النص المفهرس
صفحات 601-620
٥٩٣
مقدمة المؤلف
ومجتابي النمار أو العباء كأنه شك من الراوي، أي: لابسيها قد خرقوها في
رؤوسهم، والجوب القطع، انتهى، قاله المنذري، يقال: اجتبت القمص
والغلام، أي: دخلت فيهما، وكل شيء قطع وسطه، فهو مجوب ومجوت،
وبه سمي جيب القميص، ومنه حديث علي رَقْ لَّهُ ((أخذت إهابًا معطونًا
فجوبت وسطه وأدخلته في عنقي))(١)، وسيأتي الكلام على حديث علي في
محله، فالاجتباب تقوير موضع دخول رأس الإنسان من الثوب، ويسمي
ذلك الموضع المقور من الثوب جيبًا (٢)، والاجتباب: القطع والخرق، ومنه
قوله تعالى: ﴿جَابُواْ الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾(٣) أي: نحتوه وقطعوه(٤)؛ والنمار:
جمع نمرة وهي كساء من صوف مخطط، انتهى، قاله المنذري؛ وقال بعض
العلماء: كل شملة مخططة من مآزر العرب كأنها أخذت من لون النمر لما
فيها من السواد والبياض، وهي من الصفات له، أراد أنه جاءه قوم لا بسي أزر
مخططة من صوف(٥).
فجاء هؤلاء القوم وقد فتحوا فيها جيوبا أدخلوا منها رؤوسهم فلبسوها،
يصف سوء حالهم، وإنما يفعل ذلك عند الحاجة، وقد فسر الخطابي(٦) بأنهم
(١) النهاية (١ / ٣١٠).
(٢) مطالع الأنوار (٢/ ١٩٠).
(٣) سورة الفجر، الآية: ٩.
(٤) رياض الصالحين (ص ٧٨).
(٥) النهاية (١١٨/٥).
(٦) غريب الحديث (٢/ ٢٩٧).
٥٩٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قطعوا النمار قطعا وشقوها أزرًا لحاجتهم (١)، [٨٢/ ب] والعباء بالمد وبفتح
العين جمع عباءة وعباية لغتان مشهورتان، قال ابن السكيت: الأكثر المد،
ضرب من الأكسية غلاظ مخطط، وقد يقع على الواحد لأنه جنس، انتهى،
قاله ابن الأثير وغيره (٢).
قوله: متقلدي السيوف، والتقليد: جعل نجاد السيف على المنكب، قاله
الكرماني(٣). قوله: عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، مضر: اسم قبيلة من
قبائل العرب، أبوهم: إلياس، ولقبه: قيس بن مضر.
قوله: فتمعر وجه رسول الله وَلة، قد ضبطه الحافظ وفسره فقال: تغير، وقال
بعض العلماء أي تغير وانقبض كراهية لذلك، والأصل فيه قلة النضارة وعدم
إشراق اللون مأخوذ من قوله: مكان أمعر وهو الجدب الذي ليس فيه خصب(٤)،
وقيل: أصله من المعر وهو ذهاب الشعر فكأنه ذهاب الدم من الوجه.
قوله: لما رأى بهم من الفاقة، والفاقة: الفقر والاحتياج.
قوله: فصلى ثم خطب، أي: صعد منبرًا صغيرًا، وفي كتاب الديباجة أن
هذه الخطبة كانت بعد صلاة الظهر(٥)، وفي خطبة النبي ◌َّ دليل على
(١) مطالع الأنوار (١٩٠/٢).
(٢) انظر: تهذيب اللغة (١٤٩/٣)، والصحاح (٢٤١٨/٦)، ومشارق الأنوار (٦٤/٢)،
والنهاية (١٧٥/٣)، وشرح النووي على مسلم (١٣٤/٦).
(٣) الكواكب الدرارى (٨٩/٤).
(٤) معالم السنن (٨٢/١)، والنهاية (٤٣٣/١).
(٥) الديباجة (ص ٨٤ / رسالة علمية).
٥٩٥
مقدمة المؤلف
استحباب جمع الناس للأمور المهمة ووعظهم وحثهم على مصالحهم
وتحذيرهم من القبائح(١).
قوله {َّهُ: ((فقال: ﴿يَتَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسِ
وَاحِدَةٍ﴾ (٢) الآية))، وتلاوته ◌َّ: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ﴾ الآية.
تنبيه: للصحابة رضي الله عنهم على أنهم كنفس واحدة إذ كانوا مخلوقين
من نفس واحدة فينبغي لهم أن يواسي بعضهم بعضًا ولأنها أبلغ في الحث
بالصدقة عليهم لما فيها من تأكد الحق لكونهم أخوة(٣)، وإلى هذا المعنى
أشار النبي وَّ فقال النبي وَّ: ((إن المؤمنين في مثل توادهم وتعاطفهم
وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعي سائر الجسد بالحمى
والسهر))(٤) وفي معناه الحديث الثابت عن رسول الله وَيّة: ((المؤمن للمؤمن
كالبنيان يشد بعضه بعضًا))(٥) ولهذا المعنى قال العلماء رضي الله عنهم: إذا
قحط في إقليم من مقاليم الإسلام ينبغي لغيرهم أن يستسقوا لهم فإن
المسلمين كنفس واحدة، يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أُحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا
النَّاسَ جَمِيعًا﴾(٦) وتلاوته ◌َّةٍ: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسُ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدِّ﴾(٧) فيه من
(١) شرح النووي على مسلم (١٠٢/٧).
