النص المفهرس

صفحات 681-700

٦٧٣
كتاب العلم
الْعلم عمل بِهِ أَو لم يعْمل بِهِ خير لَك من أَن تصلي ألف رَكْعَة. رَوَاهُ ابْن مَاجَه
بِإِسْنَاد حسن(١).
قوله وَّ﴾ لأبي ذر: ((لأن تغدو فتتعلم آية من كتاب الله خير لك من أن
تصلي ألف ركعة)) الحديث، أي: تطوعًا، الغدو: هو الذهاب أول النهار.
١١٧- وَعَن أبي هُرَيْرَة زَّوَّهُ قَالَ سَمِعت رَسُول اللهِ وَِّ يَقُولِ الدُّنْيَا
ملعونة مَلْعُون مَا فِيهَا إِلَّا ذكر الله وَمَا وَالَاهُ وعالمًا ومتعلمًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ
وَابْن مَاجَه وَالْبَيْهَفِيّ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن(٢).
(١) أخرجه ابن ماجه (٢١٩)، وابن شاهين في شرح مذاخب أهل السنة (٥٤)، وابن عبد البر
في جامع بيان العلم (١١٤). قال البوصيرى في الزجاجة ٢٩/١-٣٠: هذا إسناد ضعيف
لضعف علي بن زيد وعبد الله بن زياد. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٥٤)
و(٨٦٩).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٤١١٢)، والترمذي (٢٣٢٢)، وابن أبي عاصم في الزهد (١٢٦)،
والعقيلى في الضعفاء (٣٢٦/٢)، والبيهقي في الشعب (٢٢٨/٣ رقم ١٥٨٠)، وابن عبد
البر في جامع بيان العلم (١٣٥). قال الترمذى: هذا حديث حسن غريب.
قال الدار قطنى في العلل (٢١١٧): يرويه ابن ثوبان، وهو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان،
واختلف عنه؛ فرواه علي بن ميمون العطار، عن أبي خليد عتبة بن حماد، عن ابن ثوبان،
عن عطاء بن قرة، عن عبد الله بن ضمرة، عن أبي هريرة، عن النبي وٍَّ. وخالفه يحيى بن
اليمان، رواه عن ابن ثوبان، عن أبيه، عن عبد الله بن ضمرة، عن كعب قوله، وهو وهم،
وقیل عن ابن ثوبان، عن عبدة بن أبي لبابة، عن أبي وائل، ولا يصح. ورواه خالد بن يزيد
العدوي، عن الثوري، عن عطاء بن قرة، عن عبد الله بن ضمرة، عن أبي هريرة، عن النبي
وَ له. ولم يتابع خالد على هذا القول. وحسنه الألباني في الصحيحة (٢٧٩٧) وصحيح
الترغيب (٧٤) و(٣٢٤٤).

٦٧٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: وعن أبي هريرة، وتقدم الكلام على مناقبه مبسوطًا.
تتمة تتعلق بمناقبه زقوله: قال عمر بن حبيب: حضرت مجلس الرشيد
فجرت مسألة فتنازعها الحضور وعلت أصواتهم فاحتج بعضهم بحديث
يرويه عن أبي هريرة، فقال بعضهم: كان أبو هريرة متهما فيما يرويه عن
رسول الله وَاله، فقلت أنا: الحديث صحيح عن رسول الله وح له وأبو هريرة
صحيح النقل صدوق فيما يرويه عن النبي الله وَّلاه وعن غيره فنظر إليّ
الرشيد نظر المغضب فقمت من المجلس وانصرفت إلى منزلي فلم ألبث
حتى قيل: صاحب الرشيد بالباب فدخل إلي وقال: أجب أمير المؤمنين
إجابة مقتول وتحنط وتكفن، فقلت: اللهم إنك تعلم إني دفعت عن صاحب
نبيك وَّه وأجللت نبيك وسلو أن يطعن على أصحابه فسلمني منه، فأدخلت
على الرشيد وهو جالس على كرسي من ذهب حاسر عن ذراعيه بيده السيف
وبين يديه القطع، فلما رآني قال: يا عمر بن حبيب، في ما تلقاني أحد من الرد
مثل ما تلقيتني به، فقلت: يا أمير المؤمنين إن الذي قلته وجادلت عليه فيه
ازدراء على رسول الله وَّ﴿ وعلى ما جاء به، إذا كان أصحابه كذا بين
فالشريعة باطلة والفرائض والأحكام والصلاة والصيام والطلاق والنكاح
والحدود و کله مردود غير مقبول، فرجع إلى نفسه، وقال: يا عمر بن حبيب
أحييتني أحياك الله، ثم أمر لي بعشرة آلاف درهم (١)، مات سنة ست أو سبع
(١) أخرجه المعافى بن عمران في الجليس الصالح (ص ٤٦٥ - ٥٦٦)، والخطيب في تاريخ
بغداد (١٣ / ٢٧).

