النص المفهرس

صفحات 521-540

٥١٣
مقدمة المؤلف
لم يكن يلزم من حصوله حصول القذف في القلب، قيل له: فلم خلق الله
تعالى هذا القابل في هذه الذات الشريفة وكان يمكن أن لا يخلقه سبحانه
وتعالى فيها، فقال: إنه من جملة الأجزاء الإنسانية، فخلقه تكملة للخلق
الإنساني فلابد منه ونزعه كرامة ربانية طرأت بعده، والله أعلم.
تنبيه: قد شق صدره وَ له مرتين، مرة في حال صباه عند مرضعته أم حليمة
السعدية ليصير قلبه مثل قلوب الأنبياء، ومرة أخرى ليلة المعراج في حال
كهولته ليصير قلبه مثل قلوب الملائكة(١)، وقال قوم: هو في أول شق صدره
ابن ثلاث سنين، قاله في شرح الإلمام.
٧٣- وَعَن زيد بن أسلم قَالَ رَأَيْت ابْن عمر يُصَلِّ محلولا أزراره فَسَأَلته
عَن ذَلِك فَقَالَ رَأَيْتِ رَسُول الله وَّهِ يَفْعَله رَوَاهُ ابْنِ خُزَيْمَة فِي صَحِيحه عَن
الْوَلِيد بن مُسلمٍ عَن زيد وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَغَيرِهِ عَن زُهَيْر بن مُحَمَّد عَن زيد(٢).
قوله: عن زيد بن أسلم (هو أبو أسامة زيد بن أسلم القريشى العدوى
(١) انظر شرح المصابيح (٢٧٦/٦ -٢٧٧) لابن الملك.
(٢) أخرجه البزار (١٢٧ / كشف الأستار)، وابن خزيمة (٧٧٩)، وابن حبان (٥٤٥٣)، الحاكم
١/ ٢٥٠، والبيهقي في الكبرى (٢/ ٣٤٠ رقم ٣٢٩٦). قال البزار: لا نعلمه يروى عن ابن
عمر إلا بهذا الإسناد.
وقال الهيثمى في المجمع ١ / ١٧٥: رواه البزار وأبو يعلى، وفيه عمرو بن مالك، ذكره ابن
حبان في الثقات، قال: يغرب ويخطئ. وقال ابن حجر في اتحاف المهرة ٣٢٠/٨: قلت:
رواية الشاميين عن زهير بن محمد منكرة. قال البخاري وغيره. وذكر الترمذي في (العلل)
عن البخاري، أنه قال: أنا أتقي حديث هذا الشيخ كأن حديثه موضوع. وضعفه الألباني في
ضعيف الترغيب (٣٤).

٥١٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
المدنى، مولى عمر بن الخطاب، رُؤُّه، التابعى الصالح الفقيه، رحمه الله.
روى عن ابن عمر، وأنس، وجابر، وربيعة بن عباد، وسلمة بن الأكوع
الصحابيين، رضى الله عنهم. وروى عن أبيه، وعطاء بن يسار، وحمران،
وعلى بن الحسين، وأبى صالح السمان، وآخرين من التابعين. روى عنه
الزهري، ويحيى الأنصاري، وأيوب السختياني، ومحمد بن إسحاق
التابعيون، ومالك، والثوري، ومعمر، وخلائق من الأئمة.
قال يحيى بن معين: سمع زيد بن أسلم من ابن عمر، ولم يسمع جابرا ولا
أبا هريرة. وقال محمد بن سعد: كانت لزيد بن أسلم حلقة فى مسجد رسول
الله وَّة، وكان ثقة كثير الحديث. وقال أبو حاتم: لقد رأيتنا فى مجلس زيد بن
أسلم أربعين فقيها، أدنى خصلة فينا التواسى بما فى أيدينا، وما رأيت فيه
متمارين ولا متنازعين فى حديث لا ينفعهما، وكان أبو حازم يقول لهم: لا
یرینی الله یوم زید، وقدمنی بین یدی زید أنه لم يبق أحد أرضى لنفسی ودینی
غيره، فأتاه نعى زيد فعقر، فما قام ولا شهده، وكان أبو حازم يقول: اللهم
إنك تعلم أنى أنظر إلى زيد فأذكر بالنظر إليه القوة على عبادتك، فكيف
بملاقاته ومحادثته. ومناقبه كثيرة. توفى بالمدينة سنة ست وثلاثين ومائة،
وقيل: سنة ثلاث وثلاثين، وقيل: ثلاث وأربعين. وحكى البخارى فى تاريخه
أن على بن الحسين، رضى الله عنهما، كان يجلس إلى زيد بن أسلم ويتخطا
مجالس قومه، فقيل له: تتخطا مجالس قومك إلى عبد عمر بن الخطاب،
فقال: إنما يجلس الرجل إلى من ينفعه فى دينه (١).
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٢٠٠/١ الترجمة ١٨٥).

