النص المفهرس

صفحات 621-640

٦١٣
مقدمة المؤلف
بالمساواة ولا يرضى بالزيادة، فهذه الأنواع كلها حرام يشملها اسم الحسد،
والحسود غير راض بقسمة الله تعالى وحكمته في الخلق، فمن أعطى شيئا من
هذه الأشياء فليشكر الله تعالى، ومن وجد في قلبه مرضا من هذه الأمراض
فعليه بالتوبة حتى يزول فإن لم يعالجه أثم، والله أعلم، انتهى.
تتمة: وروی أن آدم عليه الصلاة والسلام نزل إلی مکة و جعل قابيل وصيا
على أهل بيته فقتل قابيل هابيل، فلما رجع آدم قال: أين هابيل؟ قال قابيل: لا
أدري، فقال آدم: اللهم العن أرضا شربت دمه فم ذلك الوقت ما شربت
الأرض دما، ثم إن آدم ،َلَاا بقي مائة عام لا يبتسم حتى جاءه ملك فقال له:
حياك الله يا آدم وبياك، قال: ما يبكيك، قال: اضحك؛ وقال مقاتل: وكان قبل
ذلك السباع والطيور تستأنس بآدم، فلما قتل قابيل هابيل هربت منه الطير
والوحش وشاكت الأشجار وحمضت الفواكه وتملحت المياه واغبرت
الأرض؛ وفي حديث وهب: تأبل آدم على ابنه المقتول كذا وكذا عاما لم
يصب حواء، أي: امتنع من غشيانها أعواما وتوحش عنها، والفعل منه أبل
يأبل إبالة إذا تنسك وترهب.
فائدة: الحكمة في أن الله تعالى بعث إلى قابيل لما قتل أخاه هابيل غرابا
ولم يبعث له الطيور ولا من الوحش لأن القتل كان مستغربا جدًا إذ لم يكن
معهودًا قبل ذلك فناسبه الغراب؛ وروى أن قابيل حمل أخاه ومشى حتى
أروح فلم يدر ما يصنع به فبعث الله غرابين قتل أحدهما الآخر ثم بحث في
الأرض بمنقاره ودفن أخاه فاقتدى به قابيل فكان بعث الغراب حكمة ليرى

٦١٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ابن آدم كيفية المواراة وهو معنى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ﴾﴾﴾(١)، واختلف في
أول من سن القبر، فقيل: الغراب لما قتل قابيل هابيل لقوله تعالى تعلم الدفن
ولكن ترك أخاه بالعراء استخفافا به، والأول أصح(٢).
لطيفة: أسند عن أبي مرواح قال: بعث نوح ،َالقَلْمًا بالغراب والحمامة حيث
استقرت السفينة على الجودي تلتمسان له الجد، يعني: الأرض، فأما الغراب
فرأى جيفة فوقع عليها وأكل منها، وأما الحمامة فجاءت عاضة على غصن
شجرة بطين، قال: فدعا للحمامة بالبركة وأما الغراب فلعنه وقال له قولًا
شديدًا(٣)، انتھی.
تتمة: قالوا ولم يمت آدم ،اليَّلام حتى رأى من نسله أربعين ألفا، ولم يبق
من نسله أحد إلا نسل نوح ◌َليّة، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُو هُمُ
اُلْبَاقِينَ ﴿ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى الْآَخِرِينَ ﴾﴾(٤) الآية، ذرية نوح،عَ سام
وحام ويافث، أبو الروم، قال سمعت وهب بن منبه يقول: إن سام بن نوح أبو
العرب وفارس والروم، وإن حام بن نوح ،ثُمَّا أبو السودان، وإن يافث بن
نوح أبو الترك، وأن يأجوج ومأجوج هم بنوهم(٥)، وقال بعض الفقهاء: ومن
(١) سورة عبس، الآية: ٢١.
(٢) حياة الحيوان (٢/ ٢٤١).
(٣) روضة العقلاء (ص ١١٣).
(٤) سورة الصافات، الآيتان: ٧٧ -٧٨.
(٥) تاريخ ابن خيثمة (٣٣٢٠).

٦١٥
مقدمة المؤلف
ذلك يأجوج ومأجوج والأتراك فمن يافث والسودان من حام والباقون من
سام (١).
قوله ودية: ((إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها»، والكفل: بكسر
الكاف، والمراد به: الجزء والنصيب، وقال الخليل: هو الضعف (٢) أي
نصيبٌ من دم كل امرئ فقتل ظلمًا (٣)، قال: [٨٦/ ب] وهذا الحديث من
قواعد الإسلام، وهو: أن کل من ابتدع شیئا من الشر کان علیه مثل وزر كل
منة اقتدى به في ذلك فعمل مثل عمله إلى يوم القيامة، ومثله من ابتدع شيئا
من الخير كان له مثل أجر كل من يعمل به إلى يوم القيامة، وهو موافق
الحديث الصحيح: ((من سن سنة حسنة، ومن سن سنة سيئة)) وللحديث
الصحيح أيضًا: ((ما من داع يدعو إلى هدى، وما من داع يدعو إلى ضلالة))
وتقدم ذلك (٤).
وقال القرطبي: يدخل في عموم هذا الحديث نفس الذمي والمعاهد إذا
قتل ظلما لأن نفسا نكرة في سياق النفي فهي للعموم؛ وقوله: ((لأنه أول من
سن القتل)) نص على تعليل ذلك الأمر لأنه لما قال: ((أول من قتل)) كان قتله
ذلك تنبيها لمن أتى بعده وتعليمًا له فيمن قتل كأنه اقتدى به في ذلك فكان
(١) المدهش (ص ٦٥).
(٢) إكمال المعلم (٤٧٨/٥)، مشارق الأنوار (١/ ٣٦٤).
(٣) تحفة الأبرار (١ / ١٥٢).
(٤) شرح النووي على مسلم (١١ / ١٦٦).

