النص المفهرس

صفحات 581-600

٥٧٣
مقدمة المؤلف
ميل النفس وشهواتها(١)، وقيل: الهوى محبة اللذة بالمراد ولذلك لا يكون
إلا مذموما، قال ابن عباس: الهوى إله معبود ثم تلا قوله: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَن أَّخَذَ
إِلَهَهُر هَوَنهُ﴾(٢)(٣)، وإنما سمى الهوى هو لأنه يهوى بصاحبه في النار أو لأنه
يجعل القلب في الهوى لا يستقر كذا نقله القرطبي عن الشعبي (2).
٩٠ - وَعَن عبد الله بن عمرو رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُول الله وَّهِ: لكل
عمل شرة وَلَكُل شرة فَتْرَة فَمَن كَانَت فترته إِلَى سنتي فقد اهْتَدَى وَمن كَانَت
فترته إِلَى غير ذَلِك فقد هلك رَوَاهُ ابْن أبي عَاصِم وَابْن حبَان فِي صَحِيحِه (٥)
(١) المفردات في غريب القرآن (ص ٨٤٩)، والتعريفات (ص ٢٥٧).
(٢) سورة الجاثية، الآية: ٢٣.
(٣) أدب الدنيا والدين (ص ٢٩).
(٤) تفسير القرطبى (١٦/ ١٦٦).
(٥) أخرجه أحمد ١٨٨/٢ (٦٧٦٤) و٢١٠/٢ (٦٩٥٨)، وابن أبي عاصم في السنة (٥١)،
وابن خزيمة (٢١٠٥)، والبزار (٢٣٤٥ و٢٣٤٦ و٢٣٤٧)، والطحاوي في مشكل الآثار
(١٢٣٦ و١٢٣٧). قال ابن أبي حاتم في العلل (١٩٢٧): قال أبي: روى هذا الحديث
مسلم الملائي، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي ◌ُّ. ورواه الحكم بن عتيبة، عن
مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن النبي وَّل مرسلًا. وقد اختلفوا في هذا
الحديث أيضًا، حديث الحكم بن عتيبة:
فأما ابن أبي ليلى، فإنه يقول: عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبيه، عن
النبي ◌ّية. والناس يقولون: عن الحكم، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن
النبي ◌ُّ، مرسلا. قال أبي: وحديث عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن النبي وَّه مرسلاً
أشبه. وصححه الألباني في ((الظلال)) (٥١)، وصحيح الترغيب (٥٦).

٥٧٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وَرَوَاهُ ابْنِ حِبَانِ فِي صَحِيحه أَيْضًا (١) من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي ◌َِّ قَالَ
لكل عمل شرة وَلَكُل شرة فَتْرَة فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا سَادًّا وَقَارِبًا، فَارْجُوهُ، وَإِنْ
أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ، فَلَا تَعُدُّوهُ.
الشرة: بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء بعْدهَا تَاء تَأْنِيث هِيَ النشاط
والهمة وشرة الشّباب أَوله وحدته.
قوله: عن عبد الله بن عمر، وتقدم الكلام على مناقبه.
قوله ◌َّله: ((لكل عمل شرة ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي
فقد اهتدى)) الحديث، الشرة: بكسر الشين المعجمة وتشديد الراء وبعدها
تاء تأنيث هي النشاط والهمة، وشرة الشباب أوله وحدته، انتهى، قاله
المنذري.
قوله: في رواية ابن حبان: ((فإن كان صاحبها سادا وقاربا فارجوه وإن أشير
إليه إليه بالأصابع، فلا تعدوه)) ومعنى ذلك: أن من كان مستقيمًا متوسطًا في
العمل من غير علو ولا تقصير وسدد أي جعل عملًا متوسطًا، وقارب أي
دنى من الاستواء غلو غلو ولا تقصير وسدد أى جعل عمله متوسطا و
(قارب)؛ أي: دنا من الاستواء والاستقامة فارجوه، أي: كونوا منه على رجاء
الخير، ومن بالغ في العمل وأتعب نفسه وأشير إليه بالأصابع فلا تعدوه
(١) أخرجه الترمذى (٢٤٥٣)، وابن حبان (٣٤٩)، والطحاوى في مشكل الآثار (١٢٤٢).
قال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح. وقال الألباني: حسنالصحيحة (٢٨٥٠)،صحيح
الترغيب (٥٧).