(٢) سورة النساء، الآية: ١.
(٣) المصدر السابق (١٠٢/٧ - ١٠٣).
(٤) أخرجه البخاري (٦٠١١)، ومسلم (٦٦ - ٢٥٨٦) عن النعمان بن بشير.
(٥) أخرجه البخاري (٢٤٤٦)، ومسلم (٦٥ - ٢٥٨٥) عن أبي موسى.
(٦) سورة المائدة، الآية: ٣٢.
(٧) سورة الحشر، الآية: ١٨.
٥٩٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الحث على الصدقة وإن كان لفظ الآية عاما في الصدقة وغيرها من أنواع
الخير، انتهى، قاله ابن عقيل في شرح الأحكام.
قوله څله: «تصدق رجل من دیناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من
صاع تمره، حتى قال: ولو بشق تمرة)) الحديث، أي: ليتصدق الرجل، لفظه
الخبر ومعناه الأمر (١)، ومثله قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلِّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ
بِأَنْفُسِهِنَّ﴾(٢) أي: ليتربصن وهو من كلام العرب، يعبرون عن الأمر بالخبر
مبالغة في تحقيق الطلب، وفيه: الحث على الصدقة، وإن كان المال في غاية
القلة ألا تراه ذكر الصاع والدرهم فقال: من دیناره من درهمه حتى قال: ولو
بشق تمرة، وشق التمرة جانبها على أنه قد جاء في الحديث أنه وَّ سئل أي
الصدقة أفضل؟ قال: جهد المقل(٣)، وأشار إلى أن المتصدق إذا قلّ [٨٣/أ]
ماله كان أكثر أجرًا من متصدق كثرت أمواله لأن في تصدق المقل قهرا
للنفس وتركا للشهوة وتفويضا وتوكلا على الله تعالى، وإليه أشار بقوله وقديقول:
(١) مشارق الأنوار (٢/ ٤١)، والنهاية (١٨/٣).
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٢٨.
(٣) أخرجه أحمد ٤١١/٣ (١٥٤٠١)، وأبو داود (١٤٤٩)، والنسائى في المجتبى ٥٣٣/٤
(٢٥٤٥) عن عبد الله بن حبشى. وصححه الألباني في صحيح أبي داود (١١٩٦) وصحيح
الترغيب (١٣١٨).
وأخرجه أحمد ٣٥٨/٢ (٨٧٠٢)، وأبو داود (١٦٧٧)، وابن خزيمة (٢٤٤٤)
و(٢٤٥١)، وابن حبان (٣٣٤٦)، والحاكم (١ /٤١٤) عن أبي هريرة. وصححه الألباني
في صحيح أبي داود (١٤٧٢)، وصحيح الترغيب (٨٨٢).
٥٩٧
مقدمة المؤلف
((سبق درهم مائة ألف درهم)) (١) وسيأتي الكلام على معناه في الصدقة إن شاء
الله؛ فإن قيل: قد ثبت عنه وَّ قال: ((وإنما الصدقة عن ظهر غنى))(٢) وثبت
عنه وَخّ أنه قال لكعب بن مالك: ((أمسك عليك بعض مالك فهو خير
لك)) (٣)، قلنا: قوله ◌َله: ((وإنما الصدقة عن غنی))، فليس بينه وبين قوله حين
سئل أي الصدقة أفضل، قال: ((جهد المقل)) منافاة إذا أراد إخراج ما تفتقر
الحاجة إليه، وإن كان شيئًا يسيرًا؛ وأما قوله وَّجله لكعب بن مالك: ((أمسك
عليك بعض مالك)) فهو منطبق على ما ذكرناه من إمساك ما يحتاج إليه في
نفقته ونفقة من يقوته وفضل دين إن كان، فإن قيل: قد ثبت أن الصديق رَ لَّم
خرج من ماله بأسره حتى تخلل بعباءة فلم ينكره رسول الله وَّلة، قلنا: الناس
يتفاوتون في التوكل، وأين رتبة كعب بن مالك من رتبة الصديق زَقُولَّهُ، فلما
كان كعب بن مالك ممن لا يثبت على القلة، قلت له: امسك عليه بعض
مالك، ولما كان الصديق زَّوَّهُ قد انتهى له الغاية القصوى في التوكل والثقة
بما عند الله تعالى أقره رسول الله وَلول على الخروج من الدنيا، وقد ثبت عن
(١) أخرجه أحمد ٣٧٩/٢(٨٩٢٩)، والنسائى في المجتبى ٥٣٤/٤(٢٥٤٦) و٥٣٥/٤
(٢٥٤٧)، وابن خزيمة (٢٤٤٣)، وابن حبان (٣٣٤٧). وحسنه الألباني في صحيح
الترغيب (٨٨٣).
(٢) أخرجه البخاري (١٤٢٦) و(٥٣٥٥) و(٥٣٥٦) عن أبي هريرة، والبخاري (١٤٢٧)
ومسلم (٩٥ - ١٠٣٤) عن حكيم بن حزام.
(٣) أخرجه البخاري (٤٤١٨) ومسلم (٥٣ - ٢٧٦٩).
