النص المفهرس
صفحات 501-520
٤٩٣
مقدمة المؤلف
قوله: عن عبد الله بن مسعود، وروي له عن رسول الله وَ له ثمانمائة حديث
وثمانية وأربعون حديثا (١)، وتقدم الكلام على مناقبه.
قوله {َّه: ((إن هذا القرآن شافع مشفع)) فذكر إلى أن قال: ((ومن تركه أو
أعرض عنه)) يعني: القرآن (زخ في قفاه إلى النار)) الحديث، زخه بالزاي
والخاء المعجمة: دفعه في وهدة، وفي حديث أبي موسى: ((من يتبع القرآن
يهبط به على رياض الجنة ومن يتتبع القرآن يزخ في قفاه ويقذف به في نار
جهنم))(٢)، والزج بالزاي والجيم الحديدة التي في أسفل الرمح، يقال:
القرآن (٢٣)، والطبراني في الكبير (١٣٢/٩ رقم ٨٦٥٥)
وأخرجه الطبراني (١٩٨/١٠ رقم ١٠٤٥٠) وابن عدى في الكامل (٣٠/٤)، وابن أبي
شريح في المائة الشريحية (٢)، وأبو نعيم في الحلية (٤ /١٠٨) عن ابن مسعود مرفوعًا.
وقال الدارقطنى في العلل (٧٤٨): والصحيح، عن ابن مسعود، موقوف. قال الهيثمي في
المجمع ١٧١/١: رواه البزار هكذا موقوفا على ابن مسعود. وضعفه الألباني في ضعيف
الترغيب (٣٢).
وأما حديث جابر: أخرجه البزار (١٢٢ / كشف الأستار)، وابن حبان (١٧٩٣)، والبيهقي
في الشعب (٣٨٩/٣-٣٩٠ رقم ١٨٥٥) عن جابر. قال البزار: لا نعلم أحدا يرويه عن
جابر إلا من هذا الوجه. قال الهيثمى في المجمع ١٧١/١: ورجال حديث جابر المرفوع
ثقات، ورجال أثر ابن مسعود فيه المعلی الکندي، وقد وثقه ابن حبان. وصححه الألباني
في الصحيحة (٢٠١٩) وصحيح الترغيب (١٤٢٣).
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٢٨٨/١).
(٢) أخرجه أبو عبيد في الفضائل (ص ٢٥ رقم ٥٤، ٥٥)، وفي غريب الحديث (٤/ ١٧٢ -
١٧٣)، وسعيد بن منصور في التفسير (٨)، وابن أبي شيبة ١٢٦/٦ (٣٠٠١٤)
و٧/ ١٤٢ (٣٤٨٢١)، والدارمى (٣٣٧١)، والفريابي في الفضائل (ص١٢٨ - ١٢٩ رقم
٤٩٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
أزججت الرجل أزجه زجا إذا طعنته بالزج وهي الحديدة التي في أسفل
الرمح، والزج أيضًا: طرف المرفق، والزج بضم الزاي، قاله الجوهري في
صحاحه(١).
قوله: رواه البزار هكذا موقوفًا على ابن مسعود، تقدم الكلام على
الحديث الموقوف في اصطلاح المحدثين.
٧٠ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ خطب رَسُول الله وَِّ فَقَالَ إِن الله قد أعْطى
كل ذي حق حقه إِلَّا أن الله قد فرض فَرائض وَسن سننا وحد حدودا وَأحل
خَلَاَلا وَحرم حَرَامًا وَشرع الدّين فَجعله سهلا سَمحا وَاسِعًا وَلم يَجعله ضيقا
أَلا إِنَّه لَا إِيمَان لمن لَا أَمَانَة لَهُ وَلَا دين لمن لا عهد لَهُ وَمن نكث ذمَّة الله طلبه
ومن نکث ذِمَّتِي خاصمته وَمن خاصمته فلجت عَلَيْهِ وَمن نکث ذِمَّتِي لم ينل
(٢)
شَفَاعَتِي وَلم يرد على الْحَوْضِ الحَدِيثِ رَوَاهُ الطّبْرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ.
=
٢٢)، وابن الضريس في فضائل القرآن (٦٧)، الآجري في أخلاق أهل القرآن (ص ٤٠ رقم
(٣)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٥٧) والبيهقي في الشعب (٣٩٦/٣ رقم ١٨٦٦).
(١) الصحاح (٣١٨/١ - ٣١٩) و(١/ ٤٢٢).
(٢) أخرجه مسدد كما في اتحاف الخيرة ١٣٨/١ رقم ١٢٧/ ٢) والمطالب (١/٢٩١٣)،
وأبو يعلى (٢٤٥٨)، والطبراني في الكبير (٢١٣/١١ رقم ١١٥٣٢).
قال الهيثمى في المجمع ١/ ١٧٢ : رواه الطبراني في الكبير، وفيه حسين بن قيس الملقب
بحنش، وهو متروك الحديث. قال البوصيرى: هذا إسناد مداره على حسين بن قيس
الرحبي المعروف بحنش، وقد ضعفه ابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة والبخاري والساجي
والعقيلي والدارقطني وابن عدي وابن عبد البر وغيرهم. رواه الطبراني في الكبير بسند
ضعيف. وضعفه الألباني جدا في ضعيف الترغيب (٣٣).
٤٩٥
مقدمة المؤلف
قَوْله: فلجت عَلَيْهِ بِالْجِيمِ أَي ظَهرت عَلَيْهِ بِالْحِجَّةِ والبرهان وظفرت بِهِ.
قوله: عن ابن عباس، تقدم.
