النص المفهرس
صفحات 221-240
٢١٣ مقدمة المؤلف قال النووي(١): وروينا عن حذيفة بن اليمان رَّهُ قال: سألت رسول الله وَل عن الإخلاص، ما هو؟ فقال: ((سألت جبريل،ًَّ عن الإخلاص ما هو؟)) فقال: سألت رب العزة عن الإخلاص ما هو؟ قال: ((سر من أسراري استودعته قلب من أحببت من عبادي)) رواه القزويني في مسلسلاته(٢)، والقشيري في رسالته(٣) بسند ضعيف، وأخبرنا الشيخ الإمام أبو الفتوح عن صفوان بن عسال المرادي عن النبي ◌َّ- قال: إذا كان يوم القيامة يجيء الإخلاص والشرك فيجثوان بين يدي رب العزة فيقول الله عز وجل للإخلاص انطلق أنت وأهلك إلى الجنة ويقول للشرك انطلق أنت وأهلك إلى النار ثم تلى رسول الله وَله: ﴿وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِى النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾﴾(٤)(٥). وقال الحارث المحاسبي في كتاب الرعاية: الإخلاص أن تريده بطاعته ولا تريد سواه (٦)، وروينا عن الأستاذ أبي القاسم القشيري (٧) قال: الإخلاص إفراد الحق سبحانه وتعالى (١) بستان العارفين (ص ٢٦-٢٧). (٢) أخرجه الطريثينى في الأحاديث المسلسلات (٢) وابن الجوزى في المسلسلات (١١). (٣) الرسالة القشيرية (٣٥٩/٢). (٤) سورة النمل، الآية: ٩٠. (٥) أخرجه أبو أحمد الحاكم في الكنى (٢٧٤/٥)، والسهروردى في عوارف المعارف (ص ٢٣٠)، وابن فاخر في موجبات الجنة (٤٣)، والديلمى كما في الغرائب الملتقطة (٤٣٧). قال الحاكم: حديث عاصم بهذا الإسناد حديث منكر. (٦) مقاصد الرعاية (ص ٥٤)، وشرح النووى على الأربعين (ص ٨). (٧) الرسالة القشيرية (٣٥٩/٢). ٢١٤ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب بالقصد في الطاعة وهو أن يريد بطاعته التقرب إلى الله تعالى دون شيء آخر من تصنع لمخلوق أو اكتاساب محمدة عند الناس أو محبة مدح من الخلق أو معنى من المعاني سوى التقرب إلى الله تعالى. وعن حذيفة المرعشي: قال الإخلاص أن تستوي أفعال العبد في الظاهر والباطن(١). وقال الجنيد رحمة الله عليه: الإخلاص سر بين الله وبين العبد لا يعلمه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده ولا هوى فيميله؛ وقيل لسهل: أي شيء أشد على النفس فقال: الإخلاص لأنه ليس لها فيه نصيب(٢). وقال بعضهم: الإخلاص: أن لا تطلب على عملك شاهدا غير الله تعالى ولا مجازيا سواه، وقال يوسف بن الحسين: أعز شيء في الدنيا الإخلاص. [١٩ / أ] وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي فكأنه ينبت على لون آخر. وقال أبو سليمان الداراني: إذا أخلص العبد انقطع عنه كثرة الوساوس والرياء(٣)، وعن أبي عثمان المغربي قال: إخلاص العوام ما لا يكون للنفس فيه حظ وإخلاص الخواص ما يجري عليهم لا بهم فتبدو منهم الطاعات وهم عنها بمعزل ولا يقع لهم عليها رؤية ولا لهم عليها اعتداد (٤). ٢١٥ مقدمة المؤلف وقال الفضيل بن عياض رحمة الله عليه: العمل لأجل الناس شرك وترك العمل لأجل الناس رياء(١) فالصدق والإخلاص فرضان سيما على أهل الاختصاص (٢)، وقيل: الإخلاص إفراد الحق سبحانه بالقصد في الطاعة، وقيل: تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين، وقيل: استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن والرياء أن يكون ظاهره خيرًا من باطنه والصدق في الإخلاص أن يكون باطنه أعمر من ظاهره (٣)، وقيل: الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق ومن تزين للناس بما ليس فيه سقط من عين