٥١٥
مقدمة المؤلف
قوله: رأيت ابن عمر يصلي محلول أزراره، الحديث، وتقدم الكلام على
الأزرار في الحديث قبله
قوله: رواه ابن خزيمة في صحيحه عن الوليد بن مسلم ؛ الوليد بن مسلم
كنيته: أبو العباس الدمشقي مولى بني أمية، وقيل: مولى العباس بن محمد أخي
المنصور، كان عالم أهل الشام في زمانه، قال ابن المديني: ما رأيت في الشاميين
مثل الوليد، وقد أغرب أحاديث صحيحة لم يشركه فيها أحد، قاله ابن جوصا:
لم نزل. [٦٧ / أ] نسمع أنه من كتب مصنفات الوليد بن مسلم صلح أن يلي
القضاء، ومصنفاته سبعون كتابا، قال الذهبي: وكان الوليد واسع العلو ثقة لكنه
يدلس، وكان إمامًا في المغازي، وقرأ القرآن على يحيى النهاري، وحدث عنه
من شيوخه الليث بن سعد وغيره، ولد سنة تسع عشرة ومائة وحج سنة أربع
وتسعين ومائة، ومات بعد الحج قبل أن يصل إلى دمشق سنة خمس (١).
قوله: ورواه البيهقي وغيره عن زهير بن محمد، هو زهير بن محمد بن
(قمير بن شعبة المروزي، نزيل بغداد، كنيته أبو محمد، ويقال: أبو عبد
الرحمنن عبد الرزاق وروح وعنه ابن ماجه والمحاملي وابن عياش القطان
قال البغوي: ما رأيت أحدا بعد أحمد أفضل منه حدثني ابنه محمد أنه كان
يختم في رمضان تسعين ختمة قال الخطيب ثقة ورع زاهد تحول فرابط
بطرسوس توفي سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢)
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٤٧ الترجمة ٦٧١).
(٢) تهذيب الكمال (٩ / الترجمة ٢٠١٦)، والكاشف (١ / ٤٠٧).

٥١٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٧٤ - وَعَن مُجَاهِد قَالَ كُنَّا مَعَ ابْن عمر رَحمَه الله فِي سفر فَمر بمَكَان فحاد
عَنْهُ فَسئلَ لم فعلت ذَلِك قَالَ رَأَيْت رَسُول اللهِ وَلِّ فعل هَذَا فَفعلت رَوَاهُ
أَحْمِد وَالْبَزَّارِ بِإِسْنَاد جيد قَوْله حاد بِالْحَاء وَالدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ أَي تنحى عَنْهُ
وَأخذ يَمِينا أَو شمالا(١).
قوله: عن مجاهد، هو مجاهد (بن جبر، ويقال: ابن جبير، بالتصغير،
المكى المخزومى، مولاهم مولى عبد الله بن أبى السائب، ويقال: مولى
السائب ابن أبى السائب، ويقال: مولى قيس بن الحارث، وهو تابعى، إمام،
متفق على جلالته وإمامته. سمع ابن عمر، وابن عباس، وجابر بن عبد الله،
وابن عمرو بن العاص، وأبا سعيد، وأبا هريرة، وعائشة، وغيرهم من
الصحابة، رضى الله عنهم. وسمع من التابعين طاووسا، وابن أبى ليلى،
ومصعب بن سعد، وآخرين.
روى عنه طاووس، وعكرمة، وعمرو بن دينار، وأبو الزبير، والحكم، وابن
عون، والأعمش، ومنصور، وحماد بن أبى سليمان، وطلحة بن مصرف، وأيوب
السختياني، وعبد الله بن أبى نجيح، وخلائق لا يحصون. واتفق العلماء على
إمامته، وجلالته، وتوثيقه، وهو إمام فى الفقه، والتفسير، والحديث.
(١) أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد بن منيع كما في اتحاف الخيرة (١٩٤/١ رقم ٢٥٢)، وأحمد
٣٢/٢ (٤٨٧٠)، والبزار (١٢٨ / كشف الأستار)، وابن بطة في الإبانة (٧٤)، وأبو نعيم في
أخبار أصبهان (١١٥/٢). وقال الهيثمى في المجمع ١٧٤/١: رواه أحمد والبزار،
ورجاله موثقون. وقال البوصیری: رواه أحمد بن حنبل والبزار بإسناد جيد. وصححه
الألباني في صحيح الترغيب (٤٦).

٥١٧
مقدمة المؤلف
قال مجاهد: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة. وقال خصيف: كان
أعلمهم بالتفسير مجاهد. وقال أبو حاتم: لم يسمع مجاهد عائشة. ومناقبه كثيرة
مشهورة. وقال ابن بكير: توفى مجاهد سنة إحدى ومائة، وهو ابن ثلاث وثمانين
سنة، وقيل: توفى سنة مائة، وقيل: سنة ثنتين ومائة، وقيل: سنة ثلاث ومائة(١).
قوله: كنا مع ابن عمر في سفر بمكان فحاد عنه، الحديث، تقدم الكلام
على مناقب ابن عمر في أول هذا التعليق مبسوطًا.
قوله: فحاد عنه، بالحاء المهملة والدال المهملة أيضًا، أي: تنحي عنه
وأخذ يمينا أو شمالًا، انتهى، قاله المنذري.
٧٥- وَعَنْ ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا أَنْه كَانَ يَأْتِي شَجَرَة بَيْن مَكَّة وَالْمَدينَة
فيقيل تحتها ويخبر أَن رَسُول الله وَلَّ كَانَ يفعل ذَلِك رَوَاهُ الْبَزَّارِ بِإِسْنَاد ◌َا
بَأْس ◌ِهِ(٢).
قوله: وعن ابن عمر، تقدم.
قوله: أنه كان يأتي شجرة بين مكة والمدينة فيقيل تحتها، الحديث، كان ابن
عمر شديد الاتباع لآثار رسول الله وَّخلال حتى أنه كان ينزل منازله ويصلي في كل
مكان صلى فيه رسول الله وَ ◌ّلة، ويترك ناقته في مبرك ناقة رسول الله وَله، ونقلوا
أن النبي وَ لّ نزل تحت شجرة فكان ابن عمر يتعاهدها بالماء كيلا تيبس (٣).
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٨٣/٢ الترجمة ٥٥٣).
(٢) أخرجه البزار (٥٩٠٨ و٥٩٠٩). وقال الهيثمى في المجمع ١ / ١٧٥: رواه البزار، ورجاله
موثقون. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٤٧).
(٣) تهذيب الأسماء واللغات (٢٧٩/١).