٥٧٥
مقدمة المؤلف
صالحًا فإنه لا قدرة له على المداومة لحصول الملل وافتتانه له بإشارة الناس
إليه بالأصابع، وروى الترمذي عن أنس رَّهُ قال: قال رسول الله وَلِلّه:
((بحسب ابن آدم من الشر أن يشار إليه بالأصابع في دين أو دنيا إلا من عصمه
الله تعالى)) (١) انتهى، قاله في التنقيح على المصابيح (٢).
تنبيه: قيل للحسن البصري إن الناس إذا رأوك أشاروا إليك بالأصابع،
فقال: لم يعن ذلك النبي رَّ إنما عنى به المبتدع في دينه الفاسق في زمانه (٣)،
قیل: معنی الحدیث تحذیر من یشار إليه أن یغتر بما یمدح به من خير وهو
يعلم من نفسه غير ذلك، والله أعلم.
٩١ - وَعَن أنس رَّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّهِ من رغب عن سنتي فَلَيْسَ
مني رَوَاهُ مُسلم(٤).
قوله: عن أنس بن مالك، تقدم الكلام على ترجمته.
(١) أخرجه الترمذى عقب (٢٤٥٣) عن أنس معلقًا. وأخرجه ابن أبي الدنيا في التواضع
(٣٠)، وابن بشران في الأمالى (١٣٨٧) موصولا عن أنس. وأخرجه الطبراني في الأوسط
(٧/ ٧٢ رقم ٦٨٩٠) من حديث أبي هريرة. وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عبد
الكريم إلا عبد العزيز بن الحصين، تفرد به: علي ابن حجر. قال الهيثمي في المجمع
٢٩٦/١٠-٢٩٧: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد العزيز بن حصين، وهو
ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٣٢١) والضعيفة (١٦٧٠).
(٢) المفاتيح (٣١٨/٥)، وكشف المناهج (٤ / ٤٢١).
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في التواضع (٣٣).
(٤) أخرجه البخاري (٥٠٦٣)، ومسلم (٥ - ١٤٠١).

٥٧٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله مَّة: ((فمن رغب عن سنتي فليس مني)) الحديث، والأصل في السنة:
الطريقة والسيرة، وإذا أضاف السنة في الشرع فإنما يراد بها ما أمر به النبي وقَلِّل
ونهى عنه، وندبه قولا وفعلا مما لم ينطق به الكتاب العزيز، ولهذا يقال في
أدلة الشرع الكتاب والسنة أي: القرآن والحديث (١).
واعلم أن السنة كانت تنزل كما ينزل القرآن وهي أحد وجوه الوحي
[٧٩/ ب]، وكانت تنزل على أنواع أخرى منها رؤية الملك وتكليمه، ومنها:
رؤية النوم ويعد ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىّ ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ
يُوحَى ﴾﴾(٢) ولما كان نبينا ◌َّخلّ لا ينطق عن الهوى كان تحريمه كتحريم الله
تعالى، قال تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَتْبِثَ وَيَضَعُ
عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾(٣) إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ
اُلْمُفْلِحُونَ﴾ (٤)، ومنها: النفث في الروع وهو العقل والقلب(٥).
قوله: رواه مسلم، هو الإمام أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم
القشيري من بني قشير، قبيلة من العرب معروفة النيسابوري، منسوب إلى
نيسابور بفتح النون من أعظم مدن خراسان، وخراسان إقليم عظيم معروف،
(١) النهاية (٤٠٩/٢).
(٢) سورة النجم، الآيات: ٣- ٤.
(٣) سورة الأعرف، الآية: ١٥٧.
(٤) سورة الأعراف، الآية: ١٥٧.
(٥) انظر المفاتيح (٢٦٧/١).

٥٧٧
مقدمة المؤلف
قال أبو الفتح الهمداني: يقال له أيضًا خرسان بحذف الألف وإسكان الراء،
وقال عبد القادر الرهاوي في كتابه الأربعين قال: أمهات مدائن خراسان أربع
نيسابور ومرو وبلخ وهراه، وإنما قيل لها نيسابور لأن سابور لما رآها قال:
يصلح أن تكون هنا مدينة، وكانت قصبان مرتفعة وأن تبنى مدينة، فقيل:
نيسابور القصب، فالإمام مسلم صاحب التصانيف أحد الأئمة الحفاظ في
هذه الصناعة، وقد أعظم الله به النفع للمسلمين ورفع له وللبخاري ذكرا
صالحا في الغابرين، وقد أجمع الخلائق على جلالته وأمانته وعلو مرتبته،
ومن أكبر الدلائل على جلالته وورعه كتاب الصحيح الذي لم يوجد في
كتاب بعده ولا قبله مثله، صنف مسلم رحمه الله في علم الحديث كتبا كثيرة،
منها: هذا الكتاب الصحيح الذي منَّ الله العظيم وله الحمد والنعمة والفضل
والمنة به على المسلمين، أبقى لمسلم به ذكرا جميلا وثناء حسنا إلى يوم
الدين، يقال: إنه ولد سنة أربع ومائتين، وجزم ابن الأثير في جامعه أنه ولد
سنة ست ومائتين، وأنه توفي عشية يوم الأحد لخمس بقين من رجب سنة
إحدى وستين ومائتين وهو ابن خمس وخمسين سنة، رحل إلى العراق
والشام والحجاز ومصر، ولقد أخذ الحديث عن إسحاق بن راهويه والإمام
أحمد بن حنبل و حرملة، وقد بغداد غير مرة وحدث بها، وكان قدومه بغداد
سنة سبع وخمسين ومائتين، روى عنه الترمذي حديثا واحدا، قال أحمد بن
سلمة: رأيت أبا زرعة الرازي وأبا حاتم يعدان مسلم بن الحجاج في معرفة
الصحيح على أهل عصرهما، وسئل ابن عقدة: أيهما أحفظ هو أم البخاري،