٦١٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
عليه من وزره، وهذا جارٍ في الخير والشر كما قرر (١).
٤ - وَعَن وَاثِلَة بن الأَسْقَع ◌َلَّهُ عَنِ النَّبِيِ وَّ قَالَ من سنّ سنة حَسَنَة فَلَهُ
أجرهَا مَا عمل بهَا فِي حَيَاتِه وَبعد مماته حَتَّى تتْرك وَمن سنّ سنة سَيِّئَةٌ فَعَلَيهِ
إثمها حَتَّى تَتْرك وَمن مَاتَ مرابطا جرى عَلَيْهِ عمل المرابط حَتَّى يَبْعَث يَوْم
الْقِيَامَةِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ بِإِسْنَادِ لَا بَأْس ◌ِهِ.(٢)
قَالَ الْحَافِظُ: وَتقدم فِي الْبَاب قبله حَدِيث كثير بن عبد الله بن عَمْرو بن
عَوْفٍ عَن أَبِه عَن جده أَن النَّبِِّ قَالَ لِبِلَال بن الْحَارِثِ اعْلَمْ يَا بِلَال قَالَ مَا
أعلم يَا رَسُول الله قَالَ إِنَّه من أَحْيَا سنة من سنتي قد أميتت بعدِي كَانَ لَهُ من
الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أُجُورهم شَيْئًا وَمن ابتدع بِدعَة
ضَلَالَةٍ لَا يرضاها الله وَرَسُوله كَانَ عَلَيْهِ مثل آثام من عمل بهَا لَا ينقص ذَلِك
من أوزار النَّاسِ شَيْئًا رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه(٣).
قوله: وروى عن واثلة بن الأسقع، هو: واثلة بن الأسقع بن كعب بن عامر
بن ليث بن بكر بن عبد مناة أبو الأسقع، ويقال: أبو قِرصافة بكسر القاف،
(١) المفهم (١٢١/١٥ - ١٢٢).
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٧٤/٢٢ رقم ١٨٤) والشاميين (٢٥٦٠)، وابن عدى في
الكامل (٣٩٨/٧). قال ابن عدى: ولعمر بن رؤبة غير ما ذكرت وليس بالكثير، وإنما
أنكروا عليه أحاديثه عن عبد الواحد النصري. وقال الهيثمى في المجمع ١٦٨/١ : رواه
الطبراني في الكبير، ورجاله موثقون. وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (٦٥)
و(١٢٢٢).
(٣) سبق تخريجه برقم (٩٢) وهو ضعيف جدًّا.

٦١٧
مقدمة المؤلف
ويقال: أبو الخطاب، ويقال: أبو شداد الليثي الكناني، أسلم قبل تبوك والنبي
وَلا يتجهز لها، وشهدها مع النبي وَّ، وكان من أهل الصفة فلما قبض النبي
خرج إلى الشام، وكان يشهد المغازي بدمشق وحمص، وقيل: إنه خدم
صَلىالله
وسام
النبي ﴾﴾ ثلاث سنين، روي له عن النبي ﴾ ﴾ ستة وخمسون حديثا، روي له
البخاري حديثا ومسلم آخر، سكن الشام ثم اسوطن بيت حيرين وهي بلدة
بقرب بيت المقدس ودخل البصرة، وكان له دار، روى عنه: عبد الواحد بن
عبد الله النصري بالصاد المهملة وأبو إدريس الخولاني ومكحول وغيرهم،
توفي سنة ست أو خمس وثمانين وهو ابن ثمان وتسعين سنة، قاله أبو مسهر،
قال سعيد بن خالد: توفي سنة ثلاث وثمانين وهو ابن مائة وخمس سنين،
والصحيح: الأول، قال قتادة: كان آخر أصحاب النبي وَ ل﴾ موتا بمكة عبد الله
بن عمر، وكان آخرهم موتًا بالمدينة جابر بن عبد الله، وآخرهم موتًا بمصر
سهل بن سعد، وآخرهم موتًا بالكوفة عبد الله بن أوفى، وآخرهم موتا بالبصرة
أنس بن مالك، وآخرهم موتا بدمشق واثلة بن الأسقع، وآخرهم موتا
بحمص عبد الله بن بسر يعني بعد أبي أمامة(١)، انتهى، قاله في الديباجة.
قوله وَاللّ: ((من سن سنة حسنة فله أجرها ما عمل بها في حياته وبعد مماته
حتى تترك)) الحديث، أي: أتى بطريقة مرضية يقتدى به فيها فله أجره، وتقدم
الكلام على ذلك في البداءة بالخير، وقال بعض العلماء في قوله: ((من سن
سنة حسنة)) أي: فعل فعلا بحيث يقتدى به، وكذلك إذا فعل فعلا قبيحًا
(١) انظر ترجمته: تهذيب الأسماء واللغات (١٤١/٢ - ١٤٢ ترجمة ٦٦٢)، وتهذيب الكمال
(٣٠/ الترجمة ٦٦٥٩).