٥١٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قال ابن بطال(١): وإنما كان ابن عمر يصلي في تلك المواضع التي صلى فيها
رسول الله وَّر على وجه التبرك بها ولم يزل الناس يتبركون بمواضع
الصالحين(٢). وأما ما روي أن ابن عمر نظّمِنَّهُ كره ذلك فلأنه خشي أن يلتزم
الناس الصلاة في تلك المواضع فيشكل ذلك على من يأتي بعدهم ويرى ذلك
واجبًا، وكذا ينبغي للعالم إذا رأى الناس يلتزمون النوافل التزاما شديدًا أن
يترخص فيها في بعض المرات ويتركها ليعلم بفعله، وذلك أنها غير واجب
كما فعل ابن عباس في ترك الأضحية(٣).
قال النوويُّ: روينا عن الزهري قال: لا يعدل برأي ابن عمر، فإنه أقام بعد
رسول الله وَلّ ستين سنة فلم يخف عليه شيء من أمره وَ ل ولا من أمر
أصحابه ؛ وعن مالك قال: أقام ابن عمر ستين سنة تقدم عليه وفود الناس،
(١) شرح الصحيح (١٢٦/٢).
(٢) قلت: التبرك بالأماكن والأشخاص وبآثار الصالحين من غير الأنبياء لا يجوز لعدم ورود
الدليل الشرعي، ولإجماع الصحابة رضي الله عنهم على تركه، ولسد ذرائع الغلو المذموم
المفضي إلى الشرك والبدع، قال ابن رجب في الحكم الجديرة بالإذاعة (ص: ٥٤):
التبرك بالآثار إنما كان يفعله الصحابة رضي الله عنهم مع النبي ◌ٍُّ ولم يكونوا يفعلونه مع
بعضهم ببعض، ولا يفعله التابعون مع الصحابة، مع علو قدرهم، فدلّ على أن هذا لا
يُفعل، إلَّا مع النبي رَّ، مثل التبرك بوضوئه وفضلاته وشعره وشرب فضل شرابه
وطعامه. انظر للتفصيل: فتح الباري لابن رجب (٤٢٧/٣). وتيسير العزيز الحميد للشيخ
سلیمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (ص ١٥٣، ١٥٤). وفتح الباري لابن حجر
مع تعليقات ابن باز (٣/ ١٤٣). والتوسل أنواعه وأحكامها للشيخ الألباني (ص١٤٤ -١٤٥).
وعقيدة التوحيد للشيخ الفوزان (ص ٢٣٤ - ٢٣٦).
(٣) الكواكب الدرارى (١٥٠/٤).

٥١٩
مقدمة المؤلف
وروينا عن البخاري الإمام قال: قال جابر بن عبد الله: لم يكن أحد منهم ألزم
لطريق النبي وَ لّ ولا اتبع من ابن عمر(١).
تنبيه: قوله (روينا) أكثر الناس يقولون (روينا) بفتح الواو مخففة من روى
يروي إذا نقل عن غيره مثل رمى يرمي، والأجود: (رُوِّينَا) بضم الراء وكسر
الواو ومشددًا، أي: روانا مشايخنا أي: نقلوا لنا فسمعنا، كذا حرر هذه اللفظة
بعض أئمة الحديث، قاله الطوفي في شرح الأربعين النووية (٢)، والله أعلم.
وفي صحيح البخاري ومسلم عن ابن عمر قال: رأيت في المنام كأن في يدي
قطعة إستبرق، وليس مكان أريد من الجنة إلا طارت إليه فقصصته على حفصة
فقصت على رسول الله وَّةٍ، فقال رسول الله وَله: ((إن عبد الله رجل صالحً))،
وفي رواية الصحيح: ((إن أخاك رجل صالح)) أو ((إن عبد الله رجل صالح))(٣)،
[٦٧/ ب] قال نافع: كان ابن عمر رّاللّه إذا اشتد عجبه بشيء من ماله تقرب به
إلى الله تعالى فكان رفيقه قد عرفوا ذلك منه، فربما لزم أحدهم المسجد، فإذا
رآه ابن عمر على تلك الحال الحسنة أعتقه فيقول له أصحابه: إنهم يخدعونك،
فيقول: من خدعنا بالله انخدعنا له؛ وكان زَوَّهُ كثير الحج، وكان كثير الصدقة
فربما تصدق في اليوم الواحد بثلاثين ألفًا، ومناقبه كثيرة مشهورة زَّ لَّ(٤).
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٢٧٩/١).
(٢) التعيين في شرح الأربعين (ص ١٤ - ١٥).
(٣) أخرجه البخاري (٧٠١٥ و٧٠١٦) و(٧٠٢٨ و٧٠٢٩) و(٧٠٣١)، ومسلم (١٤٠ -
٢٤٧٩) وابن ماجه (٣٩١٩).
(٤) تهذيب الأسماء واللغات (٢٧٩/١ - ٢٨٠).