٥٧٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فقال: كلاهما عالم، فأعيد عليه السؤال، فقال: يقع لمحمد يعني البخاري
الغلط في أهل الشام، وأما مسلم فقل ما يوجد له غلط في النقل لأنه كتب
المسانيد ولم يكتب المقاطيع ولا المراسيل، قال مسلم بن الحجاج: صنفت
تدوين الصحيح من ثلثمائة ألف حديث مسموعة، قال أحمد بن سلمة:
كتبت مع مسلم في تأليف صحيحة خمس عشرة سنة وهو اثنا عشر ألف
حديث، واتفق العلماء على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز صحيح
البخاري. [٨٠/ أ] وصحيح مسلم، وكتاب البخاري أصح منه عند الجمهور،
وأكثر فوائد هذا مذهب جمهور العلماء، لكن كتاب مسلم في دقائق الأسانيد
ونحوها أجود، وينبغي لكل راغب في علم الحديث أن يعتني به ويتفطن إلى
تلك الدقائق فيرى فيها العجائب من المحاسن واللطائف الظاهرات
والخفيات وقل من يساويه، وخالف أبو علي النيسابوري، فقال: ما تحت
أديم السماء أصح من كتاب مسلم ووافقه على ذلك بعض شيوخ العرب،
والصحيح الأول (١)، والله أعلم، قاله في مختصر مجمع الأحباب.
٩٢ - وَعَنِ عَمْرو بن عَوْف رَّوَ أَن رَسُولِ اللهِ وَِّ قَالَ لِيلَال بن الْحَارِث
يَوْمًا اعْلَم يَا بِلَال قَالَ مَا أعلم يَا رَسُول الله قَالَ اعْلَم أَن من أَحْيَا سنة من سنتي
أميتت بعدِي كَانَ لَهُ من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من
أُجُورهم شَيْئًا وَمن ابتدع بِدعَة ضَلَالَة لَا يرضاها الله وَرَسُوله كَانَ عَلَيْهِ مثل
آثام من عمل بهَا لَا ينقص ذَلِك من أوزار النَّاس شَيْئًا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه
(١) انظر تهذيب الأسماء واللغات (٨٩/٢ - ٩٢ الترجمة ٥٧٠).

٥٧٩
مقدمة المؤلف
كِلَاهُمَا من طَرِيق كثير بن عبد الله بن عَمْرو بن عَوْف عَن أَبِيه عَن جده وَقَالَ
التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن(١). قَالَ الْحَافِظِ بل كثير بن عبد الله مَتْرُوك رَوَاهُ كَمَا
تقدم وَلَكِن لِلْحَدِيث شَوَاهِد.
قوله: عن عمرو بن عوف، هو عمرو بن عوف (بن زيد بن مليحة، بضم
الميم، وقيل: ملحة، بضمها أيضا، ابن عمرو بن بكر بن أفرك بن عثمان بن
عمرو ابن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر المزنى أبو عبد الله، كان قدیم
الإسلام، يقال: هاجر مع رسول الله وَل﴾، ويقال: أول مشاهده الخندق، وكان
أحد البكائين فى غزوة تبوك الذين نزل فيهم قوله تعالى: ﴿تَوَّلَّواْ وَأَعْيُنُهُمْ
تَفِيضُ مِنَ اٌلَّمْعِ﴾ (٢). توفى فى آخر خلافة معاوية. له عن النبى وَّ أحاديث.
ومزينة التى ينسبون إليها هى أم أولاد عثمان بن عمرو (٣).
قوله: إن رسول الله وَ ل قال لبلال بن الحارث يومًا: اعلم يا بلال،
الحديث، هو أبو عبد الرحمن بلال بن الحارث بن عاصم بن سعيد بن قرة
بن حلاوة المزني، نسب إلى أمه مزينة، وبلال هذا مدني، ذكره محمد بن سعد
في الطبقة الثالثة من المهاجرين، وكان يسكن جبليهم الأشعر والأجرد، ویاتي
(١) أخرجه الترمذى (٢٦٧٧)، وابن ماجه (٢٠٩ و٢١٠)، والبزار (٣٣٨٥ و٣٣٨٦)،
والطبراني في الكبير (١٦/١٧ رقم ١٠). قال الترمذى: هذا حديث حسن. وضعفه جدا
الألباني في الظلال (٤٢)، المشكاة (١٦٨) و(١٦٨٢) وضعيف الترغيب (٤٢).
(٢) سورة التوبة، الآية: ٩٢.
(٣) تهذيب الأسماء واللغات (٣٣/٢ ترجمة ٤٥٦).