٦١٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فاقتدى به، ويفيد الترغيب في الخير المتكرر إثمه بسبب الاقتداء، والتحذير
من الشر المتكرر إثمه بحسب الاقتداء(١). والله أعلم.
٩٨- وَعَن سهل بن سعد رَضِي الله عَنْهُمَا أَن النَّبِيِنََّ قَالَ إِن هَذَا الْخَيْرِ
خَزَائِن ولتلك الخزائن مَفَاتِيح فطوبى لعبد جعله الله عز وجل مفتاحا للخير
مغلاقا للشر وويل لعبد جعله الله مفتاحا للشر مغلاقا للخير رَوَاهُ ابْن مَاجَه
وَاللَّفْظِ لَهُ وَابْنِ أبِي عَاصِم وَفِي سَنَده لين وَهُوَ فِي التِّرْ مِذِيّ بِقِصَّةٍ (٢).
قوله: ((عن سهل بن سعد)) هو أبو العباس، وقيل: أبو يحيى سهل بن سعد
بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن
كعب بن الخزرج الأنصارى الساعدى المدنى، كان اسمه حزنًا، فسماه النبى
وَال سهلًا. شهد سهل قضاء رسول الله وَّلة فى المتلاعنين، قال الزهرى:
سمع من النبى وَّ، وكان له يوم وفاة النبى وَل خمس عشرة سنة. وتوفى
بالمدينة سنة ثمان وثمانين، وقيل: سنة إحدى وتسعين. قال ابن سعد: هو
آخر من مات من أصحاب النبى وَّم بالمدينة ليس فيه خلاف. وقال غيره: بل
فيه خلاف. روي له عن رسول الله وسل مائة حديث وثمانية وثمانون حديثًا،
اتفقا على ثمانية وعشرين، وانفرد البخارى بأحد عشر. روى عنه الزهري،
(١) المفهم (٩/ ٣٣).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٢٣٨)، وابن أبي عاصم في السنة (٢٩٦ و٢٩٨). ولم يخرجه الترمذى.
وضعفه جدا الألباني في المشكاة (٥٢٠٨)، وحسنه فيصحيح الترغيب (٦٦) والصحيحة
(١٣٣٢).

٦١٩
مقدمة المؤلف
وأبو حازم، وغيرهما(١).
قوله: أن النبي وَّل قال: ((إن هذا الخير خزائن، لتلك الخزائن مفاتيح))
الحديث. [٨٧/ أ] قال العلماء رضي الله عنهم: قد جعل الله سبحانه وتعالى
لكل مطلوب مفتاحا يفتح به، وهذا باب عظيم من أنفع أبواب العلم، وأن من
أنفع أبواب العلم باب معرفة مفاتيح الخير والشر، ولا يوفق لمعرفتها
والعمل بها إلا من وفقه الله تعالى، فإن الله سبحانه وتعالى جعل لكل خير
وشر مفتاحًا وبابًا يدخل منه إليه كما جعل الشرك والكفر والإعراض عما
بعث الله به رسوله صلّ والغفلة عن ذكره والقيام بحقه مفتاحا للنار، وجعل
مفتاح الصلاة والطهور كما قال ◌َّلة: ((مفتاح الصلاة الطهور))، قال ابن العربي
قوله وسلم: ((مفتاح الصلاة الطهور))، من مجاز التشبيه؛ لأن الحديث لما كان
مانعًا من الصلاة كان كالقفل الموضوع على الحدث حتى إذا توضأ انحل
الغلق، وهذه استعارة بديعة، وكذلك قوله: ((مفتاح الجنة الصلاة)) بيَّن فيه أن
أبواب الجنة مغلقة تفتحها الطاعات وركن الطاعات الصلاة، وقد ذكر
البخاري عن وهب بن منبه أنه قال: ((مفتاح الجنة لا إله إلا الله، وما من مفتاح
إلا له أسنان)) (٢) يعني: العبادات؛ فإن جئت بالمفتاح له أسنان فتح لك وإلا
لم يفتح، ويتفاضل الإنسان في الفعل في الصغر والكبر والتأصيل والتفريع،
(١) انظر ترجمته: تهذيب الأسماء واللغات (٢٣٨/١ ترجمة ٢٣٧)، وتهذيب الكمال (١٢/
الترجمة ٢٦١٢).
(٢) رواه البخاري تعليقًا ٣/ ٨٨ في الجنائز في فاتحته، قال الحافظ في الفتح: وقد وصله
المصنف في التاريخ، وأبو نعيم في الحلية.