الله (٤)، وقال بعض العارفين: علامة الإخلاص نور يجده العبد في قلبه يعرفه النقص في طاعته ویکشف له عن علة إخلاصه إذ لا يتخلص الإنسان من حبائل الشيطان إلا بالإخلاص ولذلك كان معروف الكرخي يضرب نفسه ويقول يا نفس أخلصي تتخلصي (٥). ثم قال الغزالي بعد هذا: فالعابد لأجل تنعم النفس بالشهوات في الجنة معلول العمل بل الحقيقة إن لا يراد بالعمل إلا وجه الله تعالى وهو إشارة إلى إخلاص الصديقين، فأما من يعمل لرجاء الجنة وخوف النار فهو مخلص بالإضافة إلى الحظوظ العاجلة وإلا فهو في طلب حظ البطن والفرج وإنما المطلوب الحق لذوي الألباب وجه الله تعالى فقط، وقال الخواص: من (١) مدارج السالكين (٢/ ٩٢). (٢) الوصايا القدسية لأبى بكر الخافى (مخ لا يبزك/ لوحة ١٧٧). (٣) مدارج السالكين (٢/ ٩١). (٤) الغنية (١١٢/٢-١١٣)، ومدارج السالكين (٢/ ٩٢). (٥) الاحياء (٣٧٨/٤). ٢١٦ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب شرب من كأس الرياسة فقد خرج عن إخلاص العبودية، وقيل: الإخلاص دوام المراقبة ونسيان الحظوظ(١)، والله تعالى أعلم. لطيفة تتعلق بالإخلاص والصدق: قال الشيخ الإمام العارف بالله القدوة أبو بكر الخافى في وصيته التي صنفها لأصحابه وأولاده: سألني الشيخ الإمام العالم العلامة العارف بالله تعالى جلال الحق والملة والدين الخجندى المدني قدس الله سره بالمدينة يوما فقال إن عشت فرضًا ألف سنة أي شيء تعمل في هذا العمر؟ قلت: أفعل كذا وكذا وعددت مما بلغ عقلي إليه من القربات فقال رََّ أنا لا أفعل هكذا بل أصرف عمر تسعمائة وتسع وتسعين سنة إلى تحقيق مقامي الصدق والإخلاص ويكفيني معهما عمل سنة واحدة ما قال هذا إلا عن علم عميق ونظر دقيق روح الله روحه ونور ضريحه(٢). لطيفة أخرى تتعلق بالإخلاص: قال الشيخ الإمام العلامة الكمال الدميري في كتابه حياة الحيوان(٣): رأيت [١٩/ ب] في مختصر الإحياء للشيخ شرف الدين بن يونس شارح التنبيه في باب الإخلاص: أن من أخلص لله تعالى في العمل وإن لم ينو ظهرت آثار بركته عليه وعلى عقبه إلى يوم القيامة كما قيل إنه لما أهبط آدم عليه الصلاة والسلام إلى الأرض جاءته وحوش الفلاة تزوره وتسلم عليه فكان آدم عليه الصلاة والسلام يدعو لكل (١) الاحياء (٤/ ٣٨١). (٢) الوصايا القدسية (مخ لا يبزك / لوحة ١٧٧). (٣) حياة الحيوان الكبرى (١٤٧/٢). ٢١٧ مقدمة المؤلف جنس بما يليق به فجاءته طائفة من الظباء فدعا لهن ومسح على ظهورهن فظهر فيهن نوافج المسك فلما رأى بواقيها ذلك قالوا من أين هذا لكن فقلن زرنا صفي الله آدم فدعا لنا ومسح على ظهورنا فمضى البواقي إليه فدعا لهن ومسح على ظهورهن فلم يظهر بهن من ذلك شيء فقالوا قد فعلنا كما فعلتم فلم نر شيئًا مما حصل لكم فقالوا: أنتم كان عملكم لتناولوا ما نال إخوانكم وأولئك كان عملهم لله من غير شوب فظهر ذلك في نسلهم وعقبهم إلى يوم القيامة انتهى وهذه من زياداته على الإحياء والله أعلم. قوله في آخر حديث أنس: رواه ابن ماجه والحاكم، أما ابن ماجه فهو الإمام: أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني صاحب كتاب السنن، سمع بمكة من محمد بن يحيى بن أبي عُمر العدني وأبي مروان محمد بن عثمان وغيرهما، وبالمدينة من إبراهيم بن المنذر الحزامي وغيره، وبمصر من يونس بن عبد الأعلى وغيره، وبدمشق والكوفة والبصرة وبغداد جماعة يكثر تعدادهم؛ قال محمد بن طاهر المقدسي الحافظ: لعمرك إن كتاب أبي عبد الله بن ماجه من نظر فيه