٥٨٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
المدينة كثيرًا، وفد إلى رسول الله وح له في وفد مزينة في شهر رجب سنة خمس
من الهجرة، وكان يحمل لواء مزينة يوم فتح مكة، ثم سكن البصرة، وتوفي
سنة ستين، وهو ابن ثمانين سنة أقطعه النبي وَلهر المعادن القبلية(١)، والقبلية
بفتح القاف والباء معا اسم موضع، قيل منسوبه إلى ناحية من ساحل البحر
بينها وبين المدينة خمسة أيام، وهي من الفرع، والفرع: بضم الفاء بلد،
وقيل: الفرع موضع بينه وبين مدينة النبي وَّ خمسة فراسخ، أعطى النبي وَّه
معادن القبيلة بلال بن الحارث ليعمل فيها ويخرج منها الذهب والفضة
لنفسه، فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم (٢)، وإنما أقطع بلالا
المعادن وهو من أهل المدينة، وأهل المدينة أسلموا راغبين غير مكروهين،
ومن أسلم على شيء فهو له لحديث ابن عباس أن رسول الله وَخلال [لما قدم
المدينة] جعلوا له كل أرض لم يبلغها الماء يصنع فيها [ما شاء] لأنه من
أرض مزينة، لأنه لم يكن من المدينة، وفي هذا الحديث: إقطاع الإمام وهو
جائز فيها لا ملك عليه لأحد من موات الأرض يقطعه من رأى من الخير
والنفع للمسلمين (٣).
قوله: كالفيء يضعه حيث يراه فيما هو للمسلمين نفعًا، ويكون بقدر ما
يقوم به المرء وعماله، ولا خلاف بين العلماء أن الإمام لا يجوز ما ملك
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١٣٥/١ - ١٣٦ ترجمة ٨٧).
(٢) المفاتيح (٥٠٣/٢).
(٣) انظر الأموال لابن سلام (١/ ٣٩٦ - ٤٠٠).

٥٨١
مقدمة المؤلف
بالإحياء أو غيره مما يصح به الملك ومسارح القوم التي لأغنامهم ومواشيهم لا
يجوز للإمام أن يقطعها أحدا لأنها تجري مجرى الملك المعين (١).
أعجوبة غريبة: في الطبراني الكبير عن بلال بن الحارث قال: خرجنا مع
رسول الله وَ﴾ [٨٠/ ب] في بعض أسفاره فخرج لحاجته فأتيته بإداوة من ماء
فسمعت عنده خصومة ولغطا لم أسمع مثلها، فقال: ((اختصم عندي الجن
المسلمون والجن المشركون، فسألوني أن أسكنهم، فأسكنت المسلمين
الجلس وأسكنت المشركين الغور)) (٢) فيه كثير المزني ضعيف، وقال(٣):
الجلس القرى والجبال، والغور ما بين الجبال والبحار، قال: ما رأينا أحدا
أصيب بالجلس إلا سلم وما أصيب أحد بالغور إلا لم يسلم، قاله في حياة
الحيوان(٤)، روى بلال بن الحارث عن رسول الله ثمانية أحاديث(6)، انتهى.
قوله وَاله لبلال بن الحارث: ((اعلم أن من أحيى سنة من سنتي أميتت
بعدي)) الحديث، المراد بإحياء السنة: العمل بها بنفسه أو حث الغير على
(١) الاستذكار (١٤٦/٣)، والمنتقى شرح الموطأ (٣٨/٦).
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٣٧١/١ رقم ١١٤٣)، وأبو الشيخ في العظمة (١١٣٥)، وابن
أخى ميمون الدقاق في الفوائد (٢٦٢). قال الهيثمي في المجمع ٢٠٣/١: وفيه كثير بن
عبد الله بن عمرو بن عوف، وقد أجمعوا على ضعفه، وقد حسن الترمذي حديثه. وقال
الألباني: ضعيف جدا الضعيفة (٢٠٧٤).
(٣) القائل كثير بن عبد الله كما في المصادر السابقة.
(٤) حياة الحيوان (١/ ٢٩٣-٢٩٤).
(٥) تهذيب الأسماء واللغات (١٣٦/١).