٦٧٥
كتاب العلم
ومائتين، وعمر بن حبيب هذا هو العدوي القاضي البصري من بني عدي،
ولي قضاء البصرة (١)، قاله في الديباجة.
قوله ◌َلّ: ((الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله)) الحديث، فالدنيا و کل
ما فيها ملعونة، أي: مبعدة عن الله تعالى لأنها تشغل عنه إلا العلم النافع الدال
على الله تعالى وعلى معرفته وطلب قربه ورضاه وذكر الله وما والاه مما
يقرب إلى الله تعالى، فهذا هو المقصود من الدنيا، فإن الله عز وجل إنما أمر
عباده بأن يتقوه ويطيعوه، ولازم ذلك دوام ذكره، قال ابن مسعود: ﴿اَتَّقُواْ
اُللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾(٢) أي: يذكر فلا ينسى، وإنما شرع الله تعالى إقام الصلاة
للذكر وكذلك الحج والطواف، وأفضل أهل العبادات أكثرهم لله تعالى ذكرا
فيها، فهذا كله ليس من الدنيا المذمومة وهو المقصود من إيجاد الدنيا
وأهلها، قاله ابن رجب(٣).
قوله وَلّ: ((وما والاه)) أي: طاعة الله تعالى والسلامة [٩٥/ ب] من اللعن
الذي هو الإبعاد خير كبير، وهو أخذ الفضلين السلامة والغنيمة، انتهى، قاله
في حدائق الأولياء (٤).
(١) تهذيب الكمال (٢١/ ٢٩٠ - ٢٩٦ الترجمة ٤٢١١).
(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٠٢.
(٣) جامع العلوم والحكم (٨٨٥/٢).
(٤) حدائق الأولياء (١ / ٦٦).

٦٧٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
١١٨ - وَرُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود عَن النَّبِي ◌َِّ قَالَ من تعلم بَابا من
الْعلم ليعلم النَّاس أعطي ثَوَاب سبعين صديقا. رَوَاهُ أَبُو مَنْصُور الديلمي فِي
مُسْند الفردوس وَفِيه نَكَارَةٍ (١).
١١٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ◌َمِنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّهِ مَا من رجل تعلم كلمة
أَو كَلِمَتَيْن أَو ثَلاًّا أَو أَرْبعا أَو خمسا مِمَّا فرض الله عز وجل فيتعلمهن ويعلمهن
إِلَّا دخل الْجِنَّة. قَالَ أَبُو هُرَيْرَة فَمَا نسيت حَدِيثا بعد إِذْ سَمِعتهنَّ من رَسُول الله
وَّ رَوَاهُ أَبو نعيم وَإِسْنَاده حسن لَو صَحَّ سَماع الْحسن من أبي هُرَيْرَةً(٢).
١٢٠ - وَعنْهُ أَن النَّبِيِِّ قَالَ أفضل الصَّدَقَةِ أَن يَتَعَلَّم الْمَرْءِ الْمُسلم علما
ثمَّ يُعلمهُ أَخَاهُ الْمُسلم. رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد حسن من طَرِيق الْحسن أَيْضا
عَن أبي هُرَيْرَةَ(٣).
١٢١ - وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُول الله وٍَّ لا حسد إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رجل
آتَاهُ اللهِ مَالا فَسَلَّطَهُ على هَلَكته فِي الْحِقِ وَرجل آتَاهُ الله الْحِكْمَة فَهُوَ يَقْضِي
بِهَا وَيعلمِهَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلمٍ(٤) الْحَسَد يُطلق وَيُرَاد بِهِ تمني زَوَال النِّعْمَة
(١) أخرجه ابن بشران في الأمالى (١٠٩٢). وقال الألباني: موضوع ضعيف الترغيب (٥٥).
(٢) أخرجه أحمد ٣٣٤/٢ (٨٤٠٩) و٤٢٧/٢ (٩٥١٧)، وابن زيدان في مسنده (٤٢)، وأبو
بكر النصيبى في الفوائد (٦٦)، والقطيعى في الألف دينار (١٢٥)، وأبو نعيم في أخبار
أصبهان (١٨٠/٢) و(٢٧٦/٢) والحلية (١٥٩/٢). وضعفه الألباني في الضعيفة
(٦٨٠٤) وضعيف الترغيب (٥٦).
(٣) أخرجه ابن ماجه (٢٤٣). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٥٧)، الإرواء (٦/ ٢٩).
(٤) أخرجه البخاري (٧٣) و(١٤٠٩) و(٧١٤١) و(٧٣١٦) و(٧٥٢٨)، ومسلم (٢٦٨ -
٨١٦)، وابن ماجه (٤٢٠٨).