قوله ◌َّة: ((وشرع الدين فجعله سهلا سمحا واسعا ولم ضيقًا)) الحديث،
قد تكرر في الحديث ذكر الشرع والشريعة وهو: ما شرع الله تعالى لعباده من
الدين أي سنه لهم وافترضه عليهم، يقال: شرع لهم يشرع شرعا فهو شارع،
وقد شرع الدين شرعا إذا أظهره وبينه والشارع الطريق الأعظم والشريعة
مورد الإبل على الماء الجاري(١). انتهى.
قوله وَله: ((ومن نكث ذمة الله طلبه، ومن نكث ذمتي خاصمته، ومن
خاصمته، فلجت عليه)) الحديث، والمراد بقوله: ((ومن نكث ذمة الله)) النكث:
نقض العهد، يقال: نكث الحبل والعهد فانتكث أي نقضه فانتقض(٢)، والله
أعلم، والمراد بذمة الله تعالى أي ضمان الله وعهده وأهل الذمة أهل العهد وهو
ما أعطوا من الأمان على دمائهم وقيل للمعاهد ذمي من ذلك(٣).
وقوله: ((ومن خاصمته)) المخاصمة المحاججة والمجادلة. وقوله:
((فلجت عليه)) بالجيم أي ظهرت عليه بالحجة والبرهان، وظفرت به،
والبرهان هو الحجة القاطعة (٤).
(١) النهاية (٢ / ٤٦٠).
(٢) النهاية (١١٤/٥).
(٣) تفسير غريب ما في الصحيحين (ص ١٠١)، ومطالع الأنوار (٧٨/٣).
(٤) التعيين (ص ٨)، وجامع العلوم والحكم (٦٤٦/٢).
٤٩٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٧١- وَعَنِ عَابس بن ربيعَة قَالَ رَأَيْت عمر بن الخطاب رََّهُ يقبل الحجر
يَعْنِي الأسود وَيَقُول إِّي لأَعْلم أَنَّك حجر لَا تَنْفَعِ وَلَا تضر وَلَوْلًا أَنِّي رَأَيْت رَسُول
الله ◌َّ يقبلك مَا قبلتك. رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُدْ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ(١).
قوله: وعن عابس بن ربيعة، وعابس بفتح العين المهملة وبعد الألف باء
موحدة مكسورة وسين مهملة، ابن ربيعة النخعي، روى عن عمر وعلي
وحذيفة وعائشة، قال أبو داود: جاهلي، سمع من عمر رقّ ◌َّ﴾(٢).
قوله: رأيت عمر بن الخطاب يقبل الحجر الأسود، تقدم الكلام على
مناقب عمر نظّه، وهذا الحديث أصل عظيم في الإتباع واقتفاء الآثار النبوية
وترك ما كانت الجاهلية عليه من تعظيم الأصنام والأحجار. [٦٤ /أ]
والإعلام بأن النفع والضر بيد الله عز وجل وأن الأحجار لا تنفع من حيث
هي بل لما أودع فيها (٣)، ففي هذا الحديث متابعة السنن وإن لم نعقل
معناها(٤)؛ قال الطبري(٥): إنما قال ذلك عمر رضي الله تعالى عنه، والله
أعلم، لأن الناس كانوا حديث عهد بعبادة الأصنام فخشي عمر نقولله أن يظن
الجهال أن استلام الحجر هو مثل ما كانت العرب تفعله، فأراد عمر رَ ◌ّلهم أن
(١) أخرجه البخاري (١٥٩٧) و(١٦٠٥) و(١٦١٠)، ومسلم (٢٤٨ و٢٤٩ و٢٥٠ و٢٥١-
١٢٧٠) و(٢٥٢ - ١٢٧١)، وأبو داود (١٨٧٣)، والترمذى (٨٦٠)، والنسائى في
المجتبی ٢٢٧/٥(٢٩٥٨) و٢٢٨/٥(٢٩٥٩).
(٢) تهذيب الكمال (١٣ / ٤٧٢ -٤٧٣ الترجمة ٣٠٠١).
(٣) العدة (٢/ ١٠٠٠)، والإعلام (١٩٠/٦-١٩١).
(٤) معالم السنن (١٩١/٢)، كشف المشكل (٩٦/١)، والإعلام (١٩٠/٦).
(٥) انظر شرح الصحيح (٢٧٨/٤) لابن بطال.
٤٩٧
مقدمة المؤلف
يعلم أن استلامه لا يقصد به إلا تعظيم الله والوقوف على أمر نبيه عليه
الصلاة والسلام، وأن ذلك من شعائر الحج التي أمر الله تعالى بتعظيمها وأن
استلامه مخالف لفعل الجاهلية في عبادتهم الأصنام لأنهم كانوا يعتقدون أنها
تقربهم إلى الله زلفى، فنبه عمر رَو ◌َّهُ على مجانبة هذا الاعتقاد وأنه لا ينبغي
أن يُعبد إلا من يملك الضر والنفع وهو الله تعالى، قاله الحافظ المنذري في
حواشي مختصر سنن أبي داود(١).
وقال شيخ الإسلام النووي قدس الله سره(٢): هذا الحديث فيه فوائد منها:
استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف بعد استلامه أى من غير صوت
يظهر من التقبيل، وكذا يستحب السجود على الحجر أيضًا بأن يضع جبهته
عليه فيستحب أن يستلمه ثم يقبله ثم يضع جبهته عليه، هذا مذهبنا ومذهب
الجمهور، وحكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب وابن عباس وطاووس
والشافعي وأحمد قال، وبه أقول، وانفرد الإمام مالك عن العلماء فقال:
السجود عليه بدعة، واعترض عليه القاضي عياض المالكي لشذوذ مالك في
هذه المسألة عن العلماء، وأما الركن اليماني فيستلمه ولا يقبله بل يقبل اليد
بعد استلامه، هذا مذهبنا، وبه قال جابر بن عبد الله وأبو سعيد الخدري وأبو
هريرة رضي الله عنهم، وقال أبو حنيفة: لا يستلمه، وقال مالك والإمام
أحمد: يستلمه ولا يقبل اليد بعده، وعن مالك رواية أنه يقبله، وعن الإمام
(١) انظر معالم السنن (٢/ ١٩١)، ومختصر السنن (٣٧٣/٢)، والعدة شرح العمدة (١٠٠٠/٢).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٦/٩).
