النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٣٣
مقدمة المؤلف
لحاجة وضرورة، بل لقصد غنى وزيادة (إلا فتح الله علیه باب فقر) أي: باب
احتياج آخر وهلم جرا، أو بأن سلب عنه ما عنده من النعمة فيقع في نهاية من
النقمة، كما هو مشاهد في أصحاب التهمة، ومثل حاله بالحمار الذي ليس له
الذنب، وهو دائر في الطلب، فدخل في بستان حريصا عليه فقطع الحارث
أذنيه، وشبه أيضا بكلب في فمه عظم، ومر على نهر لطيف يظهر من تحته
عظم نظيف، ففتح الكلب فمه حرصا على أخذ ما في قعر الماء فوقع ما في
فمه من العظم في الماء، فالحرص شؤم والحريص محروم (١).
قوله وَالله: ((وأحدثكم حديثا فاحفظوه، قال: إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد
رزقه الله مالا وعلما فهو يتقي الله فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم الله فيه حقا
فهذا بأفضل المنازل)) الحديث، تقدم الكلام على النفر في أول الباب في
حديث الغار مبسوطا، ويجوز في قوله: ((وعبد رزقه الله مالًا)) الكسر والرفع،
والمراد بالرحم: صلة الأقارب، والمراد بقوله: ((يعلم الله فيه حقًّا)) الزكاة
المفروضة الواجبة في ماله.
قوله ◌َّ: ((وعبد رزقه الله علمًا ولم يرزقه مالًا فهو صادق النية يقول: لو أن
لي مالًا لعملت بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواء ... )) الحديث. قال العلماء:
ومتى اقترن بالنية قول أو سعى تأكد الجزاء والتحق صاحبه بالعامل لهذا
الحديث، وقد حمل قوله ((فهما في الأجر سواء)) على استوائهما في أصل أجر
العمل دون مضاعفته، فالمضاعفة يختص بها من عمل العمل دون من نواه ولم
(١) مرعاة المفاتيح (٣٣٠٨/٨).

٣٣٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
يعمله فإنهما لو استويا من كل وجه لكتب لمن هم بحسنة ولم يعملها عشر
حسنات وهو خلاف النصوص ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ
اَلْمُجَهِدِينَ عَلَى الْقَعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ (١)] وقال ابن عباس وغيره: القاعدون
المفضل عليهم المجاهدون هم القاعدون من أهل الأعذار(٢) انتهى، فالعاقل
يغبط من أنفق ماله في سبل الخيرات ونيل علو الدرجات(٣).
واعلم أن من عجز عن عمل خیر وتأسف علیه وتمنی حصوله کان شریکا
لفاعله في الأجر كما قال في هذا الحديث قال: لو كان لي مال لعملت فيه ما
عملت فيه فلان أنهما سواء في الأجر أو الوزر، وقد قيل إنهما سواء في أصل
الأجر دون المضاعفة فإنها تختص بالعامل كما تقدم نقله فمن هاهنا كان
أرباب الهمم العالية لا يرضون بمجرد هذه المشاركة ويطلبون أن يعملوا
أعمالا تقاوم الأعمال التي عجزوا عنها ليفوزوا بثواب يقاوم ثواب تلك
الأعمال ويضاعف لهم كما يضاعف أولئك فيستووا هم وأولئك العمال في
الأجر کله(٤). انتھی.
لطيفة في المعنى: روى حميد بن زنجويه بإسناده عن زيد بن أسلم قال:
يؤتى يوم القيامة بفقير وغني اصطحبا في الله تعالى فيوجد للغني فضل عمل
(١) سورة النساء، الآية: ٩٥.
(٢) جامع العلوم والحكم (١٠٤٤/٣).
(٣) لطائف المعارف (ص ٢٤٦).
(٤) لطائف المعارف (ص ٢٤٩).

