النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٥٣ مقدمة المؤلف ٢٧ - عَن أبي الدَّرْدَاء يبلغ بِهِ النَّبِنَِّ قَالَ: «مَنْ أَتَى فِرَاشَهُ وَهُوَ يَنْوِي أَنْ يَقُومَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَهُ حَتَّى أَصْبَحَ كُتِبَ لَهُ مَا نَوَى وَكَانَ نَوْمُهُ صَدَقَةً عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ)) (١) رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه بِإِسْنَاد جيد وَرَوَاهُ ابْن حِبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي ذَر أَو أبي الدَّرْدَاء على الشَّك. قوله: وعن أبي الدرداء يبلغ به النبي ◌َّة، أبو الدرداء اسمه عويمر، وقيل غير ذلك، واختلفوا في أنه شهد أحدا أم لا، وأنه لم یشهد بدر، وقد شهد أکثر المشاهد كلها مع رسول الله وسلم وولاء أمير المؤمنين القضاء بدمشق وفرض له عمر أربعمائة درهم في الشهر وألحقه بالبدريين وكان رَقُولَّهُ تاجرًا قبل البعثة فلما بعث النبي وَلو ترك التجارة واشتغل بالعبادة وقال فيه النبي وَالله: (نعم الفارس عويمر)) وقال فيه ((حكيم أمتي عويمر)) وقرأ القرآن على النبي وَلّ وجمعه في حياته، قال الذهبي: ولما مرض أبو الدرداء دخل عليه أصحابه يعودونه فقالوا: ما تشتكي، قال: ذنوبي، فقالوا: ما تشتهي قال أشتهي الجنة، فقالوا: ألا ندعوا لك طبيبا، قال: الطبيب هو الذي أمرضني، وقال عبد الله بن عتبة: سألت أم الدرداء ما كان أفضل عمل أبي الدرداء قالت: التفكر والاعتبار، توفي أبو الدرداء بدمشق سنة اثنتين وثلاثين في (١) أخرجه النسائي (٢٥٨/٣) وفي السنن الكبرى رقم (١٤٦٣)، وابن ماجه رقم (١٣٤٤)، والبزار في مسنده (٨٧/١٠)، وابن خزيمة رقم (١١٧٢)، وأخرجه ابن حبان رقم (٢٥٨٨) عن أبي ذر أو أبي الدرداء على الشك، وحسنه الألباني في الجامع الصغير رقم (١٠٨٨٥). ٣٥٤ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب خلافة عثمان رَّاللّهُ ومناقبه كثيرة (١). قوله ويّية: ((من أتى فراشه هو ينوي أن يقوم يصلي من الليل فغلبته عيناه حتى أصبح كتب له ما نوى)) الحديث وفي بعض النسخ فغلبته عينه على الأفراد هو عن النوم، وروي عن سعيد بن المسيب زُقْرِّه قال: ((من هم بصلاة أو صيام أو حج أو عمرة أو غزو وحيل بينه وبين ذلك بلغه الله ما نواه))(٢) وقال أبو عمران الجوني: ينادي الملك اكتب لفلان كذا وكذا فيقول يا رب إنه لم يعمله فيقول إنه قد نواه، انتهى، وروى أبو يعلى الموصلي في مسنده عن النبي ◌َّيّ أنه قال: ((يقول الله عز وجل للحفظة يوم القيامة اكتبوا لعبدي كذا وكذا من الأجر فيقولون ربنا لم نحفظ ذلك عنه ولا في صحفنا فيقول إنه نواه إنه نواه))(٣) قلت: ولهذا المعنى ونحوه قيل إن نية المؤمن خير من عمله قاله الطوفي في شرح الأربعين النووية (٤) والله تعالى أعلم [٤٣/ب]. (١) راجع في ترجمته: الاستيعاب (١٢٢٧/٣)، وأسد الغابة (١٨/٤)، والإصابة (٦٢١/٤). (٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٨/ ٥٢). (٣) أخرجه: ابن أبي الدنيا كما في فتح الباري ١١/ ٣٩٤ ومن طريقه السلفي في الطيوريات (٣٥٣٥) وأورده العيني في عمدة القاري (١/ ٣٥) وعزاه لأبي يعلى. (٤) التعيين (ص ٣٧ - ٣٨). ٣٥٥ مقدمة المؤلف الترهيب من الرياء، وما يقوله من خاف شيئا منه الرياء مشتق من الرؤية والسمعة من السماع، والرياء أصله طلب المنزلة في قلوب الناس برؤيتهم خصال الخير(١)، وقيل: الرياء هو أن تكون طاعة الإنسان بين الناس أحسن وأتم من طاعته في خلوته، وبعض أبواب الرياء أشد وأغلظ من بعض (٢)، قال الفضيل بن عياض رحمه الله: ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك، والإخلاص الخلاص من هذين، ومعنى قوله رحمه الله: أن من عزم على عبادة الله تعالى ثم تركها مخافة أن يطلع عليه الناس فهو مرائي(٣) لأنه لو كان عمله لله تعالى لم يضره إطلاع الناس عليه، ومن عمل لأجل أن يراه الناس فقد أشرك في الطاعة(٤)، وقد