النبي
وَ الظُّل أنه قال: ((يا حملة العلم، اعملوا فإنما العالم من علم ثم عمل ووافق
علمه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، تخالف
سريرتهم علانيتهم، ويخالف عملهم علمهم يقعدون خلفا فيباهي بعضهم
بعضًا حتى إن الرجل ليغضب على جليسه إن جلس إلى غيره ويدعه، أولئك
لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله عز وجل)) (٤) انتهى.
(١) قوت القلوب (١/ ٢٤٣).
(٢) تنبيه الغافلين (ص٤٣٤)، واقتضاء العلم العمل (٢٢).
(٣) قوت القلوب (١/ ٢٤٢).
(٤) أخرجه الدارمى (٣٩٤)، والخطيب في الجامع (٣٠) واقضاء العلم العمل (٩) موقوفا
على على بن أبي طالب.

٧١٩
كتاب العلم
وقال في النهاية (١): الناس ثلاثة: عالم رباني، هو منسوب إلى الرب، العالم
الرباني: العالم الراسخ في العلم والدين، أو الذي يطلب بعلمه وجه الله
تعالى، وقيل: العالم العابد المعلم [١٠١ / أ] ومنه حديث ابن الحنفية قال
حين توفي ابن عباس: مات رباني هذه الأمة.
ويروى أن سفيان الثوري كان ينشد متمثلاً، وهو لسابق البربري:
إذ العلم لم تعمل به كان حجة عليك ولم تعذر بما انت جاهله
فإن كنت قد أوتيت علما فإنما يصدق قول المرء ما هو فاعله (٢)
تتمة: العلم علمان: علم ظاهر، وهو حجة الله على خلقه، وعلم باطن
وهو العلم النافع(٣).
وكان للنبي وَّ علم عن الله لم يطلع عليه جبريل ولا ميكائيل، فإن الله
تعالى كلم موسى تكليمًا، وكلم محمدًا وَّر ورآه كفاحا، وأن حلم الأنبياء
وحي، وأن كلام الصديقين والأولياء بالإلهام، وفوائده من قلوبهم حتى
أنطقهم بالحكم ونفع بهم الأمة (٤).
(١) النهاية (٢ / ١٨١).
(٢) جامع بيان العلم (١ / ٦٩٨- ٦٩٩).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٤٣٦١)، والحسين المروزي في زياداته على الزهد لابن المبارك
(١١٦١)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان ١٠١/٤ (٥٦٦)، وابن عبد البر في
جامع بيان العلم ١/ ١٩٠ - ١٩١ عن الحسن البصرى.
(٤) تلبيس إبليس (ص ٢٨٥).

٧٢٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قال أبو الفرج ابن الجوزي(١): قلت: الإلهام للشيء لا ينافي العلم ولا
يتسع به عنه، وليس الإلهام من العلم في شيء إنما هو ثمرة العلم والتقوى
فيوفق صاحبها للخير، ويلهم الرشد، واعلم أن العلم الإلهامي الملقي في
القلوب لا يكفي عن العلم المنقول كما أن العلوم العقلية لا تكفي عن
العلوم الشرعية، فإن العقلية كالأغذية، والنقلية كالأدوية، ولا ينوب هذا
عن هذا.
تتمة أيضا في علم الشريعة والحقيقة: أنبأنا عبد الكريم فذكره إلى أن قال:
سمعت أبا بكر الدقاق يقول: كنت مارًا في تيه بني إسرائيل فخطر ببالي أن
علم الحقيقة مباين للشريعة فهتف بي هاتف من تحت شجرة: كل حقيقة لا
تتبعها الشريعة فهي كفر، قال أبو الفرج ابن الجوزي: قلت: وقد بينه الفقيه
أبو حامد الغزالي في بعض كتب الإحياء، فقال: من قال الحنفية تخالف
الشريعة أو الباطن يخالف الظاهر فهو إلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان، وقال
ابن عقيل: جعلت الصوفية الشريعة أسماء وقالوا: المراد منها الحقيقة بعد
هذا سواء واقع في النفوس من إلقاء الشياطين، وكل من رام الحقيقة في غير
الشريعة فمعذور مخدوع، انتهى، قاله ابن الجوزي في تلبيس إبليس (٢).
١٤١ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة رَّ ◌ِلَّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّهِ إِن من الْعلم
كَهَيْئَةِ الْمكنون لَا يُعلمهُ إِلَّ الْعلمَاء بِالله تَعَالَى فَإِذا نطقوا بِهِ لَا يُنكره إِلَّا أهل
(١) المصدر السابق (ص ٢٨٥-٢٨٦).
(٢) تلبيس إبليس (ص ٢٨٧).