٦٧٧
كتاب العلم
عَنِ الْمَحْسُودِ وَهَذَا حَرَامٍ وَيُطلق وَيُرَاد بِهِ الْغِبْطَة وَهُوَ تمني مثل مَا لَهُ وَهَذَا لَا
بَأْس ◌ِهِ وَهُوَ المُرَادِ هُنَا.
قوله: عن ابن مسعود، تقدم الكلام على مناقبه.
قوله وَله: ((لا حسد إلا في اثنتين)) الحديث، قال الحافظ: الحسد يطلق
ويراد به: تمني زوال النعمة عن المحسود، وهذا حرام؛ ويطلق ويراد به
الغبطة وهو: تمني مثل حاله، وهذا لا بأس به وهو المراد هنا، انتهى.
وفسره غيره مبسوطًا فقال: الحسد قسمان حقيقي ومجازي، فالحقيقي:
تمني زوال النعمة عن صاحبها وهذا حرام بإجماع المسلمين مع النصوص
الصريحة، وأما الحسد المجازي: فهو الغبطة وهو: أن يتمنى مثل النعمة التي
على غيره من غير تمني زوالها عن صاحبها، فإن كانت من أمور الدنيا كانت
مباحة، وإن كانت طاعة فهو مستحب، والمراد في الحديث: لا غبطة محبوبة
إلا في هاتين الخصلتين، قاله النووي(١).
فهذا حسد منافسة وغبطة يدل على علو همة صاحبه وكبر نفسه وطلبها
التشبيه بأهل الخير والفضل، وحق لمن نال من النفائس العالية ما يحق لمثله
أن يحسد ويغبط بمثله، فمن اتصف بذلك فهو محسود إذ حصل على النعمة
التامة الحقيقية، وكل ذي نعمة محسود عليها فيا طرباه دنيا وأخرى (٢).
(١) شرح النووي على مسلم (٦/ ٩٧).
(٢) انظر حدائق الأولياء (٥٥٤/١)، وبدائع الفوائد (٢٣٧/٢)، وطرح التثريب (٧٢/٤)،
وفتح البارى (١ / ١٦٧)، والمفهم (٧٧/٧)، ومبارق الأزهار (١ / ٥٤).

٦٧٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
تنبيه في الفرق بين الغبطة والحسد: والغبطة والنفاسة وإن كانا من الحسد
فقد يكون لهما وجه يبيحهما الشرع، والفرق بين الغبطة والحسد: أن الغابط
يود أن يكون له مثل نعمة المغبوط من غير أن تنقص من نعمته شيء وهو
الذي يبيحه الشرع المطهر، والحاسد الذي يود أن تزول نعمة المحسود ومن
غير أن يناله منها شيء هو الذي يحرمه الشرع(١)، انتهى.
قوله وَّ: ((ورجل آتاه الله مالا فسلكه على هلكته في الحق)) أي: إنفاقه في
الطاعات، والحق هنا واحد الحقوق وهو يستعمل في المندوب كما يستعمل
في الواجب، ومنه الحديث وهو قوله وَّ: ((إن في المال حقا سوى الزكاة))(٢)
وقال ابن بطال: إنفاق المال في حقه على ثلاثة أقسام:
الأول: أن ينفق على نفسه وأهله ومن يلزمه النفقة عليه غير مقتر يجب
لهم ولا مسرف في ذلك كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ
يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾﴾(٣) وهذه النفقة أفضل من الصدقة ومن
جميع النفقة.
والقسم الثاني: أداء الزكاة وإخراج حق الله تعالى لمن وجب عليه النفقة.
والقسم الثالث: صلة الأهل البعداء ومواساة الصديق وإطعام الجائع
وصدقة التطوع كلها، فهذه صدقة مندوب إليها مأجور عليها لقوله وَل:
(١) المفاتيح (١ /٣٠٢) وشرح المشكاة (٦٢٢/٢)، والكواكب الدرارى (٤١/٢).
(٢) طرح التثريب (٤ / ٧٤).
(٣) سورة الفرقان، الآية: ٦٧.

٦٧٩
كتاب العلم
(الساعي على الأرملة واليتيم والمجاهد في سبيل الله))(١)، ولا يخفى أن
الرجل خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، فالمرأة كذلك (٢)، والله أعلم.
قوله وَله: ((ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها)) الحديث،
اعلم أن الله تعالى قال في كتابه العزيز: ﴿يُؤْتِ الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءٌ﴾(٣) قال
الإمام مالك رحمه الله (٤): الحكمة عندي المعرفة بدين الله والفقه فيه
والإتباع له، وروى ابن وهب عن مالك أيضًا قال(٥): الحكمة نور يقذفه الله
تعالى في قلب العبد، وتقدم ذلك في أوائل هذا التعليق، وقال الإمام أبو
حنيفة: الحكمة هي العلم بأحكام الدين. [٩٦/ أ] بدلائلها، وقال الإمام
الشافعي: الفقيه العالم بالأحكام الشرعية والحكيم العالم بأدلتها(٦)، قال
الغزالي: الفقيه العالم بظواهر الأحكام والحكيم العالم بأسرارها أيضًا، فكل
حكيم فقيه وليس كل فقيه حكيم، مثاله: أن الفقيه يعلم وجوب الصوم بقوله
تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (٧) وقوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنْكُمُ
الشَّهْرَ فَلْيَصُمُةٌ﴾ (٨) والحكيم يعلم مع ذلك أن سر الصوم قهر النفس وكسر
(١) شرح الصحيح (٤٠٥/٣-٤٠٩).
(٢) طرح التثريب (٧٤/٤).
(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٦٩.
(٤) تفسير الطبرى (٥٧٦/٢)، وترتيب المدارك (٢/ ٦٢).
(٥) ترتيب المدارك (٦٢/٢)، والدورى في ما رواه الأكابر (٤٩).
(٦) شرح الأربعين الودعانية (ح ١٤ / ص ٢٣٥ - ٢٣٦).
(٧) سورة البقرة، الآية: ١٨٣.
(٨) سورة البقرة، الآية: ١٨٥.