قال الله تعالى في الخبر الرباني: ((أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل لي عملًا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء وهو الذي أشرك))(٥)، والحاصل أن الباعث على العمل أي الحامل للشخص عليه إن كان لله تعالى فهو الإخلاص فإن تركه من أجل الناس فهو رياء والمخلص من أخلص لله تعالى (١) إحياء علوم الدين (٢٩٧/٣). (٢) إحياء علوم الدين (٣/ ٣٠١). (٣) شرح الأربعين (ص ٩) للنووى. (٤) تسهيل المقاصد (لوحة ٩٦). (٥) أخرجه مسلم رقم (٢٩٨٥). ٣٥٦ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب ولم ير نفسه مخلصًا ولا رأى عمله مخلصا بل يثق برحمة الله تعالى ومتى رأى نفسه في مقام الإخلاص خيف عليه من العجب بل ينبغي أن يكون على وجل وإن كان الباعث له على العمل نظر الناس إليه والطمع في إكرامهم والقرب منهم فهذا محض الرياء وإن كان الباعث له الأمرين فظاهر الحديث أنه مردود عليه يحمله، وقال السمرقندي: ما فعله لله تعالى قبل وما فعله للناس ردًّ، ومثال ذلك: من صلى الظهر وقصد بها أداء ما افترض الله عليه ولكن طولها وحسن أفعالها وأطال قراءتها من أجل الناس فأصل الصلاة منه مقبول لأنه بها في الأول وجه الله تعالى، وأما طوله فيها من أجل الناس غير مقبول لقصده به غير الله تعالى(١). (١) شرح الأربعين للنووى (ص ١٠) وتسهيل المقاصد (لوحة ٩٦). ٣٥٧ مقدمة المؤلف [ من صلى فطولها من أجل الناس] وسُئل الشيخ عز الدين بن عبد السلام عمن صلى فطول صلاته من أجل الناس فقال: نرجوا له أن لا يحبط عمله(١)، ومراده مجموع عمله وكلام السمر قندي يوضحه، وما ذكره الفضيل يستثني منه مسألة لا يكون الترك فيها من أجل الناس رياء، وذلك إذا كان الشخص يعلم أنه متى فعل الطاعة بحضرة الناس أذوه واغتابوه فإن الترك من أجلهم لا يكون رياء بل شفقة عليهم ورحمة وعلى ذلك يحمل قوله وَالله: ((ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر لا يقفن في مواقف التهم))(٢) لأنه إذا وقف فيها خاض الناس في عرضه فكأنه بوقوفه حملهم على المعصية وموقعا لهم فيها (٣)، والله أعلم. ٢٨ - عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ سَمِعت رَسُول الله ◌َّلْ يَقُول: إِن أول النَّاس یقْضى يَوْمِ الْقِيَامَة عَلَيْهِ رجل اسْتَشْهد فَأَتِي بِهِ فَعرفهُ نعْمَته فعرفها قَالَ فَمَا عملت فِيهَا قَالَ قَاتَلت فِيك حَتَّى استشهدت، قَالَ كذبت وَلَكِنَّك قَاتَلت لِأَن يُقَالَ هُوَ جريء فقد قيل ثمَّ أَمر بِهِ فسحب على وَجهه حَتَّى ألِي فِي النَّار وَرجل تعلم الْعلم وَعلمه وقرأ القرآن فَأتي بِهِ فَعرفهُ نعمه فعرفها، قَالَ فَمَا عملت فِيهَا قَالَ (١) المصدر السابق. (٢) أخرجه الخرائطى في مكارم الأخلاق (٤٧٧) بلفظ: ((من أقام نفسه مقام التهمة؛ فلا يلومن من أساء به الظن)) من قول عمر وانظر المقاصد الحسنة (ص ٦٥١). (٣) تسهيل المقاصد (لوحة ٩٦). ٣٥٨ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك الْقُرْآن، قَالَ كذبت وَلَكِنَّك تعلمت ليقال عَالم وقرأت الْقُرْآن ليقال هُوَ قارىء فقد قيل ثمَّ أَمر بِهِ فسحب على وَجهه حَتَّى ألقِي فِي النَّارِ وَرجل وسع الله عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ من أَصْنَافِ المَال فَأْتِي بِهِ فَعرفهُ نعمه فعرفها، قَالَ فَمَا عملت فِيهَا قَالَ مَا تركت من سَبِيل تحب أَن ينْفق فِيهَا إِلَّا أنفقت فِيهَا لَك، قَالَ كذبت وَلَكِنَّك فعلت ليقال هُوَ جواد فقد قيل ثمَّ أَمر بِهِ فسحب على وَجهه حَتَّى ألِقِي فِي النَّار))(١) رَوَاهُ مُسلمٍ وَالنَّسَائِيّ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن حبَانِ فِي صَحِيحه كِلَاهُمَا بِلَفْظ وَاحِد. قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على ترجمته. قوله گلقر: ((إن أول الناس يقضى يوم القيامة علیه رجل استشهد، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال)) الحديث؛ قال النووي(٢): قوله صلى الله عليه وسلم في الغازي والعالم والجواد وعقابهم على فعلهم ذلك لغير وجه الله وإدخالهم النار فيه دليل على تغليظ تحريم الرياء وشدة عقوبته وعلى الحث على وجوب الإخلاص في الأعمال كما قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ التِينَ﴾ (٣) انتهى [٤٤/أ]. (١) أخرجه مسلم رقم (١٩٠٥)، والنسائي (٢٣/٦) وفي السنن الكبرى رقم (٤٣٣٠)، والترمذي رقم (٢٣٨٢)، وابن حبان رقم (٤٠٨)، وابن خزيمة رقم (٢٤٨٢). (٢) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٥٠). (٣) سورة البنة، الآية: ٥. ٣٥٩ مقدمة المؤلف قال الماوردي(١): والإخلاص في كلامهم النية وفيه أن العمومات الواردة في فضل الجهاد إنما هي لمن أراد الله تعالى بذلك مخلصا وكذلك الثناء على العلماء وعلى المنفقين أموالهم في وجوه الخير لله محمول على من فعل ذلك لله مخلصًا، وفي الخبر أيضًا أنه يقال لهم يوم القيامة: ((صمتم وصليتم وتصدقتم وجاهدتم وقرأتم فقد قیل ذلك)) أخرجه مسلم في صحيحه بمعناه. واعلم أن أنواع النية في الجهاد لا تنحصر لتنوع المقاصد فيه ولكن نذكر منها ما هو الغالب وجودًا أو يقاس عليه ما قد يقع والتوفيق بيد الله سبحانه وتعالى فمنهم من يقصد بجهاده وجه الله سبحانه وتعالى لاستحقاقه هذه العبادة وأمره بها وافتراضها على عباده من غير التفات عنده إلى جزاء عليها في الآخرة، وهذا عزيز الوجود نادر الإمكان (٢)، ومنهم من يحمله على الجهاد غيرة الإسلام والحرص على إعلاء كلمة الله وإعزازها وإذلال كلمة الكفر وأهلها(٣)، ومنهم من يقصد بجهاده الجنة والنجاة من النار من غير تصور لغير ذلك وهذا هو الغالب وجودا، وقد قال بعضهم أن هذا القصد لا يكفيه في نيل رتبة الشهادة والظاهر الصحيح أن هذا القصد كاف في نيلها، ومما يدل على ذلك ترغيب الله في الجنة لمن جاهد في سبيله لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجِنَّةَ﴾ (٤) الآية (١) في الحاوي الكبير (٢/ ٩١). (٢) مشارع الأشواق (ص ٦١٢). (٣) مشارع الأشواق (ص ٦١٣). (٤) سورة التوبة، الآية: ١١١. ٣٦٠ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب والآيات في هذا كثيرة والشريعة كلها طافحة بأن الأعمال لأجل الجنة أعمال صحيحة غير معلولة لأن الله تعالى ذكر صفة الجنة وما أعد فيها للعاملين ترغيبا للناس في العمل ومحال أن يرغبهم في العمل للثواب ويكون ذلك الثواب معلولًا مدخولً(١). واعلم أن هذه النيات الثلاث كافيات في نيل المقصود كفيلات بدار الخلود غير أن هذه النية الأخيرة كالقشر بالنسبة إلى الأولى والثانية، وأما غزى رياء وسمعة وافتخارا ليقال هو غاز أو شجاع او نحو ذلك ولك يخطر بباله قصد التقرب إلى الله تعالى البتة فهذا ليس بشهيد عند الله تعالى بلا خلاف بل هو خليق في صفقته بالخسران وجدير في آخرته بالمذلة والهوان وهو أحد الثلاثة الذين تسعر بهم النار يوم القيامة قبل الخلائق وإنما استوجب من الله تعالى هذا المقت العظيم وحق عليه العذاب الأليم لتقربه بالعبادة إلى غير من شرعها ويستحقها لذاته وعبد بها غيره، فختم له بالإشراك وقد قال النبي ◌َّلة: ((اليسير من الرياء شرك))(٢) وإذا كان اليسير من الرياء شرك فكيف بالكثير سيما عند الخاتمة، نعوذ بالله من أسباب سخطه وموجبات عقابه، فإن غزى ونيته الأجر وأن يذكر أيضا بالغزو والشجاعة (١) مشارع الأشواق (ص ٦١٣ - ٦١٥). (٢) أخرجه ابن ماجه رقم (٣٩٨٩)، والطبراني في المعجم الأوسط رقم (٧١١٢) وفي المعجم الصغير رقم (٨٩٢) وفي المعجم الكبير (١٥٣/٢٠) رقم (٣٢١)، والحاكم في المستدرك (٤٤/١) وقال: هذا حديث صحيح ولم يخرج في الصحيحين. ٣٦١ مقدمة المؤلف والإقدام ونحو ذلك وكان بحيث لو وجد قتالًا [٤٤/ ب] بين من لا يعرفه ولا يتوقع منه مدحًا ولا منزلة وکان في لیل مظلم لا یری فعله فيه أحد لم يقاتل ولو وجد قطاع طريق ونحوهم غير كفار لم تحمله رؤية الناس على قتال لهم طلبا للمحمدة