٥٩٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
رسول الله أنه قال: ((لم يفضل أبو بكر بكثرة صلاة ولا صوم ولكن بشيء وقر
في قلبه)) وفي رواية: ((لسر وقر في صدره)) أي: سكن فيه وثبت من الوقار
والحلم والرزانة، وقد وقر وقارا، قاله في النهاية (١)، وروى البغوي بإسناده في
معالم التنزيل: إن أبا بكر الصديق رَظُّ لما خرج مهاجرا نزل جبريل ،عَام
على النبي وَّ فقال: إن رب العالمين يقرأ على أبي بكر السلام ويقول له:
(هل أنت راض عني في فقرك هذا أم ساخط)) فبكى أبو بكر وَله وقال: أسخط
على ربي أنا راضٍ أنا راضٍ قالها ثلاثًا(٢)، قاله ابن عقيل في شرح الأحكام(٣).
قوله: فجاء رجل من الأنصار كادت كفه تعجز عنها؛ الأنصار: هم الذين
آووا رسول الله وَل ونصروه لما هاجر إلى المدينة، والأفصح في (تعجز)
(١) النهاية (٢١٣/٥).
(٢) أخرجه ابن حبان في المجروحين (٢/ ١٨٥)، وابن المقرىء (١٦٦)، وابن شاهين في
مذاهب السنة (١٢٤)، وأبو نعيم في الحلية (١٠٥/٧) وفضاءل الخلفاء (٦٣)، والثعلبى
فيالتفسير (٢٣٦/٩)، والواحدى في الوسيط (١١٦٦)، والبغوى في التفسير (٣٤/٨).
قال ابن حبان: العلاء بن عمرو شيخ يروي عن أبي إسحاق الفزاري العجائب لا يجوز
الاحتجاج به بحال.
قال أبو نعيم: (غريب من حديث الثوري، لم نكتبه إلا من حديث الفزاري، وحديث
الأسواري لم نكتبه إلا عن محمد بن عمر بن سلم). وقال ابن كثير: هذا الحديث ضعيف
الإسناد من هذا الوجه. وقال العراقى في تخريج الإحياء (٦٢١): أخرجه ابن حبان
والعقيلي في الضعفاء، قال الذهبي في الميزان: هو كذب.
(٣) انظر: رياض الأفهام (٣٣٩/٥)، والكواكب الدرارى (١٩٦/٧).
٥٩٩
مقدمة المؤلف
كسر الجيم وفي الماضي الفتح، هذه اللغة الفصحى، ومنه قوله تعالى:
﴿يَوَيْلَتَّ أَعَجَزْتُ﴾(١).
قوله: ثم تتابع الناس، تتابع الناس هو بالباء الموحدة، قال أهل اللغة:
التتابع بالباء الموحدة في الخير (والتتابع) بالياء المثناة من تحت في الشر(٢)،
قال أبو الطفيل عامر بن واثلة صاحب رسول الله وَلايات :
وَمَا شَابَ رَأْسِي مِنْ سِنِينَ تَتَابَعتْ عَلَيَّ وَلَكِنْ شَيَّبَْنِ الْوَقَائِعُ (٣
قوله: حتى رأيت كومين من طعام، الحديث ؛ هو بفتح الكاف وضمها،
أي جبلين، قال عياض رحمه الله: ضبطه بعضهم بالفتح وبعضهم بالضم،
قال أبو مروان بن سراج [٨٣/ ب] بالضم اسم لما كُوِّم، وبالفتح المرة
الواحدة، قال: والكومة بالضم الصبرة، والكوم العظيم من كل شيء، والكوم
المكان المرتفع، قال عياض: والفتح هنا أولى لأنه المقصود هنا لأن
مقصوده الكثرة(٤).
قوله: حتى رأيت وجه رسول الله تهلل، الحديث، أي: استنار فرحًا وسرورًا،
أما سبب سروره له ففرحًا لمبادرة المسلمين لطاعة الله تعالى وبذل أموالهم لله
تعالى وامتثالهم أمر رسول الله وسي ولدفع هؤلاء المحتاجين وشفقة المسلمين
بعضهم على بعض وتعاونهم على البر والتقوى، وينبغي للإنسان إذا رأى شيئًا
(١) سورة المائدة، الآية: ٣١.
(٢) غريب الحديث (١٠٣/١) لابن الجوزى.
(٣) المجالسة (١٠١٣).
(٤) إكمال المعلم (٥٤٠/٣).
٦٠٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
من هذا القبيل أن يفرح ويظهر السرور، ويكون فرحة لما ذكرناه، وبما حصل
من الأجر للصحابة رضي الله عنهم (١).
قوله: كأنه مذهبة، قال الحافظ: ضبطه بعض الحفاظ بدال مهملة وهاء
مضمومة ونون، انتهى، والمذهبة: تأنيث المذهب، والمذهب: نقرة في الجبل
يجتمع فيها ماء المطر، شبه صفاء وجهه الكريم بإشراق السرور عليه بصفاء
هذا الماء المجتمع في الحجر والمذهب أيضًا ؛ والمذهبة: الإناء الذي يذهب
فيه أي: ما يجعل فيه الذهب، فيكون قد شبه وجهه الكريم بصفاء الدهن،
انتهى، قال الحافظ رحمه الله: وضبطه بعضهم بذال معجمة وفتح الهاء
وبعدها باء موحدة وهو الصحيح المشهور، وعليه اقتصر الحميدي في
((الجمع بين الصحیحین))(٢).