٣٣٥
مقدمة المؤلف
فيما كان يصنع في ماله فيرفع على صاحبه فيقول الفقير: يارب لم رفعته وإنما
اصطحبنا فيك وعملنا لك فيقول الله تعالى: له فضل عمل بما صنع في ماله
فيقول يا رب لقد عملت لو أعطيتني مالا لصنعت مثل ما صنع فيقول: صدق
فارفعوه إلى منزل صاحبه ويؤتى بمريض وصحيح اصطحبا في الله تعالى
فيرفع الصحيح بفضل عمله فيقول المريض لم رفعته علي فيقول بما كان
يعمل في صحته، فيقول: يارب لقد عملت لو صححتني لعملت كما كان
عمل، فيقول الله: صدق فارفعوه على درجة صاحبه ويؤتى بحر ومملوك
اصطحبا في الله تعالى. [٤١/ أ]
فيقول مثل ذلك ويؤتى بحسن الخلق وسيئ الخلق فيقول يارب لم رفعته
عليّ وإنما اصطحبنا فيك وعملنا لك، فيقول: بحسن خلقه فلا يجد له جوابًا
انتهى، قاله ابن رجب في شرح الأربعين النووية(١).
قوله وَله: ((وعبد لم يرزقه الله مالًا ولا علمًا، فهو يقول: لو أن لي مالًا
لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته، فوزرهما سواء)) ذم النبي ◌َّ- الرجل
المذموم لتمنيه المعصية لا من جهة حبه أن يكون له من النعمة مثل ما لأخيه،
وهذا هو الحسد، ومدح الأول، لأنه من الغبطة لا من الحسد، والجاهل
يغبط من أنفق ماله في الشهوات وتوصل به إلى اللذات المحرمات، قال الله
تعالى حاكيا عن قارون: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ، فِىِ زِينَتِهِ، قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ
اٌلْخَيَوَةَ الدُّنْيَا يَلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَرُونُ﴾ إلى قوله: ﴿وَالْعَقِبَةُ
(١) لطائف المعارف (٢٤٦).

٣٣٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
لِلْمُتَّقِينَ﴾(١)(٢) فإن قول القائل بلسانه: لو أن لي مالا لعملت فيه بالمعاصي
كما عمل فلان ليس هو العمل بالمعصية التي هم بها، وإنما أخبر عما هم به
فقط مما متعلقه إنفاق المال في المعاصي وليس له مال بالكلية، وأيضًا في
الكلام بذلك محرم، فكيف يكون معفو عنه غير معاقب؟(٣)، والله أعلم.
٢١- عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله ◌َِّ قَالَ فِیمَا یروي عَن ربه عز وجل إِن
الله كتب الْحَسَنَات والسيئات ثمَّ بَيْن ذَلِك فَمن هم بحسنة فَلم يعملها كتبها
الله عِنْده حَسَنَة كَامِلَة فَإِن هم بهَا فعملها كتبها الله عِنْده عشر حَسَنَاتٍ إِلَى
سَبْعمائة ضعف إِلَى أَضْعَاف كَثِيرَة وَمن هم بسيئة فَلم يعملها كتبها الله عِنْده
حَسَنَةٍ كَامِلَة وَإِن هُوَ هم بهَا فعملها كتبها الله سَيِّئَة وَاحِدَة زَاد فِي رِوَايَة أَو
محاها وَلَا يُهْلك على الله إِلَّ هَالك)) (٤) رواه البخاري ومسلم.
قوله: وعن ابن عباس، تقدم الكلام على مناقب ابن عباس قريبًا.
قوله وَّالية: ((إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك ... )) الحديث. وفي
نسخة: «ثم بين ذلك في كتابه، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة
كاملة))، وفي حديث أبي هريرة الذي بعده: ((وإذا أراد عبدي أن يعمل حسنة فلم
يعملها اكتبوها له حسنة ما لم يعملها)) (٥) ففي هذا الحديث والأحاديث بعده
بيان ما أكرم الله تعالى به هذه الأمة زادها الله تعالى شرفا وكرما وخفف عنهم
(١) سورة القصص، الآيات: ٧٩-٨٣.
(٢) لطائف المعارف (ص ٢٤٦).
(٣) جامع العلوم والحكم (١٠٤٧/٣).
(٤) أخرجه البخاري رقم (٦٤٩١)، ومسلم رقم (١٣١).
(٥) أخرجه البخاري رقم (٧٥٠١)، ومسلم رقم (١٢٩).

٣٣٧
مقدمة المؤلف
مما كان على غيرهم من الإصر والثقل والمشاق (١)، وفيه: بيان ما كانت
الصحابة رضي الله عنهم عليه من المسارعة إلى الانقياد لأحكام الشرع(٢)،
والظاهر أن المراد بقوله وَّ له في الرواية الأخرى عن الله عز وجل: ((وإذا تحدث
بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعملها)) المراد بالتحدث: حديث
النفس وهو الهم(٣)، ولا يتوقف ذلك على أن تحدثه به لسانه(٤).
قال النووي رحمه الله: وقد دل على ذلك قوله في حديث ابن عباس رضي
الله عنهما: (وإذا همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة) والظاهر: أن
المراد إذا منعه من ذلك عذر ولا تكتب له الحسنة بمجرد الهم مع الانكفاف عن
الفعل بلا عذر، ويحتمل حمله على إطلاقه وأن مجرد الهم بالخير قربة، وإن لم
يمنع منه مانع(٥)، وفي حديث خريم بن فاتك: ((من هم بحسنة فلم يعملها فعلم
الله أنه قد أشعرها قلبه وحرص عليها كتبت له حسنة))(٦) فهذا يدل على أن
المراد بالهم هنا هو العزم الذي يوجد معه الحرص [٤١/ ب] على العمل لا
مجرد الخطرة التي تخطر ثم تنفسخ من غير عزم ولا تصميم (٧).
(١) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٥٢).
(٢) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٥٢).
(٣) جامع العلوم والحكم (١٠٤٢/٣).
(٤) طرح التثريب (٢٢٩/٨).
(٥) طرح التثريب (٢٢٩/٨).
(٦) أخرجه أحمد (٣١/ ٣٨٣).
(٧) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٠٤٣).