وحدها فهذا أيضًا ليس بشهيد في الآخرة، وإن كان حكمه في الظاهر حكم الشهيد لقوله وَّ في حديث أبي أمامة في رجل غزى يلتمس الأجر والذكر لا شيء له، وكذلك قال أبو الدرداء زَقَّه في الرجل يحب أن يحمد ويؤجر فقال: لا أجر له ولو ضرب بسيفه حتى ينقطع انتهى، قاله ابن النحاس في كتاب الجهاد الذي ألفه(١). قوله: ((ولكنك قاتلت ليقال: فلان جريء، فقد قيل)) جريء: بفتح الجيم وكسر الراء وبالمد أي شجاع قاله المنذري، وقال النووي: أي حاذق مقدام(٢). قوله: ((ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار)) السحب الجر بعنف (٣). قوله: ((ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل)) الجواد هو [الذي يعطي بلا مسألة صيانة للآخذ من ذل السؤال]. ٢٩ - عَنِ الْوَلِيد بن أبي الْوَلِيد أبي عُثْمَان الْمَدِينِيّ أَن عقبة بن مُسلم حَدثهُ أَن شفيا الأصبحي حَدثْهُ أَنْه دخل الْمَدِينَة فَإِذا هُوَ بِرَجُل قد اجْتمع عَلَيْهِ النَّاس فَقَالَ من هَذَا قَالُوا أَبُو هُرَيْرَة قَالَ فدنوت مِنْهُ حَتَّى قعدت بَيْنِ يَدَيْهِ وَهُوَ (١) مشارع الأشواق (ص ٦٢٠ - ٦٣٣) باختصار. (٢) رياض الصالحين (ص ٤٥٨). (٣) الدر المصون (٩/ ٤٩٨)، ونظم الدرر (١٧ / ١١٤). ٣٦٢ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب يحدث النَّاس فَلَمَّا سكت وخلا قلت لَهُ أَسأَلَك بِحَق وبحق لما حَدَّثتنِي حَدِيثا سمعته من رَسُول الله وَله وعقلته وعلمته فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة أفعل لأحدثنك حَدِيثا حَدَّثَنِيهِ رَسُول الله ◌َِّ علقته وعلمته ثمَّ نشغ أَبُو هُرَيْرَة نشغة فَمَكَثْنَا قَلِيلًا ثُمَّ أَفَاقِ فَقَالَ لأحدثنك حَدِيثا حَدَّثَنِيْهِ رَسُول الله وَّهِ أَنَا وَهُوَ فِي هَذَا الْبَيْتِ مَا مَعنا أحد غَيْرِي وَغَيره ثمَّ نشغ أَبُو هُرَيْرَة نشغة أُخْرَى ثمَّ أَفَاق وَمسح عَن وَجهه فَقَالَ أفعل لأحدثنك حَدِيثا حَدَّثَنِهِ رَسُول اللهِ وَ أَنَا وَهُوَ فِي هَذَا الْبَيْتِ مَا مَعنا أحد غَيْرِي وَغَيرِه ثمَّ نشغ أَبُو هُرَيْرَة نشغة شَدِيدَة ثمَّ مَال خارا على وَجهه فأسندته طَوِيلًا ثمَّ أَفَاق فَقَالَ حَدثنِي رَسُول الله وٍَّ أَن الله تبَارك وَتَعَالَى إِذا كَانَ يَوْمِ الْقِيَامَة ينزل إِلَى الْعباد ليقضي بينهم وكل أمة جاثية فَأول من يدعى بِهِ رجل جمع الْقُرْآن وَرجل قتل فِي سَبِيل الله وَرجل كثير المَال فَيَقُول الله عز وجل للقارىء ألم أعلمك مَا أنزلت على رَسُولي قَالَ بلَی يَا رَب قَالَ فَمَا علمت فِيمَا علمت قَالَ كنت أقوم بِهِ آنَاء اللَّيْلِ وآنَاء النَّهَار فَيَقُول الله عز وجل لَهُ كذبت وَتقول لَهُ الْمَلَائِكَة كذبت وَيَقُول الله تبارك وَتَعَالَى بل أردْت أَن يُقَال فلان قارىء وَقد قيل ذَلِك وَيُؤْتِى بِصَاحِب المَال فَيَقُول الله عز وجل ألم أوسع عَلَيْك حَتَّى لم أدعك تحْتَاجٍ إِلَى أحد قَالَ بَلَى يَا رِب قَالَ فَمَاذَا عملت فِيمَا آتيتك قَالَ كنت أصل الرَّحِم وأتصدق فَيَقُول الله لَهُ كذبت وَتقول الْمَلَائِكَة كذبت وَيَقُول الله تبارك وَتَعَالَی بل أردْت أَن يُقَال فَلَان جواد وَقد قيل ذَلِك وَيُؤْتِى بِالَّذِي قتل فِي سَبِيل الله فَقُول الله لَهُ فِي مَاذَا قتلت فَيَقُول أَي رب أمرت بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلك فقاتلت حَتَّى قتلت فَيَقُول الله ٣٦٣ مقدمة المؤلف لَهُ كذبت وَتقول الْمَلَائِكَة كذبت وَيَقُول الله بل أردْت أَن يُقَال فلان جريء فقد قيل ذَلِك ثمَّ ضرب رَسُول الله ◌َّهِ على ركبتي فَقَالَ يَا أَبَا هُرَيْرَة أُولَئِكَ الثَّلَاثَة أول خلق الله تسعر بهم النَّار يَوْمِ الْقِيَامَة قَالَ الْوَلِيدِ أَبُو عُثْمَانِ الْمَدِينِيّ وَأَخْبرِ عقبَةٍ أَن شفيا هُوَ الَّذِي دخل على مُعَاوِيَة فَأَخْبرهُ بِهَذَا قَالَ أَبُو عُثْمَان وحَدثني الْعَلَاءِ بن أبي حَكِيمٍ أَنْه كَانَ سيافًا لمعاويةٍ قَالَ فَدخل عَلَيْهِ رجل فَأخْبرِهُ بِهَذَا عَن أبي هُرَيْرَة فَقَالَ مُعَاوِيَة قد فعل بهؤلاء هَذَا فَكيف بِمن بَقِي من النَّاس ثمَّ بَكَى مُعَاوِيَة بكاء شَدِيدا حَتَّى ظننا أَنْه هَالك وَقُلْنَا قد جَاءَ هَذَا الرجل بشر ثمَّ أفاق مُعَاوِیة ومسح عن وجهه وَقَالَ صدق الله وَرَسُولە پێ من كَانَ يُرِيدِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزينتَهَا نوف إِلَيْهِمْ أَعْمَالهم فِيهَا وهم فِيهَا لَا يبخسون أُولَئِكَ الَّذِي لَيْسَ لَهُم فِي الأخرة إِلَّ النَّار وحبط مَا صَنَعُوا فِيهَا وباطل مَا كَانُوا يعْمَلُونَ)) (١). وَرَوَاهُ ابْن ◌ُزَيْمَة فِي صَحِيحه نَحْو هَذَا لم يختلف إِلَّا فِي حرف أَو حرفین. قوله: عن الوليد بن أبي الوليد أبي عثمان المديني الوليد بن أبي الوليد عثمان، أبو عثمان المدني، مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب، وقيل: مولى عثمان، وقال بعضهم: الوليد بن الوليد، وهو وهم. قال عبد الرحمن: سُئل أبو زرعة عنه فقال: ثقة. (١) أخرجه الترمذي رقم (٢٣٨٢)، والنسائي في السنن الكبرى رقم (١١٨٢٤)، وابن خزيمة رقم (٢٤٨٢)، وابن حبان رقم (٤٠٨)، وصححه الألباني في الجامع الصغير رقم (٢٥٩٣). ٣٦٤ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب قوله: أن عقبة بن مسلم حدثه أن شفيا حدثه، الشفي هو الأصبحي أبو سهيل، وقيل: أبو عبيد، شفي بن ماتع الأصبحي المصري، يعد في تابعي المصريين، روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، روى عنه ابنه، توفي سنة خمس ومائة، وهو أصح ما قيل في تاريخ وفاته(١). [قوله: قد دنوت منه حتى قعدت بين يديه، الدنو هو بفتح اللام وهو جواب قسم محذوف أي: والله(٢)] لأحدثك حديثا حدثنيه رسول الله مَلآ، الحديث؛ لأحدثنك هو بفتح اللام وهو جواب قسم محذوف أي والله لأحدثنك، ولهذا جاز دخول النون المؤكدة عليه، وحدثنا هو قائم مقام المفعولين لقوله لأحدثنك قاله الكرماني (٣). قوله: ثم نشغ أبو هريرة نشغة شديدة، نشغ بفتح النون والشين المعجمتين وبعدها غين معجمة أي شهق حتى كاد يغشى عليه إشفاقا وخوفا انتهى قاله الحافظ (٤). وقال الكرماني(٥): النشغ الشهيق من الصدر حتى كاد يبلغ به الغشي أي يعلوه نفسه کأنه شهیق من شدة ما یرد علیه انتهى. قوله: أن شفيا هو الذي دخل على معاوية فأخبره بهذا، وأما معاوية المذكور في الحديث، فيكنى أبا عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان صخر بن (١) جامع الأصول (١٢/ ٥٠٨). (٢) زيادة في المخطوطة المغربية فقط. (٣) في الكواكب الدراري (٦٠/٢). (٤) أى المنذرى. (٥) في الكواكب الدراري (٢٥/١٤). ٣٦٥ مقدمة المؤلف حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف يلتقي مع رسول الله وَ له في عبد مناف، وأمه: هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، ولد بالخيف من منى، بويع لمعاوية بالكوفة في شهر بيع الأول سنة إحدى وأربعين وكانت خلافته منذ صالحه الحسن نظَّهُ فاجتمع الناس عليه تسع عشرة سنة وأربعة أشهر سبعة عشر يوما وعمره يومئذ ثمان وخمسون سنة (١) و شهور [والناس مجتمعون عليه فيها ولي مروان بن الحكم المدينة وخالد بن العاص بن هشام مكة،، وقيل في سنة اثنتين وأربعين مات عمرو بن العاصي وقيل بل في سنة ثلاثة وأربعين وكانت ولايته مصر عشر سنين متفرقة وأربعة أشهر، قال المسعودي: مات عمرو بن العاصي وله من العمر تسعون سنة وولي معاوية فمان ابنه عبد الله وقيل بل ولي مكانه أخاه معاوية بن عتبة بن أبي سفيان وهو الصحيح وخلف عمرو بن العاصي من الدنانير ألفين ثلاثمائة ألف دينار ومن الورق ألفي ألف دينار، وغلال بمائة ألف دينار بمصر خزنة وضيعته المعروفة بالرهط وكان قيمتها عشرة ألف دينار انتهى، قاله في تاريخ كنز الدرر(٢) وسيأتي الكلام عليه مبسوطًا](٣). قوله: وحدثني العلاء بن أبي حكيم أنه كان سيافا لمعاوية فدخل عليه (١) جامع الأصول (٨٥٦/١٢)، وتهذيب الأسماء واللغات (١٠١/٢-١٠٢). (٢) كنز الدرر وجامع الغرر (٤ /١٥). (٣) زيادة في المخطوطة المغربية فقط. ٣٦٦ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب رجل فأخبره بهذا عن أبي هريرة. العلاء بن أبي حكيم الشامي وكان سيافا لمعاوية، واسم أَبِي حَكِيم يحيى. رَوَى عَن: شفي بْن ماتع الأصبحي، ومعاوية بن أبي سفيان رَوَى عَنه: أَبُو عُثْمَان الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي الْوَلِيدِ الْمَدَنِيُّ قال البخاري: يعد في الشاميين. وَقَال العجلي: شامي، تابعي، ثقة. [٤٥ / أ]. قوله: ثم أفاق معاوية ومسح عن وجهه، وقال: صدق الله ورسوله ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْخَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ ﴾﴾(١)، قيل: نزلت هذه الآية في أهل الرياء (٢) والله أعلم. قوله: عن عبد الله بن عمرو بن العاص، الفصيح في العاصي إثبات الياء ويجوز حذفها، وهذا الذي يستعمله معظم المحدثین أو کلهم، کنیته: أبو محمد وقيل أبو عبد الله، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل أبو نصير عبد الله بن عمرو بن العاصي بن وائل بن هاشم القرشي الزاهد العابد الصحابي بن الصحابي كان بينه وبين أبيه في السن اثنتا عشرة وقيل: إحدى عشرة سنة، وأمه ريطة بنت مُنِيَّة بن الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعيد بن سهم، أسلمت وقالوا: وكان النبي وَّ يقول: نعم أهل البيت عبد الله وأبو عبد الله وأم عبد الله، أسلم عبد الله قبل أبيه وكان كثير العلم مجتهدًا في العبادة وكان أكثر الناس أخذا للحديث والعلم عن رسول الله وَّةٍ، وثبت في الصحيح عن أبي هريرة قال: ما كان أحدًا أكثر حديثًا عن رسول الله وَّ منه إلا عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب (١) سورة هود، الآية: ١٥. (٢) الهداية (٣٣٦١/٥) والتفسير البسيط (٣٦٨/١١). ٣٦٧ مقدمة المؤلف ولا أكتب، وكان رَّهُ تلاء للقرآن، روي له عن سول الله وعَ له سبعمائة حديث، اتفق البخاري ومسلم منها على سبعة عشر حديثا وانفرد البخاري بثمانية ومسلم بعشرين حديثا، وإنما قلت الرواية عنه مع كثرة ما حمل لأنه سكن مصر وكان الواردون إليها قليلا بخلاف أبي هريرة فإنه استوطن المدينة وهي مقصد المسلمين من كل جهة وشهد مع أبيه فتح الشام وكانت معه راية أبيه يوم اليرموك، توفي عبد الله سنة ثلاث وستين وقيل خمس وستين بمصر وقيل غير ذلك، وكان عمره ثنتين وسبعين سنة ومناقبه كثيرة (١). ٣٠- عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِي قَالَ قلت يَا رَسُول الله ◌َّهِ أَخْبرِنِي عَن الْجِهَادِ والغزو فَقَالَ يَا عبد الله بن عَمْرو إِن قَاتَلت صَابِرًا محتسبا بَعثك الله صَابِرًا محتسبا وَإِن قَاتلت مرائیا مکاثرا بعثك الله مرائیا مکاثرا يا عبد الله بن عَمْرو على أَي حَال قَاتَلتِ أَو قتلت بَعثك الله على تِلْكَ الْحَال))(٢) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. قوله: فقال: يا عبد الله بن عمرو، إن قاتلت صابرًا محتسبًا بعثك الله صابرًا محتسبا وإن قاتلت مراءيا مكاثرا بعثك الله مراءيا مكاثرًا، الاحتساب هو [طلب الثواب والاجتهاد في تحسين النية وإخلاصها لله]، وتقدم معنى الرياء في أول الباب. (١) راجع: الاستيعاب (٩٥٦/٣)، وأسد الغابة (٢٤٥/٣)، وتهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٨١)، وسير أعلام النبلاء (٧٩/٣)، والإصابة (٤ /١٦٥). (٢) أخرجه أبو داود رقم (٢٥١٩)، والحاكم في المستدرك (٩٥/٢) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والبيهقي في السنن (٢٨٣/٩)، وضعفه الألباني في مشكاة المصابيح رقم (٣٨٤٧). ٣٦٨ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب قوله: ((على أي حال قاتلت أو قتلت بعثك الله على تلك الحال)) [الحالة هى الصفة، يشير إلى قوله وَ له: ((الناس مجزيون