٥٢٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٧٦- وَعَن [أَنَسِ] ابْن سِيرِين قَالَ كنت مَعَ ابْن عمر رَحمَه الله بِعَرَفَات
فَلَمَّا كَانَ حِينِ رَاحِ رحت مَعَه حَتَّى أَتَى الإِمَام فصلى مَعَه الأولى وَالْعصر ثُمَّ
وقف وَأَنَا وَأَصْحَاب لي حَتَّى أَفَاضَ الامام فأفضنا مَعَه حَتَّى انْتهى إِلَى
الْمضيق دون المأزمين فَأَنَاخَ وأنخنا وَنحن نحسب أَنْه يُرِيد أَن يُصَلِّي فَقَالَ
غُلَامِهِ الَّذِي يمسك رَاحِلَته إِنَّه لَيْسَ يُرِيد الصَّلَاة وَلكنه ذكر أَن النَّبِي ◌َّ لما
انْتهى إِلَى هَذَا الْمَكَان قضى حَاجته فَهُوَ يحب أَن يقْضِي حَاجته رَوَاهُ أَحْمد
وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيحِ(١)
قَالَ الْحَافِظِ رَحمَه الله والآثَار عَنِ الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم فِي اتباعهم لَهُ
واقتفائهم سنته كَثِيرَة جدا. وَالله الْمُوفق لا رب غَيره
قوله: عن ابن سيرين، ابن سيرين، اسمه: محمد، ومحمد يكنى بأبي بكر،
وسيرين يكنى بأبي عمرو، مولى أنس بن مالك، من كبار التابعين بالبصرة،
كان عالمًا فاضلاً متقناً زاهدًا، من أورع أهل زمانه، وسمع جماعة من
الصحابة: عبد الله بن عمر وأبا سعيد الخدري وأبا هريرة وعمران بن حصين
وعبد الله بن عباس وأبا بكرة، ومولاه أنس بن مالك وهو الذي تولى غسله
وتكفينه وأم عطية الأنصارية وجماعة من أعلام التابعين، وقال أبو عوانة:
رأيت محمد بن سيرين فى السوق فما رآه أحد إلا ذكر الله عز وجل، وكان ابن
سيرين أعلم أهل زمانه بالرؤيا، وقد أثنى الله عز وجل على يوسف،فَ بَار
(١) أخرجه أحمد ١٣١/٢ (٦١٥١). قال الهيثمى في المجمع ١/ ١٧٥: رواه أحمد، ورجاله
رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٤٨).

٥٢١
مقدمة المؤلف
فعلمها، فرأى في المنام كأن الجوزاء تقدمت الثريا فأخذ في وصيته وقال:
يموت الحسن وأموت بعده، هو أشرف مني، فمات رحمه الله تعالى في
شوال سنة عشر ومائة بعد الحسن بن أبي الحسن بمائة يوم(١)، انتهى.
قوله: کنت مع ابن عمر بعرفات، فلما كان حین راح رحت معه حتى أتى
الإمام فصلى معه الأولى والعصر، الحديث، والمراد بالإمام: الإمام الأعظم
وهو الخليفة أو نائبة في إقامة الحج، والمراد بالأولى قال النووي: يعني
صلاة الظهر وبدأ الشافعي في الجديد بها، وإن كان في القديم بدأ بالصبح لأن
جبريل عليه الصلاة والسلام بدأ بها، ولأنها أول صلاة وجبت بطلوع
الشمس، ولذلك سميت الأولى، وسميت الظهر ظهرًا، قيل: لأنها أول صلاة
ظهرت حين صلاها جبريل،فَلَه بالنبي وَلَّ (٢).
قوله: ثمَّ وقف وَأَنَا وَأَصْحَاب لي حَتَّى أَفَاضَ الإمام فأفضنا مَعَه،
الإفاضة: الدفع، يقال: أفاض الناس من عرفات أي: دفعوا منها، فالمراد:
أفاض من وقوف عرفة أي: رجع، انتهى، قاله الكرماني (٣).
قوله: حتى انتهى إلى المضيق دون المأزمين، والسنة: أن يسلك في طريقه
إلى المزدلفة على طريق المأزمين وهو بين العلمين اللذين هما حد الحرم
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٨٢/١-٨٤ الترجمة ١١)، وتهذيب الكمال (٢٥/ الترجمة
٥٢٨٠)، وتذهيب تهذيب الكمال (٨/ الترجمة ٦٠٠٦). قلنا كذا هو ترجم في هذا
الموضع لمحمد بن سيرين وإنما الحديث عن أنس بن سيرين أخيه.
(٢) انظر الحاوى (١٢/٢)، وكفاية النبيه (٣٢٨/٢).
(٣) الكواكب الدرارى (٢١/٣).

٥٢٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
من تلك الناحية، والمأزمين: بهمزة بعد الميم الأولى، ويجوز ترك الهمزة
كما في رأس ونظائره، والزاي مكسورة، والمأزم: المضيق بين جبلين، هذا
أصله في اللغة، ومراد الفقهاء: الطريق الذي بين الجبلين وهما [٦٨ /أ]
جبلان بين عرفات ومزدلفة، قاله النووي(١).
خاتمة: اعلم أنه ينبغي لمن بلغه شيء من فضائل الأعمال أن يعمل به ولو
مرة ليكون من أهله، ولا ينبغي أن يتركه مطلقا، بل يأتي بما تيسر منه لقول
النبي ◌َّ في الحديث المتفق على صحته: ((إذا أمرتكم بشيء فافعلوا منه ما
استطعتم)) (٢)، قال العلماء من المحدثين والفقهاء وغيرهم: يجوز ويستحب
العمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن
موضوعًا، وأما الأحكام كالحلال والحرام والبيع والنكاح والطلاق وغير
ذلك فلا يعمل فيها إلا بالحديث الصحيح أو الحسن إلا أن يكون في احتياط
في شيء من ذلك، فإذا ورد حديث ضعيف بكراهة بعض البيوع أو الأنكحة
فإن المستحب أن يتنزه عنه ولكن لا يجب (٣)، وقال ابن مهدي(٤): إذا روينا
أحاديث الحلال والحرام والأحكام شددنا في الأسانيد وانتقدنا الرجال، وإذا
روينا فضائل الأعمال والثواب والعقاب والمباحات تساهلنا في الأسانيد.
(١) الإيضاح (ص ٢٩٦)، والمجموع (١٣٢/٨).
(٢) أخرجه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٠ و١٣١ - ١٣٣٧) و(٤١٢- ١٣٣٧) عن أبي هريرة.
(٣) الأذكار (ص ٤٧).
(٤) دلائل النبوة (٣٤/١)، والمدخل إلى الإكليل (ص ٢٩)، الجامع (١٢٦٧) للخطيب.