٦٢٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فكذلك العبادات، انتهى؛ وجعل مفتاح الحج الإحرام، ومفتاح البر الصدقة،
ومفتاح الجنة التوحيد، ومفتاح العلم حسنة السؤال وحسن الإصغاء،
ومفتاح النصر والظفر الصبر، ومفتاح المزيد الشكر، ومفتاح الإجابة الدعاء،
ومفتاح الرغبة في الآخرة الزهد في الدنيا، ومفتاح الإيمان التفكر فيما دعا الله
عباده إلى التفكر فيه، ومفتاح الرزق السعي مع الاستغفار والتقوى، ومفتاح
كل خير الرغبة في الله تعالى والدار الآخرة، ومفتاح كل شر حب الدنيا وطول
الأمل، وجعل الكسل والراحة مفتاح الخيبة والحرمان، وجعل المعاصي
مفتاح الكبر، وجعل الكذب مفتاح النفاق، وجعل الشح والحرص مفتاح
البخل وقطيعة الرحم وأخذ المال من غير حله، وجعل الخمر مفتاح كل إثم،
وجعل النظر مفتاح النظر، وجعل مفتاح حياة القلب تدبر القرآن والتضرع
بالأسحار، ومفتاح التقوى لا حول ولا قوة إلا بالله، ومفتاح الجنة والولاية
الذكر، وجعل مفتاح إطلاق النظر في الصور مفتاح الطلب، وجعل الإعراض
عما جاء به الرسول څ مفتاح كل بدعة وضلالة، وهذه الأمور لا يصدق بها
إلا من له بصيرة صحيحة وعقل يعرض به عما في نفسه وما في الوجود من
خير أو شر، فينبغي للعبد أن يعتني كل الاعتناء بمعرفة المفاتيح وما جعله الله
له، وكان أنس بن مالك يقول: إن الله جعل للخير مفاتيح وللشر مفاتيح وإن
ثابت البناني من مفاتيح الخير (١)، انتهى، قاله في حادي الأرواح
(٢)
(١) الزهد (١٤٢٠) لأحمد.
(٢) حادى الأرواح (ص٦٨ - ٦٩).

٦٢١
مقدمة المؤلف
قوله: ((فطوبى لعبد جعله الله مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر))؛ طوبى عند
النحويين فعلى من الطيب، قلبت الياء فيه واوًا لانضمام ما قبلها وهو طيب
العيش له، وقيل: طوبى هي الخير وأقصى الأمنية، وقيل: طوبى اسم الجنة،
وقيل: اسم شجرة وقيل غير ذلك(١).
قوله: ((وويل لعبد جعله الله مفتاحًا للشر مغلاقًا للخير))، الحديث [٨٧/ ب]؛
الويل: دعاء بالهلكة، يقال لكل واقع في هلكة، والويل والحزن والهلاك:
المشقة من العذاب (٢)، وسيأتي الكلام على ذلك قريبًا أبسط من هذا.
٩٩- وَعَن أبي هُرَيْرَة ◌ََّّهُ قَالَ قَالَ رَسُول اللهِ وَّهِ مَا مِن دَاعِ يَدْعُو إِلَى
شَيْءٍ إِلَّا وقف يَوْم الْقِيَامَة لَازِما لدعوته مَا دَعَا إِلَيْهِ وَإِن دَعَا رجل رجلا رَوَاهُ
ابْن مَاجَه وَرُوَاته ثِقَات(٣).
قوله: عن أبي هريرة؛ هو أحفظ هذه الأمة، وقال النبي وَ لاه فيه: ((أبو هريرة
وعاء العلم))، ودعا له النبي ◌َّ أن يرزقه علما لا ينسى، وقال الشافعي: أبو
هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره(٤)، قال أبو هريرة: حفظت من
رسول الله وَّة وعائين، فأما أحدهما فيثثته وأما الآخر فلو بثئته قطع هذا
(١) شرح النووي على مسلم (١٧٦/٢).
(٢) النهاية (٢٣٥/٥-٢٣٦).
(٣) أخرجه ابن ماجه (٢٠٨)، وابن أبي عاصم في السنة (١١٢). قال البوصيرى في الزجاجة
٢٩/١: هذا إسناد ضعيف ليث هو ابن أبي سليم ضعفه الجمهور. وضعفه الألباني في
ضعيف الترغيب (٤٣)، والظلال (١١٢).
(٤) تاريخ دمشق (٣٤١/٦٧).

٦٢٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الماء، الوعاء: ما يوضع فيه الشيء؛ وبثثته حتى نشرته وفرقته، والمراد:
الحديث الذي رواه والبلعوم مجرى الطعام، ولقائل أن يقول: كيف استجاز
كتم الحديث عن رسول الله وَاله، وقد قال ◌َله: ((بلغوا عني ولو آية))، وكيف
يقول رسول الله وَله ما إذا قتل راويه وكيف يستجيز المسلمون من الصحابة
الإخبار قتل من يروي عن رسول الله وَّة؟ فالجواب: أن هذا الذي كتمه ليس
أمر الشريعة فإنه لا يجوز كتمانها، وقد كان أبو هريرة يقول: لولا آية في كتاب
الله ما حدثتكم وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ اُلْبَيِّنَتِ
وَالْهُدَى﴾(١) فكيف يظن به أن يكتم شيئًا من الشريعة بعد هذه الآية وبعد أمر
رسول الله وير أن يبلغ عنه، وقد كان يقول لهم: ((ليبلغ الشاهد منكم
الغائب))، وإنما هذا المكتوم مثل أن يقول: فلان منافق وستقتلون عثمان
وهلاك أمتي على يدي أغيلمة من قريش بنو فلان، فلو صرح بأسمائهم
لكذبوه وقتلوه، حكاه أبو الفرج عبد الرحمن بن علي، قاله في حاشية كتاب
المشارق(٢)، تقدم الكلام على مناقبه رَوقّهُ.
قوله ◌َّيّ: ((ما من داع يدعوا إلى شيء إلا وقف يوم القيامة لازمًا لدعوته ما
دعا إليه وإن دعا رجل رجلًا))، ومعنى الحديث، والله أعلم، أن كل من ابتدع
شيئا من الشر كان عليه مثل وزر كل من اقتدى به في ذلك العمل مثل عمله
إلى يوم القيامة ومثله من ابتدع شيئا من الخير كان له مثل أجر كل من يعمل
(١) سورة البقرة، الآية: ١٥٩.
(٢) كشف المشكل (٥٣٤/٢-٥٣٥).