٧٢١
كتاب العلم
الْغَرَّة بِالله عز وَجلِ رَوَاهُ أَبُو مَنْصُور الديلمي فِي الْمسند وَأَبُو عبد الرَّحْمَن
السّلمِيّ فِي الْأَرْبَعين الَّتِي لَهُ فِي التصوف(١).
قوله: عن أبي هريرة، تقدم.
قوله وَله: ((إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله عز وجل))
الحديث، قال القرشي: هي أسرار الله تعالى يبديها إلى أمناء أوليائه وسادات
النبلاء من غير سماع ولا دراية وهي من الأسرار التي لم يطلع عليها إلا
(٢)
الخواص (٢).
وقال أبو سعيد الخراز: للعارفين خزائن أودعوها علوما غريبة وأنباء
عجيبة يتكلمون فيها بلسان الأبدية ويخبرون عنها بعبارة الأزلية وهو من
العلم المجهول(٣).
فقوله بلسان الأبدية، وعبارة الأزلية: إشارة إلى أنهم بالله ينطقون، وقد قال
الله تعالى على لسان نبيه وَير: ((وبي ينطق)) وهو العلم اللدني الذي قال الله
تعالى في حق الخضر ◌َاليَا: ﴿وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّهُنَّا عِلْمًا﴾(٤)(٥)، وأسند من
(١) أخرجه السلمى في الأربعون في التصوف (٣٢) ومن طريقه الديلمى كما في الغرائب
الملتقطة (٩١٩)، والبحيرى في فوائده (٦٦)، والخطيب في تلخيص المتشابه (١ / ٤٨٤).
وضعفه العراقى في تخريج الإحياء (٢٩). قال الألباني في الضعيفة (٨٧٠) وضعيف
الترغيب (٧٠): ضعيف جدا، وقال في الضعيفة (٥١١٦): منكر.
(٢) عوارف المعارف (٣١٦/٢) للسهروردى.
(٣) حلية الأولياء (٢٤٦/١٠-٢٤٧) وعوارف المعارف (٣١٦/٢) السهروردى.
(٤) سورة الكهف، الآية: ٦٥.
(٥) عوارف المعارف (٣١٦/٢) للسهروردى.

٧٢٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
طريق أبي نعيم الأصفهاني عن جابر بن عبد الله رَّالَّهُ عن النبي وَلّه قال: ((إن
معادن التقوى تعلمك إلى ما قد عملت علم ما لم تعلم)).
وقوله: فإذا نطقوا به، لا ينكره إلا أهل الغِرة بالله عز وجل، الحديث(١)،
الغرة: الغفلة، والجمع: غِرَّات، ومنه قول الشاعر:
يُوشِكُ مَنْ فَرَّ مِنْ مَنِيَّتِهِ فِي بَعْضِ غِرَّاتِهِ يُوَافِقُهَا (٢)
وقال سعيد بن [١٠١/ ب] جبير: الغِرة بالله: أن يتمادى الرجل بالمعصية
ويتمنى على الله المغفرة، قاله القرطبي في التذكرة(٣).
(١) المصدر السابق (٣١٥/٢).
(٢) قاله أمية بن أبي الصلت كما في الدلائل في غريب الحديث (١٣٨/١).
(٣) التذكرة (ص ١٢٨).