٦٨٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الشهوات والتخلق بأخلاق الله وأخلاق الملائكة وغير ذلك من الأسرار
المذكورة في مواضعها وغير أهل الحكمة هو الذي لا يفهمها ولا يعقلها(١).
وقال ابن دريد (٢): الحكمة كل كلمة وعظتك أو زجرتك أو دعتك إلى
مكرمة أو نهتك عن قبيح فهي حكمة وحكم ومنه قوله: ﴿وَءَاتَيْنَهُ الْحُكْمَ
صَبِيًّا﴾(٣) أي: الحكمة، وقيل: الحكمة العلم الديني، وقيل: هي [سداد]
القول وإحكام الفعل، وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ
فَقَّدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾(٤) قال يعنى المعرفة بالقرآن(٥)، وقال مجاهد في قوله
تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا لُقْمَنَ الْحِكْمَةَ﴾ (٦) قال: الفقه والعقل والإصابة في
القول(٧). وقال في حدائق الأولياء(٨): والمراد بالحكمة هنا الفقه (فى الدين)
كما فسرها به والقضاء والتعليم هو فائدة الحكمة (واليقين) والفقه في الدين،
وقيل: الحكمة السنة.
قوله وَخيل: ((فهو يقضي بها ويعلمها احتسابًا)) ومعناه: يعمل بها ويعلمها
(١) شرح الأربعين الودعانية (ح ١٤ / ص ٢٣٦-٢٣٧).
(٢) جمهرة اللغة (١ / ٥٦٤).
(٣) سورة مريم، الآية: ١٢.
(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٦٩.
(٥) تفسير الطبرى (٨/٥ -٩).
(٦) سورة لقمان، الآية: ١٢.
(٧) تفسير الطبرى (١٨ /١٨٢)، وتفسير ابن أبي حاتم (١٦٧٤٨).
(٨) حدائق الأولياء (١ / ٦٧).

٦٨١
كتاب العلم
احتسابا أي: يقضي بذلك على نفسه وغيره ويعلمها لإخوانه (١)، انتهى.
تنبيه: فإن قلت: لم ذكر مالا في قوله: ((ورجل آتاه الله مالًا)) والحكمة في
قوله: ((ورجل آتاه الله الحكمة))؟ قلت: لأن الحكمة المراد بها معرفة الأشياء
التي جاء الشرع بها، أي: الشريعة فأراد التعريف بلام العهد بخلاف المال،
ولهذا يدخل فيه أي قدر من المال أهلكه في الحق تحت هذا الحكم، قال ابن
بطال: وفيه من الفقه، أن الغني إذا قام بشروط المال وفعل فيه ما يرضي ربه
تعالى فهو أفضل من الفقير الذي لا يقدر على مثل حاله، انتهى، قاله
الكرماني في شرح البخاري (٢).
١٢٢ - وَعَن أبي مُوسَى رَّ ◌َّهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ◌َّهِ مثل مَا بَعَثَنِي الله بِهِ
من الهدى وَالْعلم كمثل غيث أصَاب أَرْضًا فَكَانَت مِنْهَا طَائِفَة طيبة قبلت
المَاء وأثبتت الْكلأ والعشب الْكثير فَكَانَ مِنْهَا أجادب أَمْسَكت المَاء فنفع الله
بِهَا النَّاس فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسقوا وزرعوا وَأَصَاب طَائِفَةٍ أُخْرَى مِنْهَا إِنَّمَا هِيَ
قيعان لا تمسك مَاء وَلَا تَنْبت كلاً فَذَلِك مثل من فقه فِي دين الله تَعَالَى ونفعه
مَا بَعَثَنِي الله بِهِ فَعلم وَعلم وَمثل من لم يرفع بذلك رَأْسًا وَلم يقبل هدى الله
٥
الَّذِي أَرْسلت بِهِ. رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (٣).
قوله: عن أبي موسى، اسمه: عبد الله بن قيس تقدم الكلام على مناقبه.
(١) شرح النووي على مسلم (٩٨/٦).
(٢) الكواكب الدرارى (٢/ ٤٢).
(٣) أخرجه البخاري (٧٩)، ومسلم (١٥ - ٢٢٨٢).

٦٨٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله وَية: ((مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم))، فالهدى هو الدلالة
المؤدية إلى البعيد، والعلم هو صفة توجب تمييزًا لا يحتمل معناه النقيض،
وقيل: الهدى والعلم هو الطريقة، انتهى، قاله الكرماني(١).
قوله: ((كمثل غيث))، مثل: بفتح المثلثة، المراد منه هاهنا: الصفة العجيبة
الشأن لا القول السائد، فالمثل في الأصل بمعنى المثل الذي هو النظير ثم
استعير لكل ما فيه غرابة من قصة وحال وصفة، أي: إن صفة ما بعثني الله به
كصفة غيثا أصاب أرضًا، وإنما ضرب المثل بالغيث وهو المطر للمشابهة
بينه وبين العلم إذ الغيث يحيى البلد الميت والعلم يحيى القلب الميت،
انتهى، وقيل: إنما اختير الغيث من بين سائر المطر ليؤذن باضطرار الخلق
إليه حينئذ، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ﴾(٢)
قاله الكرماني(٣).
وقد كان الناس في الزمان الأول قبل المبعث وهم على فترة من الرسل قد
امتحنوا بموت القلوب ونضوب العلم أي: ذهابه حتى أصابهم الله برحمة من
عنده فأفاض عليهم بحال الوحي السماوي فأشبهت حالتهم حال من توالت
عليهم السنون حتى تداركهم الله بلطفه (٤) [٩٦/ ب] قوله وَّ: ((أصاب أرضًا
(١) الكواكب الدرارى (٥٥/٢).
(٢) سورة الشورى، الآية: ٢٨.
(٣) الكواكب الدرارى (٥٦/٢ -٥٧).
(٤) الكواكب الدرارى (٢/ ٥٧).