٥٨٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
العمل بها(١)، والإماتة على ضد ذلك يقول: ((من أحيا سنة من سنتي تركت))
لم يعمل بها فمن أظهرها وعمل بها أو دعا أحدًا إلى العمل بها فله من
الأجر مثل أجور العامل بها وافيًا، وعلى ضد هذا ثم أحدث بدعة ضلالة(٢)،
والله أعلم.
قوله: ((ومن ابتدع بدعة لا يرضاها الله ورسوله)) فعلم من قوله بدعة ضلالة
أن البدعة نوعان: بدعة حسنة وبدعة سيئة، فالبدعة الحسنة ما جوزها الأئمة
من المسلمين مثل الآذان الثاني في يوم الجمعة والتأذين على المنارة، والبدعة
السيئة ما أنكرها أئمة المسلمين كالبناء على القبور وتخصيصها وغير
ذلك(٣)، والله أعلم.
قوله: رواه الترمذي وقال: حديث حسن معترض عليه فإن كثير بن عبد الله
هذا واه، وقال أبو داود: كذاب، وضرب الإمام أحمد على حديثه في المسند
ولم يحدث به، قاله في الديباجة (٤).
فائدة: الترمذي هو الإمام الحافظ أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة بن
موسى بن الضحاك السلمي الترمذي الضرير، أحد الأئمة الذين يقتدى بهم
في علم الحديث، صنف الجامع وكتاب العلل تصنيف رجل متقن، وبه كان
(١) شرح المصابيح (١ / ١٧٥) لابن الملك.
(٢) المفاتيح (٢٧٥/١).
(٣) المفاتيح (٢٧٥/١-٢٧٦).
(٤) الديباجة (ص ١٠٤ / رسالة علمية).

٥٨٣
مقدمة المؤلف
يضرب المثل، تلمذ لمحمد بن إسماعيل البخاري وشركه في جماعة من
شيوخه، سمع بالحجاز من محمد بن أبي عمر المعدني، وبالبصرة من محمد
بن بشار ومن محمد بن المثنى وغيرهما، وبواسط من أبي الشعثاء علي بن
الحسن، وبالكوفة من أبي كريب محمد بن العلاء ومحمد بن عثمان بن
كرامة، وروى عنه أنه قال: صنفت هذا الكتاب يعني المسند الصحيح
وعرضته على علماء خراسان فرضوا به وعرضته على علماء الحجاز
وعرضته على علماء العراق فرضوا به، ومن كان في بيته هذا الكتاب فكأنما
كان في بيته نبي يتكلم، وروي عن عبد الله بن محمد الأنصاري أنه قال: كتاب
أبي عيسى الترمذي عندي أفيد من كتاب البخاري ومسلم، قيل: لم؟ قال:
لأنه لا يصل إلى الفائدة منهما إلا أن يكون من أهل المعرفة التامة، وهذا
كتاب قد ضم أحاديث وبيَّنها فيصل إلى فائدته كل أحد من الناس من الفقهاء
والمحدثين وغيرهم، وتوفي بترمذ ليلة الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من
رجب سنة تسع وسبعين ومائتين(١)، انتهى، قاله في شرح الإمام، والله اعلم.
٩٣ - وَعَنِ الْعِرْبَاض بن سَارِيَة رَوَّهُ أَنه سمع رَسُول الله وَّلْ يَقُول لقد
تركتكم على مثل الْبَيْضَاء لَيْلهَا كنهارها لَا يزِيغ [بَعْدِي] عَنْهَا إِلَّا هَالك رَوَاهُ
ابْن أبي عَاصِم فِي كتاب السّنة بِإِسْنَاد حسن (٢).
(١) شرح الإلمام (١ / ٤٧ - ٤٩).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٤٣)، وابن أبي عاصم في السنة (٤٨) و(٤٩) والحاكم (١ / ٩٦).
وصححه الألباني في الصحيحة (٩٣٧) وصحيح الترغيب (٥٩).

٥٨٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: عن العرباض بن سارية، تقدم الكلام على مناقبه.
قوله وقال: «لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا
هالك)) الحديث، المراد بالبيضاء الشريعة، يعني على شريعة كاملة نقية لا
خفاء فيها؛ وقوله: ((لا يزيغ عنها إلا هالك)) الزيغ: الميل، قال الله تعالى:
﴿لَّقَد [٨١ / أ] تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَجِرِينَ وَالْأَنصَارِ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ
بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ﴾(١) الآية، قال ابن عطية في تفسيره(٢):
التوبة من الله تعالى رجوعه بعبده من حالة إلى أرفع منها، وقد يكون في
الأكثر رجوعا عن حالة المعصية إلى حالة الطاعة، وقد يكون رجوعا من
طاعة إلى أكمل منها، توبته في هذه الآية على نبيه وَي لأنه رجع به من حالة
إلى حالة أكمل منها، وأما توبته على المهاجرين والأنصار فهو الرجوع بهم
من التقصير إلى الطاعة والجد في الغدو ونصرة الدين، وأما توبته على الفريق
الذي كاد قلوبهم فرجوع من حالة محطوطة إلى حالة غفران ورضوان، وأما
الزيغ الذي کادت قلوب فریق منهم أن تواقعه فهو فرقة همت بالانصراف لما
وجدوا من المشقة، والزيغ الميل كما تقدم، قاله في الديباجة.
٩٤- وَعَنِ عَمْرو بن زُرَارَة قَالَ: وقف عَليّ عبد الله يَعْنِي ابْن مَسْعُودٍ وَأَنَا
أقص فَقَالَ: يَا عَمْرو لقد ابتدعت بِدعَة ضَلَالَة أَو إِنَّك لأهدى من مُحَمَّد
وَأَصْحَابِهِ فَلَقَدْ رَأَيْتِهِمْ تَفَرِقُوا عني حَتَّى رَأَيْت مَكَانِي مَا فِيهِ أحد رَوَاهُ الطََّرَانِيّ
(١) سورة التوبة، الآية: ١١٧.
(٢) المحرر الوجيز (٩٢/٣ - ٩٣).