٤٩٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
أحمد رواية أنه يقبله، والله أعلم. وأما قول عمر رَّ ه: إني لأعلم أنك حجر
لا تضر ولا تنفع فأراد به بيان الحديث على الإقتداء برسول الله وَلا في تقبيله،
ونبه على أنه لولا الإقتداء لما فعلته(١).
تتمة: قال أبو سعيد الخدري: حججنا مع عمر بن الخطاب في أول حجة
حجها في إمارته، فلما دخل المسجد الحرام دنا من الحجر فقبله واستلمه
وقال: أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، الحديث، فقال له علي رقُێه: بلى يا
أمير المؤمنين إنه ليضر وينفع، ولو علمت ذلك في كتاب الله لعلمت الذي
أقول لك إن صح كما أقول، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِيّ ءَادَمَ مِن
ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمٌّ قَالُواْ بَلَى﴾(٢) الآية،
فلما أقروا أنه الرب عز وجل وأنهم العبيد وكتب ميثاقهم في رق ثم ألقمه من
الحجج وأنه يبعث وله عينان ولسان وشفتان يشهد لمن وافاه بالموافاة فهو
أمين الله عز وجل في هذا المكان، ألا ترى أنه يقول إيمانا بك وتصديقا بكتابك
ووفاء بعهدك هو هذا العهد (٣)، قاله في مختصر مجمع الأحباب(2).
(١) المصدر السابق.
(٢) سورة الأعراف، الآية: ١٧٢ .
(٣) أخرجه ابن شاهين في الترغيب في الفضائل (٣٣٥)، والحاكم (١ /٤٥٧)، والبيهقي في الشعب
(٤٨٠/٥ - ٤٨١ رقم ٣٧٤٩). قال الحاكم: ليس من شرط الشيخين فإنهما لم يحتجا بأبي
هارون عمارة بن جوين العبدي، وتعقبه الذهبى فقال: قلت: أبو هارون ساقط. وقال ابن حجر
في التلخيص الحبير (٥٣٥/٢): وفي إسناده أبو هارون العبدي وهو ضعيف جدًّا.
(٤) مجمع الأحباب (لوحة ٧٢ - ٧٣).
٤٩٩
مقدمة المؤلف
فائدة: اعلم أن التقبيل لا يشرع إلا للحجر الأسود والمصحف ولأيدي
الصالحين والعلماء، ومما يسن له التقبيل بين عيني الموتى وشفاههم وكذا
شفة من نطق [٦٤/ ب] بحكمة أو علم ينتفع به وكل ذلك ثابت في
الأحاديث الصحيحة وفعل السلف؛ فأما تقبيل الأحجار والقبور والجدران
والستور وأيدي الظلمة والفسقة واستلامها فلا يجوز حتى حجارة الكعبة
والقبر النبوي أو الحجرة أو ستورها أو صخرة بيت المقدس فإن ذلك تعظيم
وهو خاص بالله تعالى، فلا يجوز إلا فيما أذن فيه، قاله ابن العطار في شرح
العمدة(١)، والله أعلم.
فائدة لها مناسبة بحديث تقبيل الحجر الأسود: مِنَ الْبِدَع تَقْبِيلُ الْخُبْزِ وَهُوَ
بِدْعَةٌ لَا تَجُوزُ، وَقَدْ أَفْتَى جَمَاعَةٌ أَنَّهُ يَجُوزُ دَوْسُهُ وَلَا يَجُوزُ بَوْسُهُ، لَكِنَّ دَوْسَهُ
خِلَافُ الْأَوْلَى، وَرُبَّمَا كَرِهَهُ بَعْضُهُمْ، وَأَمَّا بَوْسُهُ فَهُوَ بِدْعَةٌ وَارْتِكَابُ الْبِدَع لَا
يَجُوزُ، وَانْظُرْ إِلَى قَوْلِ عمر رَّهَ فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ: إِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ لَا تَضُرُّ
وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِوَلِ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ، هَذَا وَهُوَ الْحَجَرُ
الْأَسْوَدُ الَّذِي هُوَ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ وَهُوَ يَمِينُ اللهِ فِي الْأَرْضِ يُصَافِحُ بِهَا
خَلْقَهُ، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ تَقْبِيلُ الْخُبْزِ؟ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ إِكْرَامُهُ
وَرَفْعُهُ مِنْ تَحْتِ الْأَقْدَامِ مِنْ غَيْرِ تَقْبِيلِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي إِكْرَامِ الْخُبْزِ أَحَادِيثُ لَا
أَعْلَمُ فِيهَا شَيْئًا صَحِيحًا وَلَا حَسَنًا. انتهى، قاله ابن النحاس في تنبيهه(٢).
(١) العدة شرح العمدة (١٠٠١/٢).
(٢) تنبيه الغافلين (ص ٥١٥ - ٥١٦)، وذكره السيوطي في الحاوي (١/ ٢٢١).
