النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٥٣ مقدمة المؤلف عباس بعد ابن مسعود خمسًا وثلاثين سنة، تشد إليه الرحال ويقصد من جميع الأقطار، ومشهور في الصحيحين تعظيم عمر بن الخطاب لابن عباس واعتداده به وتقديمه مع حداثة سنه، و عاش بعده ابن عباس نحو سبع وأربعين سنة يقصد ويستفتى ويعتمد، وهو آخر العبادلة الأربعة الذين تقدم ذكرهم، وكان ابن عباس أحد الستة من الصحابة الذين هم أكثرهم رواية عن رسول الله، وهم: أبو هريرة، ثم ابن عمر، ثم جابر، ثم ابن عباس، ثم أنس بن مالك، ثم عائشة رضي الله عنها، وتقدم ذكرهم أيضًا في ترجمة عبد الله بن عمر أول الباب؛ قال النووي: روينا عن الإمام أحمد بن حنبل قال: ستة من أصحاب رسول الله ◌َّ﴾ أکثروا الرواية عنه وعُمِرُوا فذكرهم، روی ابن عباس عن رسول الله ◌َفي ألف حديث وستمائة حديث وستين حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على خمسة وتسعين حديثا، وانفرد البخاري بثمانية وعشرين حديثا، ومسلم بتسعة وأربعين حديثًا، ولد ابن عباس زَقَالَة عام الشعب وهو قبل الهجرة بثلاث سنين، فتوفي رسول الله وَ﴾ [٢٦/ ب] وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وقيل: ابن خمس عشرة سنة، ورجحه الإمام أحمد بن حنبل وغيره، وقيل: غير ذلك، وكان ابن عباس قد عمي في آخر عمره، وفي ذلك يقول: إِنْ يَأْخُذِ اللهُ مِنْ عَيْنَيَّ نُورَهُمَا فَفِي لِسانِي وَقَلبي مِنْهُما نورُ قَلْبِي ذَكِيٌّ وَعَقْلِيٍ غَيْرُ ذِي دَخَلٍ وَلِي فَمِّ صَارٌِ كَالسَّيْفِ مَأْنُورُ (١) وتوفي ابن عباس بالطائف سنة ثمان وستين من الهجرة في أيام عبد الله بن (١) المجالسة (١٨٥٢). ٢٥٤ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب الزبير، وكان قد خرج من مكة، قاله الواقدي وابن أبي شيبة وأحمد بن حنبل، وقيل غير ذلك، وصلى عليه محمد ابن الحنفية وقال: اليوم مات رباني هذه الأمة، قال النووي: وروينا عن ميمون بن مهران قال: شهدت جنازة ابن عباس، فلما وضع ليصلى عليه جاء طير أبيض فوقع على أكفانه فدخل فيها، فالتمس فلم يوجد، فلما سوی علیه التراب سمعنا من يسمع صوته ولا یری شخصه يقرأ ﴿يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُظْمَبِنَّةُ ® أرْجِعِىّ إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً ﴿ فَادْخُلِى فِى عِبَدِى ﴿ وَأَدْخُلِى جَنَّتِى ﴾﴾(١)، وكان العباس رَظْوََّ قد كف بصره وكذلك عبد المطلب، وكان ابن عباس زَّوَّهُ يخضب لحيته بالصفرة، وكان لموضع الدمع من خدي ابن عباس أثر لكثرة بكائه، واستعمله علي رَو ◌َلَهُ على البصرة ثم فارقها قبل قتل علي رَوَّهُ، وعاد إلى الحجاز، وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: ما رأيت أحدًا أعلم من ابن عباس بما سمعه من حديث رسول الله وَّةٍ وبقضاء أبي بكر وعمر وعثمان، ولا أفقه منه ولا أعلم بتفسير القرآن وبالعربية والشعر والحساب والفرائض، وكان يجلس يومًا للتأويل ويومًا للفقه ويومًا للمغازي ويومًا للشعر ويوما لأيام العرب، وما رأيت عالمًا قط جلس إليه إلا خضع له، ولا سائلًا يسأله إلا وجده عالمًا، ومناقبه كثيرة مشهورة(٢). (١) سورة الفجر، الآيات: ٢٧ - ٣٠. (٢) راجع تهذيب الأسماء واللغات (٢٧٤/١)، والاستيعاب (٩٣٣/٣)، وأسد الغابة (١٨٦/٣)، وسير أعلام النبلاء (٣/ ٣٣١). ٢٥٥ مقدمة المؤلف قوله وَاجية: ((من أخلص لله أربعين يوما ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه)) الحديث، الينابيع: جمع ينبوع، وهو: عين الماء(١)، والحكمة: علم الشرائع(٢) وقال الإمام مالك في قوله تعالى: ﴿يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءٌ﴾(٣): الحكمة عندي المعرفة بدین الله والفقه فیه والاتباع له، وروی ابن وهب عن مالك قال: الحكمة نور يقذفه الله في قلب العبد(٤)، وروى ابن القاسم عنه قال: يُقال: ما زهد عبد واتقى الله إلا أنطقه الله عز وجل بالحكمة(٥)، وقال لي أبو داود سمعت مالكا يقول: من أحب أن يفتح الله له قريحة قلبه فليكن عمله في السر أكثر منه في العلانية؛ وفي أثر الزهد: يا بني إسرائيل، لا تقولوا العلم في السماء، من ينزل به؟ ولا في تخوم الأرض، من يصعد به؟ ولا من وراء البحار من يعبر به؟ العلم مجعول في. [٢٧ / أ] قلوبكم تأدبوا بين يدي بآداب الروحانيين وتخلقوا بأخلاق الصديقين أظهر العلم على قلوبكم حتى يغطيكم ويغمركم؛ وآداب الروحانيين: رؤية الخير والشر منه سبحانه وتعالى مع الانفصال عن الغضب عن الوسائط والأسباب؛ وأخلاق الصديقين: الوقوف مع الله بلا علاقة والدنو منه بترك النفس والصبر عليه علي قدر (١) الصحاح (١٢٨٧/٣) (٢) الكشاف (٤/ ٨٠)، ومدارك التنزيل (١٤٨/٣). (٣) سورة البقرة، الآية: ٢٦٩. (٤) أورده القاضي عياض في المدارك ١ / ١٨٦. (٥) البيان والتحصيل (١٧ /٤٨٦)، وتفسير الثعالبى (٥٥٠/١). ٢٥٦ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب احتمال وسع العقول؛ وقال رسول الله وَله: ((كلمة من الحكمة يتعلمها الرجل خير من الدنيا وما فيها)) (١) فالحكمة العلم والعمل به، قال ابن قتيبة: لا يكون الرجل حكيمًا حتى يجمع العلم والعمل (٢)، وقيل: الحكمة فهم معاني القرآن والعمل بما فيه، فالحكمة: هي فهم القرآن والعمل بما فيه، ولا يكتفي بتلاوة ألفاظ الكتاب حتى يعلم معناه، ويعمل بمقتضاه، فمن جمع له ذلك كله فقد أوتي الحكمة، قال الله تعالى: ﴿يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ﴾(٣) الآية، وقال الفضيل: العلماء كثيرون والحكماء قليلون، وقال: الحكماء ورثة الأنبياء، قال: فالحكمة هي العلم النافع الذي يتبعه العمل الصالح وهي نور يقذف في القلب يفهم بها معنى العلم المنزل من السماء، ويحض على اتباعه والعمل به، ومن قال الحكمة السنة فقوله حق؛ لأن السنة تفسر القرآن وتبين معانيه وتحض على اتباعه والعمل به، فالحكيم: هو العالم المستنبط لدقائق العلم المنتفع بعمله بالعمل به، ولأبي العتاهية شعر: وكيفَ تُحِبُّ أنْ تُدعى حَكِيمًا وأنتَ لِكُلِّ مَا تَهوى رَكُوبُ وتذكُرُ مَا عَمِلْتَ فَلَا تَتُوبُ (٤) وَتَضْحَكُ دَائِبًا ظَهِرًا لبَطنِ وقيل: الحكمة: علم يحدث بلا سبب، ويقال: الوقوف على حقائق (١) قوت القلوب (٢٣٨/١)، وإحياء علوم الدين (٣٨/١). (٢) منهاج القاصدين (ص ٤٣). (٣) سورة البقرة، الآية: ٢٦٩. (٤) لطائف المعارف (ص ٨٤ -٨٥). ٢٥٧ مقدمة المؤلف الأشياء عند النعوت (١)، وقيل: الحكمة: الإصابة في القول والفعل والرأي (٢)، ويقال: الإصابة في النظر(٣). قال سفيان بن عيينة: ما أخلص عبد لله أربعين يوما إلا أنبت الله الحكمة في قلبه نباتا وأطلق لسانه بها وبصره عيوب الدنيا - داءها ودواءها- (٤)؛ وقال النووي في بستان العارفين: روينا عن سهل التستري قال: من زهد في الدنيا أربعين يومًا صادقًا من قلبه مخلصًا في ذلك ظهرت له الكرامات، ومن لم تظهر له فإنه عدم الصدق في زهده، فقيل لسهل: كيف تظهر له الكرامات، قال: يأخذ ما يشاء من حيث شاء(٥). قوله في آخر حديث ابن عباس: إنما ذكر في كتب الضعفاء كالكامل وغيره، قال شيخ الإسلام الحافظ العسقلاني الشهير بابن حجر: ليس هو في الكامل أصلاً(٦). قوله: حدثنا [حجاج بن] مكحول عن النبي ◌َّة، فذكره مرسلا؛ ومكحول: تابعي، قاله النووي(٧)، وتقدم معنى الحديث المرسل. (١) المفردات في غريب القرآن (ص ٣١) وتفسير الراغب (٣١٦/١) و(٥١٤/١). (٢) قاله مجاهد انظر تفسير الطبرى (١٠/٥) وتفسير مجاهد (١١٦/١). (٣) اللباب (٤ /٤١٨). (٤) حلية الأولياء (٧ /٢٨٧) (٥) بستان العارفين (ص ٢٧) (٦) قلت: بل هو في الكامل في الضعفاء لابن عدي (٥٣٣/٦) من حديث أبي موسى الأشعري قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ لِهِ مَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَخْلَصَ فِيهَا الْعِبَادَةَ أَخْرَجَ اللهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِهِ يَنَابِيعَ الْحِكْمَةِ مِنْ قلبه)». (٧) في تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١١٣). ٢٥٨ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب قوله: رواه ابن عدي بسند ضعيف، وعده ابن الجوزي في الموضوعات. فائدة: اتفق العلماء على جواز العمل [٢٧/ ب] بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال لأنه إن كان صحيحا في نفس الأمر فقد أعطى حقه من العمل به، وإن كان ضعيفا كما ظهر من حاله فمقتضاه لا يترتب عليه تحليل ولا تحريم ولا هضم حق بل هو طاعة والطاعة لا حرج على فاعلها، وقد جاء في بعض الأحاديث الضعيفة أيضًا عن النبي وَّ: ((من بلغه عني ثواب عمل فعمله حصل له أجره وإن لم أكن قلته)) (١) أو كما قال، ذكره الطوفي في شرح الأربعين النووية(٢). ١٣ - عَن أبي ذَر أَن رَسُول الله ◌َِّ قَالَ: «قد أَفْلح من أخْلص قلبه للْإِيمَان وَجعل قلبه سليما وَلسَانِه صَادِقًا وَنَفسه مطمئنة وخليقته مُسْتَقِيمَة وَجعل أُذُنه مستمعة وعينه ناظرة، فَأَما الأذن فقمع، وَالْعين مقرة بِمَا يوعي القلب، وَقد أَفْلح من جعل قلبه واعيا))(٣). رواه أحمد والبيهقي وفي إسناد أحمد احتمال للتحسین. قوله: وعن أبي ذر زگیته، أبو ذر: اسمه جندب بن جنادة، وقيل: اسمه برید (١) أخرجه بنحوه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٩٣) عن سيدنا أنس رضي الله عنه. (٢) التعيين في شرح الأربعين (ص ٢٠) (٣) أخرجه أحمد في مسنده (٢٣٩/٣٥)، والبيهقي في الشعب رقم (١٠٧)، والطبراني في مسند الشاميين رقم (١١٤١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٣٢/١٠): رواه أحمد، وإسناده حسن. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة رقم (٤٩٨٥)، وفي ضعيف الجامع رقم (٤٠٧٥). ٢٥٩ مقدمة المؤلف بن جندب، وقيل: اسمه جندب بن عبد الله، وقيل: اسمه جندب بن السكن، والمشهور: جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد الغفاري الحجازي، وكان أبو ذر من السابقين إلى الإسلام، ثبت في صحيح مسلم أنه قدم على رسول الله ◌َيّ فقال: يا رسول الله، من اتبعك على هذا؟ قال: ((حر وعبد))، وأنه أقام بمكة ثلاثين بين يوم وليلة، وأسلم ثم رجع إلى بلاد قومه بإذن النبي وَّ ثم هاجر إلى المدينة، وصحبه ثم توفي رسول الله وَّ، رُوي له عن رسول الله وَّ مائتا حديث واحد وثمانون حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على اثني عشر حديثًا، وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بسبعة عشر حديثًا، وتوفي أبو ذر بالربذة سنة اثنتين وثلاثين، وكان أبو ذر طويلًا عظيمًا، وكان زاهدًا متقللًا من الدنيا، وكان مذهبه رقّ ◌َّه أن يحرم على الإنسان إدخار من زاد على حاجته، وكان رَّهُ قوالا بالحق رَوَلَّهُ؛ ومناقبه كثيرة مشهورة(١). قوله ودية: ((قد أفلح من أخلص قلبه للإيمان وجعل قلبه سليمًا ولسانه صادقًا ونفسه مطمئنة وخليقته مستقيمة ... )) الحديث. تقدم الكلام على الإخلاص. أما قوله: ((جعل قلبه سليمًا)) القلب السليم: هو الخالص من الشرك والشك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد (٢). (١) راجع ترجمته في: الطبقات الكبرى (٢١٩/٤)، والاستيعاب (٢٥٢/١)، وأسد الغابة (٩٩/٥)، وسير أعلام النبلاء (٤٦/٢)، والإصابة (١٠٥/٧). (٢) تفسير البغوى (٣/ ٤٧١)، واللباب في علوم الكتاب (٥٠/١٥). ٢٦٠ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب وقال سعيد بن