علم منزلة الرجل من حسن الترتيب وغزارة الأبواب وترك التكرار، ولا يوجد فيه من النوازل والمقاطيع والمراسيل والرواية عن المجروحين إلا قدر يسير، وهذا الكتاب، وإن لم يشتهر عند أكثر الفقهاء فإن له بالري وما والاها من قوهستان ومازندران وطبرستان قدر عظيم عليه اعتمادهم، وله عندهم طرق كثيرة(١). انتهى. (١) التقييد لمعرفة السنن والمسانيد (١١٩/١ -١٢٠). ٢١٨ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب ومولده في سنة تسع ومائتين، وتوفي يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء لثمان بقين من شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين ومائتين وله أربع وستون سنة، انتهى، قاله في شرح الإلمام(١)، قاله في الديباجة. وأما الحاكم: فهو الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم بن الحكم الطهماني النيسابوري المعروف بابن البيع، الحافظ المصنف في علم الحديث عدة تصانيف لم يسبق إليها، سمع بنيسابور أبا العباس محمد بن يعقوب الشيباني الأصم والشيباني الأخرم (٢)، وبمرو أبا العباس محمد المحبوبي وغيره، وببغداد وبهمذان وبالعراق جماعة، وسمع منه المشايخ أحمد بن أبي عثمان الحيري الزاهد والقفال الشاشي والدار قطني وخلق، ولد سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة وتوفي سنة خمس وأربعمائة، وقيل: ثلاث [٢٠/ أ] والأول أصح. وكان إمام أهل الحديث في عصره، وقع من تصانيفه في أيدي الناس ما يبلغ ألفا وخمسمائة جزء(٣) انتهى. (١) شرح الالمام (١/ ٥٩-٦١). (٢) كذا وقع في الأصل والصواب أنهما شيخان للحاكم الأول محمَّد بن يعقوب بن يوسف بن مَعْقِل بن سنان بن عبد الله، أبو العباس الأصم، السِّناني المعْقِلي، الوراق، الأموي مولاهم، والثانى محمَّد بن يعقوب بن يوسف بن يعقوب بن عبد الله، أبو عبد الله، العدل الحافظ، الشَّيْباني، النَّيْسابُوري، المعروف قديمًا بابن الكِرْماني، وأخيرًا بابن الأخْرم. انظر الروض الباسم (١٢٧٠/٢- ١٢٨٧). (٣) طبقات الفقهاء الشافعية (١٩٨/١-٢٠٢)، طبقات علماء الحديث (٢٣٧/٣ -٢٤٣). ٢١٩ مقدمة المؤلف ٣- وَعَن أبي فراس رجل من أسلم قَالَ: نَادَى رجل، فَقَالَ: يَا رَسُول الله مَا الإِيمَان؟ قَالَ: الْإِخْلَاص)). وَفِي لفظ آخر قَالَ: قَالَ رَسُول اللّهِ وَّ: ((سلوني عَمَّا شِئْتُم فَنَادَى رجل يَا رَسُول الله مَا الْإِسْلَامِ قَالَ إِقَامِ الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة. قَالَ: فَمَا الْإِيمَان قَالَ الْإِخْلَاصِ. قَالَ: فَمَا الْيَقِينِ قَالَ التَّصْدِيقِ))(١) رَوَاهُ الْبَيْهَقِّ وَهُوَ مُرْسل. قوله: وعن أبي فراس، رجل من أسلم هو بلفظ الماضي اسم قبيلة من قبائل العرب. قوله: نادى رجل فقال يا رسول الله: ما الإيمان؟ قال: ((الإخلاص))، وفي لفظ آخر قال: رسول الله ﴾: ((سلوني عما شئتم))، فنادى رجل فقال يا رسول الله ما الإسلام؟ فقال: ((إقام الصلاة وإيتاء الزكاة)) قال: فما الإيمان؟ قال: (الإخلاص)) قال: فما اليقين؟ قال: ((الصدق)). وفي بعض النسخ: التصديق، وسيأتي الكلام على الإسلام وعلى إقام الصلاة وعلى الزكاة والإيمان في أماكن متفرقة من هذا التعليق. واعلم أن معرفة الإخلاص في التوبة وفي سائر الطاعات أن يراد به الحق جل وعلا ويقصد فيه الصدق وتفسيره: قصد القلب بالعمل لله عز وجل وحده والنظر إلى ثواب الله عز وجل في غير حب محمدة ولا كراهة مذمة ولا إرادة رياء وعجب وأول الإخلاص في التوحيد هو توحيد ذات الله عز وجل بنفي الشركاء عنه وإثبات صفاته بنفي النقائص والتشبيه عنها وهو تفسير (١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان رقم (٦٤٤١، ٦٤٤٢)، وابن بشران في أماليه رقم (٣٠٨) وصححه الألباني في الترغيب والترهيب رقم (٣). ٢٢٠ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب سورة الإخلاص قال الله عز وجل: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾﴾(١) فأمر بتوحيد ذات الله الصمد وفيه إثبات صفاته لم يلد ولم يولد، وفيه نفي النقائص عن ذاته ولم يكن له كفوا أحد، وفيه نفي لشبهه بالذوات في ذاته وصفاته بنية الإخلاص قال الله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾(٢)، وإنما سمي الإخلاص إخلاصا لأنه خلص من الآفات، تقول العرب: أخلص فلان لفلان المحبة أي لم يمازجها بشيء انتهى، قاله الهروي. وأما الصدق فقد قال الله تعالى: ﴿يَأيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ ﴾﴾(٣) وقال تعالى عز اسمه ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا مَعَ الصَّدِقِينَ عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ ﴾ (٤)، فالصدق مقام القوم الأعظم الذي منه تنشأ جميع منازل السالكين والطريق الأقوم الذي من لم يسر عليه فهو من المنقطعين الهالكين وبه تميز أهل النفاق من أهل الإيمان وسكان الجنان من أهل النيران وهو سيف الله في أرضه الذي ما وضع على شيء إلا قطعه ولا واجه باطلًا إلا أرداه وصرعه، ومن صال به لم ترد صولته ومن نطق به علت على الخصوم كلمته فهو روح الأعمال ومحك الأحوال والحامل على اقتحام الأهوال والباب الذي دخل منه الواصلون إلى حضرة ذي الجلال وقد أمر (١) سورة الإخلاص، الآية: ١. (٢) سورة الكهف، الآية: ١١٠. (٣) سورة التوبة، الآية: ١١٩. (٤) سورة الأحزاب، الآية: ٢٣. ٢٢١ مقدمة المؤلف الله تعالى أهل الإيمان أن يكونوا مع الصادقين وخص المنعم عليهم بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين فقال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم﴾(١) (٢). واعلم أن حقيقة الصدق إسقاط ما سوى الحق سبحانه، وقيل حقيقة الوفاء مع وجود الصفا والصدق على ثلاثة أوجه: صدق [٢٠/ ب] النية أولا، ثم صدق اللسان، ثم صدق العمل، فأما صدق النية أن لا يريد بجميع أقواله وأفعاله غير الله تعالى، وأما صدق اللسان فأن لا يطلقه إلا إذا قام له شاهد من الحق، وأما صدق العمل فالجد فيه والحرص عليه من غير أن يقطعه عنه قاطع انتهى، قاله الهروي (٣). واعلم أن الخير كله في بيت ومفتاحه الصدق، ومن أخذ المفتاح بيده فتح ودخل ومن فاته الصدق بقي على الباب. واعلم أن الصدق يجب عليك في الأقوال والأفعال، فعود لسانك يا أخي الصدق فإنك مسؤول عن أقوالك وأعمالك فعود لسانك الصدق في القليل والكثير والمزح والجد فإذا صار عادةً استرحت وقد مدح الحق سبحانه وتعالى الصادقين في غير موضع من كتابه العزيز، وقال رجلٌ للنبي : صَلى الله. وَسلم. ((أوصني)) فقال: ((لا تكذب)) فلزم الصدق فخلص به من كل المعاصي وحث (١) سورة النساء، الآية: ٦٩. (٢) مدارج السالكين (٢/ ٢٥٧). (٣) انظر مدارج السالكين (٢٦٧/٢-٢٦٩). ٢٢٢ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب الصالحون عليه ويكفي الصادق شرفًا أن الخلق العام والخاص، والصالح والطالح مجمعون على مدحه وهو ثوبٌ شريف فلا يفوتك فمن لبسه مدح للعالم في أي عالم