بأعمالهم))]. ٣١- عَن أبي بن كَعْب قَالَ قَالَ رَسُول اللهِ وَّه بشر هَذِه الأمة بالسناء والرفعة وَالدّين والتمكين فِي الأَرْض فَمن عمل مِنْهُم عمل الْآخِرَة للدنيا لم يكن لَهُ فِي الْآخِرَةِ من نصيب))(١) رَوَاهُ أَحْمِد وَابْنِ حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِمِ وَالْبَيْهَِيّ وَقَالَ الْحَاكِمِ صَحِيحِ الْإِسْنَادِ وَفِي رِوَايَة للبيهقي قَالَ رَسُولِ اللهِ وَله: «بشر هَذِه الأمة بالتيسير والسناء والرفعة بِالدّينِ والتمكين في الْبِلَادِ والنصر فَمن عمل مِنْهُم بِعَمَل الْآخِرَة للدنيا فَلَيْسَ لَهُ فِي الْآخِرَة من نصیب)). قوله: عن أبي بن كعب، هو: أبي بن كعب بن قيس بن عبيد، وقيل: أبي بن كعب بن المنذر بن قيس الأنصاري الخزرجي النجاري المدني له كنيتان أحدهما أبو المنذر كناه بها رسول الله وَّةٍ، والثانية: أبو الطفيل كناه بها عمر بن الخطاب كنى بابنه الطفيل، وأمه: اسمها صهيلة بضم الصاد بنت الأسود وهي عمة أبي طلحة زيد بن سهل بن الأسود بن حرام، والأوس والخزرج هم [٤٥/ ب] جماع الأنصار وهما ابنا حارثة بالحاء والثاء بن ثعلبة، وأما النجار فقيل سمي بذلك لأنه اختتن بالقدوم، وقيل ضرب وجهه رجل (١) أخرجه أحمد (٤٤/٣٥)، والحاكم في المستدرك (٣٥٤/٤) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأبو نعيم في الحلية (٢٥٥/١)، والبيهقي في شعب الإيمان رقم (٦٤١٦، ٩٨٥٢)، وصححه الألباني في الجامع رقم (٥١٣٦). ٣٦٩ مقدمة المؤلف بالقدوم فنجره أي نحته، روي له عن رسول الله وَالله مائة حديث وأربعة وستون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم منها على ثلاثة، وانفرد البخاري بثلاثة صَلى الله ومسلم بسبعة، وقال محمد بن سعد الواقدي: أول من کتب لرسول الله وسام حين قدم المدينة أبي بن كعب وأول من كتب في آخر الكتاب وكتب فلان بن فلان، توفي رَمَّ بالمدينة ودفن بها، قيل: سنة ثلاثين في خلافة عثمان قال أبو نعيم الأصبهاني: وهذا هو الصحيح وقيل غير ذلك، قال ابن عبد البر: والأكثر أنه مات في خلافة عمر وكان أبيض الرأس واللحية لا يغير شيبه قصيرًا نحيفًا زَّاللَّهُ ومناقبه كثيرة مشهورة(١). قوله وَّالية: ((بشر هذه الأمة بالسناء والدين والرفعة والتمكين في الأرض)) الحديث، السناء بالمد ارتفاع المنزلة والقدر عند الله عز وجل وقد سني يسني أي ارتفع والسنا بالقصر الضوء وفيه: ((عليكم بالسنا والسنوت)) بالقصر نبات معروف من الأدوية له حمل إذا يبس وحركته الريح سمعت له زجلا، الواحدة سناة وبعضهم يرويه بالمد قاله في النهاية(٢). قوله وَليّة: ((فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب)) الحديث؛ قال الشيخ زين الدين بن رجب قد ورد الوعيد على العمل لغير الله عمومًا في الحديث(٣)، انتهى. (١) راجع: الاستيعاب (٦٥/١)، وأسد الغابة (٦١/١)، وتهذيب الأسماء واللغات (١٠٨/١)، وسير أعلام النبلاء (١ /٣٨٩)، والإصابة (١ /١٨٠). (٢) النهاية (٢ /٤١٤). (٣) جامع العلوم والحكم (١/ ٧٩). ٣٧٠ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب واعلم أن العمل لغير الله أقسام تارة یکون ریاء محضا بحيث لا يراد به سوی مراءات المخلوقين لغير أمر دنيوي كحال المنافقين في صلاتهم فقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوَاْ إِلَى الصَّلَوَةِ قَامُواْ كُسَالَى﴾(١) الآية، وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ٥﴾(٢) الآية، ولذلك وصف الله تعالى الكفار بالرياء في قوله تعالى: ﴿وَلَّا تَكُونُواْ كَأَلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَِهِم بَطَرًا وَرِشَآءَ النَّاسِ﴾(٣) الآية، وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة الواجبة والحج وغيرهما من الأعمال الظاهرة أو التي تتعدى نفعها فإن الإخلاص فيها عزيز وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط وأن صاحبه يستحق المقت من الله تعالى