٥٠٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٧٢- وَعَنِ عُرْوَة بن عبد الله بن قُشَيْرِ قَالَ حَدثْنِي مُعَاوِيَة بن قُرَّة عَن أَبيه
قَالَ أتيت رَسُول الله وَُّ فِي رَهْط من مزينة فَبَايَعْنَاهُ وَإِنَّهُ لمُطلق الأزرار
فأدخلت يَدي فِي جنب قَمِيصه فمسست الْخَاتم قَالَ عُرْوَةٍ فَمَا رَأَيْت مُعَاوِيَة
وَلَا ابْنه قطّ فِي شتاء وَلَا صيف إِلَّا مطلقي الأزرار رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن حبَان
فِي صَحِيحِه وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ ابْن مَاجَه إِلَّا مُطلقة أزرارهما(١).
قوله: عن عروة بن عبد الله بن قشير، وهو الجعفي، عن ابن سيرين
وطائفة، وعنه سفيان وزهير بن معاوية، وثق(٢).
قوله: قال حدثني معاوية بن قرة عن أبيه، ووالد معاوية هو قرة بن إياس
المزني، له صحبة وهو جد إياس بن معاوية بن قرة، قاضي البصرة(٣).
وذكر الدار قطني: أن هذا الحديث تفرد به عروة بن قشير بن معاوية بن قرة
بن إياس المزني أبو إياس البصري، روى عن أنس بن مالك وعائذ بن عمرو
وعبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مغفل المزني وغيرهم، روی عنه:
ابن إياس بن معاوية وشعبة وشهر بن حوشب وعروة بن عبد الله بن قشير
وغيرهم، وثقه الجماعة، وذكره ابن حبان فيهم، كان معاوية بن قرة يقول:
(١) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٣٥٦/١ و٤٢٦/١ و٤٦٠/١)، وأحمد ٤٣٤/٣
(١٥٥٨١) و١٩/٤ (١٦٢٤٣) و٣٥/٥ (٢٠٣٦٨)، وأبو داود (٤٠٨٢)، والترمذى في
الشمائل (٥٩)، وابن ماجه (٣٥٧٨)، وابن حبان (٥٤٥٢) والبغوي في الجعديات
(٢٦٨٢). وصححه الألباني في ((المشكاة)) (٤٣٣٦)، ((صحيح الترغيب)) (٤٥).
(٢) الكاشف (١٩/٢).
(٣) المؤتلف والمختلف (٢/ ١٠٥١)، وتهذيب الأسماء واللغات (٦٠/٢ الترجمة ٥٠٩)
٥٠١
مقدمة المؤلف
لقيت من أصحاب النبي ◌َّ كثيرًا منهم خمسة وعشرين رجلا من مزينة،
وكان يقول: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي وَّة، قيل: إنه ولد يوم الجمل
ومات سنة عشرة ومائة وهو ابن ست وسبعين سنة، روى له الجماعة(١).
وأما ولده إياس بن معاوية بن قرة بن إياس فروى عن أنس بن مالك
وسعيد بن جبير وابن المسيب وابنه وغيرهم، كان يقول: أذكر الليلة التي
ولدت فيها قذفت أمي على رأسي جفنة، وقال عبد الله بن شوذب: كان يقال
يولد في كل مائة سنة رجل تام العقل، وكانوا يرون أن إياس بن معاوية منهم،
وكان إياس على قضاء البصرة، وكان فقيهًا عفيفا، دخل عليه ثلاث نسوة
فقال: أما واحدة فمرضع والأخرى بكر والأخرى ثيب، فقيل له: بما علمت
ذلك ؟ قال: أما المرضع فلما قعدت أمسكت ثديها بيدها، وأما البكر فلما
دخلت فلم تلتفت إلى أحد، وأما الثيب. [٦٥ / أ] فلما دخلت نظرت ورمت
بعينها (٢)، انتهى، قاله في الديباجة.
قوله: أتيت رسول الله وَله في رهط من مزينة، الحديث؛ الرهط: ما دون
العشرة من الرجال خاصة، لا يكون لهم امرأة، وليس له واحد من لفظه،
والجمع: أرهط وأرهاط وأراهط وأراهيط(٣)، وتقدم الكلام على النفر
والرهط في حديث الصخرة في أوائل هذا التعليق مبسوطًا، والله أعلم؛
(١) تهذيب الكمال (٢٨ / الترجمة ٦٠٦٥)
(٢) تهذيب الكمال (٣/ الترجمة ٥٩٤).
(٣) الصحاح (١١٢٨/٣).
٥٠٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ومزينة: اسم قبيلة معروفة.
قوله: فبايعناه، والمبايعة: المعاهدة، مأخوذة من البيع، وسيأتي الكلام
على ذلك في مواضع متعددة من هذا التعليق، والله اعلم.
قوله: وإنه لمطلق الإزار، أي: لمفتوح الإزار؛ والأزرار: جمع زر، وهي ما
يعلق بالعروة، والعروة: حلق الجيب(١).
قوله: فأدخلت يدي في جيب قميصه، قال الحافظ: جيب القميص هو
الخرق الذي يخرج الإنسان منه رأسه، يعني: كان جيب قميص رسول الله
وَالر واسعا ولم يكن مشدودًا، وكانت عادة العرب أن تكون جيوبهم واسعة
فربما يشدونها وربما يتركونها (٢)، وروى الحاكم وابن خزيمة وأبو داود
والنسائي عن سلمة بن الأكوع رقُوالَّه أنه قال: قلت يا رسول الله إنا نصيد
أفنصلي في الثوب الواحد، قال: ((نعم [وازرره ولو بشوكة])) (٣) أي إذا كان
جیب القميص واسعًا یظهر منه عورته، فعليه أن يزرره(٤).
وأشار النووي -قدس الله روحه- إلى أنه إذا لم يفعل شيئًا من ذلك تنعقد
الصلاة ثم تبطل عند الانحناء، هذا هو الأصح، وقيل: لا تنعقد أصلاً(٥).