٥٢٣
مقدمة المؤلف
الترهيب من ترك السنة وارتكاب البدع والأهواء
٧٧- عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا قَالَت: قَالَ رَسُول الله وٍَّ: من أحدث فِي
أمرنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رد رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَمُسلمٍ وَأَبُو دَاوُد وَلَفظه من صنع
أمرا على غير أمرنَا فَهُوَ رد وَابْن مَاجَهُ وَفِي رِوَايَة لمُسلم من عمل عملا لَيْسَ
عَلَيْهِ أمرِنَا فَهُوَ ردِ(١).
قوله: عن عائشة، تقدم الكلام على مناقبها، ومن مناقبها: أن رسول الله
وَ له لم يتزوج بكرًا غيرها، تزوجها رسول الله وَ له قبل الهجرة بسنتين، وذكر
ابن أبي خيثمة في تاريخه أن عائشة أسلمت صغيرة بعد ثمانية عشر أسنانا
فيمن أسلم، وروي أنها كانت تفتخر بأشياء أعطيتها لم يعطها امرأة غيرها،
منها: أن جبريل ثَلاث أتي بصورتها في سرقة من حرير، وقال: هذه زوجتك،
وروى أنه أتي بصورتها في راحته، وقيل: إنه قبض وَّ ورأسه في حجرها،
ودفن في بيتها، وكان ينزل عليه الوحي وهو معها في لحافها، ونزلت براءتها
من السماء، توفيت رضي الله عنها سنة ست وخمسين، وقيل: سنة ثمان
وخمسين، وصلى عليها أبو هريرة، وأمرت أن تدفن بالبقيع ليلا فدفنت من
ليلتها بعد الوتر، واجتمع على جنازتها أهل المدينة وأهل العوالي، وقالوا: لم
(١) أخرجه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧ - ١٧١٨)، وأبو داود (٤٦٠٦)، وابن ماجه (١٤)
باللفظ الأول. وأخرجه مسلم (١٨ - ١٧١٨) باللفظ الثانى.

٥٢٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ير ليلة أكثر ناسا منها، ومناقبها كثيرة مشهورة (١).
قوله مَله: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) الحديث.
قال النووي (٢): هذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهو من
جوامع كلامه وَليّة، وهو على اختصاره وإيجازه من أعظم قواعد الشرع
وأعمها وأنفعها إذ يندرج في منطوقه ومفهومه ما لا يحصى من الفوائد(٣)،
وقد قال العلماء: إنه ربع الإسلام أو ثلث الإسلام أو نصف الإسلام بسبب
ما يترتب عليه من القضايا والأحكام، وهذا الحديث مما ينبغي أن يعتني
بحفظه واستعماله في إيطال المنكرات وإبطاله للاستدلال به، والله أعلم، ففيه
الحث على الإتباع والتحذير من الابتداع، وقد ألفت الناس كتبا في البدع
كالطرطوسي(٤) وأبي شامة الدمشقي(٥): وهو أحد شيوخ الشيخ محي الدين
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٣٥٠/٢ - ٣٥٢ الترجمة ١١٨٠).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٦/١٢).
(٣) التعيين (ص ٩٢).
(٤) كذا هو بالسين وإنما هو بالشين المعجمة محمد بن الوليد بن محمد بن خلف بن سليمان ابن
أيوب الفهري الطرطوشي أصله منها، يكنى: أبا بكر، ويعرف: بابن أبي وندقة [المتوفى: ٥٢٠هـ]
و كتابه هو الحوادث والبدع مطبوع طبعة دار ابن الجوزى بحقيق على الحلبى.
(٥) هو الإمام، الحافظ، العلامة، شهاب الدين، أبو القاسم، عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم بن
عثمان، المقدسي، ثم الدمشقي، الشافعي، المقرئ، النحوي،(المتوفى: ٦٦٥هـ) وكتابه اسمه
الباعث على إنكار البدع والحوادث مطبوع طبعة دار الهدى- القاهرة تحقيق عثمان أحمد
عنبر[البداية والنهاية: ١٣/ ٢٥٠، ٢٥١. طبقات الشافعية للسبكي: ٥/ ٦١-٦٣. فوات
الوفيات: ١/ ٢٥٢، ٢٥٣. شذرات الذهب: ٣١٩،٣١٨/٥]