٣٣٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله وَجّر في الحسنة: ((فإن هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات)) وفي
حديث أبي هريرة: ((فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها ... )) الحديث. فمضاعفة
الحسنة بعشر أمثالها لازم لكل الحسنات فتضاعف الحسنة بعشر أمثالها، فمعناه:
أن التضعيف بعشر أمثالها لابد منه بفضل الله ورحمته ووعده الذي لا يخلفه(١)،
وقد دل عليه قوله تعالى: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ, عَشْرُ أَمْثَالِهَاً﴾ (٢) (٣)
وفي حديث أبي ذر الذي رواه مسلم في الدعوات في الحسنات يقول الله
تبارك وتعالى: ((مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَأَزِيدُ، وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيَِّةِ
فَجَزَاؤُهُ سَيَِّةٌ مِثْلُهَا أَوْ أَغْفِرُ))(٤).
قوله وقيل: ((إلى سبعمائة ضعف))، قال النووي(٥): وقد اختلف المفسرون في
قوله تعالى: ﴿وَآللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءٌ﴾(٦)، وقد حكى أبو الحسن الماوردي
أقضى القضاة عن بعض العلماء أن التضعيف لا يتجاوز سبعمائة وهو غلط،
فقيل: المراد: يضاعف هذا التضعيف وهو السبعمائة، وقيل: المراد: يضاعف
فوق السبعمائة لمن يشاء، وفي رواية لابن ماجه: ((إلى سبعمائة ضعف))(٧).
(١) شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٢).
(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٦٠.
(٣) جامع العلوم والحكم (١٠٣٦/٣).
(٤) أخرجه مسلم رقم (٢٦٨٧).
(٥) في شرح مسلم (٢/ ١٥٢).
(٦) سورة البقرة، الآية: ٢٦١.
(٧) أخرجه ابن ماجه رقم (١٦٣٨).

٣٣٩
مقدمة المؤلف
قوله: ((إلى أضعاف كثيرة)) فقد ورد التضعيف بذلك في الحديث، ففيه
التصريح بالمذهب الصحيح المختار عند العلماء أن التضعيف لا يقف على
سبعمائة (١) فالزيادة بعد تكثير التضعيف إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة
يحصل لبعض الناس دون بعض على حسب مشيئته سبحانه وتعالى (٢).
وقال الكرماني(٣): وإن قلنا إن معنى تضاعف السبعمائة ضعف بأن يزيد عليها
فذلك في مشيئة الله، وأما المتحقق فهو إلى سبعمائة فقط، وقال في موضع آخر (٤):
فإن قلت: كيف يكون سبعمائة فقط والله يضاعف لمن يشاء، قلت: هذا أقله
والتخصيص بالعدد لا يدل على نفي الزائدة والله أعلم.
فزيادة المضاعفة على العشر لمن يشاء الله أن يضاعف له دليله قوله تبارك
وتعالى: ﴿مَّثَلُ اُلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله سبحانه
وتعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾(٥) فدلت هذه الآيات على أن النفقة في
سبيل الله تضاعف بسبع مائة ضعف(٦).
تتمة: قال الجوهري (٧): ضعف الشيء مثله، وضعفاه مثلاه، هذا في غير
(١) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٥٢).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٢).
(٣) في الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٦٩/١).
(٤) في الكواكب الدراري (٨٠/٩).
(٥) سورة البقرة، الآية: ٢٦١.
(٦) جامع العلوم والحكم (١٠٣٦/٣-١٠٣٧).
(٧) في الصحاح (٤/ ١٣٩٠).