قوله: وقال أبو القاسم الأصبهاني في كتابه (٣): والمذهبة صحيفة مشتقة
بالذهب أو ورقة من القرطاس مطلية بالذهب، انتهى، وقال بعض العلماء:
المذهبة من الشيء المذهب، وهو: المموه بالذهب أو من قولهم: فرس
مذهب إذا علت حموته البقرة والأنثى مذهبة، وإنما خص الأنثى بالذكر لأنها
أصفى لونًا وأرق بشرة، قاله في النهاية (٤)، وفي حديث آخر: ((كأن وجهه ورقة
(١) شرح النووي على مسلم (١٠٣/٧)، والديباجة (ص ٨٩ / رسالة علمية).
(٢) المصدر السابق.
(٣) الترغيب والترهيب (٤٠٤/١).
(٤) النهاية (٢ / ١٧٣).
٦٠١
مقدمة المؤلف
مصحف)) يريد في حسنه ووضاءته كما في الحديث الآخر: ((كأنها مذهبة))
قيل: وهي إشارة إلى بياضه الممتزج بصفرة كلون الذرة، ویحتمل أنه یرید بها
كأنه فضة مذهبة، أي: الذهب كما قال الشاعر: كأنها فضة يعلوها ذهب، فهو
أبلغ في حسن الوجه وإشراقه.
قوله: أبو القاسم الأصبهاني، الأصبهاني بفتح الهمزة وسكون الصاد
المهملة وفتح الباء الموحدة والهاء في آخره نون (هذه) النسبة إلى أشهر بلدة
بالجبال، زاد الرشاطي في الأنساب أن بأصبهان (قرية فرسان) ولذلك يكتبها
بعضهم بالفاء وهي بالفارسية راية الفرسان ولم يكن (يحمل لواء) الملك إلا
أهل أصبهان، وقيل: سميت بأصبهان بن نوح الذي بناها، انتهى، إنما قيل
لهذا على ما سمعت بعضهم أنها تسمى بالعجمية سباهان وسباه: العسكر
وهان: الجمع، وكانت جموع عساكر الأكاسرة تجتمع إذا وقعت لهم واقعة
بهذا الموضع مثل عسكر فارس وكرمان والأهواز فعرب، فقيل أصبهان،
خرج منها. [٨٤/ أ] كثير من العلماء في كل فن(١).
٩٦ - وَعَنِ حُذَيْفَة زَّ لَهُ قَالَ: سَأَلَ رجل على عهد رَسُولِ اللهِ وَّةِ فَأَمْسك
الْقَوْمِ ثَمَّ إِن رجلا أعطَاهُ فَأعْطَى الْقَوْمِ فَقَالَ رَسُول الله وَّهِ من سنّ خيرا فاستن
بِهِ كَانَ لَهُ أجره وَمثل أجور من تبعه غير منقص من أُجُورهم شَيْئًا وَمن سنّ
شرا فاستن بِهِ كَانَ عَلَيْهِ وزره وَمثل أوزار من تبعه غير منتقص من أوزارهم
(١) انظر: اللباب (٦٩/١)، والروض المعطار (ص ٤٣).
٦٠٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
شَيْئًا رَوَاهُ أَحْمد وَالْحَاكِمِ وَقَالَ صَحِيحِ الْإِسْنَادُ(١) وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث
أبي هُرَيْرَةٍ(٢).
قوله وَّ: ((من سن في الإسلام سنة حسنة)) الحديث، أي: أتى بطريقة
مرضية يقتدى به فيها فله أجره،وفي عامة نسخ المصابیح فله أجران، وهو غیر
سديد رواية ومعنى، وإنما الصواب ((أجره))، والضمير يعود إلى من صاحب
الطريقة أي: له أجر عمله وأجر من عمل بسنته(٣)، كذا قاله في شرح مشارق
الأنوار، فيه الحث على الابتداء بالخيرات وسن السنن الحسنات والتحذير
(١) أخرجه أحمد ٣٨٧/٥ (٢٣٢٨٩)، والبزار (٢٩٦٣ و٢٩٦٤)، والطحاوي في مشكل
الآثار (٢٥١) و (١٥٤٢)، والطبراني في الأوسط (٩٤/٤ رقم ٣٦٩٣)، والحاكم
٥١٦/٢-٥١٧ عن حذيفة. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال الألباني: حسن
صحيح صحيح الترغيب (٦٢).
(٢) أخرجه أحمد ٥٢٠/٢ (١٠٧٤٩)، وابن ماجه (٢٠٤)، والطبراني في الأوسط (١١٦/٣
رقم ٢٦٥٦). وقال الهيثمى في المجمع ١٦٧/١: رواه أحمد والبزار والطبراني في
الأوسط، ورجاله رجال الصحيح، إلا أبا عبيدة بن حذيفة، وقد وثقه ابن حبان.
وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن حماد، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة إلا
مؤمل ورواه سليمان بن حرب وغيره، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد، عن أبي
عبيدة بن حذيفة، مقطوعا، وقد رواه عبد الوارث بن سعيد، عن أيوب، عن محمد، عن
أبي هريرة، کما رواه مؤمل، عن حماد.