٥٢٥
مقدمة المؤلف
النووي، كذا قاله الحافظ العسقلاني ابن حجر وآخرهم [٦٨/ ب] وأبو
عبدالله بن الحاج صاحب المدخل فاستقصى في بيان المحدثات والبدع
والضلالات وشدد، وفي بعض ما ذكره نظر بسبب أحاديث لم يطلع عليها
وقواعد وأصول لم يلتفت إليها، انتهى، قاله في شرح الإلمام.
قوله : ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) الأمر هنا معناه
الشرع الذي شرعه الله تعالى ورسوله وقّله، واستمر العمل به، واسم الإشارة
قد استعمل للتعظيم.
قوله: ((ما ليس منه))، قال العلماء: ما ليس منه، أي: ما ليس له في الدين
أصل ثابت بوجه، فهذا هو المحدث الضلالة، وأما ما صورته محدثه ولمعناه
أصل شرعي يلتحق به، فليس بضلالة، بل بعضه مندوب وبعضه واجب كما
هو معروف مشهور، ولا يظن خفاؤه، فقوله: ((في أمرنا)) المراد بع دين
الإسلام، وإنما عبر عنه بهذا اللفظ تنبيها على أن الدين هو أمرنا الذي نهتم به
ونشتغل به بحيث لا يخلوا عنه شيء من أقوالنا وأفعالنا، وهذا الحديث
كالميزان للأعمال في ظاهرها، فكما أن كل عمل لا يراد به وجه الله تعالى
فليس لعامله ثواب فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله فهو
مردود على عامله، وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله فليس
من الدين في شيء(١)، فهذا الحديث منطوقه يدل على أن كل عمل ليس عليه
أمر الشارع فهو مردود، والمراد بأمره هنا دينه وشرعه كما تقدم، فالمعنى إذًا:
(١) جامع العلوم والحكم (١/ ١٨٣- ١٨٤) ..

٥٢٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
أن كل من كان عمله خارجا عن الشرع، ليس مقيد بالشرع، فهو مردود على
فاعله غير مقبول منه بل معذب عليه ومسؤول عنه ؛ وعن أبي عبيدة قال:
جمع النبي وَيّ جميع أمر الآخرة في كلمة: ((من أحدث في أمرنا))، وجمع أمر
الدنيا في كلمة: ((إنما الأعمال بالنيات))(١).
وقوله: في رواية مسلم: ((ليس عليه أمرنا)): إشارة إلى أن أعمال العاملين
كلهم ينبغي أن تكون تحت أحكام الشريعة، وتكون أحكام الشريعة حاكمة
عليها بأمرها ونهيها، فمن كان عمله تحت أحكام الشريعة موافقا لها فهو
مقبول، ومن كان خارجا عن ذلك فهو مردود؛ والأعمال قسمان: عبادات
ومعاملات؛ فأما العبادات: فما كان منها خارجا عن حكم الله ورسوله
بالكلية فهو مردود على عامله كما تقدم، فمن تقرب إلى الله بعمل لم يجعله
الله ورسوله قربة فعمله باطل مردود عليه؛ وأما المعاملات كالعقود والفسوخ
ونحوها: فما كان منها بغير أوضاع الشريعة كجعل حد الزان عقوبة مالية وما
أشبه ذلك فإنه مردود من أصله ولا ينتقل به الملك لأن هذا غير معهود في
أحكام الإسلام، انتهى، قاله ابن رجب(٢).
وفي هذا الحديث دليل على أن النبي ◌َّ أَعطِي الولاية والسيادة على
سائر ملوك الأرض، والكل تحت أمره ونهيه بقوله: ((من أحدث في أمرنا ما
ليس منه فهو رد)) أي: مردود غير مقبول منه؛ وفيه: دليل على أن الحاكم إذا
(١) المصدر السابق (١٨٤/١)
(٢) جامع العلوم والحكم (١٨٣/١ - ١٨٩) مختصرا.

٥٢٧
مقدمة المؤلف
حكم بحكم يخالف نص الكتاب. [٦٩ / أ] أو السنة أو القياس الجلي نقض
حكمه(١)، والله أعلم.
٧٨- وَعَنِ جَابِرِ رَظِلَّهُ قَالَ كَانَ رَسُول الله ◌َّهِ إِذا خطب احْمَرَّتْ عَيناهُ
وَعلا صَوتِه وَاشْتَدَّ غَضَبه كَأَنَّهُ مُنْذر جَيش يَقُول صبحكم ومساكم وَيَقُول
بعثت أنا والساعة كهاتين ويقرن بَين أصبعيه السبابة وَالْوُسْطَى وَيَقُول أما بعد
فَإِن خير الحَدِيث كتاب الله وَخير الْهَدْي هدي مُحَمَّد وشر الأمور محدثاتها
وكل بِدعَة ضَلَالَةٍ ثُمَّ يَقُول أَنا أولى بِكُل مُؤمن من نَفسه من ترك مَالا فلاهله
وَمَن ترك دينا أَو ضيَاعًا فَإِلَيَّ وَعلي رَوَاهُ مُسلم وَابْن مَاجَه وَغَيرِهمَا (٢).
قوله: عن جابر بن عبد الله، هو: جابر بن عبد الله الصحابي ابن الصحابي،
كنيته: أبو عبد الله، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو محمد، وهو: جابر بن
عبد الله بن عمرو بن حرام بالراء ابن عمرو بن سواد بن سلمة بكسر اللام
الأنصاري السلمي المدني، وهو أحد المكثرين الرواية عن رسول الله وَاجله،
روي له عن رسول الله ﴾ ﴾ ألف حديث وخمسمائة حديث وأربعون حديثا،
اتفق البخاري ومسلم منها على ستين حديثًا، وانفرد البخاري بستة وعشرين
ومسلم بمائة وستة وعشرين حديثا، توفي جابر بالمدينة سنة ثلاث وسبعين،
وقيل: ثمان وسبعين، وقيل: ثمان وستين وهو ابن أربع وتسعين سنة، وكان
(١) النجم الوهاج (٢٠٥/١٠)، ومنهاج الطالبين (ص ٣٣٩).
(٢) أخرجه مسلم (٤٣ و٤٤ و٤٥ - ٨٦٧)، وابن ماجه (٤٥)، والنسائى في المجتبى
١٠٥/٣ (١٣٢٧) و٣٤٢/٣ (١٥٩٤) و()، وابن حبان (١٠).