٧٢٣
كتاب العلم
الترغيب في الرحلة في طلب العلم
الرحلة: الارتحال، وأما الرُّحلة بالضم فهو: المرحول إليه، قاله
الكرماني(١)، ومما أنشده الفقيه أبو عبد الله محمد بن منصور الحضرمي (٢):
وَزِينَةُ الْمَرْءِ فِي الدُّنْيَا الأَحَادِيثُ
رَحَلْتُ أَطْلُبُ أَصْلَ الْعِلْمِ مُجْتَهِدًا
وَلَيْسَ يُبْغِضُهُ إِلَّ الْمَخَانِثُ
لَا يَطْلُبُ الْعِلْمَ إِلَّا بَازِلٌ ذَكَرٌ
فَإِنَّمَا هَذِهِ الدُّنْيَا مَوَارِيثُ
لَا تَعْجَبَنَّ بِمَالٍ سَوْفَ تَتْرُكُهُ
ومما أنشده الإمام الشافعي رحمه الله(٣).
كُلُّ الْعُلُومِ سِوَى الْقُرْآنِ مَشْغَلَةٌ إِلَّا الْحَدِيثَ وَإِلَّا الْفِقْهَ فِي الدِّينِ
الْعِلْمُ مَا كَانَ فِيهِ قَالَ، حَدَّثْنَا وَمَا سِوَى ذَاكَ وَسْوَاسُ الشَّيَاطِينِ
وقيل:
أهل المدارس والحواني غالبا يتحاسبون على حطام فان
مالوا إلى الدنيا فمالت عنهم وخلوا من المعروف والعرفان
١٤٢ - عَن أبي هُرَيْرَة رَّ ◌َّهُ أَن رَسُولِ اللهِ وَلِّ قَالَ وَمن سلك طَرِيقا يلْتَمس
فِيهِ علما سهل الله لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجِنَّة. رَوَاهُ مُسلمٍ وَغَيرِه وَتقدم بِتَمَامِهِ فِي
الْبَابِ قبله(٤).
(١) الكواكب الدرارى (٢/ ٧٢).
(٢) الرحلة في طلب الحديث (ص٩٦ رقم ٢٨)
(٣) طبقات الشافعية (١ / ٢٩٧) للسبكى، وطبقات الشافعيين (ص ٤٧) لابن كثير.
(٤) أخرجه مسلم (٣٨ - ٢٦٩٩)، ومر بتمامه برقم (١٠٥).

٧٢٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على مناقبه.
قوله وَّيه: ((ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى
الجنة)) الحديث، وتقدم بتمامه في الباب قبله، وقد يراد بذلك أن الله تعالى
ييسر لطالب العلم إذا قصد بطلبه وجه الله تعالى الانتفاع به والعمل بمقتضاه
فيكون سببًا لهدايته ولدخوله الجنة، وقد ييسر الله تعالى لطالب العلم علوما
أخرى ينتفع بها وتكون موصلة له إلى الجنة كما قيل: ((من عمل بما علم
أورثه الله تعالى علم ما لم يعلم))(١) وتقدم الكلام على ذلك مبسوطا.
١٤٣ - وَعَن زر بن حُبَيْش قَالَ أتيت صَفْوَان بن عَسَّال الْمَرَادِيِ رَوَهُ قَالَ
مَا جَاءَ بك قلت أنبط الْعلم قَالَ فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله وََّ- يَقُول مَا من
خَارِج من بَيته في طلب العلم إِلَّا وضعت لَهُ الْمَلَائِكَة أَجْنِحَتهَا رضًا بِمَا
يصنع رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَصَحِحُهُ وَابْن مَاجَهُ وَاللَّفْظِ لَهُ وَابْنِ حبَان فِي صَحِيحه
وَالْحَاكِمِ وَقَالَ صَحِيحِ الْإِسْنَاد.(٢)
قَوْله: أنبط العلم أَي أطلبه وأستخرجه.
قوله: عن زر بن حبيش زَّه، هو: زر بن حبيش بن حباشة بن أوس بن
بلال، روى عن أبي بن كعب وحذيفة بن اليمان وصفوان بن عسال وغيرهم،
(١) ذكره ابن المقرىء في المعجم (٣١٥) وأبو نعيم في الحلية (٦/ ١٦٣) عن عبد الواحد بن زيد.
(٢) أخرجه الترمذى (٣٥٣٥ و٣٥٣٦)، وابن ماجه (٢٢٦)، والنسائى في المجتبى
٣٤٣/١ (١٦٣)، وابن خزيمة (١٩٣)، وعنه ابن حبان (٨٥) و(١٣٢٥)، والحاكم
١/ ١٠٠ . قال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الحاكم. وصححه الألباني
في صحیح الترغيب (٨٥).