قال البوصيرى في الزجاجة ٢٨/١: هذا إسناد صحيح رواه مسلم في صحيحه والترمذي
في جامعه من حديث جرير بن عبد الله. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٦٣).
(٣) أخرجه مسلم (١٩٤) عن حكيم بن حزام. وانظر: الميسر (١ / ١٠٢).
٦٠٣
مقدمة المؤلف
من اختراع الأباطيل [والمستقبحات](١)، وسبب هذا الكلام في هذا الحديث
أنه قال في أوله فجاء رجل بصرة كادت (كفه تعجر) عنها بل قد عجزت،
فتتابع الناس فكان هذا الفضل العظيم للباديء هذا الخير والفاتح لباب هذا
الإحسان(٢).
والتقييد بقوله وَّ: ((من سن في الإسلام سنة حسنة)) يقتضي أنما صدر في
الكفر من الخير لا أجر له فيه، واحتج بعض الفضلاء على أن من يؤتي به من
أنواع البر لا يوصف بالبدعة وإن لم يكن يقع مثله في زمن النبي وَ له (٣).
قال ابن بطال شارح البخاري: إن الكافر إذا فعل أفعالا جميلة على جهة
القرب لله تعالى كصدقة وصلة رحم وإعتاق وغير ذلك، ثم أسلم يكتب له
كل ذلك ويثاب عليه إذا مات على الإسلام، وهذا أمر لا يحيله العقل، وقد
ورد الشرع به فو جب فعله، انتھی (4).
وقال غيره من العلماء: ولو صام الكافر في حال كفره لم يصح بلا خلاف
سواء أسلم بعد ذلك أم لا، بخلاف ما إذا تصدق في كفره ثم أسلم فإن الصحيح
أنه يثاب عليها لقوله {وَله: ((أسلمت على ما أسلفت من خير))(٥) انتهى.
(١) شرح النووي على مسلم (١٠٤/٧)، والديباجة (ص ٨٩ / رسالة علمية).
(٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٠٤)، والديباجة (ص ٨٩ - ٩٠ / رسالة علمية).
(٣) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين (٣٠٣/١) للحميدى، والنهاية (١ /١٠٦).
(٤) انظر شرح الصحيح (٩٩/١) لابن بطال، وشرح النووي على مسلم (١٤١/٢)،
والكواكب الدرارى (١٦٧/١-١٦٨).
(٥) المجموع شرح المهذب (٢٥٣/٦).
٦٠٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
تنبيه: ابن بطال، كنيته: أبو الحسن علي بن خليفة بن بطال القرطبي شارح
البخاري، توفي رحمه الله سنة تسع وأربعين وأربع مائة، وهو أحد شيوخ أبي
عمر بن عبد البر، والله أعلم.
وفي الحديث وهو حديث حسن بيان كرم الله تعالى حيث جعل الفاعل
السنة أجور كل من اقتدى به فيها من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومن
هذا تظهر عظمة النبي وَله (وماله من أجر) فإنه وَ ل سن للناس سنًا لا تدخل
تحت الإحصاء فهم يعملون به إلى يوم القيامة، والأجور مستمرة للنبي وَله
من غير أن ينقص من أجورهم شيئ، والله أعلم.
قوله: وعن حذيفة، هو: ابن اليمان، كنيته: أبو عبد الله، واسم اليمان حسل
بضم الحاء وإسكان السين المهملتين، ويقال: حسيل بالتصغير واليماني لقبه
حسل لقب لأنه أصاب دما في قومه فهرب إلى المدينة فحالف بني عبد
الأشهل من الأنصار فسماه دومة اليماني لأنه حالف الأنصار وهم من اليمن،
أسلم أبو حذيفة وأبوه وذهبا إلى رسول الله وَّة، وشهدا جميعا أحدا، وقتل
أبوه يومئذ، قتله المسلمون خطأ فوهب لهم دمه، وأسلمت أم حذيفة
وهاجرت رضي الله عنها على المشهور عند المحدثين إثبات الياء في اليماني
والداجي وعبد الرحمن بن أخي الداجي [٨٤/ ب] بن الهادي(١)، والله أعلم.
قوله: سأل رجل على عهد رسول الله وَّة، فأمسك القوم، ثم إن رجلا
أعطاه فأعطى القوم، فقال رسول الله وَيقة: ((من سن خيرا فاستن به كان له
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١٥٣/١ - ١٥٥ ترجمة ١١٤).
٦٠٥
مقدمة المؤلف
أجره ومثل أجور من تبعه)) الحديث، وفي الحديث الآخر وهو حديث أنس
بن مالك: ((إيما داع دعا إلى هدى أو ضلالة فاتبع كان له مثل أجور من
اتبعه))(١) وما أشبهه من الأحاديث، وهذه الأحاديث تدخل في عموم الدلالة
على الخير، قال الله تعالى: ﴿اَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ
الْخُسَنَةٌ﴾ (٢) ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىَّ﴾(٣) وقال تعالى: ﴿وَلْتَكُن
مِنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾(٤) الآية، ففي هذه الأحاديث الحث على
استحباب الدعاء إلى الخير والطاعة وتحريم الدعاء إلى الضلالة والبدعة،
وإنه من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور تابعيه، أو إلى ضلالة كان
عليه مثل آثام تابعيه سواء كان الهدى والضلالة هو الذي ابتدأه أو كان مسبوقًا
إليه، وسواء كان ذلك تعليم علم أو عبادة أو آداب وغير ذلك، وهو مثل قوله:
((من سن في الإسلام سنة حسنة أو سيئة)) الحديث، قاله في الديباجة(٥).