٦٨٣
كتاب العلم
فكانت منها طائفة طيبة)) الحديث، الطائفة من الشيء قطعة منه، هكذا في
جميع نسخ مسلم طائفة، ووقع في البخاري: ((وكان منها نقية قبلت الماء))
بنون مفتوحة ثم قاف مكسورة ثم ياء مثناة من تحت مشددة وهو بمعنى:
طيبة، وهذا هو المشهور في روايات البخاري (١)، وقبلت: من القبول، وفي
بعضها بالياء أخت الواو مشددة، قالوا معناه: أمسكت، قاله الكرماني (٢).
قوله: ((وأنبتت الكلأ والعشب الكثير)) أما العشب والكلأ والحشيش فكلها
أسماء للنبات، لكن الحشيش مختص باليابس، والعشب والكلأ مقصورًا
مختصان بالرطب، والكلأ بالهمز يقع على اليابس والرطب(٣).
قوله: ((وكان منها أجادب أمسكت الماء))، أما الأجادب: فبالجيم والدال
المهملة جمع جديب، وقال بعض العلماء(٤): أجادب جمع أجدب،
وأجدب جمع جدب مثل كلب وأكلب وأكالب، وهي: الأرض التي لا تنبت
كلا، قال الأصمعي: أي جرداء بارزة لا يسترها النبات، وقال القاضي عياض
في الشرح: لم يُروَ هذا الحرف في مسلم ولا في غيره إلا بالدال المهملة من
الجدب الذي هو: ضد الخصب، قال: وعليه شرح الشارحون، والمراد
هاهنا: الأرض الصلبة التي تمسك الماء ولا تنبت سماها أجادب لأنها
(١) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٤٧).
(٢) الكواكب الدرارى (٢/ ٥٥ -٥٦).
(٣) شرح النووي على مسلم (٤٦/١٥).
(٤) أعلام الحديث للخطابي (١ / ١٩٨) - ونقل عنه المؤلف بتصرف.

٦٨٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
لصلابتها لا تنبت(١).
قوله: ((فشربوا منها وسقوا)) قال أهل اللغة: سقى وأسقى بمعنى لغتان،
وقيل: سقاه ناوله ليشرب، وأسقاه جعل له سقيا، قاله الكرماني(٢).
قوله: ((وزرعوا)) هكذا وقع في البخاري ((وزرعوا))، ووقع في غير كما في
صحيح مسلم: ((ورعوا)) بالراء من الرعي وكلاهما صحيح(٣).
قوله: ((وأصاب طائفة أخرى)) بالنصب، أي: وأصاب الغيث طائفة، أي:
قطعة أخرى من الأرض (٤). قوله: ((منها))، أي: من الأرض.
قوله: ((إنما هي قيعان)) بكسر القاف جمع قاع وهو الأرض المستوية،
وقيل: الملساء، وقيل: التي لا نبات فيها أي: التي لا يقف على وجهها ماء
يدخل فيها ولا تنبت شيئا، وهذا هو المراد في الحديث كما صرح به النبي
وَّر في الحديث: ((لا تمسك ماء ولا تنبت كلاً))(٥).
قوله مَّر: ((فذلك مثل من فقه في دين الله)) والفقه في اللغة هو الفهم كما
تقدم يقال منه: فقه بكسر القاف يفقه كفرح يفرح إذا فهم، وأما الفقه الشرعي
فقال صاحب العين(٦) والهروي وغيرهما: يقال منه فقه بضم القاف إذا صار
(١) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٤٦ - ٤٧).
(٢) شرح النووي على مسلم (٤٧/١٥)، والكواكب الدرارى (٥٦/٢).
(٣) شرح النووي على مسلم (٤٧/١٥).
(٤) الكواكب الدرارى (٢/ ٥٦).
(٥) شرح النووي على مسلم (٤٧/١٥)، والمفاتيح (٢٥٢/١).
(٦) انظر: العين للخليل الفراهيدي (٣/ ٣٧٠).

٦٨٥
كتاب العلم
الفقه سجية له، وقال ابن دريد بكسرها كالأول(١)، والمراد بقوله وَاله: ((فقه
في دين الله)) هذا الثاني فيكون مضموم القاف على المشهور، وفقه بفتح القاف
قال ابن عطية (٢): إذا غلب غيره في الفقه، وقد روى الحديث بالوجهين يعني
بضم القاف وكسرها، المشهور الضم، قاله النووي في شرح مسلم (٣).
قوله وَّالية: ((ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت
به)) الحديث، ذلك إشارة إلى المثل المذكور كناية عن عدم الالتفات، أي: لم
يلتفت إلى التعلم والتعليم ولم يشتغل في ذلك، والله أعلم (٤).
ومعنى الحديث التمثيل أن الأرض ثلاثة أنواع وكذلك الناس، فالنوع
الأول من الأرض ينتفع بالمطر فيحيى بعد أن كان ميتًا وينبت الكلا فينتفع به
الناس والدواب بالشرب والرعي والزرع وغيرها، وكذلك النوع الأول من
الناس يبلغه الهدى والعلم فيحفظه فيحيى به قلبه ويعمل به ويعلمه غيره
فينتفع وينفع؛ والنوع الثاني من الأرض: ما لا يقبل الانتفاع [٩٧ / أ] في نفسها
لكن فيها فائدة وهي إمساك الماء لغيرها فينتفع بها الناس والدواب، وكذلك
النوع الثاني من الناس لهم قلوب حافظة لكن ليس لهم أفهام ثاقبة ولا رسوخ
لهم في العلم يستنبطون به المعاني والأحكام وليس عندهم اجتهاد في الطاعة
(١) شرح النووي على مسلم (٤٧/١٥).
(٢) تفسير ابن عطية (٢٧٩/٢).
(٣) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٤٧).
(٤) انظر المفاتيح (٢٥٢/١).