٥٢٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قد ذهب بصره في آخر عمره، فحيث أطلق جابر في الحدیث فالمراد به جابر
بن عبد الله، وإذا أرادوا جابر بن سمرة قيدوه بسمرة(١).
قوله: كان رسول الله وَ ل إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد
غضبه، الحديث ؛ قال النووي (٢): في الحديث جمل من الفوائد ومهمات من
القواعد فيستدل به على أنه يستحب للخطيب أن يفخم أمر الخطبة ويرفع
صوته لأنه هو المقصود من الخطبة ويجزل كلامه، ويكون مطابقا للفصل
الذي يتكلم فيه من ترغيب وترهيب.
وفي هذا الحديث دليل على وجوب الخطبة لقوله وَ له: ((صلوا كما
رأيتموني أصلي))(٣)، ولعل اشتداد غضبه كان عند إنذاره أمرًا عظيمًا وتحذيره
صلىالله
خطبا جسيمًا (٤)؛ لأن المقصود بالخطبة الوعظ والتحذير، وقد كان النبي
وَسَّلـ
يواظب على الوصية بالتقوى في خطبته، كما رواه مسلم(٥)، وروي أنه وَلايقول
قال في خطبته: ((الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر، والآخرة وعد
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٤٢ - ١٤٣ ترجمة ١٠٠).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٥٢/٦ - ١٥٦).
(٣) المجموع (٤ / ٥١٥- ٥١٦).
(٤) شرح النووي على مسلم (١٥٦/٦)
(٥) النجم الوهاج (٢/ ٤٨٦). وعزوه الحديث لمسلم تبعه ابن الملقن في البدر المنير
(٤١٢/١١) وتعقبه ابن حجر في التلخيص الحبير (١١٩/٢) فقال: لم أر هذا، وفي مسند
أحمد ((عن النعمان بن بشير سمعت رسول الله و ﴿ يخطب: أنذركم النار أنذركم النار)) ...
الحدیث، وفي رواية له: «سمع أهل السوق صوته)).

٥٢٩
مقدمة المؤلف
صادق يحكم فيها ملك قادر، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء
الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا)) (١)؛ وهذا الغرض هو مقصود الخطبة؛ ولا
يكفي الاقتصار على التحذير من الاغترار بالدنيا وزخارفها، بل لابد من
الحث على الطاعة والمنع من المعاصي (٢)، وهذا هو المراد بقول الفقهاء في
كتب الفقه: والوصية بالتقوى؛ والتقوى: امتثال أمر الله تعالى واجتناب نهيه،
ولهذا قال إمام الحرمين في الوصية بالتقوى في الخطبة لا يكفى أن يقول:
اتقوا الله، بل لابد من فصل [يهز السامع كما جرى عليه الأولون](٣).
قوله: الدنيا عرض، العرض بفتحتين: حطام الدنيا ومالها قل أو كثر، وإنما
سمي عرضا لأن المال لا يبقى على أحد بل هو سريع الانتقال من مالك إلى
مالك كالأعراض القائمة بالجواهر (٤).
(١) أخرجه الشافعى في المسند (٦٧٢) والأم (١/ ٢٣٢) عن عمرو بن دينار مرسلًا. وأخرجه
الطبراني في الكبير (٢٨٨/٧ رقم ٧١٥٨) وابن عدى في الكامل (٤٥٠/٥)، والبيهقي في
الكبرى (٣٠٥/٢ -٣٠٦ رقم ٥٨٠٧ و ٥٨٠٨) عن شداد بن أوس. قال ابن عدى: ولأبي
مهدي سعيد بن سنان هذا غير ما ذكرت من الأحاديث، وعامة ما يرويه وخاصة عن أبي
الزاهرية غير محفوظة ولو قلت إنه هو الذي يرويه عن أبي الزاهرية لا غيره، جاز ذلك
لي، وكان من صالحي أهل الشام وأفاضلهم، إلا أن في بعض رواياته ما فيه.
وقال الهيثمى في المجمع ١٨٨/٢ - ١٨٩: رواه الطبراني في الكبير وفيه أبو مهدي سعيد
بن سنان وهو ضعيف جدا. وضعفه الألباني في المشكاة (٥٢١٧)
(٢) النجم الوهاج (٤٦٨/٢).
(٣) انظر مقدمة نهاية المطلب (ص٢٥٤)، والنجم الوهاج (٤٦٨/٢).
(٤) شرح الأربعين الودعانية (ح ٣٦/ ص ٢٩٢).