٧٢٥
كتاب العلم
ذكره محمد بن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة، وقال: كان ثقة
كثير الحديث، قال عاصم: وكان زر بن حبيش علويًا، وكان أبو وائل معظما
لزر بن حبيش، وكان زر أكبر من أبي وائل، وكان أبو وائل عثمانيا وكان
مصلاهما في مسجد واحد، فما رأيت واحدًا منهما قط يكلم صاحبه في شيء
مما هو عليه حتى ماتا [بلغ زر من العمر مائة سنة واثنتين وعشرين سنة،
وتوفي سنة إحدى وثمانين، وقيل سنة اثنتين وثمانين، وقيل: سنة ثلاث
وثمانين، وقال أبو نعيم: مات وهو ابن سبع وعشرين ومائة، روى له
الجماعة (١)، قاله في الديباجة.
قوله: أتيت صفوان بن عسال المرادي، صفوان بن عسال غزا مع النبي
وَّو ثنتي عشرة غزوة، وسكن الكوفة، روى عن النبي وَّ، ومن مناقبه أن
عبد الله بن مسعود روی عنه(٢).
قوله: ما جاء بك؟ قال: أنبط العلم، الحديث؛ قال الحافظ: أنبط العلم،
أي: أطلبه وأستخرجه، انتهى، وقد ضبطه الجوهري فقال: أَنْبِط بضم الهمزة
وسكون النون وكسر الباء وبالطاء المهملة في آخره مأخوذ من أنبط الحفار
إذا بلغ الماء، ومنه: استنباط العلم، وهو: استخراجه شيئا فشيئا، وأما فعله
اللازم فيقال: نبط الماء ينبط بفتح أوله وضم ثالثه وكسره نبوطا، أي: نبع (٣)،
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١٩٦/١ - ١٩٧ ترجمة ١٧٧).
(٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢٤٩/١ ترجمة ٢٦٤)، والديباجة (ص ١٧٧ / رسالة علمية).
(٣) الصحاح (١١٦٢/٣-١١٦٣).

٧٢٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وقال ابن الأثير في النهاية(١): وأصله من نبط الماء ينبط إذا نبع وانبط الحفار
بلغ الماء في البئر، والاستنباط الاستخراج، ومنه الحديث: ((ورجل ارتبط
فرسا ليستنبطها)) أي يطلب نسلها ونتاجها، وفي رواية: ((يستبطنها)) أي يطلب
ما في بطنها، ومعنى قوله: ((ينبط علمًا)) أي: يظهره ویفشیه. انتهى.
قوله وَّة: ((ما من خارج من بيته في طلب العلم إلا وضعت له الملائكة
أجنحتها رضا بما يصنع)) الحديث، أي: فرشت [١٠٢ / أ] لتكون تحت
أقدامه إذا مشى، قاله في النهاية (٢)، وقال في موضع آخر: أي: تضعها لتكون
وطاءً له إذا مشى(٣)، وقيل: أراد بوضع الأجنحة نزولهم عند مجالس العلم
وترك الطيران، وقيل: أراد به إظلالهم بها، ومنه الحديث الآخر: ((تظلهم
الطير بأجنحتها)) وجناح الطير يده، انتهى.
وقال أبو نصر عن معنى قوله وَّة: ((وضعت له الملائكة أجنحتها)) قال:
يحتمل أن المراد بذلك إسراع الملائكة في صحبته، لأن ذا الجناح يسرع في
طيرانه، وهكذا كما قالت امرأة أعرابية:
فلو أن ذاود يطير لوده لطرت إليه حيث كان من الأرض
ولكن جناحي قص عن إثروده فما لي من بسط إليه ولا قبض
أرادت بذلك الإسراع في مرضات لغاية، وشبهت بذلك فعل الطائر من
(١) النهاية (٨/٥).
(٢) النهاية (٥ /١٩٧).
(٣) النهاية (٣٠٥/١).