٦٨٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
والعمل به فهم يحفظونه حتى يأتي طالب محتاج متعطش لما عندهم من
العلم أهل للنفع والانتفاع فيأخذه منهم فينتفع به، فهؤلاء نفعوا بما بلغهم
والنوع الثالث من الأرض هي: السباخ التي لا تنبت ونحوها فهي لا تنتفع
بالماء ولا تمسكه لينتفع به غيرها، وكذلك النوع الثالث من الناس ليست
لهم قلوب حافظة ولا أفهام واعية فإذا سمعوا العلم لا ينتفعون به ولا
یحفظونه لینفع غیرهم، فهؤلاء لا خير فيهم(١). انتهى.
(أي: الأول للمنتفع النافع، والثاني للنافع غير المنتفع، والثالث لغيرهما،
أو الأول إشارة إلى العلماء والثاني إلى النقلة والثالث إلى من لا ينقل، وقال
في حدائق الأولياء(٢): فالأول العالم علم دراية والثاني رواية كالأجادب
والثالث من لا علم له، وهذا مثال ضرب لمن حل انتفاعه بالعلم والهدى
فعلم وعمل، ولمن علم ولم يعمل، ولمن لا يعلم ولا يعمل (٣)، انتهى).
وقال الشيخ الإمام محيى السنة(٤): فالنبي ◌ّر جعل مثل العالم كمثل
المطر، ومثل قلوب الناس كمثل الأرض في قبول العلم، فشبه من تحمل
العلم وتفقه فيه بالأرض الطيبة أصابها المطر فنبتت وانتفع بها الناس، وشبه
من تحمل العلم ولم بتفقه بالأرض الصلبة التي لا تنبت ولكنها تمسك الماء
(١) شرح النووي على مسلم (٤٧/١٥ - ٤٨).
(٢) حدائق الأولياء (١ / ٦٧).
(٣) شرح المشكاة (٦١٧/٢)، وعمدة القارى (٧٩/٢).
(٤) شرح السنة (٢٧٩/١).

٦٨٧
كتاب العلم
فيأخذه الناس وينتفعون به، وشبه من لهم يفهم ولم يحمل بالقيعان التي لا
تنبت ولا تمسك الماء فهو الذي لا خیر فیه، انتھی.
وقال بعض العلماء: أشار النبي ◌َّ في ضرب المثل إلى الأعلى
والأسفل، فشبه ما جاء به النبي وَّ بالمطر العام الذي يأتي الناس في حال
إشرافهم على الهلاك، ثم شبه السامعين له بالأرض المختلفة فمنهم العالم
العامل المعلم فهذا بمنزلة الأرض الطيبة شربت فانتفعت في نفسها وأنبتت
فنفعت غيرها، ومنهم: من بلغه الشرع فلم يؤمن ولم يقبل فشبهه النبي وَداخله
بالقيعان السبخة التي لا تقبل الماء في نفسها وتفسده على غيرها فلا يكون
منها ولا يحصل بما حصل فيها نفع، وسكت عن الوسط إما لأنه داخل في
الأول بوجه النفع الحاصل منهم في الدين فيؤخذ عنهم ألفاظ الحديث
حسبما روي في كتابه ويتفقه فيه على غيره، وهو معنى قوله {قَال: ((رب حامل
فقه ليس بفقيه))، وإما لأنه أخبرنا بالأهم فالأهم وهما الطائفتان المتقابلتان
العليا والسفلى(١). انتهى.
ففي هذا الحديث أنواع من العلم، منها: ضرب الأمثال، ومنها: فضل
العلم والتعليم وشدة الحث عليهما وذم الإعراض عن العلم، والله أعلم (٢).
١٢٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة رََّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َّهِ إِن مِمَّا يَلْحق الْمُؤمن
من عمله وحسناته بعد موته علما علمه ونشره وَولدا صَالحا تَركه أَو مُصحفا
(١) المفهم (٢٤/١٩ -٢٥).
(٢) شرح النووي على مسلم (٤٨/١٥).