٦٢٣
مقدمة المؤلف
ـبيــ
به إلى يوم القيامة وهو موافق للحديث الصحيح من سن سنة حسنة ومن سن
سنة سيئة وللحديث الصحيح من دل على خير فله مثل أجر فاعله ويدل
لذلك من الكتاب العزيز قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ
أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَِّنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَأَجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾﴾(١)، وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا
مِنْهُمْ أَبِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾(٢).
(١) سورة الفرقان، الآية: ٧٤.
(٢) سورة التوبة، الآية: ٢٤.

٦٢٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
كتاب العلم
الترغيب في العلم وطلبه وتعلمه وتعليمه
وما جاء في فضل العلماء والمتعلمين
تقدم الكلام على الكتاب وأنه في اللغة مأخوذ من الكتب وهو الضم،
يقال: تكتبت بنو فلان إذا تجمعوا، ومنه قيل لجماعة الخيل كتيبة، وللكتابة
بالقلم كتابة لاجتماع الحبر، والباب في اللغة: ما يتوصل به إلى المقصود،
وفي الاصطلاح: ما افتتح به أحكام مندرجة تحت اسم خاص، وقد يدرج في
الباب ما لا يصدق عليه اسم الترجمة لتعلقه بها(١). والله أعلم.
قوله: الترغيب في العلم وطلبه وتعلمه، قد تظاهرت الآيات والأخبار
والآثار وتواترت وتطابقت الدلائل الصريحة وتوافقت على فضيلة العلم
والحث على تحصيله والاجتهاد في أسبابه وتعليمه، فأما الآيات: قال الله
تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونُ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ
اَلْأَلْبَبِ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾(٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا
يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَؤُّْ﴾(٤) وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
(١) كفاية النبيه (١٠٦/١)، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام (١/ ٤١٩).
(٢) سورة الزمر، الآية: ٩.
(٣) سورة طه، الآية: ١١٤.
(٤) سورة فاطر، الآية: ٢٨.

٦٢٥
كتاب العلم
مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾(١)؛ وأما الأحاديث فسنذكر الأحاديث
والآثار في ذلك أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر، فالعلم: معرفة
المعلوم على ما هو عليه، فإذا قلت: عرفت [٨٨/ أ] زيدًا فالمراد: شخصه،
وإذا قلت: علمت زيدًا، أردت العلم بأحواله من فضل ونقص، انتهى(٢).
١٠٠ - عَن مُعَاوِيَة رَِّنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله وَّهِ: ((من يرد الله بِهِ خيرا يفقهه
فِي الدّين)) رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلمٍ وَابْن مَاجَه(٣) وَرَوَاهُ أَبُو يعلى وَزَاد فِيهِ وَمن لم
يفقهه لم يبال بِهِ(٤). وَرَوَاهُ الطََّرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ(٥) وَلَفظه سَمِعت رَسُول الله وَّل
يَقُول يَا أَيْهَا النَّاسِ إِنَّمَا الْعلم بالتعلم وَالْفِقْه بالتفقه ومن يرد الله به خيرا يفقهه في
الدّين و﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ اُلْعُلَمَؤُاْ﴾(٦) وَفِي إِسْنَاده راو لم يسم.
(١) سورة المجادلة، الآية: ١١.
(٢) تفسير القرطبي (٤٣٩/١)
(٣) أخرجه البخاري (٧١) و(٣١١٦) و(٧٣١٢)، ومسلم (٩٨ - ١٠٣٧) و(١٠٠ - ١٠٣٧)
و (١٧٥ - ١٠٣٧)، وابن ماجه (٢٢١).
(٤) أخرجه أبو يعلى (٧٣٨١)، والطبراني في الشاميين (٤٢٨). قال الهيثمى في المجمع
١/ ١٨٣: رواه أبو يعلى- وفي الصحيح منه: ((من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين))- وفيه
الوليد بن محمد الموقري، وهو ضعيف. وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (٦٧٠٨).
(٥) أخرجه الطبراني في الكبير (٣٩٥/١٩ رقم ٩٢٩) والشاميين (٧٥٨)، والبيهقي في المدخل
(٣٥٢). قال الهيثمى في المجمع ١٢٨/١: رواه الطبراني في الكبير، وفيه رجل لم يسم،
وعتبة بن أبي حكيم وثقه أبو حاتم، وأبو زرعة، وابن حبان، وضعفه جماعة. وصححه
الألباني في الصحيحة (٣٤٢)، وصحيح الترغيب (٦٧).
(٦) سورة فاطر، الآية: ٢٨.

٦٢٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: عن معاوية؛ هو: معاوية بن أبي سفيان، فيمن نزل الشام من
الصحابة، وهو من الموصوفين بالدهاء والحلم، وذكروا أن عمر بن الخطاب
لما دخل الشام ورأى معاوية قال: هذا كسرى العرب، ولما حضرته الوفاة
أوصى أن يكفن في قميص كان رسول الله وَ له كساه إياه، وأن يجعل مما يلي
جسده، وكان عنده قلامة أظفار رسول الله ◌َ له فأوصى أن تسحق وتجعل في
عينيه وفمه، وقال: افعلوا ذلك بي وخلوا بيني وبين أرحم الراحمين(١)، وقال
ابن قتيبة في المعارف(٢): لم يولد لمعاوية في خلافته ولد، وكان معاوية
صاحبه (وصهره وَّة) وكاتبه وأمينه على وحي الله تعالى(٣)، وتقدم الكلام
على مناقبه مبسوطًا، والله أعلم.
قوله وَّله: ((من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين)) الحديث، فيه: فضيلة العلم
والفقه في الدين والحث عليه، وسببه: أنه قائد إلى الله تعالى (٤).
وأقيم قوله وَّيّة: ((من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين)) مقتضاه: أن من لم
يفقهه في الدين لا يراد به خيرًا، وكفى بذلك حسرة وشقاوة (٥).
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٠١-١٠٢ الترجمة ٥٨٨).
(٢) المعارف (ص ٢٥٠).
(٣) تاريخ بغداد (١ / ٥٧٧).
(٤) انظر شرح النووي على مسلم (١٢٨/٧)، وفى الديباجة (جزء من رسالة علمية ص ١٤٥)
قال: وسببه أنه قائد إلى التقوى والتقوى قائد إلى الجنة.
(٥) مفتاح دار السعادة (٦٠/١).

٦٢٧
كتاب العلم
وقوله: ((من يرد الله به خيرًا)) مشتق من الإرادة وهي عند الجمهور صفة
مخصصة لأحد طرفي المقدور بالوقوع، وقيل: اعتقاد النفع أو الضر، وقيل:
ميل يتبعه الاعتقاد، وهذا لا يصح في الإرادة القديمة، وقوله: ((خيرًا)) أي:
منفعة وهي اللذة(١)، فالمعنى: من يرد الله به جميع الخيرات (٢)، و((يفقهه في
الدين)) أي: يفهمه، إذ الفقه الفهم، وفي بعض الروايات: ((من يرد الله به خيرًا
يفهمه في الدين)) وكلاهما صحيح المعنى(٣)، فأصل الفقه في اللغة: الفهم،
والتفقه: أخذ الفقه شيئًا فشيئًا، وقيل: فهم الأشياء الدقيقة، وفي الاصطلاح:
العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية (٤).
فالفقه: الفهم، كما تقدم والتبصر بكلام الله وكلام رسوله وَّئلة، فرب سامع
لم يفهم ورب سامع فهم، ورب فاهم وغيره أفهم منه، قيل: استفتى الحسن
البصري في مسألة فأجاب، فقيل له: إن فقهاءنا لا يقولون مثل هذا فقال: وهل
رأيت فقيها قط، الفقيه القائم ليله الصائم نهاره الزاهد في الدنيا الذي لا
يداري ولا يماري، ينشر حكمة الله فإن قبلت منه حمد الله تعالى وإن ردت
عليه حمد الله تعالى(٥)، وفقه عن الله أمره ونهيه وعلم من صفاته ما يحبه
ویکرهه، فذلك هو العالم الذي قيل فيه: (من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين))،
(١) الكواكب الدرارى (٣٧/٢).
(٢) عمدة القارى (٢/ ٥١)، وإرشاد السارى (٢٠٤/٥).
(٣) مشارق الأنوار (٢/ ١٦٢).
(٤) النجم الوهاج (١/ ١٩١).
(٥) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٠)

٦٢٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فإذا لم يكن بهذه الصفة فهو من المغرورين(١)، انتهى، قاله في الديباجة.
قوله: في رواية أبي يعلى: ((ومن لم يفقهه لم يبل به)) معناه: أنه لا يبالي به،
المراد به عدم الالتفات له (والقبول بنفي السبب وإرادة المسبب).
١٠١ - وَعَن عبد الله يَعْنِي ابْنِ مَسْعُود ◌ََّّهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله وَّ: (إِذا
أَرَادَ الله بِعَبْد خيرا فقهه فِي الدّين وألهمه رشده)) رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطّبْرَانِيّ فِي
الْكَبِيرِ بِإِسْنَادِ لَا بَأْس ◌ِهِ(٢).
قوله: عن عبد الله بن مسعود (٣)، تقدم الكلام على مناقبه.
(١) الديباجة (ص ١٣٩ - ١٤٠)، والنجم الوهاج (٦/ ٢٨٢).
(٢) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد (٨٩١)، والبزار (١٧٠٠)، والطبراني في الكبير
(١٩٧/١٠ رقم ١٠٤٤٥)، وابن عدى في الكامل (٤٠٠/١)، وأبو نعيم في الحلية
(٤/ ١٠٧)، والبيهقي في القضاء والقدر (١٦٤) والمدخل (٣٥٤). قال البزار: وهذا
الحديث لا نعلمه يروى، عن عبد الله إلا من هذا الوجه، ولا نعلم رواه عن أبي بكر بن
عیاش إلا أحمد بن محمد بن أيوب.
وقال أبو نعيم: غريب من حديث الأعمش. تفرد به عنه أبو بكر بن عياش، واختلف في
اسمه، فقيل: اسمه كنيته، وقيل: اسمه شعبة. قال الهيثمى في المجمع ١٢١/١: رواه
البزار والطبراني في الكبير، ورجاله موثقون. وقال الألباني في الضعيفة (٥٠٣٢) وضعيف
الترغيب (٤٤): منكر بهذا التمام.
(٣) زاد في المخطوطة المغربية: عبد الله بن مسعود بن غافل بالغين المعجمة والفاء، الهذلي،
حليف بني زهرة الكوفي، كنيته: أبو عبد الرحمن، وأمه: أم عبد بنت عبد ود، أسلمت
وهاجرت، فهو صحابي بن صحابية، وكان كثير الولوج على رسول الله وَّليه والخدمة له،
وكان من كبار الصحابة وساداتهم وفقهائهم ومقرئيهم في القرآن والفقه والفتاوي، وفي
الحديث قال: قال لي رسول الله وَله: ((إذنك على أن ترفع الحجاب، وأن ترفع سوادي