(١) المفاتيح (١٥/٥).
(٢) المصدر السابق.
(٣) أخرجه أبو داود (٦٣٢)، والنسائى في المجتبى ٢٣٨/٢ (٧٧٧) والكبرى (٨٤٣)، وابن
خزيمة (٧٧٧) و(٧٧٨)، وابن حبان (٢٢٩٤)، والحاكم (١/ ٢٥٠). وصححه الحاكم
ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني في الإرواء (٢٦٨).
(٤) المفاتيح (٢/ ٩٣).
(٥) النجم الوهاج (١٩٥/٢).
٥٠٣
مقدمة المؤلف
قال النووي في كتب الفقه(١): فَلَوْ رُئِيَتْ عَوْرَتُهُ مِنْ جَيْبِهِ فِي رُكُوعٍ أَوْ غَيْرِهِ
لَمْ يَكْفِ فَلْيُزِرَّهُ، أَوْ يَشُدَّ وَسَطَهُ، أي لعدم الشرط لتستدام الصحة.
وقد اختلف العلماء في صلاة الرجل محلول الأزرار وليس عليه إزار،
فمنعه الإمام أحمد بن حنبل والشافعي لعلة النظر لعورته إلا إذا استتر ذلك
بلحيته أو نحوها، وأجازه مالك وأبو حنيفة والثوري وأصحاب الرأي (٢).
واعلم أنه لو اتزر وصلى على علو بحيث ترى عورته من تحته لا يضره
بخلاف ما لو رئیت من طوقه ونحو ذلك، وهذا عكس الخف فإنه يجب أن
يستر محل الفرض من أسفل لا من أعلى (٣). انتهى. [قاله في شرح (الإلمام)]
قوله: فأدخلت يدي في جيب قميصه. الحديث، جيب القميص: هو
الخرق الذي يخرج الإنسان منه رأسه (٤)، يعني كان جيب قميص رسول الله
وَّر واسعًا ولم يكن مشدودًا (٥)، وفي تاريخ ابن الفرات الحنفي: عن أنس بن
مالك ◌َ ◌ّهُ قال: كان قميص رسول الله وَّة قطنًا قصير الطول قصير
الكمين (٢)] سئل الشيخ الإمام محمد بن عبد الله الزركشي الشافعي: عن
(١) انظر منهاج الطالبين (ص ٣١)، والنجم الوهاج (١٩٤/٢).
(٢) انظر رياض الأفهام (٢/ ٤٥٧) والمفهم (٤١/٥).
(٣) النجم الوهاج (٢/ ١٩٤).
(٤) قاله المنذرى كما في باب (الترهيب من النياحة على الميت والنعي ولطم الخدّ وخمش
الوجه وشق الجيب) كتاب الجنائز.
(٥) شرح المصابيح (٢٠/٥) لابن الملك.
(٦) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٤٥٨/١).
٥٠٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
كيفية قميص النبي وَّ هل كان مفتوح الصدر أو على هيئة الدلق فأجاب -
قدس الله سره -: ظاهر النقل يقتضي أنه كان مفتوحًا لحديث عروة بن عبد
الله بن قشير المتقدم وفي آخره (وإنه لمطلق الإزار)، وفي تاريخ ابن الفرات
الحنفي عن أنس بن مالك زَوّه قال: كان قميص رسول الله وَّ قطنًا قصير
الطول قصير الكمين(١).
مسألة أيضًا في السراويل: سئل الزركشي أيضًا عن السراويل: هل لبسه
النبي وَيّ؟ فأجاب- رحمه الله تعالى- أيضاً: وأما السراويل فروى الترمذي:
أن النبي وَيّ اشتراه لكن لم يذكر أنه لبسه، فاعتمد على ذلك بعضهم وهو
الشيخ تقي الدين السبكي في فتاويه(٢) فقال: إنه اشتراه ولم يلبسه، وصار
لبسه حسنًا لأجل (الستر)، وقال الزركشي: قلت [٦٥/ ب]: لكن البيهقي في
شعب الإيمان روى عن أبي هريرة رَّهُ قال: قلت يا رسول الله وَّله إنك
لتلبس السراويل؟ قال: نعم بالليل والنهار وفي السفر والحضر(٣) [وأول من
لبسه إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وجوز في تركه النبي ◌َّ ولم يلبسه
(١) مر تخريجه.
(٢) الفتاوى (٢/ ٥٥٠) للسبكى.
(٣) أخرجه ابن حبان في المجروحين (٢/ ٥١)، والطبراني في الأوسط (٣٤٩/٦ -٣٥٠ رقم
٦٥٩٤)، والبيهقي في الآداب (٥٠٩) والشعب (٢٨٣/٨ - ٢٨٤ رقم ٥٨٣٠).
قال ابن الجوزي في الموضوعات (٤٧/٣): هذا حديث لا يصح، قال الدار قطني: الحمل
فيه على يوسف بن زياد لأنه مشهور بالأباطيل، ولم يروه عن الافريقي غيره، وقال ابن
حبان: الافريقي يروي الموضوعات عن الأثبات، وضعفه یحیی.