٣٤٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الوصية انتهى، ودليل الزيادة على ذلك ما أخرجه الإمام أحمد من حديث
علي بن زيد بن جدعان عن أبي عثمان النهدي عن أبي هريرة عن النبي وَث له
قال: ((إن الله تعالى يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة ثم تلى ﴿وَإِن تَكُ
حَسَنَةً يُضَعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾))(١)(٢). وخرج الترمذي من
حديث ابن عمر مرفوعًا. [٤٢/ أ]: ((من دخل السوق فقال لا إله إلا الله وحده
لا شريك له له الملك وله الحمد يحي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء
قدير كتب الله له ألف ألف حسنة ومحي عنه ألف ألف سيئة ورفع له ألف
ألف درجة))(٣) وفي حديث تميم الداري مرفوعًا: ((من قال أشهد أن لا إله إلا
الله وحده لا شريك له أحدًا صمدًا عشر مرات كتب الله له أربعين ألف ألف
حسنة)) (٤) وفي حديث الصيام: ((فإنه لي وأنا أجزي به)) يدل على أن الصيام لا
يعلم قدر مضاعفتة ثوابه إلا الله تعالى لأنه أفضل أنواع الصبر وإنما يوفى
الصابرون أجرهم بغير حساب، قاله ابن رجب(٥).
وفي حديث ابن عباس من حج من مكة ماشيا حتى يرجع كتب الله بكل
خطوة سبعمائة حسنة كل حسنة مثل حسنات الحرم، قيل: ومن حسنات
(١) سورة النساء، الآية: ٤٠.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده (١٦ / ٤٤٢).
(٣) أخرجه الترمذي رقم (٣٤٢٨).
(٤) أخرجه الترمذي رقم (٣٤٧٣) وقال: ((هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه)) والخليل
بن مرة ليس بالقوي عند أصحاب الحديث قال محمد بن إسماعيل: هو منكر الحديث.
(٥) جامع العلوم والحكم (١٠٣٩/٣- ١٠٤٠).

٣٤١
مقدمة المؤلف
الحرم قال: ((بكل حسنة مائة ألف حسنة)) قال شيخ الإسلام قاضي القضاة
ولي الدين العراقي(١): قال والدي في شرح الترمذي: فهذا أكثر ما رأيته ورد
في التضعيف وهو بكل خطوة سبعين ألف ألف حسنة، قال: والجمع بين هذه
الأحاديث وبين حديث أبي هريرة أنه لم يرد بحديث أبي هريرة انتهاء
التضعيف بدليل أن في بعض طرقه كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة
ضعف إلى أضعاف كثيرة فقد بين بهذه الزيادة أن التضعيف يزاد على
السبعمائة، والزيادة من الثقة على الصحيح، انتهى والله أعلم.
واعلم أن مضاعفة الإخلاص في الحسنات زيادة على العشر يكون
بحسب حسن الإسلام كما جاء ذلك مصرحًا في حديث أبي هريرة وغيره
تكون بحسب كمال الإخلاص وبحسب فضل ذلك العمل في نفسه وبحسب
الحاجة إليه، والله أعلم قاله الكرماني (٢).
قوله قال: «ومن هم بسيئة فلم يعملها کتبها الله عنده حسن كاملة، وإن هم
هو بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة)) الحديث، قال الإمام المازري: مذهب
القاضي أبي بكر بن أبي الطيب أن من عزم على المعصية بقلبه ووطن نفسه
عليها أثم في اعتقاده وعزمه، ويحمل ما وقع في هذه الأحاديث وأمثالها على
أن ذلك فيمن لم يوطن نفسه على المعصية، وإنما يمر ذلك بفكره من غير
(١) طرح التثريب في شرح التقريب (١٠٤/٤).
(٢) راجع جامع العلوم والحكم لابن رجب (٣١٦/٢).

٣٤٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
استقرار، ويسمى هذا (همًا)، ويفرق بين الهم والعزم، وهذا مذهب القاضي
أبي الطيب وطائفة كبيرة من الفقهاء والمحدثين، وأخذوا بظاهر الحديث،
قال القاضي عياض رحمه الله: عامة السلف وأهل العلم من الفقهاء
والمحدثين على ما ذهب إليه القاضي أبو بكر للأحاديث الدالة على
المؤاخذة بأعمال القلوب، قال الله تعالى: ﴿بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (١) أي:
عزمت عليه قلوبكم وقصدتموه إذ كسب القلب عزمه ونيته، وفي الآية دليل
لما عليه الجمهور أن أفعال القلوب إذا استقرت يؤاخذ بها لكنهم قالوا: إن
هذا العزم يكتب سيئة، وليست السيئة التي هم بها لكونه لم يعملها، وقطعه
عنها قاطع غير خوف الله تعالى والإنابة لكن نفس الإصرار والعزم معصيةً
فتكتب معصية، فإذا عملها كتبت معصية ثانية، فإن تركها [٤٢/ ب] عبدى
بأن عمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها الحديث.
[فإن تركها خشية الله تعالى كتبت حسنة كما جاء في الحديث: ((إنما تركها
من جرائي)) فصار تركه لها لخوف الله تعالى ومجاهدته نفسه الأمارة بالسوء
في ذلك، وعصيانه هواه حسنة، فأما الهم الذي لا يكتب فهي الخواطر التي لا
توطن النفس عليها ولا يصحبها عقد ولا نية وعزم، وذكر بعض المتكلمين
خلافا فيما إذا تركها لغير خوف الله تعالى بل لخوف الناس، هل يكتب
حسنة؟ قال: لا، لأنه إنما حمله على تركها الحياء، وهذا ضعيف لا وجه له،
هذا آخر كلام القاضي، وهو ظاهر حسن ولا مزيد عليه، وقد تظاهرت
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٢٥.