المسيب: القلب السليم هو الصحيح، وهو قلب المؤمن لأن قلب الكافر والمنافق مريض، قال الله سبحانه في قلوبهم مرض. وقال أبو عثمان النيسابوري: هو القلب الخالي من البدعة، المطمئن على السنة والله أعلم(١). وأما قوله: ((ولسانه صادق)) تقدم الكلام على الصدق. وأما قوله: ((ونفسه مطمئنة)) النفس المطمئنة، قال مجاهد: هي التي أيقنت أن الله ربها وصبرت على أمره وطاعته، قال عطية هي الراضية بقضاء الله عز وجل وقيل: المطمئنة بذكر الله كما بينه قوله تعالى: ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ (٢)(٣) اللَّهِ﴾(٢)(٣). وأما قوله: ((وخليقته مستقيمة)) الخليقة والخلق بمعنى واحد وهي الطبع والجبلة، ومعنى مستقيمة أَيْ: غَيْرَ مَائِلَةٍ إِلَى طَرِيقِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ. قوله وَالله: ((فأما الأذن)) بإسكان الذال المعجمة وبضمها، وهما قراءتان ولغتان. وأما ((فقمع)) فبكسر القاف وفتح الميم وسكونها لغتان كنَطع ونطع، وحكى الجوهري عن يعقوب فتح القاف وإسكان الميم، والقمع أي: بفتح الميم واحد الأقماع وهو ما يجعل في رؤوس الظروف ويصب فيه المائعات (١) تفسير الثعلبى (١٧١/٧)، وتفسير البغوى (٤٧١/٣). (٢) سورة الرعد، الآية: ٢٨. (٣) تفسير البغوى (٢٥٣/٥). ٢٦١ مقدمة المؤلف من الأشربة والأدهان؛ وفي رواية: ((ويل للأقماع الآذان)) شبه أسماع الذي يستمعون القول ولا يعونه ولا يحفظونه ولا يعملون به بالأقماع التي لا تعي شيئًا مما يفرغ فيها، فكأنه يمر عليها مجازًا كما يمر الشراب في الأقماع اجتيازًا، قاله العراقي في أماليه؛ ومنه الحديث [٢٨/ أ]: ((أول من يساق إلى النار الأقماع الذين إذا أكلوا لم يشبعوا)) وإذا لم يشبعوا، كان ما يأكلونه ويجمعونه يمر بهم مجتازا غير ثابت فيهم ولا باق عندهم، قاله في النهاية(١). (١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١٠٩/٤). ٢٦٢ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب فصل ١٥- عَن عمر بن الخطاب رَّهُ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله وَلَهِ يَقُول: ((إِنَّمَا الْأَعْمَالِ بِالنَّةِ) وَفِي رِوَايَة (بِالنِّيَّاتِ)) ((وَإِنَّمَا لكل امرىء مَا نوى، فَمن كَانَت هجرته إِلَى اللهُ وَرَسُوله فَهجرَته إِلَى الله وَرَسُوله ومن كَانَت هجرته إِلَی دنیا يُصِییھا أَوَ امْرَأَةَ يُنكِحِهَا فَهجرَته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ»(١). رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي قال الحافظ وزعم بعض المتأخرين أن هذا الحديث بلغ مبلغ التواتر وليس كذلك فإنه انفرد به يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي ثم رواه عن الأنصاري خلق کثیر نحو مائتي راو وقیل سبعمائة راو وقيل أكثر من ذلك وقد روي من طرق كثيرة غير طريق الأنصاري ولا يصح منها شيء كذا قاله الحافظ علي بن المديني وغيره من الأئمة. وقال الخطابي: لا أعلم في ذلك خلافا بين أهل الحديث والله أعلم. أهـ قوله: عن عمر بن الخطاب، هو: أمير المؤمنين أبو حفص وأول من كناه بذلك رسول الله - كما رواه ابن الجوزي عنه(٢)، والحفص في اللغة الأسد(٣) عمر بن الخطاب بن نفيل بضم النون وفتح الفاء ابن عبد العزى بن (١) أخرجه البخاري رقم (١، ٥٤، ٢٥٢٩، ٣٨٩٨، ٥٠٧٠، ٦٦٨٩، ٦٩٥٣)، ومسلم رقم (١٩٠٧)، وأبو داود رقم (٢٢٠١)، والترمذي رقم (١٦٤٧)، والنسائي (٥٨/١). (٢) التوضيح (١٣٥/٢). (٣) المصدر السابق. ٢٦٣ مقدمة المؤلف رياح بكسر الراء ثم مثناة تحت وأبعد من قال بياء موحدة ابن عبد الله بن قرط بضم القاف ثم راء ثم طاء مهملتين بن رزاح بفتح الراء والزاي بن عدي بن كعب بن لؤي بالهمز وتركه، بن غالب بن فهر العدوي القرشي المدني، ويجتمع مع رسول الله وَّل في كعب