والعقوبة وتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه وحبوطه أيضا، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ◌ّ قال يقول الله تعالى: ((أنا أغنى الشركاء عن الشرك))(٤) وغيره من الأحاديث(٥)، وقوله: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِء فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أحدا﴾(٦) الآية، وممن روي عنه هذا المعنى وأن العمل إذا خالطه شيء من الرياء كان باطلا طائفة من السلف (١) سورة النساء، الآية: ١٤٢. (٢) سورة الماعون، الآية: ٤. (٣) سورة الأنفال، الآية: ٤٧. (٤) أخرجه مسلم رقم (٢٩٨٥). (٥) جامع العلوم والحكم (٧٩/١ -٨٠). (٦) سورة الكهف، الآية: ١١٠. ٣٧١ مقدمة المؤلف منهم: عبادة بن الصامت وأبو الدرداء وسعيد بن المسيب وغيره، وفي مراسيل القاسم بن مخيمرة [٤٦ / أ] عن النبي وَل قال: ((لا يقبل الله عملا فيه حبة من خردل من رياء))(١) وسيأتي هذا الحديث في الأصل ولا نعرف عن السلف في هذا خلافا وإن كان فيه خلاف عن بعض المتأخرين، فإن خالط نية الجهاد مثلا نية غير الرياء مثل أخذ أجرة للخدمة أو أخذ شيء من الغنية أو التجارة نقص بذلك أجر جهادهم ولم يبطل بالكلية، وقد ذكرت أحاديث تدل على أن من أراد بجهاده عرضا من الدنيا أنه لا أجر له وهي محمولة على أنه لم یکن له غرض في الجهاد إلا الدنيا أنه لا أجر له، وقال الإمام أحمد بن حنبل نَّالَّه عنه أن التاجر والمستأجر والمكاري أجرهم على قدر ما يخلص من نيتهم في غزاتهم ولا يكونوا مثل من جاهد بنفسه وماله لا يخالطه به غيره، وأما إذا كان العمل لله ثم طرأت عليه نية الرياء فإن كان خاطرا أو وديعة فلا يضره بلا خلاف وإن استرسل معه فهل يحبط به عمله أم لايضره ذلك ويجازي على أصل نيته في ذلك اختلاف بین العلماء من السلف قد حکاه الإمام أحمد بن حنبل وابن جرير الطبري ورجحا أن عمله لا يبطل بذلك وأنه يجازي بنيته الأولى وهو مروي عن الحسن البصري وغيره، فأما إذا عمل العامل لله خالصا ثم القى الله الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك ففرح بفضل الله ورحمته فاستبشر بذلك لم يضره ذلك، والله أعلم(٢). (١) أورده ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم (١/ ٨٢). (٢) جامع العلوم والحكم (١/ ٨٢) ٣٧٢ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب ٣٢- عَنِ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رجل يَا رَسُول الله إِنِّي أَقف الْموقف أُرِيد وَجه الله وَأُرِيد أَن يرى موطني، فَلم يرد عَلَيْهِ رَسُول الله ◌َّ حَتَّى نزلت: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾(١) (٢) رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شرطيهما وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيقه ثمَّ قَالَ رَوَاهُ عَبْدَانِ عَن ابْنِ الْمُبَارك فَأَرْسلُ لم يذكر فِيهِ ابْن عَبَّاس. قوله: عن ابن عباس، هو: عبد الله بن عباس تقدم الكلام على مناقبه مبسوطًا قريبًا. قوله: إني أقف الموقف أريد وجه الله وأريد أن يرى موطني فلم يرد رسول الله ◌َّهِ حتى نزلت: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلُ عَمَلًا صَلِحًا﴾ الآية، والمراد بقوله: ((إني أقف الموقف)) وفي الرواية الأخرى ((وأريد أن يرى موطني)) الموطن المشهد من مشاهد الحرب قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ (٣)(٤). قوله: رواه عبدان عن ابن المبارك فأرسله أما الحديث المرسل فتقدم الكلام عليه والله أعلم. (١) سورة الكهف، الآية: ١١٠. (٢) أخرجه الحاكم في المستدرك (١٢٢/٢) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والبيهقي في الشعب رقم (٦٤٣٨)، وأخرجه ابن المبارك في الجهاد رقم (١٢) عن طاووس مرسلا، لم يذكر فيه ابن عباس، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب رقم (٩). (٣) سورة التوبة، الآية: ٢٥. (٤) المفاتيح (٥٣٠/٥).