٥٠٥
مقدمة المؤلف
عثمان أبدًا إلا يوم قتل]، وعن علي رَّلَهُ قال: كنت قاعدًا عند النبي وَّ في
البقيع يوم (وجد) مطر فمرت امرأة على حمار ومعها (مكاري) فهوت يد
الحمار في وهدة من الأرض فسقطت المرأة، فأعرض النبي وَّ عنها بوجهه،
قال: فقال: يا رسول الله إنها متسرولة، قال: ((اللهم اغفر للمتسرولات من
أمتي)) يقولها ثلاثًا، ((أيها الناس اتخذوا السراويلات فإنها من أستر ثيابكم
وخصوا بها نسائكم إذا خرجن من بيوتهن))(١) انتهى، نقل من تفصيل
الإجمال في تعارض الأقوال للشيخ صلاح الدين العلائي، وفي تاريخ
أصبهان عن مالك عن ابن عتاهية أن النبي ◌َّ قال: ((إن الأرض تستغفر
للمصلي بالسراويل))(٢).
فرع: ومما يكره في الصلاة السدل وهو إرسال ثوبه عليه من كتفيه وهو
متزر وبطنه مكشوفة وأجازه ابن مالك وأصحابه، وقال أبو الفرج من
(١) أخرجه الفسوى في مشيخته (٤١)، والبزار (٨٩٨)، والعقيلى في الضعفاء (١ / ٥٤)، وابن
عدى (١/ ٤١٣)، والبيهقي في الآداب (٥١١) وابن الجوزي في الموضوعات (١٤٣٨).
قال البزار: وهذا الكلام لا نعلمه يروى عن النبي ◌َّ﴾، إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد
وإبراهيم بن زكريا، هذا لم يتابع على هذا الحديث وهو منكر الحديث. وقال العقيلى: لا
يعرف هذا الحديث إلا بهذا الشيخ فلا يتابع عليه. قال أبو حاتم في العلل (١٤٧٦): هذا
حدیث منکر، وإبراهیم مجهول.
وقال ابن عدي: ((وهذا الحديث منكر لا يرويه عن همام غير إبراهيم بن زكريا، ولا أعرفه
إلا من هذا الوجه)). وقال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع، والمتهم به إبراهيم بن زكريا.
(٢) أخرجه أبو الشيخ في طبقات أصبهان (١٥١/٤)، وعنه أبو نعيم في أخبار أصبهان
(٣٨٧/١). وقال الألباني: منكر الضعيفة (١٨٢٤).
٥٠٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
المالكية: ستر جميع الجسد في الصلاة لازم، وهو شاذ(١)، انتهى، قاله في
شرح الإلمام.
قوله في حديث عروة: فمسست الخاتم، مسست هو بكسر السين الأولى،
هذه هي اللغة المشهورة في لغة قليلة بفتحها حكاه أبو عبيدة والجوهري،
وقال الجوهري: يقال مسست الشيء بكسر السين أمسه بفتح الميم مساء
فهذه اللغة الفصيحة، قال: وحكى أبو عبيدة رحمه الله: مسست الشيء
بالفتح أمُسه بضم الميم (٢).
والخاتم فيه لغتان كسر التاء وفتحها، وهما قراءتان قرئ بهما في السبع، أي
خاتم النبوة أي خاتمه الذي ختمت به النبوة وهو أثر کان بین کتفیه ◌ًاآ نعت به في
الكتب المتقدمة، وكان علامة يعلم بها أنه النبي ◌َّ المبشر به في الكتب وصيانة
يصون بها نبوته عن تطرق التكذيب والقدح فيها صيانة المستوثق بالختم (٢).
وقيل: مكتوب عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله (٤)، وقيل: مكتوب عليه
توجه فإنك منصور (٥).
فائدة [جليلة] في صفة الخاتم وقدره: في سائر الأحاديث بین کتفيه،[ وقد
ذكر في حديث أنه على ظهر رسول الله ومحمد له ولم يبين محله من ظهره، وقد
(١) انظر إكمال المعلم (٤٣١/٢)، ورياض الأفهام (٢/ ٤٥٦)، والمفهم (٤٠/٥-٤١).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٦١/٨).
(٣) تحفة الأبرار (٢٠٩/١)، شرح المشكاة (٨٢٦/٣) للطيبى، الكواكب الدرارى (٣٦/٣ -٣٧).
(٤) حياة الحيوان (٢/ ٣٧٣).
(٥) شرف المصطفى (٢/ ١١١).
٥٠٧
مقدمة المؤلف
اختلفت الأحاديث في صفته وقدره(١)]، ففي حديث السائب بن يزيد أنه كان
بين كتفيه خاتم مثل زر الحجلة وهو في الصحيحين، والحجلة: بفتح الحاء
والجيم كما هو في الصحيح المشهور، وقال الترمذي: المراد بالحجلة هذا الطائر
المعروف، زرها: بيضها، والصواب: أنها حجلة السرير، واحدة: الحجال،
والحجلة: بيت العروس كالقبة يزين بالثياب والستور، ولها أزرار كبار وهو
[البشخانة]، وزرها: هو الذي يدخل في عروتها، هذا هو الصواب الذي قاله
الجمهور، قال: وروى البيهقي في دلائل النبوة عن الواقدي عن شيوخه أنهم قالوا:
لما شك في موت النبي وَّيّةٍ، قال بعضهم: قد مات، وقال بعضهم: لم يمت،
فوضعت أسماء بنت [٦٦/ أ] عميس يدها بين كتفيه وَله، فقالت: توفي رسول الله
وَ﴾ فقد رفع الخاتم من بين كتفيه، وكان هذا الذي عرف به موته، وأفاد الحاكم
في المستدرك عن وهب بن منبه أنه قال: لم يبعث الله نبيًا إلا وقد كانت عليه شامة
النبوة في يده اليمنى إلا نبينا وَّله، فإن شامة النبوة كانت بين كتفيه(٢).
وفي حديث جابر بن سمرة: فكأنه بيضة حمام، رواه مسلم(٣)، وفي رواية
الترمذي: كأنه غدة حمراء مثل بيضة الحمامة تشبه جسده(٤)، وفي حديث أبي
زيد بن أخطب أنه قيل له: وما الخاتم؟ قال: شعيرات مجتمعات، رواه
(١) زيادة في المخطوطة المغربية.