٣٤٣
مقدمة المؤلف
نصوص الشرع بالمؤاخذة بعزم القلب المستقر(١)، والله أعلم، ومذهب
الجمهور أن العزم على المعصية إذا استقر في القلب كان ذنبًا يكتب عليه
بخلاف الخاطر (٢)، انتهى، قاله في شرح الإلمام.
قال الإمام أبو جعفر الطحاوى هذا الحديث دليل على أن الحفظة يكتبون
أعمال القلوب وعقدها وبذلك جزم النووى أيضا خلافا لمن قال أنها لا
تكتب إلا الأعمال الظاهرة(٣). والله أعلم.
٢٢ - عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله وَِّ قَالَ يَقُول الله عز وجل إِذا أَرَادَ عَبدِي
أَن يعْملِ سَيَِّة فَلا تكتبوها عَلَيْهِ حَتَّى يعملها فَإِن عَملهَا فاكتبوها بِمِثْلِهَا وَإِن
تَركها من أَجلي فاكتبوها لَهُ حَسَنَةً وَإِن أَرَادَ أَن يعْمل حَسَنَة فَلم يعملها
اكتبوها لَهُ حَسَنَةٍ فَإِنِ عَمَلهَا فاكتبوها لَهُ بِعشر أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَة)) (٤). رواه
البخاري واللفظ له ومسلم.
٢٣ - وَفِي رِوَايَة لمُسلمٍ(٥) ((قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من هم بحسنة
فَلم يعملها كتبت لَهُ حَسَنَةٌ وَمن هم بحسنة فعملها كتبت لَهُ عشر حَسَنَات إِلَى
سَبْعِمِائَة ضعف وَمن هم بسيئة فَلم يعملها لم تكْتب عَلَيْهِ وَإِن عملها كتبت)).
(١) راجع شرح النووي على مسلم (٢/ ١٥١).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٠٧/١١-١٠٨).
(٣) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٥٢).
(٤) أخرجه البخاري رقم (٧٥٠١)، ومسلم رقم (١٢٩).
(٥) رقم (١٣٠).

٣٤٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٢٤ - وَفِي أُخْرَى لَهُ ((قَالَ عَن مُحَمَّد رَسُول الله ◌َِّ قَالَ قَالَ الله عز وجل
إِذا تحدث عَبدِي بِأَن يعْمل حَسَنَةٍ فَأَنَا أَكتبهَا لَهُ حَسَنَة مَا لم يعملها فَإِذا عَمَلهَا
فَأَنَا أَكتبهَا لَهُ بِعشر أَمْثَالِهَا وَإِذا تحدث بِأَن يعْمِل سَيَِّةَ فَأَنَا أغفرها لَهُ مَا لم
يعملها فَإِذا عَمَلهَا فَأَنَا أَكتبهَا لَهُ بِمِثْلِهَا وَإِن تَركهَا فاكتبوها لَهُ حَسَنَة إِنَّمَا
تَركها من جراي»(١).
قوله صلى الله عليه وسلم: ((إنما تركها من جرائي)) قال الحافظ (٢): هو
بفتح الجيم وتشديد الراء أي من أجلي. وقال غيره: أي من أجلي وبسببي،
وجراء: تمد وتقصر يقال: فعلت ذلك من جراك ومن جرائك أي من
أجلك(٣)، وهذا يدل على أن المراد من قدر على ما هم من المعصية فيتركه لله
عز وجل، وهذا لا ريب في أنه يكتب له بذلك حسنة لأن تركه للمعصية بهذا
القصد عمل صالح فإما إن هم بمعصية ثم ترك عملها خوفًا من المخلوقين أو
مراءاة لهم فقد قيل: إنه يعاقب على تركها بهذه النية لأن تقديم خوف
المخلوقين على خوف الله تعالى محرم وكذلك قصد الرياء للمخلوقين محرم
فإذا اقترن بذلك ترك المعصية لأجله عوقب على هذا الترك (٤).
وأما إن سعى في تحصيلها بما أمكنه ثم حال بينه وبينها العذر فقد ذكر
(١) مسلم رقم (١٢٩).
(٢) فتح الباري (٣٢٦/١١).
(٣) الصحاح (٢٣٠٢/٦)، ومطالع الأنوار (١٠٨/٢)
(٤) جامع العلوم والحكم (١٠٤٥/٣).