بن لؤي، وأم عمر رَقَ الَّهُ اسمها: حنتمة، بالحاء المهملة ثم نون ثم مثناة فوق، بنت هاشم، ويعرف بذي الرمحين، ويقال: هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب المخزومي، ولد نَّهُ بعد الفيل بثلاث عشرة سنة، وكان من أشراف قريش وإليه كانت السفارة في الجاهلية، ولما بعث رسول الله ◌َّ كان عمر شديدًا عليه وعلى المسلمين ثم لطف الله تعالى به فأسلم قديما وأسلم بعد ست من النبوة، وقيل: خمس فأسلم بعد أربعين رجلا وإحدى عشر امرأة وقيل: بعد تسعة وثلاثين رجلا وعشرين امرأة، وقيل: بعد خمسة وأربعين رجلا وإحدى عشرة امرأة وقيل: غير ذلك، وذكر ابن الجوزي(١) أن عمر لما أسلم نزل جبريل عليثلاث فقال: استبشر أهل السماء بإسلامه وكان إسلامه عزا أظهر به الإسلام بدعوة النبي صَ لّ وفي صحيح البخاري (٢): ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر، وخبر إسلامه مشهور وأن سببه أن أخته فاطمة بنت الخطاب، كانت زوجة سعيد بن زيد بن عمروبن نفيل أحد العشرة وكانت أسلمت هي وزوجها فسمع عمر بذلك فقصدهما ليعاقبهما (١) صفة الصفوة (١ / ١٠٣). (٢) هذا قول عبد الله بن مسعود في صحيح البخاري (١١/٥). ٢٦٤ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب فقرئ عليه القرآن فأوقع الله تعالى في قلبه الإسلام فأسلم ثم جاء إلى النبي وَال وأصحابه يجتمعون به في دار الصفا فأظهر إسلامه فكبر المسلمون فرحا بإسلامه، ورووا عن رسول الله وَ له قال: ((إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه))(١) واتفقوا على تسميته بالفاروق لفرقانه بين الحق والباطل بإسلامه وظهور ذلك فقيل: سماه الله بذلك وروت عائشة رضي الله عنها: بويع له بالخلافة يوم موت الصديق وهو يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة بوصاية الصديق إليه فسار بأحسن سيرة وزين الإسلام بعدله وفتح الله به الفتوح الكثيرة كبيت المقدس وجميع الشام، دون الدواوين في العطاء ورتب الناس فيه، وكان لا يخاف في الله لومة لائم وهو أول من ضرب بالدرة وحملها ومصر الأمصار وكسر الأكاسرة [٢٨/ ب] وقصر القياصرة ونور المساجد بصلاة التراويح وأول من أرخ التاريخ من الهجرة، وأول قاض في الإسلام ولاه الصديق القضاء وأول من جمع القرآن في المصحف، وحج بالناس عشر سنين متوالية، وكان آدم أو أبيض قولان والجمهور على الثاني كما قال النووي(٢)، وآخی رسول الله ێل بينه وبين الصدیق انتهى. (١) أخرجه الترمذي رقم (٣٦٨٢). (٢) تهذيب الأسماء واللغات (١٣/٢)، وانظر عيون المعارف (ص ٢٨٩-٢٩٦) للقضاعى، وتاريخ عمر لابن الجوزى (ص ٥٧ - ٦٠)، والاعلام بفوائد عمدة الأحكام (١٣٩/١- ١٤٤)، والتوضيح لشرح الجامع الصحيح (١٣٥/٢ - ١٤٢). ٢٦٥ مقدمة المؤلف تتمة: المؤاخاة كانت في أول سنة من سني الهجرة وعامتها بين المهاجرين والأنصار ولها سببان، أحدهما: أنه أجرأهم على ما كانوا ألفوا في الجاهلية من الحلف فإنهم كانوا يتوارثون بالحلف فنفاه وَّةٍ وأثبت من جنسه المؤاخاة لأن الإنسان إذا فطم عما يألفه علل بجنسه. والثاني: أن المهاجرين قدموا محتاجين إلى المال والمنازل فنزلوا على الإحسان فأكد هذه المخالطة بالمؤاخاة ولم يكن بعد غزوة بدر مواخاة لأن الغنائم وقعت بالقتال فاستغني المهاجرون بما كسبوا رضي الله تعالى عنهم أجمعين(١)، انتهى قاله في الديباجة حج بالناس عشر سنين متوالية، وقد كان آدم أو أبيض قولان والجمهور على الثاني كما قاله النووي، وفي الصحيح أنه عَ لَلما قاله له: ((والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان أن سالكا فجا إلا سلك فجا [غير فجك))(٢)]. ومن كرامات عمر المشهورة أنه قال في خطبة الجمعة: يا سارية الجبل الجبل فالتفت الناس بعضهم لبعض فلم يفهموا مراده فلما قضى الصلاة قال له