٥٨٥
مقدمة المؤلف
فِي الْكَبِيرِ بِإِسْنَادَيْنِ أَحدهمَا صَحِيحٍ(١). قَالَ الْحَافِظ عبد الْعَظِيمَ وَتَأْتِي
أَحَادِيث مُتَفَرِّقَة مِن هَذَا النَّوْعِ فِي هَذَا الْكتاب إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
قوله: عن عمرو بن زرارة، هو: عمرو بن زرارة بن (قيس بن عمرو
النخعي من أهل الكوفة، أدرك عصر النبي وَّةٍ، وكان ممن سيره عثمان بن
عفان من الكوفة إلى دمشق روى عنه ابنه سعيد بن عمرو وأبو إسحاق
السبيعي).
قوله: وقف عَليّ عبد الله بْن مَسْعُود وَأَنَا أقص، فَقَالَ: يَا عَمْرو لقد
ابتدعت بِدعَة ما أَو إِنَّك لأهدى من مُحَمَّد ◌َلِّ وَأَصْحَابِهِ فَلَقَدْ رَأَيْتِهمْ تَفَرِقُوا
عني حَتَّى رَأَيْتِ مَكَاني مَا فِيهِ أحد، الحديث، تقدم الكلام على مناقب ابن
مسعود وعلى البدعة الضالة، قال بعض العلماء رضي الله عنهم: أما بعد،
تسليم الاحتجاج بهذه الأخبار يعني التي أدت لحديث ابن مسعود يعني هذا
مع عمرو بن زرارة فليس فيه تصريح بالنهي عن القص فلعله سمعه يقول ما
يخاف أن يؤدي إلى فتنة في النفوس، فقال له ما قال لأجل ذلك، فإن عمر
زَّوَّةُ أفضل من ابن مسعود، وقد أذن لتميم الداري في القصِّ عليه حيث لا
يخشى فيه فتنة دينية ولو كان القص منكرا لم يجز ذلك، ولم يفعله عمر
(١) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٣٣١/٦)، والطبراني في الكبير (١٢٧/٩ رقم ٨٦٣٧)
و(١٢٨/٩ رقم ٨٦٣٨). قال الهيثمى في المجمع ١٨٩/١: رواه الطبراني في الكبير، وله
إسنادان أحدهما رجاله رجال الصحيح، رواه عن الأسود عن عبد الله. وصححه الألباني في
صحيح الترغيب (٦٠).

٥٨٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
رَهُ، وهذا الجواب عن كل منكر مخالف لذلك، وفي معجم الطبراني الكبير
من رواية عمرو بن دينار أن تميما الداري استأذن عمر في القصص فأبي أن
يأذن له ثم استأذنه فأبى أن يأذن له ثم استأذنه فقال: إن شئت وأومأ بيده يعني
الذبح، ورجال إسناده ثقات، فانظر توقف عمر في إذنه في حق رجل من
الصحابة الذين كل واحد منهم عدل مؤتمن وأين مثل تميم في التابعين ومن
بعدهم، فلو كان القص منكرا لم يقره عمر وهو يعلمه، فضلا عن أن يأذن
فيه، لكن عمل بإذنه وأقره عليه فليس بمحدث ضلالة ولا منكر، فالقاص
المبتدع من ليس في قصه أمرًا بمعروف أو نهيا عن منكر أو بيانا لكتاب الله أو
من قصه لكن لم يخلص نيته في ذلك ولم يجب عليه لعدم الحاجة إلى ذلك
منه، وأما من قصه أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر أو بيانا لكتاب الله فهو
مأمور بذلك من الله ورسوله على الوجوب أن يم يقم بذلك غيره قياما يغني
عن قيامه هو به، وقد أشار عمر إلى تميم لما سأله أن يقص بأنه الذبح لما
يخشى عليه من الترفع عليهم والإعجاب(١)، ولو كان [٨١/ ب] نفس القص
مهلكة عند عمر لما أذن فيه ولا أقر عليهم، والله أعلم.
وقيل(٢): المتكلمون على الناس ثلاثة أصناف: مذكر وواعظ وقاص؛
فالمذكر: الذي يذكر الناس آلاء الله ونعماءه ويبعثهم به على الشكر؛
والواعظ: يخوفهم بالله وينذرهم عقوبته فيردعهم به عن المعاصي ؛
(١) قاله أبو الفضل العراقى في الباعث على الخلاص (ص ٨٢).
(٢) معالم السنن (١٨٨/٤).