٣٤٥
مقدمة المؤلف
جماعة أنه يعاقب عليها حينئذ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله
تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل))(١) ومن سعى في
حصول المعصية جهده ثم عجز عنها فقد عمل وكذلك قوله ◌َاله: ((بسيفيهما
فالقاتل والمقتول في النار))(٢).
وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: ((ما لم تتكلم به أو تعمل)) (٣)
يدل على أن الهام بالمعصية إذا تكلم بما هم به لسانه أنه يعاقب على الهم
حينئذ لأنه قد عمل بجوارحه معصية وهو التكلم بلسانه، ويدل على ذلك
قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي كبشة الأنماري الذي تقدم قريبًا: (لو
أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان)) يعني الذي يعصي الله تعالى في ماله قال
(فهما في الوزر سواء)) (٤).
(١) أخرجه البخاري رقم (٥٢٦٩).
(٢) أخرجه البخاري رقم (٣١)، ومسلم رقم (٢٨٨٨).
(٣) أخرجه البخاري رقم (٥٢٦٩) ومسلم رقم (١٢٧).
(٤) جامع العلوم والحكم (١٠٤٥/٣- ١٠٤٦).

٣٤٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
المعصية بأحد الحرمين
تنبيه: تضمنت نصوص هذه الروايات كتابة الحسنات والسيئات والهم
بالحسنة والهم بالسيئة وتقدم الكلام على ثلاث، وبقي الهم بالسيئة إذا
عملها كتبها الله سيئة واحدة كما في حديث ابن عباس، ففيه إشارة إلى أنها
غير مضاعفة كما صرح به في الحديث المذكور، ولكن السيئة تعظم أحيانًا
بشرف الزمان ومكان كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ أَثْنَا
عَشَرَ شَهْرًا﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾(١) قال قتادة (٢) في
هذه الآية: اعلموا أن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرا فيما سوى
ذلك، وقد روى في حديثين مرفوعين أن السيئات تضاعف في رمضان، وكان
جماعة من الصحابة يتقون سكني الحرم خشية ارتكاب الذنوب فيه منهم ابن
عباس وعبد الله بن عمرو بن العاصي، وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال:
لأن أخطئ سبعين خطيئة يعني، بغير مكة أحب إلي من أن أخطئ خطيئة
واحدة(٣)، وعن مجاهد قال: تضاعف السيئات بمكة كما تضاعف
الحسنات(٤)، وقال ابن جريج: بلغني أن الخطيئة بمكة مائة خطيئة والحسنة
(١) سورة التوبة، الآية: ٣٦.
(٢) أخرجه: الطبري في تفسيره (١٢٩٧٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٩٣ (١٠٠١٠).
(٣) أخرجه: عبد الرزاق (٨٨٧١).
(٤) ذكره السيوطي في الدر المنثور ٦٣٥/٤.

٣٤٧
مقدمة المؤلف
على نحو ذلك وقد تضاعف السيئات لشرف فاعلها وقوة معرفته بالله وقربه
منه فإن من عصى السلطان على بساطه أعظم أجرا ممن عصاه على بعد(١).
قوله ◌َيرٍ في حديث ابن عباس: زاد في رواية: ((أو محاها)) يعني أن عمل
السيئة أن تكتب لعاملها سيئة واحدة أو يمحوها الله بما شاء من الأسباب
كالتوبة والاستعفار وعمل الحسنات(٢).
وقوله بعد ذلك: ((ولا يهلك على الله هالك)) أي: لا يعاقب مع هذه
المسامحة إلا مفرط غاية التفريط يعني بعد هذا الفضل العظيم والرحمة
الواسعة فيه بمضاعفة الحسنات والتجاوز عن السيئات: ((لا يهلك على الله
إلا من هلك وألقي بيديه إلى التهلكة وتجرأ على السيئات ورغب في
الحسنات وأعرض عنها)) ولهذا قال ابن مسعود زَّةً: ويل لمن غلب
وحداته عشراته، وروي الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله
عنهما مرفوعا هكذا: من غلب واحدة عشرا انتهى كلام ابن رجب (٣).
سؤال: ما معنى قوله: ويل لمن غلب آحاده أعشاره، قيل: الآحاد السيئات
لأن كل سيئة تكتب بواحدة والأعشار أصول الحسنات وتضاعيف الحسنات
فإن الحسنة بعشر أمثالها قاله ابن العماد في كشف الأسرار (٤).
(١) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٠٤٠-١٠٤٢).
(٢) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٠٥٣).
(٣) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٠٥٣).
(٤) كشف الأسرار (لوحة ٧٨).