٥٣٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وقال القرطبي(١): قوله: ((كان إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته))، كان
هذا من [٦٩/ ب] غالب أحواله ،عَلَا)، وهذا أوقع في النفس وادعى لتأثير
الوعظ في القلب، فينبغي للواعظ أن يتاعطاه، وأما اشتداد غضبه فيحتمل أن
يكون عند أمر خولف فيه أو أن صفته صفة للغضب.
وقوله: ((كأنه منذر جيش))، ومنذر الجيش: هو المخبر بجيش العدو الذي
يخوف به(٢)، أي: هو مخبرهم بما يحذرون منه من مجيء عدوهم صباحا أو
مساءًا، وأصل الإنذار: الإعلام، يقال: أنذرته أنذره إنذارًا إذا أعلمته فأنا منذر
ونذير أي: معلم ومخوف ومحذر، ومن هذا قوله وَّ: ((إنما مثلي ومثلكم
كمثل رجل أنذر جيشًا فقال: أنا النذير العريان)) لأنه أبين للعين وأغرب
وأشنع عن المبصر، وذلك أن ربيئة القوم وعينهم تكون على مكان عالٍ، فإذا
رأى العدو وقد أقبل نزع ثوبه وألاح به لينذر قومه ويبقى عريانا(٣).
قوله: ((صبحكم ومساكم))، أي: أتاكم الجيش وقت الصباح وأتاكم وقت
المساء، أو سيصبحكم العدو، ومعناه: الإغارة وكذلك مساكم أي: سيمسيكم(٤).
قوله وَله: ((بعثت أنا والساعة كهاتين))، أي: بعثني الله قريبا من الساعة
فتنبهوا من نوم الغفلة(٥)، ويجوز في الساعة النصب والضم؛ قال النووي:
(١) المفهم (١٣٦/٧).
(٢) المفهم (٧/ ١٣٧).
(٣) النهاية (٢٢٥/٣) و(٣٨/٥-٣٩).
(٤) المفاتيح (٣٢٩/٢)، وشرح المصابيح (٢٣٩/٢) لابن الملك.
(٥) المفاتيح (٣٢٩/٢).

٥٣١
مقدمة المؤلف
والمشهور النصب لأن التشبيه وقع بالتفاوت الذي بين رؤوسهما إشارة إلى
ما بينه وبين الساعة كقرب السبابة من الوسطى؛ ولهذا ذكر السهيلي أن ذلك
نصف سبع أصبع فيكون تأخير القيامة بمقدار ذلك(١)، والله أعلم ؛ واختلف
في المراد به، فقيل: المراد بينهما شيء يسير كما بين الإصبعين في الطول ؛
وقال القاضي عياض: يحتمل أنه تمثيل لمقاربتهما وأنه ليس بينهما أصبع
أخرى كما أنه لا نبي بينه وبين الساعة، وقال بعضهم: المراد به أنه وَّ﴾ ليس
بينه وبين الساعة نبي كما أنه ليس بين السبابة والوسطى أصبع، قال القاضي:
ويحتمل أنه لتقريب ما بينهما بالمدة وأن التقارب بينهما كنسبة التقارب بين
الإصبعين تقريبا لا تحديدًا (٢)، انتهى، وقيل: هو إشارة إلى قربه من الساعة،
ثم اختلفوا في معنى القرب: هل هو بالنسبة إلى طول ما بين الإصبعين طولا
أو عرضا ورجحوا الطول، والله أعلم.
قوله: (ويقرن بين إصبعيه)) بضم الراء على المشهور الفصيح، وحكي
كسرها أيضا، وسميت السبابة بذلك لأنهم كانوا يشيرون بها عند السب(٣)،
والسبابة أيضًا تسمى بالمسبحة بكسر الموحدة المشددة، وهي التي تلي
الإبهام، وسميت أيضا بالسبابة لأن الناس يشيرون بها، وسميت بالمسبحة
(١) عزاه السهيلى للطبرى كما في الروض الأنف (٤٢٠/٤).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٥٥/٦).
(٣) شرح النووي على مسلم (١٥٤/٦)، والبعلى في المطلع على ألفاظ المقنع (١٠٠/١)،
وفتح البارى (١١/ ٣٤٩).

٥٣٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
لأن المصلي يشير بها إلى التوحيد والتنزيه الله عز وجل عن الشريك(١).
صَلى الله
فائدة: قوله وَلقوله: ((بعثت أنا الساعة كهاتين))، وقد قيل: ثبت أن النبي
وَسِلم
سئل عن الساعة؟ فقال: ((ما المسؤول عنها بأعلم من [٧٠/ أ] السائل))
الحديث، هذا يدل على أنه لم يكن عنده وَّ علم بالساعة، ورويتم عنه وَثل
في هذا الحديث أنه قال: ((بعثت أنا والساعة كهاتين)) وهذا يدل على أنه وَله
كان عالما بهذا، فكيف يأتلف الخبران؟ فيقال له: قد نطق القرآن العظيم
بقوله الحق: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِيٌّ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَّ﴾(٢) الآية،
فلم يكن يعلمها هو ولا غيره ؛ وأما قوله: ((بعثت أنا والساعة كهاتين)) فمعناه:
أنا النبي الآخر فلا يليني نبي آخر وإنما يليني القيامة كما تلي السبابة الوسطى
وليس بينهما أصبع أخرى، وهذا لا يوجب أن يكون له علم بالساعة نفسها،
وهي مع ذلك دانية لأن شروحها متتابعة، وقد ذكر الله تعالى الأشراط في
القرآن فقال تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾(٣) أي: دنت، وأولها: النبي ◌َّ لا
نبي آخر الزمان، وقد بعث ◌ُّله وليس بينه وبين القيامة نبي، ثم بين وَّل ما يليه
من الأشراط فقال: ((أن تلد الأمة ربتها)) إلى غير ذلك، قاله في التذكرة(٤).
(١) مطالع الأنوار (٤٤٠/٥-٤٤١)، والكواكب الدرارى (٨٠/٢١)، وفتح البارى
(٣٤٩/١١).
(٢) سورة الأعراف، الآية: ١٨٧.
(٣) سورة محمد، الآية: ١٨.
(٤) التذكرة (ص ١٢١٨ - ١٢١٩).