٧٢٧
كتاب العلم
بسط جناحه، وقد قيل: هو كناية عن التواضع، يعني: الملائكة يتواضعون له
كما قال تعالى: ﴿وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾(١)، أراد بذكر الجناح:
التواضع، وكذلك هاهنا ذكره أبو الليث السمر قندي في كتابه النوازل(٢).
وقيل: يكنو بها عن الطيران إليه لتسمع العلم على ما جاء في حديث أبي
هريرة في قوله وَيقر: ((وحفتهم الملائكة)) أي: أطافوا حولهم، وقيل: تكف عن
الطيران توقيرًا لطالب العلم وتعظيما له، وقيل: تبسط أجنحتها له (تبسطها
بالدعاء) كما قيل في الحديث: ((وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن
في الأرض)) والاستغفار من الملائكة بمعنى الدعاء، وقال: في أجنحتهم
الخبر على ظاهره أنهم يبسطون أجنحتهم حتى يمرون عليها إلا أن جناحهم
لا يحول بين قدميه وبين الأرض لأنهم خلقوا من النور فليس لهم جسم
كثيف وإنما لهم جسم لطيف (٣).
تتمة: قال الشيخ محي الدين النووي في كتابه بستان العارفين(٤): أخبرنا
الحافظ عبد القادر الرهاوي فذكر السند إلى أن قال: سمعت أبا يحيى
السَّاجي رحمه الله قال: كنا نمشي في أزقة البصرة إلى باب بعض المحدثين
فأسرعنا المشي وكان معنا رجل ماجن، فقال: ارفعوا أرجلكم عن أجنحة
(١) سورة الإسراء، الآية: ٢٤.
(٢) انظر معالم السنن (٦١/١) و(١٨٣/٤).
(٣) انظر المجموع المغيث) ١/ ٢٦٢-٢٦٣).
(٤) بسنان العارفين (ص ٤٩ - ٥١).

٧٢٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الملائكة لا تكسروها كالمستهزئ في قوله: فما زال في موضعه حتى جفت
رجلاه وسقط، قال الحافظ عبد القادر الرهاوي: إسناد هذا الحديث أو قال
هذه الحكاية كالأخذ باليدين أو كرأى العين لأن رواتها أعلام أئمة، وذكر
النووي أيضًا في الكتاب المذكور فذكر السند إلى أن قال: سمعت أبا داود
السجستاني يقول: كان في أصحاب الحديث رجل خليع إلى أن سمع بحديث
النبي وَّيّ: ((أن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع)) فجعل
في نعليه مسامير حديد وقال: أريد أن أطأ أجنحة الملائكة فأصابته الأكلة في
رجليه(١)، وذكر الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن محمد بن الفضل
التيمي في كتابه شرح صحيح مسلم هذه الحكاية فقال فيها: وشلت يداه
ورجلاه وسائر أعضائه، ورأيت في بعض الروايات أنه تفسخت بنيته ؛ قوله:
وشلت رجلاه ويداه، أي: يبست ووقفت حركتها، وهو: بفتح الشين على
اللغة الفصيحة، وفيها لغة أخرى بضمها، والله أعلم، وقال النووي:
[١٠٢/ ب] وفي هذا المعنى ما وجد في زماننا هذا وتواترت الأخبار به وثبت
عند القضاة أن رجلا ببلاد بصرى في أوائل سنة خمس وستين وستمائة كان
سيئ الاعتقاد في أهل الخير، وله ابن يعتقد فيهم، فجاء ابنه من عند شيخ
صاله ومعه مسواك، فقال لابنه: ما الذي أعطاك شيخك؟ قال: هذا المسواك،
قال: فأخذ المسواك وأدخله في دبره احتقارًا له، فبقي مدة، ثم ولد ذلك
الرجل الذي استدخل المسواك جروا قريب الشبه بالسمكة فقتله ثم مات
(١) إسناده صحيح. وانظر مشيخة الرازي (ص ٢١٠)، وملء العيبة (٣٣٥/٢)