٥٨٧
مقدمة المؤلف
والقاص: هو الذي يروي لهم أخبار الماضيين ويسرد عليهم القصص ولا
يأمن أن يزيد فيها أو ينقص، والمذكر والواعظ مأمون عليهم ذلك.
وقال النووي في شرح المهذب في باب الاعتكاف (١): قال الشافعي قدس
الله سره في الأم والجامع الكبير: لا بأس أن يقص في المسجد لأن في القصص
وعظ وتذكير، قال: وأما الحديث المباح فالأولى تركه في المسجد، فإن فعل
فلا بأس، وهذا الذي قاله الشافعي محمول على قراءة الأحاديث المشهورة
والمغازي والرقائق ونحوها مما ليس فيه موضوع، ولا يحتمله عقوق العامة،
ولا ما ذكره أهل التواريخ والقصص من يقص الأنبياء وحكاياتهم فيها أن
بعض الأنبياء جری له فيها كذا وكذا فإن هذا كله یمنع منه، هذا كلامه، وفيه
تصريح بأنه لا يجوز التحدث بالقصص والحكايات الموضوعة كسيرة عنترة
والبطال ونحوهما، والله أعلم.
(١) المجموع (٦/ ٥٣٣ - ٥٣٤).

٥٨٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
خاتمة الباب
قال ابن الجوزي في كتابه تلبيس إبليس(١): ومن تلبيس إبليس على الفقهاء
أن يحسن ازدراء الوعاظ ويمنعهم من الحضور عندهم فيقولون من هؤلاء
قصاص ومراد الشيطان (أن) يمنعهم من الحضور عند القصاص في موضع
يلين فيه القلب ويخشع، والقصاص لا يذمون من حيث هذا الاسم لأن الله
تعالى قال: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اُلْقَصَصِ﴾(٢)، وقال تعالى:
﴿فَأَقْصُصِ اٌلْقَصَصَ﴾ (٣) لأن الغالب منهم الاتساع بذكر القصص دون ذكر
العلم المفيد ثم غالبهم الخلط فيما يورده، وربما اعتمد على ما أكثره محال،
فأما إذا كان القصص صدقا ويوجب وعظا، فهو ممدوح، وقد كان الإمام
أحمد بن حنبل يقول: ما أحوج الناس إلى قاص مدون، وقد كان الوعاظ في
قديم الزمان علماء فقهاء، وقد حضر ابن عمر زَقَ الَّله مجلس عبيد الله بن
عمير، وكان عمر بن عبد العزيز يحضر مجلس القاص، ثم [خست] هذه
الصناعة فتعرض لها الجهال فبعد عنهم المميزون من الناس وتعلق بهم
العوام والنساء فلم يتشاغلوا بالعلم وأقبلوا على القصص، وما يعجب
الجهلة، وتنوعت البدع في هذا الفن.
(١) تلبيس إبليس (ص ١١٠-١١١).
(٢) سورة يوسف، الآية: ٣.
(٣) سورة الأعراف، الآية: ١٧٦.

٥٨٩
مقدمة المؤلف
وفي حديث ابن عمر أنه دخل المسجد فرأى قاصًا صياحًا فقال: اخفض
صوتك: ألم تعلم أن الله تعالى بغض كل شحاج، الشحاج: رفع الصوت،
وقد شحج فھو شحاج (١)، انتهى.
(١) النهاية (٤٤٨/٢).

٥٩٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
[التَّرْغِيبِ فِي الْبَدَاءَة بِالْخَيرِ لیستن پِهِ
والترهيب من الْبِدَاءَة بِالشَّرُّخوف أن يستن بِهِ ]
البداية: لحن، وصوابه: البداءة بضم الباء والمد، والبداءة بفتح الباء
وإسكان الدال والقصر، والبدوءة بالضم والمد، انتهى، قاله النووي في
تخييره(١).
٩٥ - عَن جرير رَّهُ قَالَ كُنَّا فِي صدر النَّهَارِ عِنْد رَسُول الله وَطَهِ فَجَاءَهُ
قوم غزَاة مجتابي النمار والعباء متقلدي السيوف عامتهم من مُضر بل كلهم
من مُضر فتمعر وَجِه رَسُول الله وَّ لما رأى مَا بهم من الْفَاقَة فَدخل ثمَّ خرج
فَأمر بِلَالًا فَأذن وَأَقَام فصلى ثمَّ خطب فَقَالَ ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ
الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إِلَى آخرِ الْآيَة ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ
رَقِيبًا﴾(٢) وَالْآيَة الَّتِي فِي الْحَشْرِ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ
نَفْسُ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدِّ﴾(٣) تصدق رجل من دیناره من درهمه من ثَوْبه من
صَاع بره من صَاع تمره حَتَّى قَالَ وَلَو بشق تَمْرَة قَالَ فجَاء رجل من الأنْصَار
بصرة كَادَت كَفه تعجز عَنْهَا بل قد عجزت قَالَ ثمَّ تتابع النَّاس حَتَّى رَأَيْت
كومين من طَعَامٍ وَثْيَابِ حَتَّى رَأَيْت وَجِه رَسُول اللهِ وَّةِ يَتَهَلَّل كَأَنَّهُ مذهبَة
(١) تحرير ألفاظ التنبيه (ص ٥١).
(٢) سورة النساء، الآية: ١.
(٣) سورة فصلت، الآية: ١٨.