(٢) الروض الأنف (٢٢١/٢-٢٢٨)، وسبل الهدى والرشاد (٤٥/٢ -٥٠)، وحياة الحيوان
(٣٢٤/١-٣٢٥).
(٣) أخرجه مسلم (١١٠ - ٢٣٤٤).
(٤) أخرجه مسلم (١٠٩ - ٢٣٤٤)، والترمذى (٣٦٤٤) والشمائل (١٧).
٥٠٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الترمذي في الشمائل(١)، ورواه الحاكم بلفظ: شعر مجتمع(٢)، وفي حديث
عبد الله سرجس قال: رأيت النبي ◌ُّ وأكلت معه خبزا ولحما أو قال ثريدًا،
ثم درت خلفه فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه عند ناغض كتفه اليسرى
جمعا عليه خيلان كأمثال التآليل، رواه مسلم وغيره (٣).
قوله: عند ناغض كتفه، قال الجمهور: والنغض أعلى الكتف، وقيل: هو
العظم الرقيق الذي على طرفه، وقيل: ما يظهر منه عند التحرك، والناغض
من الإنسان أصل العنق حيث ينغض رأسه ناغضا لتحركه، ومنه قوله تعالى:
﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾(٤) أي: يحركونها على سبيل الهزء(٥).
وقوله: ((جمعًا))، بضم الجيم وإسكان الميم، والمراد: جمع الكف وهو
أن يجمع الأصابع ويضمها، يقال: ضربه بجمع كفه، بضم الجيم(٦).
قوله: وعليه خيلان، بكسر الخاء المعجمة وإسكان الياء، جمع خال وهو
الشامة في الجسد أي: النقطة، والتي تكون في الجسد سوداء (٧).
(١) أخرجه الترمذى في الشمائل (٢٠).
(٢) أخرجه أحمد ٣٤١/٥ (٢٢٨٨٩)، والحاكم (٢/ ٦٠٦).
وصححه الألباني في مختصر الشمائل (ص ٣١ رقم ١٧).
(٣) أخرجه مسلم (١١٢ - ٢٣٤٦).
(٤) سورة الإسراء الآية: ٥١.
(٥) شرح النووي على مسلم (٩٨/١٥)، والمفهم (٥٩/١٩ -٦٠).
(٦) شرح النووي على مسلم (٩٨/١٥ -٩٩).
(٧) شرح النووي على مسلم (٩٩/١٥) وكشف المناهج (١٣٤/٥)، وشرح المصابيح
(٢١٣/٦) لابن الملك.
٥٠٩
مقدمة المؤلف
وقوله: كأمثال الثآليل، جمع ثؤلول وهو هذه الحبة التي تظهر على الجلد
كالحمصة فوقها دونها، وقال أبو الربيع سليمان بن سبع في كتاب شفاء
الصدور(١): هو شامة سوداء تضرب إلى الصفرة حولها شعرات متواليات
كأنها عرف فرس بمنكبه الأيمن، وفي رواية عن أبي رمثة: مثل التفاحة(٢)،
وروي عن ابن عمر: مثل البندقة من لحم عليه مكتوب محمد رسول الله،
رواه ابن عساكر(٣). انتهى.
وقال ابن حبان: وكانت ثلاثة أسطر محمد سطر ورسول سطر والله سطر،
وكانت تقرأ من أسفلها ليكون اسم الله تعالى فوق الجميع، وعن ابن هشام:
تشبيهه بالمحجم، يعني: كأثر المحجمة القابضة على اللحم حتى يكون ناتئًا،
وجاء في صحيح البخاري: كأنه بضعة ناشزة، أي: مرتفعة على جسده، وفي
رواية: فراشه مثل السلعة، والسلعة: غدة تظهر بين الجلد واللحم إذا غزت باليد
تحركت، قاله القاضي عياض رحمه الله، وهذه الروايات متقاربة متفقة على أنه
شاخص في جسده قدر بيضة الحمامة، وهو نحو بيضة الحجلة، وأما رواية
الكف فظاهره المخالفة فتتأول على وفق الروايات الكثيرة، ويكون معناه على
هيئة جمع الكف لكنه أصغر منه في قدر بيضة الحمامة، ثم إن السهيلي رحمه الله
(١) طرح الترتيب في شرح التقريب (٤١/٤).
(٢) أخرجه أحمد ١٦٣/٤ (١٧٤٩٣)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١١٤٢)،
والطبراني في الكبير ٢٢/ ٢٨٠ (٧١٨). وصححه الألباني في موارد الظمآن (١٥٢٢).
(٣) أخرجه ابن حبان (٦٣٠٢). وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٩٣٢).
٥١٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قال: لم ندر هل خلق بالنبي ◌َّ [٦٦/ ب] أو وضع فيه بعد ما وضع أو حين
نبئ، قال السهيلي: والحكمة في خاتم النبوة على جهة الاعتبار أنه لما ملئ قلبه
وَّر حكمة ويقينا ختم عليه كما يختم على الوعاء المملوء مسكا أو درًا، ولما
روي عن جابر رَوُّ قال: أردفني رسول الله وَّل خلفه فالتقمت خاتم النبوة
بفمي فکان ینم عليّ مسكًا، ورأيته في بعض النسخ فكان يشج على مسكًا، أي:
أشم منه مسكا وهو من شج الشراب إذا مزجه بالماء، كأنه كان يخلط النسيم
الواصل على مشمه بريح المسك. انتهى.