٦٢٩
كتاب العلم
قوله ومَّه: ((إذا أراد به خيرًا فقهه في الدين وألهمه رشده)) تقدم الكلام على
معنى الخيرية في الحديث قبله، وقيل: فهم الأشياء الدقيقة، يقال: فقه الرجل
بالكسر يفقه فقها إذا فهم وعلم، وفقه بالضم إذا صار عالمًا ويفقهه في الدين
أي: يجعله فقيها عالما بالأحكام الشرعية ذا بصيرة فيه، فيصير قلبه ينبوع
العلم يستخرج بفهمه المعاني الكثيرة من اللفظ الموجز(١).
قال الإمام أبو عبد الله الحكيم الترمذي (٢): الفقه [٨٨/ ب] هو انكشاف
الغطاء عن الأمور، فإذا عبد الله بما أمر ونهى بعد أن فهمه وعدله وانكشف له
الغطاء عن تدبيره فيما أمر ونهى فهي العبادة الخالصة، وذلك أن الذي يؤمر
بالشيء زين ما أمر وشين ما نهى عنه عمل على بصيرة وعلى عليه أقوى
ونفسه بها أسخی وحمد على ذلك وشکر، والذي یعمی عن ذلك فهو حامد
القلب كسلان الجوارح، ثم إن الإنسان إذا أخذ حظًا وافرًا من الفقه ينبغي أن
حتى أنهاك)) رواه مسلم، السواد بكسر السين المهملة وبالدال، واتفق العلماء على أن
المراد به السرار بكسر السين وبالراء المكررة وهو السر والمساررة، يقال: ساودت الرجل
مساودة إذا ساررته، وفيه (دليل) لجواز اعتماد العلامة في الإذن في الدخول، فإذا جعل
الأمير والقاضي أو غيرهما رفع الستر الذي على بابه علامة في الإذن في الدخول عليه
(للناس عامة) أو لطائفة خاصة أو لشخص أو جعل علامة غير ذلك جاز (اعتمادها)
والدخول إذا وجدت بغير استئذان، وكذا إذا جعل الرجل ذلك علامة بينه وبين خدمه
(ومماليكه) وكبار أولاده وأهله فمتى أرخى حجابه لا يجوز (الدخول عليه إلا باستئذان
فإذا رفعه جاز) جاز بلا استئذان، والله أعلم، قاله في الديباجة، وتقدم الكلام على ترجمته
مبسوطًا. قلت: وهذا كله كلام النووى في شرح مسلم (١٤ / ١٥٠).
(١) الميسر (١ / ٩٧).
(٢) نوادر الأصول (١/ ١٧١ - ١٧٢).

٦٣٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
لا يقتصر عليه ويكن ينظر في علم الزهد وفي كلام الحكماء وشمائل
الصالحين، فإن الإنسان إذ تعلم الفقه ولم ينظر في الزهد والحكمة قسى قلبه
وساء خلقه والقلب القاسي بعيد من الله تعالى، انتهى، قاله في شرح مشارق
الأنوار. والمراد بقوله: (يفقهه في الدين)) ما شرعه الله لعباده من الأحكام؛
والعباد: جمع عبد، وقيل المراد بالفقه: فهم الأشياء كما تقدم، قال ابن
بطال(١): التفهم للعلم هو الفقه فيه، ولا يتم العلم إلا بالتفهيم ولذلك قال
علي زَوَّلَهُ: والله ما عندنا إلا كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مؤمن، فجعل
الفهم درجة أخرى بعد حفظ كتاب الله تعالى، لأن بالفهم له تتبين معانيه
وأحكامه، وقد نفى عليه الصلاة والسلام العلم عمن لا فهم له فقال: ((رب
حامل فقه لا فقه له))، وقال مالك: ليس العلم بكثرة الرواية وإنما هو نور
يضعه الله في القلوب يدرك فهم المعاني، فمن أراد الفهم فليحضر خاطره
ويفرغ ذهنه وينظر إلى بساط الكلام ومخرج الخطاب ويتدبر اتصاله بما قبله
وانفصاله منه، ثم يسأل ربه تبارك وتعالى أن يلهمه إلى إصابة المعنى، ولا
يتم ذلك إلا لمن علم كلام العرب ووقف على أغراضها في تخاطبها وله
عودة قريحة وثاقب ذهن، ألا ترى أن ابن عمر زَّوَلَّهُ فهم من بساط الحديث
ونفس القصة أن الشجرة هي النخلة لسؤاله وسخلال لهم عنها حين أتى الجمار
وقوي ذلك عنده بقوله عز وجل: {ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة} قال: هي
النخلة، شبهها الله تعالی بالمؤمن، انتھی.
(١) شرح الصحيح (١ / ١٥٧).