٦٨٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وَرَتْهُ أَو مَسْجِدًا بناه أَو بَيْنَا لِابْنِ السَّبِيل بناه أَو نَهرا أجراه أَو صَدَقَة أخرجهَا
من مَاله فِي صِخَّته وحياته تلْحقهُ من بعد موته. رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد حسن
وَالْبَيْهَقِيّ وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه مثله إِلَّا أَنْه قَالَ أَو نَهرًا كراه وَقَالَ
يَعْنِي حفره وَلم يذكر الْمُصحف(١).
قوله: عن أبي هريرة نَقَّاهُ، تقدم الكلام على مناقبه.
قوله وَالَى: (إِن مِمَّا يلْحق الْمُؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما علمه
ونشره)) الحديث، في باب سماع الحديث: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا
من ثلاث، صدقة جارية او علمن ینتفع به أو ولد صالح يدعو له)) رواه مسلم
وغيره(٢)، قال القاضي بن العربي: الذي لا ينقطع عمله بعد موته وهم ستة،
هؤلاء الثلاثة، وقال ◌َّة: ((ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه
إنسان أو بهيمة إلا كان له حسنات إلى يوم القيامة))(٣)، وقال ◌َله: [٩٧/ ب]
(من سن سنة حسنة في الإسلام كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم
(١) أخرجه ابن ماجه (٢٤٢)، وابن خزيمة (٢٤٩٠)، والبيهقي في الشعب (١٢١/٥-١٢٢
رقم ٣١٧٤). قال البوصيرى في الزجاجة ٣٥/١: هذا إسناد مختلف فيه وقد رواه ابن
خزيمة في صحيحه عن محمد بن يحيى الدهلي به. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب
(٧٧) و(١١٢) و(٢٧٥)، والمشكاة (٢٥٤)، الإرواء (٢٩/٦)، الروض النضير
(١٠١٣).
(٢) أخرجه مسلم (١٤ - ١٦٣١)، وأبو داود (٢٨٨٠)، والترمذى (١٣٧٦)، والنسائى في
المجتبى ٢١٩/٦ (٣٦٧٧).
(٣) أخرجه البخاري (٢٣٢٠) و(٦٠١٢)، ومسلم (١٢ - ١٥٥٣) عن أنس.

٦٨٩
كتاب العلم
القيامة لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا))(١) وقال ◌َّة: ((كل عامل يختم على
عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة ويأمن من فتنة
القبر)) (٢) قال القرطبي في كتاب منهج العباد (٣): فعلى هذا يكونون تسعة لا
ستة، قلنا: هذه راجعة إلى المذكورات في الحديث، لأن الغرس داخل في
الصدقة وكذلك المسجد والبيت والنهر، وأما المصحف فداخل في العلم،
وأما السنة الحسنة فتشمل الجميع فعم الرباط (٤).
قال العلماء(٥): معنى الحديث أن عمل الميت ينقطع بموته وينقطع مجدد
الثواب له إلا في هذه الأشياء المذكورة في الحديث لكونه سببها لأنها أصول
الخير وأغلب ما يقصده أهل الفضل أن تبقى بعدهم لأن الولد من كسبه
وكذلك العلم الذي خلف من تعليم وتصنيف، وكذلك الصدقة الجارية.
قال العلماء: الصدقة الجارية بعد الموت أي: الدارة المتصلة كالوقوف
الموصدة لأبواب البر، ومنه الحديث: (الأرزاق جارية)) أي: دارة متصلة قاله
(١) أخرجه مسلم (١٥ - ١٠١٧) عن جرير.
(٢) أخرجه أحمد (٢٣٩٥١) و٦/ ٢٠(٢٣٩٥٤)، وأبو داود (٢٥٠٠)، والترمذى (١٦٢١)
والحاكم ٢/ ٧٢ و١٤٤. وقال الترمذى: وحديث فضالة حديث حسن صحيح. وصححه
الحاكم. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٢١٨).
(٣) ذكره القر طبى في التفسير (٢١٦/١٥) وسماه: كتاب منهج العباد ومحجة السالكين
والزهاد.
(٤) انظر الميسر (٩٩/١)، وتحفة الأبرار (١٤٩/١)، والمفاتيح (٣٠٤/١).
(٥) شرح النووي على مسلم (١١/ ٨٥).

٦٩٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
في النهاية(١). فمعنى الصدقة الجارية أي: يجري نفعها ويدوم أجرها (٢) وهي
محمولة عند العلماء على الوقف(٣).
والوقف مصدر وقف يقف وقفًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم
مَّسْئُولُونَ ﴾﴾(٤) ويراد به التحبيس والتسبيل، والفصيح: وقف، ولا يقال:
أوقف إلا في لغة تميمة، وعليها العامة وهو من القرب المندوب إليها بأدلة
خاصة، قال الشافعي رحمه الله: ولم يحبس أهل الجاهلية فيما علمته دارا
ولا أرضًا، وإنما حبس أهل الإسلام، يعني: هذا التحبيس المعروف وهو
إشارة منه إلى حقيقة شرعية، ويدل على مشروعية الكتاب والسنة والإجماع،
أما الكتاب فعموم قوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٥)
ولذلك لما سمعها أبو طلحة رغب في وقف بيرحاء، وكانت أحب أمواله
إليه (٦)، وسيأتي الكلام عليها مبسوطًا، فتدخل الصدقة في الوقف فكان حجة
على من أنكره من الحنفية، ويدخل فيها بناء القناطر والمطاهر والغراس،
كما تقدم، وسبل الخيرات بالوصايا ونحوها.
وفيه: بيان أن فضيلة العلم والحث على الاستكثار منه بالتعليم والتصنيف
(١) النهاية (١ /٢٦٤).
(٢) مطالع الأنوار (٢/ ١١١).
(٣) شرح النووي على مسلم (١١ / ٨٥)، وكفاية النبيه (٥/١٢)، والنجم الوهاج (٤٥٣/٥).
(٤) سورة الصافات، الآية: ٢٤.
(٥) سورة آل عمران، الآية: ٩٢.
(٦) النجم الوهاج (٤٥٣/٥).