٣٤٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
تنبيه: قال بعض العلماء لأن تفضل حسناتي سيئاتي بمثقال ذرة أحب إلى
من الدنيا جميعًا.
سؤال آخر: ما الحكمة في إضعاف الحسنات؟ قال النيسابوري: لئلا يفلس
العبد إذا اجتمع الخصماء في مطالبته فيدفع إليهم واحدة وتبقى له تسعة ثم
توفي العباد من أصواب حسناته ولا يوفي من التضعيفات لأنها فضل من الله
تعالى قد ذكر البيهقي في كتاب البعث والنشور فقال: إن التضعيفات فضل
من الله تعالى لا يتعلق بها العباد بل يدخرها للعبد إذا أدخله الجنة أثابه بها قاله
أيضا في كشف الأسرار(١)، وفي حديث مرسل أخرجه ابن أبي الدنيا أن النبي
وَالّه قال لرجل يا فلان إنك تبني وتهدم يعني تعمل الحسنات والسيئات فقال
يا رسول الله سوف أبني ولا أهدم)» (٢)، علامة قبول الطاعة أن توصل بطاعة
بعدها، وعلامة ردها أن توصل بمعصية ما أحسن الحسنة بعد الحسن وأقبح
السيئة بعد الحسنة ذنب بعد التوبة أقبح من سبعين ذنبا قبلها النكسة أصعب
من المرض الأول(٣).
٢٥- عَن معن بن يزِيد رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ أبي يزيد أخرج دَنَانِير
يَتَصَدَّق بهَا فوضعها عِنْد رجل فِي الْمَسْجِد فَجْت فأخذتها فَأَتَيْتِه بِهَا فَقَالَ
وَالله مَا إياك أردْت فَخَاصَمته إِلَى رَسُول الله وَِّ فَقَالَ: لَك مَا نَوَيْت يَا يِزِيد
(١) كشف الأسرار (لوحة ٧٨).
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب التوبة رقم (١٨٨).
(٣) هذا كله زيادة في المخطوطة المغربية، ولعله سقط من المخطوطة المصرية.

٣٤٩
مقدمة المؤلف
وَلَك مَا أخذت يَا معن)) (١) رواه البخاري.
قوله: وعن معن بن يزيد [هو معن بن يزيد بن الأخنس بن حبيب بن جرة
بن زعب بن مالك بن عفاف بن عصية بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة بن
سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر بن نزار، أبو
يزيد السلمي، له ولأبيه ولجده صحبة، وقد اختلف في نسبه نزل الكوفة،
وقدم مصر سنة ثلاث وأربعين، وصار إلى الإسكندرية، و کان له بدمشق دار،
وشهد يوم مرج راهط مع الضحاك بن قيس سنة أربع وستين، وقتل ابنه ثور
بن معن بن یزید یومئذ.
وروي عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب أن معن بن يزيد بن
الأخنس هو وأبوه وجده شهدوا بدوا، قال: ولا أعلم رجلا هو وابنه وابن ابنه
مسلمين شهدوا بدرا غيرهم، ولم يتابعه أحد على هذا القول(٢)].
قوله: كان أبي يزيد أخرج دنانير، فتصدق بها فوضعها عند رجل في
المسجد، فجئت فأخذتها، فذكر الحديث إلى أن قال: فخاصمته إلى رسول
الله وَّة، فقال: ((لك ما نويت يا يزيد من أجر الصدقة، ولك ما أخذت يا معن))
الحديث، أي: لك ما نويت يا يزيد من أجر الصدقة وهو التقرب والثواب؛
لأنك نويت أن تتصدق بها على من يحتاج إليها، ورأيتك تحتاج إليها؛ وقوله:
((ولك ما أخذت يا معن لأنك أخذتها محتاجا إليهًا)) ففي هذا الحديث إشارة
(١) أخرجه البخاري رقم (١٤٢٢).
(٢) تهذيب الكمال (٢٨ / الترجمة ٦١١٨).