٥٩١
مقدمة المؤلف
فَقَالَ رَسُول الله ◌َيِِّ من سنّ فِي الْإِسْلَامِ سنة حَسَنَة فَلهُ أجرها وأجر من عمل
بها من بعده من غير أن ينقص من أُجُورهم شَيْءٍ وَمن سنّ فِي الْإِسْلَام سنة
سَيِّئَة كَانَ عَلَيْهِ وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شَيْء
رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ بِاخْتِصَارِ الْقِصَّةَ (١).
قَوْله: مجتابي هُوَ بِالْجِيم الساكنة ثمَّ تَاء مثناة وَبعد الألف بَاء مُوَحِدَة
والنمار جمع نمرة وَهِي كسَاء من صوف مخطط أَي لابسي النمار قد
خرقوها فِي رؤوسهم والجوب الْقطع وَقَوله: تمعر هُوَ بِالْعِينِ الْمُهْملَة
الْمُشَدّدَة أَي تغير.
وَقَوله: كَأَنَّهُ مذهبَة ضَبطه بعض الْحفاظ بدال مُهْمِلَةٍ وهاء مَضْمُومَة وَنون
وَضَبطه بعضهم بذال مُعْجمَة وبفتح الْهَاء وَبعدهَا بَاء مُوَحدَة وَهُوَ الصَّحِيحِ
الْمَشْهُور وَمَعْنَاهُ على كلا التَّقْدِيرَيْنِ ظهر الْبشر فِي وَجهه وَِّ حَتَّى استنار
وأشرق من السرُور والمذهبة صحيفة منقشة بِالذَّهَب أَو ورقة من القرطاس
مطلية بِالذَّهَب يصف حسنه وتلألؤه وَّةٍ.
قوله: عن جَرير، هو بفتح الجيم، وكنيته: أبو عمرو، وقيل: أبو عبد الله.
[٨٢/ أ] فهو جرير بن عبد الله بن جابر البجلي الأحمسي بالمهملتين الكوفي،
والبجلي: منسوب إلى بجلة بفتح الباء الموحدة، وهي بنت صعب بن سعد
العشيرة أم ولد، تنسب إليها القبيلة المعروفة، نزل جرير الكوفة ثم تحول إلى
(١) أخرجه مسلم (٦٩ و٧٠ و٧١ - ١٠١٧) و(١٥ - ١٠١٧)، والنسائي في الكبرى (٢٣٤٦)
والمجتبى ٥٥٥/٤ (٢٥٧٣)، والترمذى (٢٦٧٥)، وابن ماجه (٢٠٣).

٥٩٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قرقيسيا، وتوفي بها سنة إحدى وخمسين، قال ابن قتيبة: دخل جرير المدينة
على رسول الله وَله في رمضان سنة عشر من الهجرة فبايعه وأسلم وكان
إسلامه في السنة التي توفي فيها رسول الله وَ له، وقيل: إن رسول الله وَله بسط
الرداء وأكرمه وقال: «إذا جاءکم کریم قوم فأكرموه))، وکان جریر بديع
الجمال صحيح الإسلام مليح الصورة، كأنّ على وجهه شقة قمر، وكان سيد
قومه، وكان عمر بن الخطاب زَقُّونَهُ يقول: جرير يوسف هذه الأمة بحسنه،
وكان جرير كبير القدم طويل القامة يصل إلى سنام البعير وكان نعله ذراعًا
وكان يخضب لحيته إذا دخل الليل ويغسلها بالنهار إذا أصبح، وبعثه أمير
المؤمنين عليّ بن أبي طالب رسولا إلى معاوية لدخل في الطاعة، فلما لم
يدخل فيها دخل فيها المهاجرون والأنصار، وصَالحُ المؤمنين كان جرير
تلك الحروب والفتن، فلم يحضر في شيء منها، وأقام بالجزيرة ونواحيها،
وقال جرير: ما حجبني رسول الله زَّهُ منذ أسلمت ولا رآني إلا تبسم، ولقد
شكوت إليه أني لا أثبت على الخيل فضرب بيده الكريمة على صدري،
فقال: ((اللهم ثبته واجعله مهديًا)) روي له عن رسول الله وَّلاةِ مائة حديث،
اتفقا منها على ثمانية، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بستة، ومناقبه كثيرة
مشهورة (١)، والله أعلم.
قوله: كنا في صدر النهار عند رسول الله ◌َّ، الحديث، صدر النهار: أوله.
قوله: فجاءه قوم عراة مجتابي النمار أو العباء، العراة: جمع عار،
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١٤٧/١ - ١٤٨ الترجمة ١٠٤).