٦٩١
كتاب العلم
والإيضاح، وأنه ينبغي أن يختار من العلوم الأنفع فالأنفع(١)، فيدخل فيه
علوم الشرع، ويخرج غيرها لأنها وإن انتفع بها في الدنيا فالسياق يخصصه
بالانتفاع الأخروي، وهل المراد الذي من شأنه أن ينتفع به وإن لم يتيسر
الانتفاع أو لابد من الانتفاع ليدوم سبب الثواب، الظاهر الثاني: ولو وقف
على المشتغلين بالعلم كان فيه أجران أجر الصدقة وأجر الانتفاع بالعلم.
وفيه: أن الدعاء يصل ثوابه إلى الميت من الولد وغيره(٢).
وفيه: أن الصدقة عن الميت تنفعه ويصل ثوابها من الولد وغيره أيضا، وقد
أجمع العلماء عليها وعلى الدعاء وهو نافع من الصالح وغيره، غير أن
الوصف بالصلاح خرج مخرج الغالب لأنه ترجى إجابته أكثر من غيره،
ولذلك ذكر الولد في الحديث بقوله: ((أو ولد صالح يدعو له)) لأنه من كسبه.
وفيه: أنه يصح قضاء الدين عن الميت من كل أحد(٣).
وفيه: أن الحج يجزئ عن الميت عند الشافعي وموافقيه ممن أدى فرضه
وهو داخل في قضاء الدين إن كان حجا واجبًا [٩٨/ أ] وكذلك إن أوصى
بحج التطوع عندنا، وهو من باب الوصايا، وأما إذا مات وعليه صيام
فالصحيح، أن الولي يصوم عنه، وله أن يطعم عنه، وأما قراءة القرآن وجعل
ثوابها للميت والصلاة عنه ونحوها فمذهب الشافعي والجمهور أنها لا تلحق
(١) شرح النووي على مسلم (٨٥/١١).
(٢) شرح النووي على مسلم (١١/ ٨٥).
(٣) شرح النووي على مسلم (١١/ ٨٥).

٦٩٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الميت، وفي ذلك خلاف بين العلماء، والله أعلم(١).
١٢٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ◌َّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َّهِ إِذا مَاتَ ابْن آدم انْقَطع
عمله إِلَّا من ثَلَاث صَدَقَة جَارِيَة أَو علم ينتفع بِهِ أَو ولد صَالح ◌َدْعُو لَهُ رَوَاهُ
مُسلمٍ وَغَيرِه(٢) .
١٢٥ - وَعَن أبي قَتَادَة رََّّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَلخيّل خير مَا يخلف الرجل
من بعده ثَلَاث ولد صَالحِ يَدْعُو لَهُ وَصدقَة تجْرِي يبلغهُ أجرهَا وَعلم يعْمِل بِهِ
من بعده رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِسْنَاد صَحِیح (٣).
١٢٦ - وَعَنِ ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َِّ عُلَمَاءِ هَذِه الأمة رجلَانِ
رجل آتَاهُ الله علما فبذله للنَّاسِ وَلم يَأْخُذْ عَلَيْهِ طَمَعا وَلم يشتر بِهِ ثمنا فَذَلِك
٥
تستغفر لَهُ حيتانِ الْبَحْر ودواب الْبر وَالطير فِي جو السَّمَاء وَرجل آتَاهُ الله علما
فبخل بِهِ عَن عباد الله وَأخذ عَلَيْهِ طَمَعا وشرى بِهِ ثمنا فَذَلِك يلجم يَوْمِ الْقِيَامَة
بلجام من نَار وينادي مُنَاد هَذَا الَّذِي آتَاهُ الله علما فبخل بِهِ عَن عباد الله وَأخذ
عَلَيْهِ طَمَعا وَاشْترى بِهِ ثُمنا وَكَذَلِكَ حَتَّى يفرغ الْحساب رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي
(١) شرح النووي على مسلم (٨٥/١١).
(٢) أخرجه مسلم (١٤ - ١٦٣١)، وأبو داود (٢٨٨٠)، والترمذى (١٣٧٦)، والنسائي في
المجتبى ٢١٩/٦ (٣٦٧٧)، وابن خزيمة (٢٤٩٤)، وابن حبان (٣٠١٦).
(٣) أخرجه ابن ماجه (٢٤١)، والنسائي في الكبرى (١٠٨٦٣)، وابن خزيمة (٢٤٩٥)،
والدينورى في المجالسة (٣٥٠٠)، وابن حبان (٩٣) و (٤٩٠٢)، والطبراني في الأوسط
(٤ / ٧-٨ رقم ٣٤٧٢) والصغير (٢٤٢/١ رقم ٣٩٥). وصححه الألباني في ((أحكام
الجنائز)) (٢٢٤) ((صحيح الترغيب)) (٧٩) و(١١٣) ((الروض)) (١٠١٣).