قوله: رواه الإمام أحمد، هو: الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، صاحب
المسند، قال أحمد بن محمد الكندي: قد رأيت الإمام أحمد بن حنبل في
النوم، فقلت: يا أبا عبد الله، ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، ثم قال: يا أحمد
(١) أخرجه ابن ماجه (٢٠٥). وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٧١٢).
(٢) سورة النحل، الآية: ١٢٥.
(٣) سورة المائدة، الآية: ٢.
(٤) سورة آل عمران، الآية: ١٠٤.
(٥) الديباجة (ص ٩٣ - ٩٤ / رسالة علمية).
٦٠٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ضربت فيّ ستين سوطًا، قلت: نعم يا رب، قال: هذا وجهي قد أبحتك فلتنظر
إليه(١)؛ ورئي الإمام أحمد بن حنبل في المنام أيضًا، فقيل له: ما فعل الله بك يا
إمام؟ فقال: قدم لي مائدة عليها من ألوان الأطعمة حتى المكتبك، وسمعته
يقول عز وجل ذكره: [كردد ده ده ده](٢) أنا صاحب العزة، خضع كل شيء
لسطاني ولعزي، ما قرئت على مريض إلا عافاه ولا مجنون إلا شفاه، وقال
أبو بكر أحمد بن الحجاج حدثني رجل من أهل طرسوس قال: دعوت الله
عز وجل أن يريني أهل القبور حتى أسألهم عن الإمام أحمد بن حنبل ما فعل
الله به؟ فرأيت بعد عشر سنين في المنام كأن أهل القبور قد قاموا على قبورهم
فبادروني بالكلام فقالوا: يا هذا تدعوا الله أن يريك إيانا تسألنا عن رجل لم
يزل منذ فارقكم تحليه الملائكة تحت شجرة طوبى، قال أبو محمد عبد
الحق: وهذا الكلام من أهل القبور إنما هو إخبار عن علو درجة أحمد بن
حنبل وارتفاع مكانه وعظم منزلته، فلم يقدروا أن يعبروا عن عظمة حاله
وعما هو فيه إلا بهذا وما هو في معناه (٣)، قال صاحب العلم المشهور (٤):
رحلت إلى مدينة واسط بالعراق فقرأت مسند الإمام أبي عبد الله أحمد بن
حنبل، وفيه أربعون ألف حديث بزيادات ابنه عبد الله، قال حنبل بن إسحاق:
(١) الروح (ص ٤٩).
(٢) كذا هو بالأصل وحاشا أن يكون ما ذكر صوابا فهو من خرافات وضلالات الصوفية التى
تعتمد طلاسما وألفاظا سريانية في أدعيتها الضالة.
(٣) الروح (ص ٤٩).
(٤) العلم المشهور (لوحة ٥٤/ خ).
٦٠٧
مقدمة المؤلف
جمعنا أحمد بن حنبل أنا وصالح وعبد الله وقرأ علينا المسند وما سمعه منه
غيرنا، وقال لنا: هذا الكتاب قد جمعته من سبعمائة ألف وخمسين ألفا، فما
اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله و خلّ فارجعوا إليه، فإن وجدتموه
فيه وإلا فليس بحجة(١). [٨٥ / أ] وكان قتيبة بن سعيد صاحب مالك بن أنس
وشيخ أحمد بن حنبل يقول: أحمد بن حنبل إمام الدنيا، وقد ألف الناس في
فضائله وأفردوا لها كتابًا كبيرًا، واختلف ولداه الإمامان أبو عبد الرحمن
عبدالله، والثاني بأصبهان صالح، في أي شهر ولد الإمام أحمد؟ فحدثنا غير
واحد من شيوخنا عن الثقة أبي علي الحداد فذكره إلى أن قال: حدثنا
سليمان بن أحمد قال: سمعت عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل يقول:
سمعت والدي يقول: ولدت سنة أربع وستين ومائتان أولها في شهر ربيع
الآخر، قال عبد الله: وتوفي في يوم الجمعة ضحوة، ودفناه بعد العصر وصلى
عليه محمد بن عبد الله بن طاهر غلبنا على الصلاة عليه، وكنا قد صلينا عليه
نحن والهاشميون داخل الدار لاثنتي عشرة ليلة من شهر ربيع الآخر سنة
إحدى وأربعين ومائتين، وكانت له ثمان وسبعون سنة، قال عبد الله: خضب
أبي رأسه ولحيته بالحاء وهو ابن ثلاث وستين سنة، وسنده إلى أبي نعيم
فذكره إلى أن حدثنا أبو الفضل صالح بن الإمام أحمد قال: سمعت أبي
يقول: ولدت سنة أربع وستين ومائة في أولها في شهر ربيع الأول، قال أبو
الفضل: وتوفي أبي في يوم الجمعة لثنتي عشر ليلة خلت من ربيع الأول من
(١) الفروسية (ص ٢٧١).