٧٢٩
كتاب العلم
الرجل في الحال أو بعد يومين؛ قال النووي: وذكر الإمام أبو عبد الله التيمي
المذكور وقال: قرأت في بعض الحكايات أن بعض المبتدعة حين سمع قول
النبي : «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها
فإنه لا يدري أين باتت يده)) الحديث، فقال ذلك المبتدع على سبيل التهكم:
أنا أدري أين باتت يدي في الفراش، فأصبح وقد أدخل يده في دبره إلى ذراعه،
عافانا الله الكريم من بلائه، ووفقنا لتنزيه السنن وتعظيم شفائه، قال التيمي:
فليتق المرء الاستخفاف بالسنن ومواضع التوقيف، فانظر كيف وصل إليهما
شؤم فعلهما.
تتمة: ومعنى الحديث ما قاله الإمام الشافعي وغيره من العلماء: أن النائم
تطوف يده في نومه على درنه فلا يأمن أنها مرت على نجاسة من دم بثرة أو
قملة أو برغوث أو مرت على محل الاستنجاء وما أشبه ذلك(١). انتهى.
وقال النووي(٢): قال الشافعي أيضًا معنى: ((لا يدري أين باتت يده)): أن
أهل الحجاز كانوا يستنجون بالحجارة وبلادهم حارة، فإذا نام أحدهم عرق
فلا يأمن النائم أن تمر يده على ذلك الموضع النجس أو على بترة أو على
قملة أو قذر غير ذلك، والله أعلم؛ وفي هذا الحديث دلائل كثيرة لمذهبنا
ومذهب الجمهور، ومنها: أن الماء القليل إذا وردت عليه نجاسة نجسته وإن
قلت ولم تغيره فإنها تنجسه لأن الذي تعلق باليد ولا يرى قليل جدًا، وكانت
(١) بستان العارفين (ص ٥١).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٧٩/٢ - ١٨١).

٧٣٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
عادتهم استعمال الأواني الصغيرة التي تنقص عن قلتين بل لا تقاربهما،
ومنها: الفرق بين ورود الماء على النجاسة وورودها عليه، وأنها إذا وردت
عليه نجسته، وإذا ورد عليها أزالها، ومنها: [أن الغسل سبعا] ليس عاما في
جميع النجاسات، وإنما ورد به الشرع في ولوغ الكلب خاصة، ومنها: أن
موضع الاستنجاء لا يطهر بالأحجار بل يبقى نجسًا معفوًا عنه في حق
الصلاة، ومنها: استحباب غسل النجاسة بالماء لأنه إذا أمر به في المتوهمة
ففي الحقيقة أولى، ومنها: أن النجاسة المتوهمة يستحب فيها الغسل ولا
يؤثر فيها الرش، ومنها: استحباب الأخذ بالاحتياط إلى حد الوسوسة والنهي
عن غمس اليد في الإناء قبل غسلها نهي تنزيه لا تحريم، فلو خالف وغمس
لم يفسد الماء (ولم يأثم الغامس)، وعن الحسن البصري وإسحاق بن
راهویه ومحمد بن جریر أنه ینجس إن كان قام من نوم الليل، وهو ضعيف،
فإن الفضل في الماء من اليد الظاهر فلا ينجس بالشك، والحديث محمول
على [التنزيه ثم مذهبنا]، ومذهب المحققين أن هذا الحكم ليس مخصوصا
بالقيام من النوم بل المعتبر فيه الشك في نجاسة اليد، فمتى شك في نجاستها
كره له غمسها في الإنءا قبل غسلها سواء قام من نوم الليل. [١٠٣ / أ]
أو النهار أو شك في نجاستها من غير نوم ؛ وعن الإمام أحمد رواية: إن
كان قام من نوم الليل كره له كراهة تحريم أو نوم النهار فكراهة تنزيه، ووافقه
داود الظاهري اعتمادًا على لفظ المبيت في الحديث، وهذا مذهب ضعيف
جدًّا، فإن النبي وَخّ نبه على العلة بقوله: ((فإنه لا يدري أين باتت يده))، وهذا