٣٥٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
إلى جواز التصدق على الفرع، وذلك إنما يجوز في الصدقة النافلة فيحمل
عليها، فأخذ الإمام أحمد بهذا الحديث وعمل به في المنصوص عنه وإن كان
أكثر الصحابة على خلافه، فإن الرجل إنما يمنع من دفع الصدقة إلى ولده
خشية أن تكون محاباة، فإذا وصلت إلى ولده من حيث لا يشعر كانت
المحاباة منتفية، وهو من أهل استحقاق الصدقة في نفس الأمر، ولهذا لو دفع
صدقة إلى من يظنه فقيرًا فكان غنيًا في نفس الأمر أجزأته على الصحيح ؛ لأنه
إنما دفع إلى من يعتقد استحقاقه والفقر أمر خفي لا يكاد يُطْلَعُ على حقيقته،
انتهى، قاله ابن رجب(١).
٢٦ - عَن أبي هُرَيْرَة رَهُ أَن رَسُولِ اللهِ وَّةِ قَالَ: قَالَ رجل: لأتصدقن
اللَّيْلَة بِصَدقَة فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِی ید سَارِق فَأَصْبحوا يتحدثون تصدق
اللَّيْلَةِ على سَارِقٍ فَقَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد على سَارِق لأتصدقن بِصَدقَة فَخرج
بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَد زَانِيَة فَأَصْبحُوا يتحدثون تصدق اللَّيْلَة على زَانِيَة فَقَالَ
اللَّهُمَّ لَك الْحَمد على زَانِيَة لأنصدقن بِصَدَقَة فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَد
غَنِي فَأَصْبُوا يتحدثون تصدق اللَّيْلَة على غَنِي فَقَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد على
سَارِق وزانية وغني فَأتي فَقيل لَهُ أما صدقتك على سَارِقٍ فَلَعَلَّهُ أَن يستعف
عَن سَرقته، وَأما الزَّانِيَة فلعلها أَن تستعف عَن زنَاهَا وَأما الْغَنِيّ فَلَعَلَّهُ أَن يعْتَبر
فينفق مِمَّا أعطَاهُ الله))(٢).
(١) جامع العلوم والحكم (٨٩/١).
(٢) أخرجه البخاري رقم (١٤٢١)، ومسلم رقم (١٠٢٢)، والنسائي (٥٥/٥).

٣٥١
مقدمة المؤلف
رَوَاهُ البُخَارِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ قَالَا فِيهِ «فَقيلَ لَهُ أما صدقتك
فقد تقبلت ... )) ثمَّ ذكر الحَدِیث.
قوله: وعن أبي هريرة، تقدمت ترجمته.
قوله وَله: ((قال رجل: لأتصدقن بصدقة)) أي: والله لأتصدقن بصدقة(١).
قوله: «فخرج بصدقته فوضعها في ید سارق، فأصبحوا يتحدثون، تصدق
الليلة على سارق، فقال: اللهم لك الحمد على سارق)) أي: على التصدق
على سارق، ولفظ: ((تصدق على سارق)) إخبار في معنى التعجب أو الإنكار
وهو بلفظ المجهول (٢).
فوله: ((فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدثون: تصدق
الليلة على زانية، فقال: اللهم لك الحمد على زانية)) الحديث، فلما جوزي
بوضعه في يد زانية حمد الله تعالى على أنه لم يقدر أن يتصدق على من هو
أسوأ حالا من الزانية، أو يجري لك الحمد مجرى سبحان الله في استعماله
عند مشاهدة ما يتعجب منه تعظيمًا لله تعالي، فلما تعجبوا من فعله وقالوا:
تصدق على الزانية تعجب أيضًا من فعل نفسه، وقال: الحمد لله، انتهى، قاله
الکرماني(٣).
قوله وَله: ((فأتى فقيل له: أما صدقتك على سارق)) الحديث، وفي الرواية
(١) الكواكب الدرارى (٧/ ١٩١).
(٢) الكواكب الدرارى (٧ /١٩١).
(٣) في الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٧/ ١٩١).

٣٥٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الأخرى: ((صدقتك فقد قبلت)) أتي بلفظ المجهول وعبارة بعضهم على البناء
للمفعول ومعناه: أتاه آت في المنام أو سمع هاتفا ملكا أو غيره أو أفتى له
عالم نبيا أو غيره والله أعلم قاله الكرماني(١) وغيره.
واعلم أنه استعمل لعل في قوله لعله تارة استعمال عسى وأخرى استعمال
كاد، وفيه دليل على أن الله يجزي العبد على حسب نيته في الخير لأن هذا
المتصدق لما قصد بصدقته [٤٣ / أ] وجه الله تعالى قبلت منه ولم يضره
وضعها عند من لا يستحقها وهذا في صدقة التطوع، وأما الزكاة المفروضة
فلا يجزئ دفعها إلى الأغنياء وإن کان فيه اعتبار لمن تصدق علیه بأن يتحول
عن الحال المذمومة إلى الحال المحمودة فيستعف السارق من سرقته
والزانية من زناها والغني من إمساكه انتهى قاله الكرماني (٢)، وقال الإمام
القرطبي (٣): فيه إشعار بألم قلبه إذا ظن أن صدقته لم توافق محلها وإن ذلك
لم ينفعه ولذلك كرر الصدقة فلما علم الله تعالى صحة نيته تقبلها منه واعلمه
بقبول صدقاته ويستفاد منه صحة الصدقة وإن لم توافق محلًّا مرضيًّا إذا
حسنت نية المتصدق، فأما لو علم المتصدقإن المتصدق عليه يستعين بتلك
الصدقة على معصية لحزم عليه ذك فإنه من باب التعاون على الإثم
والعدوان، انتھی.
(١) في الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٧/ ١٩٢).
(٢) الكواكب الدرارى (٧/ ١٩٢).
(٣) المفهم (٩/ ٣٦).