النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٥٣ مقدمة المؤلف ذكرك أخاك بما يكره وسيأتي الكلام على الغيبة مبسوطا في بابه إن شاء الله تعالی. قوله: ((قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه)) أنه أراد بعمله هذا عرض الدنيا، أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري؛ العرض هو ما يقتنى من المال وغيره. قوله: ((وتصعد الحفظة بعمل العبد يبتهج نورا من صدقة وصيام)) فذكره إلى أن قال: ((أنا ملك الكبر أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري، إنه كان يتكبر على الناس في مجالسهم)) وسيأتي الكلام أيضًا على الكبر في بابه مبسوطًا. قوله: ((وتصعد الحفظة بعمل العبد)) يزهر كما يزهر الكوكب الدري، يزهر: بضم الياء وسكون الزاي وكسر الهاء أي يضيء، والكوكب الدري فيه ثلاث لغات قرئ بها في السبع الأكثرون بضم الدال وتشديد الياء بلا همز دري والثانية: بضم الدال مهموز ممدود دُرئ، والثالثة: بكسر الدال مهموز ممدود دِرئ وهو الكوكب العظيم قيل سمي دريا لبياضه کالدر، وقيل إضاءته(١)، وسيأتي الكلام على ذلك في درجات الجنة وغرفها أبسط من هذا والله أعلم. قوله: وتصعد الحفظة بعمل العبد إلى السماء السابعة من صوم وصلاة (١) انظر: الزاهر (١٩٤/١)، وإكمال المعلم (٣٦٢/٨)، والنهاية (١١٣/٢)، وشرح النووى على مسلم (١٧ / ١٦٨). ٤٥٤ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب ونفقة واجتهاد وورع له دوي كدوي الرعد، اختلف العلماء في الرعد والبرق فقال ابن عباس: الرعد ملك يسمعون صوته والبرق سوط من نور يزجر به الملك السحاب، وقيل: الرعد ملك والبرق أجنحته، وروى أنه وَّل قال: ((بعث الله السحاب فنطقت أحسن النطق وضحكت أحسن الضحك فالرعد نطقها والبرق ضحكها)) (١) وقيل: الرعد صوت ملك يسوق السحاب(٢). قوله: ((قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه اضربوا جوارحه اقفلوا على قلبه)) بقطع الهمزة يقال: أقفل الباب وقفل الأبواب مثل أغلق وغلق قاله الجوهري(٣). قوله: ((ولا تناج رجلا وعندك آخر)) التناجي التسار وانتجى القوم وتناجوا إذا سار بعضهم بعضًا وتقد ذلك، وقال بعض العلماء: وإنما نهى عن ذلك لأنه سبب الحزن قال الخطابي(٤): إنما يحزنه ذلك لأحد معنيين أحدهما: ربما يتوهم أن جوابهما لتثبيت رأي فيه غائل له، والثاني: أن ذلك من أجل الاختصاص بالكرامة فهو يحزن صاحبه، ففي الطبراني من حديث ابن عباس عن النبي ◌َّ قال: ((لا يتناجى اثنان دون الثالث فإذن ذلك يؤذي المؤمن والله (١) ذكره الرويانى في بحر المذهب (٥١٢/٢). وابن الرفعة في كفاية النبيه (٥٤٣/٤)، والدميرى في النجم الوهاج (٥٨٣/٢). (٢) انظر: تفسير ابن عطبية (١٠٢/١) وتفسير القرطبى (٢١٧/١)، وتفسير الثعالبى (١٩٣/١-١٩٤). (٣) الصحاح (١٨٠٣/٥). (٤) معالم السنن (٤ / ١١٧). ٤٥٥ مقدمة المؤلف يكره أذى المؤمن)»(١) وفي رواية ابن مسعود في الصحيحين: ((فإن ذلك يحزنه))، ورواه مسلم ولفظه قال: قال رسول الله وَالخلية: ((إذا كان ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون واحد)»(٢)، [٥٧/ ب] فيحرم على الجماعة المناجاة دون واحد منهم إلا أن يأذن وكذلك يحرم عليهم التحدث بلسان لا يعرفه مع قدرتهم على لسانه، ففي هذه الأحاديث النهي عن تناجي اثنين بحضرة ثالث وكذلك ثلاثة وأكثر بحضرة واحد وهي نهي تحريم(١) قال النووي قدس الله (١) أخرجه أبو يعلى (٢٤٤٤)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٢٨١ رقم ١٩٨٦) و(١٧٤/٥ رقم ٤٩٨٨). وأخرجه ابن المبارك في الزهد (ح ٦٩٢)، عن عبد الوهاب بن الورد، عن الحسن بن کثیر، عن عكرمة بن خالد مرفوعا مرسلا. وذكره البخاري في التاريخ الكبير (٢ / ٣٠٤) وقال: قاله لي محمد قال: حدثنا ابن المبارك به مرفوعا ثم قال: قال أبو عبد الله: قال ابن المبارك بالري: عن ابن عباس، وكان في كتابه مرسلا والآخرون لا يسندونه غير ابن المبارك. وقال الطبراني: لم يرو عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد، تفرد به: ابن المبارك. وقال الهيثمى في المجمع ٦٤/٨: رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح غير الحسن بن كثير، ووثقه ابن حبان، وعبد الوهاب بن الورد اسمه وهيب بن الورد، كما ذكر شيخ الحفاظ المزي. وقال البوصيرى في اتحاف الخيرة (١٥٦/٦): هذا إسناد رجاله ثقات، عكرمة هو ابن خالد، والحسن هو ابن كثير وثقه ابن حبان، وعبد الوهاب بن الورد اسمه وهیب بن الورد. (٢) أخرجه البخاري (٦٢٩٠) وفي الأدب المفرد (١١٦٩)، ومسلم (٣٧ و٣٨ - ٢١٨٤)، وأبو داود (٤٨٥١)، والترمذى (٢٨٢٥)، وابن ماجه (٣٧٧٥) عن ابن مسعود. (٣) شرح النووى على مسلم (١٤ / ١٦٧). ٤٥٦ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب روحه(١): ومذهب ابن عمر ومالك وأصحابنا وجماهير العلماء أن النهي عام في كل الأزمان وفي الحضر والسر وقال بعض العلماء وبعض أهل اللغة: إنما النهي في السفر دون الحضر لأن السفر مظنة الخوف وادعى بعضهم أن هذه الأحاديث منسوخة وأن هذا كان في أول الإسلام فلما فشى الإسلام وأمن الناس سقط النهي وكان المنافقون يفعلون ذلك بحضرة المؤمنين ليحزنوهم، أما إذا كانوا أربعة فتناجى اثنان دون اثنين فلا بأس بالإجماع. قوله: ((ولا يمزق الناس فتمزقك كلاب النار يوم القيامة في النار))، قال الله تعالى: ﴿وَالنَّشِطَتِ نَشْطًا ﴾﴾(٢) فذكره إلى أن قال: ((كلاب في النار تنشط اللحم والعظم)»، قال الأصمعي: النشط للحيات هو اللسع بسرعة واخلاس(٣) يقال نشطته الحية وانتشطته نشطًا أي عضته بنابها وكذلك كل شيء اختلسته فقد انتشطته، قاله الجوهري في صحاحه(٤). (١) المصدر السابق (١٦٧/١٤-١٦٨). (٢) سورة النازعات، الآية: ٢. (٣) غريب الحديث (٣٩٢/٤)، والمجموع المغيث (٣٠١/٣). (٤) الصحاح (٩٠٠/٣) و(١١٦٤/٣). ٤٥٧ مقدمة المؤلف فصل ٦٠- عَن أبي عَليّ رجل من بني كَاهِلِ قَالَ خَطَبنَما أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فَقَالَ يَا أَيْهَا النَّاسِ اتَّقوا هَذَا الشّرك فَإِنَّهُ أَخْفى من دَبِيب النَّمْلِ فَقَامَ إِلَيْهِ عبدالله بن حزن وَقيس بن الْمَضَارب فَقَالًا وَالله لَنخْرِ جَنَّ مِمَّا قلت أَو لنأتين عمر مَأْذُونا لنا أَو غير مَأْذُون فَقَالَ بل أخرج مِمَّا قلت خَطَبَنَا رَسُول اللهِوَِّ ذَات يَوْمٍ فَقَالَ يَا أَيْهَا النَّاسِ اتَّقوا هَذَا الشّرك فَإِنَّهُ أخْفى من دَبِيب النَّمْلِ فَقَالَ لَهُ من شَاءَ الله أَن يَقُول وَكَيف نتقيه وَهُوَ أخْفى من دَبِيب النَّمْلِ يَا رَسُول الله قَالَ قُولُوا اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذ بك من أَن نشْرك بك شَيْئًا نعلمهُ ونستغفرك لما لا نعلمهُ. رَوَاهُ أَحْمَدٍ وَالطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته إِلَى أبي عَليّ مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيحِ(١) وَأَبُو عَليّ وَثَقَهُ ابْنِ حبَان وَلم أر أحدا جرحه وَرَوَاهُ أَبُو يعلى بِنَحْوِهِ من حَدِيث خُذَيْفَةٍ إِلَّا أَنْه قَالَ فِيهِ يَقُول كل يَوْمِ ثَلَاث مَرَّات(٢). (١) أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٧٠ (٢٩٥٤٧)، وأحمد ٤٠٣/٤ (١٩٦٠٦)، والبخاري في التاريخ الكبير ٥٨/٩، والطبراني في الأوسط (١٠/٤ رقم ٣٤٧٩). وقال الطبراني: لم يروه عن عبد الملك بن أبي سليمان إلا ابن نمير، ولا يروى عن أبي موسى إلا من هذا الوجه. وقال الهيثمى في المجمع ٢٢٣/١٠-٢٢٤: رواه أحمد، والطبراني في الكبير والأوسط، ورجال أحمد رجال الصحيح غير أبي علي، ووثقه ابن حبان. وقال البوصيرى في اتحاف الخيرة ٦/ ٥٠٨: رواه أحمد بن حنبل والطبراني ورواته إلى أبي علي محتج بهم في الصحيح، وأبو علي وثقه ابن حبان ولم أر أحدا ضعفه. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٣٦). (٢) أخرجه المروزى في مسند أبي بكر (١٧)، وأبو يعلى (٥٨)، وابن السنى (٢٨٦). وقال الهيثمى ٢٢٤/١٠: رواه أبو يعلى من رواية ليث بن أبي سليم، عن أبي محمد، عن = ٤٥٨ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب فصل قوله: عن أبي على رجل من بني كاهل أبو علي اسمه (١) وبنو كاهل اسم قبيلة من قبائل العرب [وهم بنو كاهل بن نمير بن أسيد بن عمرو بن تميم]. قوله: خطبنا أبو موسى الأشعري، أبو موسى الأشعري، اسمه عبد بن قيس الأشعري، هاجر من اليمن إلى مكة ثم هاجر منها إلى الحبشة ثم هاجر من الحبشة إلى المدينة ثلاث هجرات، توفي أبو موسى سنة اثنتين وخمسين ودفن بمكة. تنبيه: قوله: الأشعري، هذه النسبة إلى أشعرة وهي قبيلة مشهورة من اليمن، والأشعر هو ثبت بن أدد بن زيد بن يشجب، وإنما قيل له الأشعر لأن أمه ولدته والشعر على بدنه منهم أبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري وممن ینسب إلی ذلك خلق کثیر انتھی. قوله: فقال: أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل، فقام إليه عبد الله بن حزن وقيس بن المضارب، الحديث؛ عبد الله بن حزن [فهو عبد الله بن حزن أدرك عمر. روى عنه أبو علي الكاهلي]؛ وأما قيس بن = حذيفة، ولیث مدلس، وأبو محمد إن کان هو الذي روى عن ابن مسعود، أو الذي روى عن عثمان بن عفان، فقد وثقه ابن حبان، وإن كان غيرهما فلم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح. وضعفه الألباني كما في هامش صحيح الترغيب (١/ ١٢٢). (١) بياض بمقدار كلمة واحدة. ٤٥٩ مقدمة المؤلف المضارب [وهذان الرجلان من المخضرمين، لأن من يكون في زمن عمر قُوَّ يخوف أميره بعمر دون أخواله لا بد أن يكون أدرك العصر النبوي]. [قوله: فقالا والله لتخرجن مما قلت أو لنأتين عمر مأذونا لنا أو غير مأذون، عمر هو عمر بن الخطاب أمير المؤمنين(١)]. قوله: فقال: بل أخرج مما قلت أي عن الشرك أنه أخفى من دبيب النمل خطبنا رسول الله وَلّ ذات يوم فقال: ((يأيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل)) الحديث، قال الحربي: هذا شرك رياء وهو أن يعمل عملا يرائي به غير الله تعالى فكأنه أشرك فيه غير الله تعالى وقد قال الله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُشْرِكُ بِعِبَادَةِ رَبِّهِةٌ أَحَدًا﴾ (٢) الآية، قال سعيد بن جبير: لا يرائي، وقال الكرماني رحمه الله تعالى(٣): فإن قلت [٥٨/ أ] ورد الشرك أخفى فيكم من دبيب النمل وهو يدل على أنه قد يخرج من الإيمان إلى الكفر وهو لا يشعر قلت: الرياء قسمان ما في عقد الإيمان وهو الشرك الأكبر وهو كفر بين وما في الأعمال وعقد الإيمان سالم وهو الأصغر، وهذا هو المراد هنا بقرينة ((فيكم)) كما ستأتى هذه اللفظة فی حدیث معقل بن يسار. قوله: فقال له من شاء الله أن يقول وكيف تتقيه وهو أخفى من دبيب النمل (١) زيادة في المخطوطة المغربية. (٢) سورة الكهف، الآية: ١١٠. (٣) الكواكب الدرارى (١٨٨/١). ٤٦٠ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب يا رسول الله قال: قولوا: «اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه)) الحديث وفي رواية أبي يعلى أنه يقول ذلك كل يوم ثلاث مرات، وروى الترمذي الحكيم في نوادره عن معقل بن يسار قال: قال أبو بكر زَّالَّهُ وشهد به على رسول الله وَ له قال: ذكر رسول الله وَله الشرك فقال: ((هو فيكم أخفى من دبيب النمل، وسأدلك على شيء إذا فعلته أذهب الله عنك صغائر الشر وكباره تقول: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا نعلم يقولها ثلاثًا))(١) قاله في منافع الحيوان(٢) وفي مختصر مجمع الأحباب من مسانيد سفيان الثوري، عن أبي بكر الصديق أيضا قال قال رسول الله وَله: ((الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا) فقال أبو بكر: يا رسول الله: وكيف النجاة والمخرج؟ فقال رسول الله وَ لَه: ((أعلمك شيئًا إذا قلته برئت من الشرك، قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا لا اعلم وأستغفرك لما لا نعلم ولا أعلم))(٣)، وقال بعضهم (١) أخرجه المروزى في مسند أبي بكر (١٨)، وأبو يعلى (٥٩)، والحكيم الترمذى (١٥٠٥). قال الهيثمي في المجمع ٢٢٤/١٠: رواه أبو يعلى عن شيخه: عمرو بن الحصين العقيلي، وهو متروك. (٢) حياة الحيوان (٢/ ٥٠٠). (٣) أخرجه ابن حبان في المجروحين (١٣٠/٣)، وابن عدى في الكامل (٦٢٢/١٠)، وأبو نعيم في الحلية (١١٢/٧)، والضياء في المختارة ١٤٩/١ -١٥٠ (٦٢ و٦٣). قال ابن عدي: وهذا عن الثوري، ليس يرويه غير يحيى بن كثير. وقال أبو نعيم: تفرد به عن الثوري: يحيى بن كثير. قال الضياء: إسناده ضعيف. ٤٦١ مقدمة المؤلف يقول أيضًا(١): اللهم اجعل عملي كله صالحا واجعله لوجهك الكريم خالصا ولا تجعل لأحد فيه شرکا. تنبيه: روى الدار قطني والطبراني في معجمه الأوسط عن أبي هريرة أنه قال: لما كلم الله تعالى موسى عَلام كان يبصر دبيب النمل على الصفا في الليلة النظلمة من مسيرة عشرة فراسخ (٢). (١) أخرجه أحمد في الزهد (٦١٥) من طريق الحسن أن عمر كان يقول، فذكره. وأخرجه أبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٤ / ٢٦١) من طريق مطيع بن إبراهيم، قال: سمعت أبي، وعبد العزيز بن أبي عثمان، بلاغا. (٢) أخرجه الطبراني في الصغير (١ / ٦٥ رقم ٧٧) وقال الطبراني: لم يروه عن قتادة إلا الحسن ابن جعفر تفرد به هانئ بن يحيى. وقال الهيثمي في المجمع ٢٠٣/٨: رواه الطبراني في الصغير، وفيه الحسين بن أبي جعفر الجفري وهو متروك. ٤٦٢ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب [الترغيب في إتباع الكتاب والسنة] ٦١ - عَن الْعِرْبَاض بن سَارِيَة زَقْ لَهُ قَالَ: وعظنا رَسُول الله وَّ موعظة وجلت مِنْهَا الْقُلُوب وذرفت مِنْهَا الْعُيُون فَقُلْنَا يَا رَسُول الله كَأَنَّهَا موعظة مُودع فأوصنا قَالَ أوصيكم بتقوى الله والسمع وَالطَّاعَة وَإِن تَأمر عَلَيْكُم عبد وَإِنَّهُ من يَعش مِنْكُم فسيرى اخْتِلَافا كثيرا فَعَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدين المهديين عضوا عَلَيْهَا بالنواجذ وَإِيَّاكُم ومحدثات الْأُمُور فَإِن كل بدعَة ضَلَالَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حِبَان فِي صَحِيحِه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيحٍ (١) قَوْله: عضوا عَلَيْهَا بالنواجذ أَي اجتهدوا على السّنة والزموها واحرصوا عَلَيْهَا كَمَا يلزم العاض على الشَّيْء بنواجذه خوفًا من ذَهَابه وتفلته والنواجذ: بالنُّون وَالْجِيم والذال الْمُعْجَمَةِ هِيَ الأنياب وَقيل الأضراس. قوله: وعن العرباض بن سارية زَّقُوالَهُ، كنيته: أبو نجيح السلمي الصحابي، کان من أهل الصفة وهو من البگائین نزل بالشام وسكن حمص روى عن رسول الله ◌َّة، روى عنه: أبو أمامة الباهلي وغيره من الصحابة وخلق من (١) أخرجه أحمد ١٢٦/٤ (١٧١٤٢) و(١٧١٤٤) و(١٧١٤٥) و١٢٧/٤ (١٧١٤٦ و١٧١٤٧)، والدارمى (٩٦)، وأبو داود (٤٦٠٧)، والترمذى (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٢ و٤٣ و٤٤)، وابن حبان (٥). وصححه الألباني في الصحيحة (٩٣٧ و٣٠٠٧)، ظلال الجنة (٢٦ - ٣٤) وصحيح الترغيب (٣٧). ٤٦٣ مقدمة المؤلف التابعين، توفي سنة خمس وسبعين، وقيل: توفي في زمن ابن الزبير (١). قوله: (وعظنا رسول الله وَّر موعظة) الحديث، الموعظة: الموعظة ما يوعظ به والوعظ والموعظة معناهما التخويف(٢)، وفي رواية الإمام أحمد وأبي داود والترمذي موعظة بليغة وفي روايتهم: أن ذلك كان بعد صلاة الصبح، وفيه: إشارة إلى أنه يستحسن تحري ذلك الوقت للوعظ لحدة الذهن وصفاء الخاطر حينئذ ففيه استحباب عظة الرجل أصحابه لينفعهم في دينهم ودنياهم، وفيه أيضا استحباب الإبلاغ في الموعظة لترقيق القلوب فيكون أسرع إلى الإجابة(٣) انتهى. وكان النبي ◌َّ كثيرا ما يعظ أصحابه في غير الخطب [٥٨/ ب] الدائمة كخطب الجمع والأعياد وقد أمر الله بذلك في كتابه العزيز، فقال: ﴿وَعِظُهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِى أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾(٤) وقال الله تعالى: ﴿اَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (٥) ولكنه لا يديم وعظهم بل يتخولهم به أحيانا قاله ابن رجب الحنبلي(٦). قوله: (وجلت منها القلوب) أي خافت والوجل الخوف والفزع وهو من (١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٣٠ الترجمة ٤٠٢). (٢) قاله النووى في شرح الأربعين (ص ٨١). (٣) التعيين في شرح الأربعين (ص ٢١٣ - ٢١٤). (٤) سورة النساء، الآية: ٦٣ . (٥) سورة النحل، الآية: ١٢٥. (٦) جامع العلوم والحكم (ص ٢١٣ - ٢١٤). ٤٦٤ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب باب ضرب، قال أبو بكر الآجري ولم يقل: صرخنا من موعظته ولا زعقنا ولا طرقنا رؤوسنا ولا ضربنا على صدورنا ولا رقصنا ولا قمنا كما يفعل في زماننا هذا كثير من الجهال الذين يتلاعب بهم الشيطان، وهذه أحوال العلماء يبكون ولا يصعقون ويسكتون ولا يصيحون ويتحازنون ولا يتماوتون انتهى بدليل أن النبي و لم أصدق الناس لهجة وأنصحهم لأمته وأصحابه رضي الله عنهم أرق قلوبًا ولو كان محمودا لكانوا أولى الناس به فلو كان هذا جائزًا صحيحا مشروعًا لكانوا يفعلونه بين يدي النبي وَّ ولكن منكر باطل(١). [فائدة في تلبيس إبليس لابن الجوزي] قال أبو الفرج ابن الجوزي: اعلم وفقك الله أن قلوب الصحابة كانت أصفى القلوب وما كانوا يزيدون عند الوجد على البكاء والخشوع فجرى من بعض غربائهم نحو ما أنكرنا فبالغ رسول الله وَله في الإنكار عليه فأخبرنا محمد بن ناصر الحافظ فذكره إلى أن قال عن ثابت عن أنس قال: وعظنا رسول الله وَ خلال يومًا فإذا رجل قد صعق فقال النبي وَيّ: ((من ذا الملبس علينا ديننا إن كان صادقا قد شهر نفسه وإن كان كاذبا فمحقه الله))(٢) قال ابن شاهين: وحدثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث فذكره إلى أن قال عن أنس بن مالك قال: ذكر عنده هؤلاء الذين (١) الأربعون (ص ٩٧ -٩٨). (٢) أخرجه الضراب في ذم الرياء (١٣٨)، وابن الجوزى في القصاص (٢١٦) وتلبيس إبليس (ص ٢٢٤ - ٢٢٥)، وابن لال كما في الزيادات على الموضوعات (٧١٠/٢). قال الذهبي في الميزان (١/ ١٤٣): وهذا باطل، ذكره ابن طاهر. ٤٦٥ مقدمة المؤلف يصعقون عند القراءة فقال أنس: لقد رأيتنا ووعظنا رسول الله وسلم ذات يوم حتى سمعت للقوم حنينا حين أخذتهم الموعظة وما سقط منهم أحد (١). تنبيه: فإن قيل: فقد صح عن جماعة من السلف رضي الله عنهم أنهم صرخوا عند سماع القرآن والمواعظ فقد روى عن عمر بن الخطاب أنه سمع قارئا يقرأ فصاح صيحة خر مغشيًّا عليه فحمل إلى أهله (٢) ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ ﴾﴾(٢) (٣) فلم يزل مريضًا شهرًا، وروى أن زرارة بن أوفى قرأ ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِى النَّاقُورِ ﴾. فصعق ومات في المحراب، فالجواب: أين الدر من الصدف والمسك من الجيف هيهات قياس الملائكة بالحدادين والمحققين بالمجرمين(٤) انتهى. فائدة: نقل القرطبي عن أبي بكر الطرطوشي رحمه الله أنه سئل عن قوم يجتمعون في مكان يقرؤون شيئًا من القرآن ثم ينشد لهم منشد شيئًا من الشعر فيرقصون ويطربون ويضربون بالدف والسبابة هل الحضور معهم حلال أو لا؟ فقال مذهب الصوفية أن هذه بطالة وجهالة وضلالة وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله مَّه وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب. [٥٩/ أ] السامري لما اتخذ لهم عجلًا جسدًا له خوار قاموا يرقصون حوله ويتواجدون فهو دين الكفار وعباد العجل وإنما كان يجلس النبي وَ ل مع (١) تلبيس إبليس (ص ٢٢٤ -٢٢٥). (٢) سورة الطور، الآية: ٧. (٣) سورة المدثر، الآية: ١٦. (٤) المفهم (١٩ / ٧٧ -٧٨). ٤٦٦ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب أصحابه كأنما على رؤوسهم الطير مع الوقار فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعوهم من الحضور في المساجد وغيرها ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم ولا يعينهم على باطلهم هذا مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم من أئمة المسلمين والله أعلم بالصواب(١). قوله: وذرفت منها العيون، بالذال المعجمة والراء المهملة المفتوحتين قال الجوهري(٢): يقال ذرفت عينه إذا سال منها الدمع وهو من باب ضرب، وهذان الوصفان الدال عليهما وهما وجلت وذرفت بهما مدح الله المؤمنين عند سماع الذكر كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اْللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾(٣)، وقال تعالى: ﴿وَبَشْرِ الْمُحْسِنِينَ﴾(٤) الآية، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوْاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾(٥) والآيات في ذلك كثيرة، وكان النبي وَيّ إذا خطب وذكر الساعة اشتد غضبه وعلا صوته واحمرت عيناه كأنه منذر جيش(٦) وسيأتي الكلام على هذا الحديث قريبا في محله والله أعلم. (١) تفسير القرطبى (١١/ ٢٣٧-٢٣٨). (٢) الصحاح (٤ / ١٣٦١). (٣) سورة، الآية: (٤) سورة، الآية: (٥) سورة، الآية: (٦) جامع العلوم والحكم (٢/ ٧٦٢). والحديث أخرجه مسلم (٤٣ و٤٤ - ٨٦٧) عن جابر. ٤٦٧ مقدمة المؤلف قوله: فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودع)»، فيه جواز الحكم بالقرائن فهو يدل على أنه كان سيّ قد أبلغ في تلك الموعظة ما لم يبلغ في غيرها فلذلك فهموا أنها موعظة مودع (١) فإن المودع يستقصي ما لا يستقصي غيره في القول والفعل ولذلك أمر النبي ◌َّ أن يصلي صلاة مودع لأن من استشعر أنه مودع بصلاته أتقنها على أكمل وجهها ولربما كان قد وقع منه رؤية تعريض في تلك الخطبة بالتوديع انتهى قاله ابن رجب في شرح الأربعين النووية(٢). قوله: فأوصنا، يعنون وصية جامعة كافية فافهم لما فهوا أنه مودع استوصوه وصية ينفعهم التمسك بها بعده ويكون فيها كفاية لمن تمسك بها وسعادة له في الدنيا والآخرة(٣). قوله وية: ((أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة)) ففيه استحباب استدعاء الوصية والوعظ من أهلها واغتنام أوقات أهل الخير والدين قبل وفاتهم فجمع في ذلك كل ما يحتاج، فإن التقوى والسمع والطاعة امتثال المأمورات واجتناب المحذورات وتكاليف الشرع ليست إلا بذلك قاله الطوفي (٤). فهاتان الكلمتان تجمعان شهادة الدنيا والآخرة أما التقوى فهي كلمة كاملة بسعادة الآخرة لمن تمسك بها وهي وصية الله الأولين والآخرين كما (١) التعيين في شرح الأربعين (ص ٢١٤). (٢) جامع العلوم والحكم (٢ / ٧٦٧). (٣) المصدر السابق (٢ / ٧٦٧). (٤) التعيين (ص ٢١٤). ٤٦٨ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أنِ أَتَّقُواْ اللَّهَ﴾(١) (٢). تنبيه: التقوى [٥٩/ ب] في القرآن تطلق على ثلاثة أشياء، أحدها: الخشية والهيبة، قال الله تعالى: ﴿وَإِيَّىَ فَأَتَّقُونِ﴾(٣)، وقال: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ (٤)، والثاني: بمعنى الطاعة والعبادة قال تعالى ﴿يَدَأيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أُتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾(٥)، قال ابن عباس: أطيعوه حق طاعته، قال مجاهد: هو أن يطاع فلا يعصى وأن يذكر فلا ينسى وأن يشكر فلا يكفر، والثالث: في تنزيه القلب عن الذنوب، وهذه هي الحقيقة في التقوى دون الأولين ألا ترى أن الله تعالى قال: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَتِكَ هُمُ الْفَآئِزُونَ @﴾(٦)، ذكر الطاعة والخشية ثم ذكر التقوى فعلم أن حقيقة التقوى معنى سوى الطاعة والخشية وهي تنزيه القلب عما ذكرنا، ثم قال: حقيقة التقوى هي اجتناب کل ما فيه ضررٌ للدين(٧)، انتهى، قاله في الديباجة. وأما السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين ففيها سعادة الدنيا وبها تنتظم (١) سورة النساء، الآية: ١٣١. (٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ٧٦٧). (٣) سورة البقرة، الآية: ٤١. (٤) سورة البقرة، الآية: ٢٨١. (٥) سورة آل عمران، الآية: ١٠٢. (٦) سورة النور، الآية: ٥٢. (٧) منهاج العابدين (ص ١٢٨ - ١٣٠). ٤٦٩ مقدمة المؤلف مصالح العباد في معايشهم وبها يستعينون على إظهار دينهم وطاعة ربهم كما قال علي بن طالب: إن الناس لا يصلحهم إلا إمام برٌ أو فاجر إن كان فاجر عبدالمؤمن فيه ربه وحمل الفاجر فيها إلى أجله(١)، انتهى، قاله ابن رجب(٢). قوله وَله: ((وإن تأمر عليكم عبدٌ وحشي)) وفي رواية: ((حبشي ... أوصيكم بسمع كلام الخليفة والأئمة وطاعتهم وإن كان الخليفة عبدًا حبشيًا ... )) واعلم أنه لايجوز أن يكون الخليفة عبدًا ولكن المراد بالعبد هنا من جعله الخليفة حاكمًا على قوم في كل بلد يعني اقبلوا أقوال الخليفة ونوابه وأطيعوه وإن كان من جعله الخليفة واليا عليكم عبدًا حبشيًا لأن طاعة نائب الخليفة طاعةٌ للخليفة وطاعة الخليفة طاعة الرسول وطاعة الرسول طاعة الله تعالى فقوله: ((وإن أمّر عليكم عبدًا)) وفي الراوية الأخرى ((حبشي))، هذا مما تكاثرت به الروايات عن النبي وَّلّ وهو مما اطلع عليه النبي ◌َّ من أمر أمته بعده وولاية العبيد عليهم والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدًا ولا ينافي هذا صَلى الله قوله وَّية: (لايزال هذا الأمر في قريش ما بقي في الناس اثنان)) (٣) وقوله وسلم ((الناس تبعٌ لقريش)) (٤) وقوله: ((الأئمة من قريش))(٥) لأن ولاية العبيد قد (١) أخرجه البيهقي في الشعب (١٥/١٠ رقم ٧١٠٢). (٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ٧٦٧ -٧٦٨). (٣) أخرجه البخاري (٣٤٩٥) و(٧١٤٠)، ومسلم (١ ز٢ - ١٨١٨) عن أبي هريرة. (٤) أخرجه مسلم (٣ - ١٨١٩) عن جابر. (٥) أخرجه الطيالسي (٢١٣٣)، وابن أبي شيبة (٣٢٣٨٨)، وأحمد ١٢٩/٣ (١٢٣٠٧) و٣/ ١٨٣ (١٢٩٠٠)، والنسائي في الكبرى (٥٩٤٢)، وأبو يعلى (٣٦٤٤) و(٤٠٣٢)، = ٤٧٠ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب تكون من جهة إمام قرشي ويشهد لذلك قوله: الأئمة من قريش أبرارها وفجارها أمراء، ولكل حق فآتوا كل ذي حق حقه وإن أمّرت عليكم قريش عبدًا حبشيًا مجدعًا فاسمعوا له وأطيعوا ... ))(١) إسناده جيد ولكنه روي عن علي رَ بُّ موقوفًا، وقال الدار قطني هو أشبه(٢) وقد قيل إن العبد الحبشي إنما ذكر على وجه المثل وإن لم يصح وقوعه قال أبو سليمان الخطابي (٣): ضرب المثل عند المبالغة بما لا يكاد يصح في الموجود وكما قال النبي وَالر: [٦٠/ أ] ((من بنى مسجدًا ولو كمفحص قطاء لبيضها بنى الله له مثله في الجنة)) (٤)، ومفحص القطاة لا يصلح مسجدًا للناس أو الآدمي ونظائر هذا في الكلام كبيرة. فائدة: فإن قيل كيف يؤمر بالسمع والطاعة للعبد مع أن شرط الخليفة کونه قرشیًا حرًّا؟ فالجواب: من وجهين، أحدهما: أن المراد بعض الولاة الذين يوليهم الخليفة ونوابه لا أن الخليفة يكون عبدًا، والوجه الثاني: أن المراد لو قهر عبدٌ = والبيهقي ٢٤٧/٨ (١٦٥٤١) من حديث أنس بن مالك. وصححه الألباني في الإرواء (٥٢٠) وصحیح الترغيب (٢١٨٨) و(٢٢٥٩). (١) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١٥١٧) و(١٥١٨). (٢) العلل (١٩٨/٣ رقم ٣٥٩). (٣) معالم السنن (٣٠٠/٤ - ٣٠١)، وشرح السنة (١ / ٢٠٦). (٤) أخرجه البزار (٤٠١٧)، وابن حبان (١٦١٠) و (١٦١١)، وأبو نعيم في الحلية ٤/ ٢١٧، والقضاعي في مسند الشهاب (٤٧٩) عن ابن عباس. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٢). ٤٧١ مقدمة المؤلف مسلم واستولى بالقهر نفذت أحكامه ووجبت طاعته ولم شق العصا عليه والله أعلم(١). قوله وَالله: ((فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيرًا ... )) الحديث، الظاهر أن هذا بوحي أوحي إليه بأنه ◌َّ كُشِفَ له عما يكون إلى أن يدخل أهل الجنة والنار منازلهم كما صح في حديث أبي سعيد وغيره ويحتمل أنه بنظر واستدلال فإن اختلاف المقاصد والشهوات سبب لإختلاف الآراء والمقامات ويجوز أن يكون بقياس أمته بعده على أمم الأنبياء السابقين بعدهم بدليل قوله وٍَّ: ((لم تكن نبوة إلا كان بعدها اختلاف)»(٢) أو كما قال، قاله الطوفي(٣). وقال ابن رجب(٤): فهذا إخبارٌ منه وَّ بما وقع بعده من كثرة الإختلاف في أصول الدين وفروعه في الأقوال والأفعال والاعتقادات وهذا موافق لما روي عنه وَّ من افتراق أمته على بضع وسبعين فرقة وأنها كلها في النار إلا فرقة واحدة وهي من كان ما هو عليه وأصحابه رضي الله عنهم ولذلك امر (١) شرح النووي على مسلم (٩/ ٤٧). (٢) لم أجده بهذا اللفظ ولكن ورد بلفظ: قاربوا وسددوا، فإنها لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية. أخرجه أحمد ٤٣٢/٤(١٩٨٨٤) و٤٣٥/٤ (١٩٩٠١) و(١٩٩٠٢)، والترمذى (٣١٦٨) و(٣١٦٩)، والطبراني في الكبير (١٨ /١٥١ رقم ٣٢٨) عن عمران بن حصين. قال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح. وضعفه الألباني في ضعيف الترمذى (٦١٨). (٣) التعيين (ص ٢١٥). (٤) جامع العلوم والحكم (٢/ ٧٧٢ - ٧٧٣)، ومختصر أبي داود (٧/ ١٢)، وشرح الأربعين (ص ٨١). ٤٧٢ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب في هذا الحديث عند الافتراق والاختلاف بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده فقال رَيقة: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي)) فالسنة هي الطريقة المسلوكة فيشمل ذلك التمسك بما كان هو عليه وأصحابه رضي الله عنهم والخلفاء الراشدين الذين أمر بالإقتداء بهم هم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي كذا قاله المنذري وغيره. وهذا ما اشتهر عند الخاصة والعامة الأربعة الذين ولوا الأمر بعد رسول الله ◌َّه واستدل بالحديث على جواز اطلاق السنة على [طريقتهم] كإطلاقها على طريقة النبي وَّية وعلى الفضيلة التامة لهم خلفاء وصفهم بكونهم راشدين، ونص كثير من الأئمة على أن عمر بن عبد العزيز خليفة راشد أيضًا(١). واستدل أيضًا بهذا الحديث على أن الواحد منهم إذا قال قولًا وخالفه غيره من الصحابة كان المصير إلى قول الخليفة أولي على أن النبي وَلّ عالمًا بأنهم الذين يكون الأمر بعده فيهم(٢). وقد يستدل به على أن قولهم وطريقتهم حجة مأخوذ بها وذلك لأن قوله عَالَ: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين))، ليس المراد منه أن يكون الشيء الواحد سنته وسنتهم فسنته وحدها حجةٌ مأخوذٌ بها فأشعر بأن سنتهم أيضًا كذلك والله أعلم، قاله في الديباجة. (١) شرح السنة (٢٠٨/١)، جامع العلوم والحكم (٢/ ٧٧٥). (٢) معالم السنن ٢٧٨/٤، وعارضة الأحوذي (١٤٨/١)، وجامع العلوم والحكم (٢/ ٧٧٦).