وأما وضعه عند نغص الكتف [أي: أعلاه] فلأنه رُوريَّ معصوم من
وسوسة الشيطان فذلك الموضع یوسوس الشيطان لابن آدم، وروی میمون
بن مهران عن عمر بن عبد العزيز أن رجلا سأل ربه سنة أن يريه موضع
الشيطان منه، فأراه جسدا كالبلور يرى داخله من خارجه، والشيطان في
صورة ضفدع عند نغص كتفه يحاذي قلبه له خرطوم كخرطوم البعوضة قد
أدخله إلى قلبه يوسوس إذا ذكر الله العبد خفس أي تأخر (١)، انتهى، قاله
العراقي (٢) في شرح الأحكام.
فائدة أخرى تتعلق بخاتم النبوة: ذكره السهيلي عن رواية ابن إسحاق أن
النبي ◌َّ﴾ لما كان في بني سعد نزل عليه كركيان فشق أحدهما بمنقاره جوفه
ومج الآخر بمنقاره في فيه ثلجا أو بردا أو نحو هذا، وهي رواية غريبة، ذكرها
(١) الروض الأنف (١٧٨/٢)، وسبل الهدى والرشاد (٤٩/٢-٥٠).
(٢) طرح التثريب (٤ /٤٠-٤٢).
٥١١
مقدمة المؤلف
يونس عنه؛ وفي أوائل المجالسة للدينوري أنه أقبل عليه أبيضان لأنهما نسران
إلى آخره؛ وفي المستدرك: فأقبل عليه طيران أبيضان كأنهما نسران، وذكر
الحدیث بطوله، وروى ابن أبي الدنيا وغيره بإسناد يرفعه إلى أبي ذر، قال:
قلت يا رسول الله: كيف علمت أنك نبي وكيف علمت حنى استيقنت؟ قال:
((يا أبا ذر أتاني ملكان فوقع أحدهما بالأرض وكان الآخر بين السماء
والأرض، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: فوزنني برجل فرجحته، ثم
قال: زنه بعشرة، فرجحتهم، ثم قال: زنه بمائة، فوزنني فرجحنهم، ثم قال:
زنه بألف وزنني فرجحتهم، ثم قال أحدهما لصاحبه: شق بطنه فشق بطني
فأخرج قلبي فأخرج منه معد الشيطان)) الحديث، وفيه: ((ثم قال أحدهما
لصاحبه: اغسل بطنه غسل الإناء واغسل قلبه غسل الملاء، ثم قال أحدهما
لصاحبه: خط بطنه، فخاط بطني وجعل الخاتم بين كتفي ووليا عني، فكأني
أعاين الأمر معاينة)) وفي هذا الحديث من الفوائد أن خاتم النبوة لم تكن قبل
ذلك، واختلف الناس في صفته على عشرين قولًا، حكاها الحافظ قطب
الدين؛ وتقدم بعض ذاك في الفائدة قبل هذه، وروى الحاكم والترمذي في
المناقب عن أبي موسى قال: خرج أبو طالب إلى الشام وخرج معه النبي وَالله
في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب هبطوا فحلوا رحالهم فخرج
إليهم الراهب حتى جاء فأخذ بيد رسول الله وَ ﴾ وقال: هذا سيد الخلق
أجمعين هذا رسول رب العالمين، فقال له أشياخ من قريش: ما علمك بهذا،
فقال: أنكم حين أشرفتم على العقبة لم يبق حجر ولا شجر إلا خر ساجدا لله
تعالى وسلم على رسول الله وَّة، ولا يفعل ذلك إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم
٥١٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة حتى رجع فصنع لهم طعامًا فلما
أتاهم به وكانوا في رعية الإبل فأرسلوا إليه فأقبل وعليه غمامة تظله فلما دنا
من النوم وجدهم قد سبقوا إلى فيء الشجرة فلما أجلس، قال: فيء الشجرة
عليه، قال: فبينما هو قائم عليهم يناشدهم أن لا يذهبوا به إلى الرومان، فإن
الروم إن رأوه عرفوه بالصفة فيقتلونه. (١)
سؤال: فلم جعل خاتم النبوة بين كتفيه؟ قيل: فهو خاتم الأنبياء بالرحمة،
وأيضًا الختم على الشيء يقتضي ثباته وعدم تغيره، كما ختم له وَئلة بالنبوة
والسعادة، كذلك ختم على قلوب الكافرين بالشقاوة: ﴿خَتَمَ اٌللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ
وَعَلَى سَمْعِهِمٌّ وَعَلَى أَبْصَرِهِمْ﴾(٢) الآية، انتهى، قاله في كشف الأسرار(٣).
لطيفة: سئل شيخ الإسلام الشيخ تقي الدين السبكي (٤)، قدس الله روحه،
عن العلقة السوداء التي أخرجت من قلب النبي ◌َّ حين شق فؤاده، وقول
الملك: هذا حظ الشيطان منك، فقال: تلك علقة خلقها الله تعالى في قلوب
البشر قابلة لما يلقيه الشيطان فيها، فإن نكت من قلبه { خلال شق فيه مكان قابل
لأن يلقي الشيطان فيه وشيًا، هذا معنى الحديث، ولم يكن للشيطان منه وَليه
حظ، وإنما الذي نقاه الملك أمر هو في الجبلات البشرية فأزيل القابل الذي
(١) هذه زيادة في المخطوطة المغربية: انظر الروض الأنف (١٦٨/٢ - ١٧٠) و(٢٢٣/٢ -
٢٢٤)، وحياة الحيوان (٢/ ٢٧٣).
(٢) سورة البقرة، الآية: ٧.
(٣) كشف الأسرار (لوحة ٣٥).
(٤) حياة الحيوان (٢٠٨/٢).