٦٣١
كتاب العلم
١٠٢- وَعَنِ ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُول الله وَالطّرِ أفضل
الْعِبَادَةِ الْفِقْهِ وَأفضل الدّينِ الْوَرِعِ رَوَاهُ الطََّرَانِيّ فِي معاجيمه الثَّلَاثَة وَفِي
◌ِسْنَاده مُحَمَّد بن أبي ليلى(١).
قوله: عن ابن عمر، تقدم الكلام على ابن عمر مبسوطا في أول هذا
التعليق.
قوله وَاليه: (أفضل العبادة الفقه))، الفقه: التوصل إلى علم غائب بعلم
حاضر، أي: يجعله عالما بالأحكام الشرعية فقيها ذا بصيرة فيبصر قلبه ينبوع
الحكمة(٢)، قال الشافعي: الْعِلمُ زَيْنٌ وَتَشْرِيفٌ لِصَاحِبِهِ (٣).
قوله: ((وأفضل الدين الورع))، تقدم الكلام على الدين في الحديث قبله،
والورع في الأصل: الكف عن المحارم والتحرج منه، يقال: ورع الرجل يرع
بالكسر فيهما ورعا ورعة فهو ورع، وورع من كذا ثم استعير للكف عن
(١) أخرجه الحكيم الترمذى في نوادر الأصول (١١١) و(١٤٠٦)، والطبراني في الصغير
(٢٥١/٢ رقم ١١١٤) والأوسط (١٤٠٧/٩ رقم ٩٢٦٤) والكبير (٧٣/١٣ رقم
١٣٧٠٦) و(٢٠٥/١٣ رقم ١٣٩٢٢)، والقضاعى في مسند الشهاب (١٢٩٠)،
والخطيب في الفقيه والمتفقه (١١٣/١ - ١١٤ رقم ٧١ و٧٢). وقال الطبراني في الأوسط:
((لم يرو هذا الحديث عن الشعبي إلا ابن أبي ليلى، ولا عن ابن أبي ليلى إلا خالد؛ تفرد به
سليمان)). قال الهيثمي في المجمع ١/ ١٢٠ : رواه الطبراني في الثلاثة، وفيه محمد بن أبي
ليلى، ضعفوه لسوء حفظه. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٤٥).
(٢) الميسر (١ / ٩٧).
(٣) هو صدر من بيت ينسب لأبى الأسود الدؤلى عجزه : * فَاطْلُبْ - هُدِيتَ- فُنُونَ الْعِلْمِ
وَالأدباء، انظر: المجموع شرح المهذب (٢٢/١)، الفقيه والمتفقه (١ / ١٨٧).

٦٣٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
المباح والحلال، قاله في النهاية (١)، وسيأتي الكلام على الورع في باب منفرد
يبسط في الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى.
قوله: في إسناده محمد بن أبي ليلى، وأما ابن أبي ليلى الفقيه المكرر في
كتب الفقه الذي له مذهب معروف فاسمه: محمد بن عبد الرحمن
الأنصاري القاضي الكوفي، يروي عن شعبة وغيره وخلق، سيء الحفظ،
وتوفي سنة ثمان وأربعين ومائة، روي له الأربعة(٢).
وأما: عبد الرحمن بن أبي ليلى فهو من أجلّ التابعين، قال عبد الرحمن
بن الحارث: ما شعرت أن النساء ولدت مثله، قال عبد الملك بن عمير:
رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى. [٨٩/ أ] في حلقه فيها نفر من أصحاب النبي
وَلّ يستمعون لحديثه وينصتون له فيهم البراء بن عازب، مات سنة ثلاث
وثمانين، واسم أبي ليلى: يسار، وقيل: بلال، وقيل: داود، وقيل: لا يعرف
اسمه، وأبو ليلى صحابي، قتل مع علي بصفين، وعبد الرحمن ثقة إمام، ذكره
العقيلي في كتابه لأنه كان يصحب الأمراء مع أنه كان يقول: أدركت عشرين
ومائة من أصحاب النبي وَّ كلهم من الأنصار إذا سئل عن شيء أحدهم
أحب أن يكتبه صاحبه، وقال ابن سيرين: جلست إلى ابن أبي ليلى وأصحابه
يعظمونه كأنه أمیر(٣).
(١) النهاية (٥ /١٧٤).
(٢) تهذيب الكمال (٢٥/ الترجمة ٥٤٠٦)، وتذهيب تهذيب الكمال (٨/ الترجمة ٦١٣٨).
(٣) تهذيب الأسماء واللغات (٣٠٣/١ - ٣٠٤ الترجمة ٣٦١).