٦٠٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
سنة إحدى وأربعين ومائتين، فكان سنه من يوم ولد إلى أن توفي سبعة
وسبعين سنة، قال (ابن دحية) صاحب العلم المشهور: وقول أبي الفضل هو
الصواب لأنه الذي يقتضيه الحساب أنه ولد على قوليهما سنة أربع وستين،
وإنما اختلفا في الشهر فقط، وقيده بظاهر الحديث من الجانب المغربي من
بغداد على دجلة وقد زرته غير مرة(١)، انتهى، وسيأتي الكلام على مناقبه
أبسط من هذا.
قوله: ورواه ابن ماجه من حديث أبي هريرة، ابن ماجه: الإمام الحافظ
العلامة المفسر أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني المتقن الحجة
ذو الرحلة الواسعة والعلوم النافعة، سمع بخراسان والعراق والحجاز ومصر
والشام وغيرها من البلاد جماعة يطول ذكرهم، قال الرافعي في أماليه: كان
ابن ماجه من أئمة الحديث المعتبرين الموثوق بقولهم وكتابهم، صنف
التفسير والتاريخ وجامع السنن، وكان يقول: عرضت هذه السنن على
الحافظ أبي زرعة عبد الله بن عبد الكريم الرازي فنظر فيها وقالوا: ما أظن أن
وقع هذا في أيدي الناس إلا بتعطيل هذه الجوامع أو أكثرها، ثم قال لعله لا
يكون فيه تمام الثلاثين حديثًا مما في إسناده ضعف، وكان لأبي زرعة المنتهى
في الحفظ، وكان لقب لأبيه بفتح الميم والجيم، وبينهما ألفٌ وفي آخره هاء
ساكنة، قال أبو يعلى الخليلي وأبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي: قال
(١) انظر: تهذيب الأسماء واللغات (١١٠/١ - ١١٢ ترجمة ٤٦)، والعلم المشهور (لوحة
٥٤ و ٥٥/ خ).
٦٠٩
مقدمة المؤلف
الحافظ الذهبي في طبقات الحفاظ: كتاب السنن لابن ماجه كتاب حسن لولا
ما كدره من الأحاديث الواهية، وليست بالكثيرة، وعدد كتب الكتاب
المذكور اثنان وثلاثون كتابًا، قال أبو الحسن ابن القطان: في السنن ألف
وخمس مائة باب وجملة ما فيها أربعة آلاف حديث، ولد أبو عبد الله في سنة
تسع ومائتين، [٨٥/ ب] وتوفي لثمان بقين من شهر رمضان سنة ثلاث
وسبعين ومائتين(١)، والله أعلم، قاله في الديباجة.
٩٧ - وَعَنِ ابْن مَسْعُود ◌ََّهُ أَن النَّبِيِوَ قَالَ لَيْسَ من نفس تقتل ظلما إِلَّا
كَانَ على ابْن آدم الأول كفل من دَمهَا لِأَنَّهُ أول من سنّ الْقَتْلِ رَوَاهُ البُخَارِيّ
وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ(٢).
قوله: عن عبد الله بن مسعود، تقدم.
قوله وَّ: ((ما من نفس تقتل ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل من
دمها)) لأنه أول من سن القتل بابن آدم الأول هو قابيل، أي: على قابيل أول
ولد لآدم ◌َ يَّاه، بسبب أنه سن القتل في بني آدم بقتله أخاه هابيل ظلمًا (٣)،
وهو أول من عصى على وجه الأرض، وقتل وكفر من الإنس، ولما فعل
ذلك بأخيه هرب وبنى قرية يقال لها جمرة، وقابيل: هو أول من عبد النار،
(١) انظر ترجمته: تهذيب الكمال (٢٧ / الترجمة ٥٧١٠).
(٢) أخرجه البخاري (٣٣٣٥) و(٦٨٦٧) و(٧٣٢١)، ومسلم (٢٧ - ١٦٧٧)، والترمذى
(٢٦٧٣)، والنسائى في المجتبى ٦/ ٤٧٤ (٤٠٢٠)، وابن ماجه (٢٦١٦).
(٣) تحفة الأبرار (١ / ١٥٢).
٦١٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وأنه أشقى البرية كلها وأن عليه نصف عذاب الخلق كلهم(١).
وروى الطبراني عن عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنهما أن النبي
وَ ل قال: ((أشقى الناس ثلاثة: عاقر ناقة ثمود، وابن آدم الذي قتل أخاه، ما
سفك على الأرض من دم إلا حقه منه لأنه لأول من سن القتل، والثلث: قاتل
علي بن أبي طالب وهو ابن ملجم، لعنه الله)(٢).
وفي الحديث يقاسم ابن أدم أهل النار قسمة صحاحًا (٣) يعني: قابيل الذي
قتل أخاه قابيل أي: أنه تقاسم قسمة صحيحة، فله نصفها ولهم نصفها؛
الصحاح: بالفتح بمعنى الصحيح يقال: درهم صحيح وصحاح، ويجوز أن
يكون بالضم كطوال في طويل، ومنهم من يرويه بالكسر، ولا وجه له، قاله
(١) كنز الدرر (٦٣/٢ - ٦٤).