على ما هذا الذي قلته: قال وسمعته قال نعم، وكل أهل المسجد قال: وقع في خلدى أن المشركين هزموا إخواننا وركبوا أكتفاهم وهم يمرون بجبل فإن عدلوا إليه قاتلوا من وجدوا وظفروا وأن جاوزوا هلكوا فخرج منه هذا الكلام فجاء البشير بعد شهر فذكروا أنهم سمعوا في ذلك اليوم وتلك الساعة (١) كشف المشكل (٢٢٠/١). (٢) زيادة من الإعلام (١/ ١٤١). ٢٦٦ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب حين جاوزوا الجبل صوتا بشبه صوت عمر قال: فعدلنا إليه ففتح الله، رواه ابن عساكر(١) بسند كل رواته ثقات(٢). واتفقوا على أنه أول من سمي أمير المؤمنين وإنما كان يقال لأبي بكر الصديق خليفة رسول الله له وهاجر إلى المدينة حين أراد النبي وَليلة الهجرة فتقدم قدامه في جماعة وشهد عمر مع رسول الله وَ له بدرا وأحدا والخندق وبيعة الرضوان وخيبر والفتح وحنينا والطائف وتبوك وسائر المشاهد كلها، وكان رَوَّهُ شديدا على الكفار والمنافقين، روي له عن رسول الله خمسمائة حديث وتسعة وثلاثين حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على ستة وعشرين حديثا، وانفرد البخاري بأربعة وثلاثين حديثا ومسلم بأحد وعشرين حديثا، وختم الله لعمر زَّالَّهُ بالشهادة وكان يسألها، وتوفي رَو ◌َّهُ وهو ابن ثلاث وستين سنة على الصحيح المشهور، ثبت ذلك في الصحيح عن معاوية بن أبي سفيان، وقال الجمهور واستشهد يوم الأربعاء لأربع أو لثلاث أو لتسع من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، وقال الفلاش: سنة أربع، وحمل [٢٩ / أ] إلى منزله وبقي ثلاثة أيام وقيل سبعة أيام ومات، وقال عمرو (١) أخرجه في تاريخ دمشق (٢٠/ ٢٥) والبيهقي في الدلائل (٦/ ٣٧٠)، وأبو نعيم في الدلائل (رقم ٥٢٥ - ٥٢٨)، واللالكائي في شرح اعتقاد أهل السنة (رقم ٢٥٣٧)، وكرامات الأولياء (رقم (٦٧) وقال ابن كثير في البداية والنهاية (٧/ ١٣١): وهذا إسناد جيد حسن، وقال بعد أن أورده من طرق: فهذه طرق يشد بعضها بعضًا، وصححه الألباني في الصحيحة (٣/ ١٠١) رقم (١١١٠). (٢) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (١/ ١٤٣- ١٤٤). ٢٦٧ مقدمة المؤلف بن علي: مات يوم السبت عشية المحرم، وروي عنه أنه قال حين احتضر ورأسه في حجر ابنه عبد الله: ظَلُومٌ لِنَفْسِي غَيْرَ أَنّي مُسْلِمٌ أُصَلِّي الصَّلاةَ كُلَّهَا وَأَصُومُ وكراماته كثيرة مشهورة رضي الله تعالى عنه(١). ولنذكر نبذة مختصرة في قتل أمير المؤمنين من كتاب الشيخ الإمام العالم العلامة صدر المدرسين ومعيد الطالبين الشريف النسابة الذي ألف في ذلك وقرأته عليه بمنزله بطيبة الحينية، وأجازني به - نفع الله به وبعلومه-؛ قال - عفا الله عنه -: روى مسلم(٢) وغيره أن عمر رَقْو ◌َّهُ خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إني رأيت رؤيا لا أراها إلا عند حضور أجلي أن ديكا نقرني نقرة أو نقرتين فحدثتهما أسماء بنت عميس فحدثتني أسماء أنه يقتلني رجل من الأعاجم، انتهى، وكان هذا القول منه نَظّ له يوم الجمعة فطعن يوم الأربعاء، ورواه الحاكم (٣) عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن عمر رَ ◌ّهُ أنه قال على المنبر: رأيت في المنام كأن ديكا نقرني ثلاث نقرات، فقلت: أعجمي يقتلني، انتهى، وقال رجل لابن سيرين: رأيت أن دیکا یصیح بباب إنسان، وینشد: قَدْ كَانَ مِنْ رَبِّ هَذَا الْبَيْتِ مَا كَانَا هَيْئُوا لِصَاحِبِهِ يَا قَوْمٍ أَكْفَانًا (١) تهذيب الأسماء واللغات (٤/٢ -٥ ١٣)، والإعلام (١/ ١٤٣). (٢) أخرجه مسلم رقم (٥٦٧). (٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (٩٧/٣). ٢٦٨ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب فقال ابن سيرين: يموت صاحب هذه الدار بعد أربعة وثلاثين يوما، انتهى، وهو عدد