كتاب العلم
٧٣١
عام لوجود احتمال النجاسة من نوم الليل والنهار، وفي اليقظة وذكر الليل
أولا لكونه الغالب، هذا كله إذا شك في نجاسة اليد، أما إذا تيقن طهارتها
وأراد غسلها قبل غمسها، فقد قال جماعة من أصحابنا حكمه حكم الشك
لأن أسباب النجاسة قد تخفى في حق معظم الناس فسد الباب لئلا يتساهل
فيه من لا يعرف، والأصح الذي ذهب إليه الجمهور أنه لا كراهة، والله أعلم.
١٤٤ - وَعَن قبيصة بن الْمُخَارِق ◌َّهُ قَالَ أتيت النَّبِيِ وَِّ فَقَالَ يَا قبيصَة مَا
جَاءَ بك قلت كَبرت سني ورق عظمي فأتيتك لتعلمني مَا يَنْفَعنِي الله تَعَالَى بِهِ
فَقَالَ يَا قبيصَة مَا مَرَرْت بِحجر وَلَا شجر وَلَا مدر إِلَّ اسْتغْفر لَك يَا قبيصَة إِذا
صليت الصُّبْحِ فَقل ثَلَاثًا سُبْحَانَ الله الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ تعاف من الْعَمى
والجذام والفلج يَا قبيصَة قل اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلَك مِمَّا عنْدك وأفض عَليّ من
فضلك وانشر عَليّ من بركاتك رَوَاهُ أَحْمد وَفِي إِسْنَاده راو لم يسم(١).
(١) أخرجه أحمد ٦٠/٥ (٢٠٦٠٢) ومن طريقه ابن بشران في الأمالى (١١٣٣)، والطبراني في
الدعاء (٧٣٣) والكبير (٣٦٨/١٨ رقم ٩٤٠)، وابن السنى في اليوم والليلة (١٣٣
و١٣٤). وقال الهيثمى في المجمع ١٣٢/١: رواه أحمد، وفيه رجل لم يسم. وقال في
١٠/ ١١١: رواه الطبراني، وفيه نافع: أبو هرمز، وهو ضعيف. وقال ابن حجر في نتائج
الأفكار (٣٣٧/٢): هذا حديث غريب، أخرجه أحمد هكذا لم ينسب الحسن ولم يسم
أبا كريمة، وقد ذكر الحسيني في رجال المسند أبا كريمة فيمن لم يسم من الكنى، فلم يزد
في التعريف به على ما في هذا السند إلا أنه نسب الحسن، فقال: روى عنه الحسن
البصري، ووهم في ذلك، فإن يزيد بن هارون لم يدرك الحسن البصري، لأن مولده بعد
وفاة الحسن بسبع سنين، وقد ذكر الحاكم أبو أحمد في الكنى في باب أبي كريمة ثلاثة
أحدهم أبو كريمة فرات روى عنه الحسن بن عمرة الرقي.
=

٧٣٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: عن قبيصة بن المخارق، هو: قبيصة بن المخارق بن (عبد الله بن
شداد بن ربيعة بن نهيك بن هلال بن عامر بن صعصعة العامري الهلالي
عداده في أهل البصرة، وفد على النبي وَل يكنى أبا بشر، قال أبو العباس
محمد بن يزيد: لقبيصة صحبة، روى عنه: أبو عثمان النهدي، وأبو قلابة،
وابنه قطن بن قبيصة)(١).
قوله: أتيت النبي وَ ل فقال: ((يا قبيصة، ما جاء بك؟)) قلت: قد كبرت سني
ورق عظمي، أي: ضعف.
قوله: فأتيتك لتعلمني ما ينفعني الله به، فقال: ((يا قبيصة، إذا صليت الصبح
فقل ثلاثًا: سبحان الله العظيم وبحمده، تعافى من العمى والجذام والفلج)) إلى
آخره، وروى الإمام أحمد والنسائي في عمل اليوم والليلة عنه أنه قال للنبي
وَالر: علمني كلمات ينفعني الله بهن، فقال وَالر: ((أما لدينك، فإذا صليت
الغداة فقل ثلاث مرات سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ولا حول ولا
قوة إلا بالله العلي العظيم، فإنك إذا قلتهن أمنت من العمى والجذام والبرص
والفالج؛ وأما لآخرتك فقل: اللهم اهدني من عندك وأفض علي من فضلك
=
قلت: والحسن المذكور يكنى أبا المليح، وهو ثقة يروي عن فرات ابن سلمان الرقي،
فيشبه أن يكون هو المراد. وأبو المليح من طبقات شيوخ يزيد بن هارون، وفرات موثق
عند أحمد وغيره، فلولا الرجل المبهم لكان السند حسنًا، والله أعلم. وضعفه الألباني في
الضعيفة (٢٩٢٨)، وضعيف الترغيب (٧١).
(١) الاستيعاب (٣/ الترجمة ٢١٠١)، وأسد الغابة (٤/ الترجمة ٤٢٦٥).