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٥١٨/١٣ رقم ١٤٣٩٩)، وأبو نعيم في الحلية (٤ / ٣٠٧ -
٣٠٨)، والواحدى في الوسيط (٢٨٣). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٤/٧) و
(٢٩٩/٧): ((قلت: سقط من الأصل الثالث، والظاهر أنه قاتل علي رضي الله عنه، وفيه
ابن إسحاق وهو مدلس))، وقال في (٢٩٩/٧): «قلت: وأسقط الثالث، والظاهر أنه: قاتل
علي ابن أبي طالب كما ورد؛ رواه الطبراني، وفيه حكيم بن جبير؛ وهو متروك، وضعفه
الجمهور، وقال أبو زرعة: محله الصدق إن شاء الله، وابن إسحاق مدلس)). قال أبو نعيم:
غريب من حديث سعيد لم نكتبه إلا من حديث سلمة. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٩٨٧).
(٣) أخرجه البزار (٢٤٧٦)، والطبرى في التفسير (٣٣٤/٨) والطحاوى في مشكل الآثار
(٢٠٤/٧)، والبيهقي في الشعب (٢٤٢/٧ رقم ٤٩٣٩) عن عبد الله بن عمرو
موقوفا. وقال الهيثمى في المجمع ١٦٨/١: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح، إلا أني
لم أر من ترجم لشیخ البزار عبد الله بن إسحاق العطار، یروي عن عفان.
٦١١
مقدمة المؤلف
ابن الأثير في النهاية (١).
وقابيل: هو أول من يساق إلى النار، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
رَبََّا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ﴾(٢) وهما: قابيل وإبليس، فإن ابن
آدم الأول المذكور هنا قابيل أخاه هابيل لما تنازعا تزويج إقليميا فأمرهما
آدم ◌َالبَآم أن يقربا قربانا فمن يقبل قربانه كانت له فتقبل قربان هابيل فحسده
قابيل فقتله بغيًا وعدوانًا(٣).
قال الماوردي في سبب هذا القتل منها قولان، أحدهما: أن قابيل وتوئمته
كانتا من ولادة الجنة، وهابيل وتوأمه كانتا من ولادة الأرض، والثاني: أن
توأمة قابيل كانت أحسن من توأمة هابيل فاختصما إلى آدم،فَليّلة؛ فأمرهما أن
يقربا قربانا، وكان هابيل راعيا فقرب سخلة، وكان قابيل حراثًا فقرب حزمة
زرع فنزلت نار من السماء رفعت قربان هابيل وتركت قربان قابيل فكان ذلك
علامة القبول(٤)، انتهى.
وقيل: ولدت حواء لآدم ◌َليَّها أربعين [بطنًا](٥) في كل بطن ذكر وأنثى،
(١) النهاية (٣/ ١٢).
(٢) سورة فصلت، الآية: ٢٩.
(٣) المفهم (١٥/ ١١٢).
(٤) النكت والعيون (٢٨/٢).
(٥) كذا بالأصل وصوابه: أربعين ولدا في عشرين بطنا. انظر: تفسير البغوى (٤١/٣)، وبستان
العارفين (ص ٣٨٣)، والمنتظم (٢١٧/١)، والكامل (٣٨/١)، وتهذيب الأسماء
واللغات (٣٤٠/٢).
٦١٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قال الكسائي: إلا شيث ،عَ لَلام فإنها حملت به وحده (١) لأن نور المصطفى، وَخَل
يصل إليه، وكان آدم ◌َاليَلم يزوج كل بطن بأنثى من بطن آخر ولا يزوج أحدا
من نفس البطن، فأراد آدم عليّلام) أن يزوج أخت قابيل لهابيل فحسده قابيل
وقتله، كما تقدم، والحسد أول معصية عصى الله بها في السماء وأول معصية
عصى الله بها في الأرض، أول من حسد في السماء إبليس حسد آدم ،فَالسّلام) فلم
يسجد له، وأول من حسد في الأرض قابيل فقتل هابيل، فكان الحسد حاملا
لإبليس على الكفر وحاملا لقابيل على القتل (٢).
تتمة: قال أبو حامد الغزالي رحمه الله(٣): والحسد أنواع، الأول: أن يتمنى
زوال النعمة عن غيره وحصولها، الثاني: [٨٦ / أ] أن يتمنى مجرد زوالها وإن
لم تحصل له إما لأن عنده مثلها أو لكونه لا يطلبها لنفسه، وهذا أشر من
الأول؛ الثالث: أن يكره حدوث النعمة لغيره وهو حرام، ويجب عليه أن
يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويستحب أن يحمد الله تعالى على حصول
النعمة لغيره كما يحمد الله تعالى عليها إذا حصلت له، قال جبريل عليه
الصلاة والسلام حين شرب اللبن ليلة الإسراء الحمد لله، لو شربت الخمر
لغوت أمتك، الرابع: أن لا يكره النعمة لغيره إذا كانت مساوية للنعمة التي
عليه ويكره له حصول منزلة ودرجة أعلى من منزلته ودرجته ويرضى
(١) عرائس المجالس (ص ٦٩).
(٢) تنبيه الغافلين (١٧٨/١ -١٧٩)، وأدب الدنيا والدين (ص ٢٦٩).
(٣) الإحياء (١٩١/٣-١٩٢).