حروف الديك بالجمل لأن الدال بأربعة والياء بعشرة والكاف بعشرين، وجاء آخر إلى ابن سيرين فقال: إني رأيت كأن ديكا يقول: الله الله الله، فقال: بقى من أجلك ثلاثة أيام فكان ذلك، لأن الديك قد أعلن أنه لا يبقى إلا الله تعالى، وتكرر اسم الله تعالى وهي الثلاثة أيام التي بقيت من عمره، وكان لرقية بنت النبي ◌ٍُّّ من عثمان بن عفان ولد اسمه عبد الله، وبه کان یکنی بلغ ست سنين، نقره ديك في وجهه فمات بعد أمه في جمادي سنة أربع، ولم تلد له غيره(١). [مباحث تتعلق بالرؤية] [التعبير] قول عمر زَقَوَّه في الرؤيا: نقرني ديك ثلاثا، فيه إشارة إلى قوله تعالي: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا تُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ﴾﴾(٢) وبالنقر إلى قوله تبارك وتعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِى التَّاقُورِ ﴾﴾(٣) قال المفسرون: الصور ينقر فيه مع النفخ وعبر بالثلاث إلى بقية عمر الرائي، ولهذا قيل: إنه لم يمض عليه أربع ليال من الرؤية حتى طعن رَؤُونَ﴾ كما ورد في الحديث، ورد أن الرؤيا كانت يوم الجمعة فطعن يوم الأربعاء. (١) نزهة المجالس ومنتخب النفائس (١/ ٦٤) وهذا نقل عن كتاب نبذة من الخبر في تعبير رؤيا أمير المؤمنين عمر الشريف النسابة نقله البقاعى في عنوان الزمان (١٦٣/٢). (٢) سورة طه، الآية: ٥٥. (٣) سورة المدثر، الآية: ٨. ٢٦٩ مقدمة المؤلف وقوله في الرواية الثانية: نقرني نقرتين إشارة إلى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَاآ أَصَبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١)(٢) ١٥٦) وقوله: ثلاثًا استنادًا إلى تأويل نبي الله يوسف عَلام حين قص عليه ساقي الملك رؤياه فقال: إني رأيت كأني دخلت كرما فجنيت [٢٩/ ب] ثلاثة عناقيد فعصرتهن في الكأس ثم أتيت به الملك فشربه فقال له: ما أحسن ما رأيت أما الأغصان الثلاثة فثلاثة أيام يبعث إليك الملك عند انقضائها فيردك إلى عملك فتعود كأحسن ما كنت فيه، وكان كذلك فعبر له بإخراجه من السجن إلى حال سبيله بعد ثلاث، وقال له الخباز: رأيت كأني خرجت من مطبخ الملك احمل فوق رأسي ثلاث سلال من خبز فوقع على أعلاهن طيرًا فأكل منها فقال له: بئس ما رأيت فعبر له السلال الثلاث ثلاثة أيام، ثم يبعث إليك الملك عند انقضائها فيقتلك ويصلبك وتأكل الطير من رأسك، فقالا: ما رأينا شيئًا، فقال: قضى الأمر الذي فيه تستفتيان فعبر له الثلاث سلال بخروجه من السجن إلى القتل فعد ثلاثة أيام فناسب تعبير خروج الرائي من سجن الدنيا إلى بعد ثلاثة أيام إلى الآخرة، ولقوله وَالله: ((الدنيا سجن المؤمن))(٣) فإذا مات خرج من السجن، والحكمة في نقر الديك دون التخميش بالرجل إكرامًا لعمر رَقُولَهُ فإن الفم أشر الأعضاء في الحيوان ولهذا (١) سورة البقرة، الآية: ١٥٦. (٢) عنوان الزمان (١٦٤/٢). (٣) أخرجه مسلم رقم (٢٩٥٦). ٢٧٠ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب قدم بالتطهير على غيره ولم يوقظه برجله تشريفًا له فإن الرجل تلامس القاذورات والنجاسات غالبًا فناسب إيقاظه بالعضو الشريف [من العضو الشريف](١) دون غيره وكونه نقرًا إشارة إلى الطعن دون غيره لأن النقر له نكاية في العضو كالطعن ولأن سلاح الطير منقاره (٢). فإن قيل: قد فسر الرؤيا لنفسه بقوله: يقتلني رجل من الأعاجم، ثم قصها على أسماء بنت عميس ففسرتها له بمثل ما فسرها لنفسه ولم تزد على ذلك وقد قيل إن الرؤية على جناح طائر أو رجل طائر فيقع بأول تعبير، فالجمع بينهما أنه لم يقنع بتفسيره لنفسه لأن التأويل محتمل وليس مقطوعًا به لقول نبي الله يوسف عَ لساقي الملك وصاحب طعامه: ﴿قُضِىَ اُلْأَمْرُ الَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانٍ﴾(٣) فلم يقنع زَّهُ بتأويل نفسه فوكل الأمر إلى غيره ليستثبت ذلك ويسمعه من غيره ويقوي عنده ما فسره لنفسه. فإن قيل: ورد في الصحيح عن أبي قتادة من قوله وَله في الرؤيا: ((إذا رأى أحدكم ما يسوءه فليتفل عن يساره ثلاثًا وليتعوذ بالله من شرها)) (٤) وفي رواية: ((من الشيطان فإنها لا تضره))، وفي رواية: ((فلا يحدث بها أحدًا)) ولم ينقل عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب زَقْو ◌َّهُ في الرؤيا أنه تفل ولا تعوذ ولا سأل ولا (١) كذا في النسختين ولا توجد تلك العبارة في عنوان الزمان (٢/ ١٦٤). (٢) عنوان الزمان (٢ / ١٦٤). (٣) سورة يوسف، الآية: ٤١. (٤) أخرجه البخاري رقم (٦٩٩٥، ٣٢٩٢، ٧٠٤٤)، ومسلم رقم (٢٢٦١). ٢٧١ مقدمة المؤلف كتم فلعله فعل ذلك عمدًا لما قوي عنده من دنو أجله وعلمه أن الحذر لا يدفع القدر وما قدر فهو كائن ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾(١) ولهذا قال وهو مطعون: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾(٢) ولعله اختار لقاء ربه وآثر الآخرة على الدنيا، ومال إلى قوله واَية: ((من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه))(٣) وكقول عائشة قالت: كنت أعوذ النبي وَل وأنفث في مرضه فلما كان في المرض الذي قبض فيه فعلت. [٣٠/ أ] ذلك فرفع يده وقال: ((في الرفيق الأعلى))، وذلك لما خير بين الآخرة والأولى. ولعله نسى التعوذ للأمر المحتوم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَاَ أَرَدْنَهُ أَن تَّقُولَ لَهُو كُن فَيَكُونُ ﴾﴾(٤)؛ وقوله وَّةٍ في الحديث: ((إذا تعوذ لم يضره)) فلعل معناه في عقله كما قيل فيمن ((أتى أهله إذا سمى الله تعالى وقدر بينهما ولد لم يضره الشيطان)) أي في عقله وكما فسر وإلا فالشيطان مسلط على الآدمي إلا أنْ يكون معصومًا كالنبي أو محفوظًا كالولي لقوله وَّ لعمر بن الخطاب: ((ما سلكت فجًّا إلا سلك الشيطان فجًّا غير فجك))، وفي البخاري(6) من حديث عائشة أم المؤمنين قالت: وكانت إحدانا تعوذه (١) سورة الأعراف، الآية: ٣٤. (٢) سورة الأحزاب، الآية: ٣٨. (٣) أخرجه البخاري رقم (٦٥٠٧)، ومسلم رقم (٢٦٨٤). (٤) سورة النحل، الآية: ٤٠. (٥) رقم (٤٤٥١). ٢٧٢ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب وَّ بدعاء إذا مرض فذهبت أعوذه فرفع رأسه إلى السماء وقال: ((في الرفيق الأعلى)) مرتين لا أنها تدفع المقدور من الموت، ويحتمل أن المراد بالتعوذ على حالتين أن فعل المأثور دفع عنه المقدور وإلا فلا كما قيل فى صلة الرحم أنه إن وصل رحمه زيد فى عمره وإلا فلا يزاد على الأجل المسمى والله أعلم. ولعل تفسيره لنفسه أنه ألهم إجابة دعوته لنفسه أخذًا من قوله في الحديث: ((اللهم ارزقني شهادة في بلد رسولك)) ولعل النقرات الثلاث فيها إشارة إلى قتل الخلفاء الثلاث على التوالي عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ورضي عنا بهم، والحكمة في قصة الرؤيا على أسماء بنت عميس زوجة أبي بكر الصديق رضي الله عنها لعله من علمه بتكرار دخول النبي رَّ بيت أبي بكر كل يوم طرفي النهار كما ورد في الصحيح عن عائشة زوج النبي وَّة، وفيه: فلم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله وَ ليه طرفي النهار بكرة وعشيًّا فلعل قوله: ((الله الله الله)) يذكر بها الرائي ليكون ذاكرًا للشهادة عند الموت، ولأن الديك من دواب الأرض، ففي التعبير أنه من رأى في منامه أن دابة تكلمه فقد اقترب أجله ففي التنزيل ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةً مِّنَ اٌلْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾(١) ولأن الديك يسرع في مشيه ودابة الأرض إذا خرجت تسرع في مشيها فلا يدركها طالب ولا يفوتها هارب ولأن الديك مكسو (١) سورة النمل، الآية: ٨٢.