كان، قاله في كتاب عمدة السالك(١). ولنذكر نبذة تتعلق بالصدق من كلام القوم: ومن علامات الصدق طمأنينة القلب إليه ومن علامات الكذب حصول الريبة كما في الترمذي من حديث الحسن بن علي رضي الله عنهما عن النبي وَله: ((الصدق طمأنينة والكذب ريبة))(٢) وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود عن النبي وَله قال: ((الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل لیصدق حتی یکتب عند الله صديقًا وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا))(٣) فجعل الصدق مفتاح الصديقية ومبدأها وهي غايته فلا ينال درجتها كاذب البتة لا في قوله ولا في عمله ولا في حاله ولاسيما كاذب على الله تعالى في أسمائه وصفاته بنفي ما أثبته لنفسه أو إثبات ما نفاه عن نفسه فليس في هؤلاء صديق أبدًا وسيأتي بابٌ في الصدق فيه جملة من الأحاديث وحديث كعب بن مالك في تخلفه عن غزوة تبوك وفيه فوائد جمة، وقال الحارث المحاسبي: والصدق في وصف العبد هو استواء السر والعلانية والظاهر والباطن، وبالصدق يتحقق جميع المقامات والأحوال حتى إن الإخلاص يفتقر إلى الصدق وهو (١) لم اهتد لهذا المرجع. (٢) أخرجه الترمذي رقم (٢٥١٨)، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (٣٣٧٧). (٣) أخرجه البخاري رقم (٦٠٩٤)، ومسلم رقم (٢٦٠٧). ٢٢٣ مقدمة المؤلف لا يفتقر إلى شىء، لأن حقيقة الإخلاص هو إرادة الله تعالى بالطاعة، فقد يريد الله تعالى بالصلاة ولكنه غافل عن حضور القلب فيها، والصدق هو إرادة الله تعالى بالعبادة مع حضور القلب إليه تعالى فكل صادق مخلص وليس كل مخلص صادقًا وهذا معنى الاتصال والانفصال لأنه انفصل عن غير الله تعالى واتصل بالحضور بالله تعالى وهو معنى التخلي والتجلي، التخلي عما سواه والتجلي بالحضور بين يدي مولاه انتهى. وقال عبد الواحد بن زيد: الصدقُّ الوفاء لله تعالى بالعمل(١). وقيل موافقة السر النطق [وقيل استواء السر والعلانية] وقيل الصدق القول بالحق في مواطن الهلكة وقيل كلمة. [٢١/ أ] الحق عند من يخافه ويرجوه وقال الجنيد رحمة الله عليه حقيقة الصدق أن تصدق في موطن لا ينجيك منه إلا الكذب، وفي أثر إلهي: من صدقني فى سريرته صدقته في علانيته عند خلقي (٢). وقال سهل بن عبدالله رحمة الله عليه: أول خيانة الصديقين حديثهم مع أنفسهم، وقال يوسف بن أسباط: لأن أبيت ليلة أعامل الله بالصدق أحب إلي من أن أضرب بسيفي فى سبيل الله، وقال بعضهم: من لم يؤد الفرض الدائم لم يقبل الله منه الفرض المؤقت، قيل: وما الفرض الدائم؟ قال: الصدق، وقيل من طلب الله بالصدق أعطاه مزية يبصر فيها الحق والباطل، وقيل (١) الرسالة القشيرية (٢/ ٣٦٤). (٢) مدارج السالكين (٢٦٢/٢ و٢٦٥). ٢٢٤ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب عليك بالصدق حيث تخاف أنه يضرك فإنه ينفعك ودع الكذب حيث ترى أنه ينفعك فإنه يضرك وقيل ما أملق تاجر صدوق أي ما افتقر (١). وقال النووى فى بستان العارفين (٢): روينا عن الأستاذ القاسم القشيرى رحمه الله قال: الصدق عماد الأمر وبه تمامه وفيه نظامه وقال روينا عن ذي النون قال الصدق سيف الله تعالى ما وضعه على شىء إلا قطعه، وقال المحاسبي: الصادق هو الذى لا يبالي لو خرج كل قدر له من قلوب الناس من أجل صلاح قلبه، ولا يحب إطلاع الناس على الشىء من عمله، ومن علامة الصادق أن يختبر نفسه عند المدح والذم، فإن فرح بمدح ما ليس فيه أو حزن بذم ما فيه فهذا مراء كذاب، يقال فى كتب الله المنزلة: عجبت لمن قيل فيه الخير وليس فيه كيف يفرح ولمن قيل فيه الشر وهو فيه كيف يغضب؟ وأعجب من ذلك: من أحب نفسه على اليقين وأبغض الناس على الظن، وقال بعضهم لبعض: من أحب المدح وكره الذم فهو منافق، وفي الخبر: الفرح بالمدح فإنه الذبح. وقال الثوري: إذا قيل لك بئس الرجل أنت تغضب وإذا قيل لك نعم الرجل أنت تفرح، فبئس الرجل أنت، وسئل بعض العلماء، ما علامة المنافق؟ فقال: إذا مدح بما ليس فيه ارتاح قلبه لذلك، وقال سفيان بن عيينة: (١) مدارج السالكين (٢٦٥/٢-٢٦٦). (٢) يستان العارفين صـ٢٨. ٢٢٥ مقدمة المؤلف لا يضر المدح من عرف نفسه، وأثني على رجل من الصالحين فقال: اللهم إن هؤلاء لا يعرفونني وأنت تعرفني، وقال آخر لما أثني عليه: اللهم إن عبدك هذا تقرب إلي بمقتك وإني أشهدك على مقته، وقال علي لما أثني عليه: اللهم اغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤاخذني بما يقولون واجعلني خيرًا مما يظنون، وقال البيهقي في الشعب: قال بعض السلف: إذا مدح الرجل في وجهه فالتوبة منه أن يقول: اللهم لا تؤاخذني بما يقولون واغفر لي ما لا يعلمون واجعلني خيرًا مما يظنون، وكان سفيان نَّالَّهُ يقول: إذا رأيت الرجل يحب أن يحبه الناس كلهم [٢١ / ب] ويكره أن يذكره أحد بسوء فاعلم أنه منافق، فهذا دخل في وصف الله تعالى المنافقين بقوله تعالى: ﴿سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوَكُمْ وَبَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ﴾(١)(٢) انتهى. قوله في آخر حديث أبي فراس: رواه البيهقي، وهو مرسل، وأما البيهقي فهو الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله بن موسى النيسابوري البيهقي الحافظ المصنف في علم الحديث والفقه والأصول والجامع بين المعقول والمنقول، سمع بنيسابور الحاكم وابن شاذان وابن محمش الزيادي وابن فورك وغيرهم، مولده في شعبان سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، ووفاته في جمادى الأولى سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، قال (١) سورة النساء، الآية: ٩١. (٢) قوت القلوب (١/ ٢٩٣). ٢٢٦ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب الجويني: ما من شافعي إلا وللشافعي عليه منّه إلا البيهقي، فإن له على الشافعي منة لتصانيفه في نصرة مذهبه وأقاويله، نقله ابن عساكر(١)، كتب الحديث وضبطه من صباه إلى أن نشأ وتفقه وبرع فيه وشرع في الأصول ورحل إلى العراق والحجاز والجبال ثم اشتغل بالتصنيف وألف من الكتب بما لعله يبلغ قريبا من ألف جزء مما لم يسبقه إليها أحد، جمع فيها بين علم الحديث والفقه وبيان علل الحديث والصحيح والسقيم وذكر وجوه الجمع بين الأحاديث ثم بيان الفقه والأصول وشرح ما يتعلق بالعربية وأخذ عنه العلم كبار نيسابور وأكثروا الثناء عليه والدعاء له حين قرؤوا كتاب المعرفة له، وكان قانعًا من الدنيا بالقليل متجملاً في زهده وورعه وبقي إلى أن توفي وحمل إلى خسروجرد رحمه الله تعالى(٢) انتهى، قاله في شرح الإلمام. وأما الحديث المرسل فهو ما أسنده التابعي أو تابع التابعي إلى النبي وَسَم صلىالله من غير أن يذكر الصحابي الذي يروي الحديث وذهب جماهير المحدثين إلى أن المرسل لا يحتج به وقال الإمام مالك وأبو حنيفة والإمام أحمد وأكثر الفقهاء يحتج به، ومذهب الشافعي أنه إذا انضم إلى المرسل ما يعضده احتج به وبان بذلك صحته وذلك بأن يروى مسندًا ومرسلًا من جهة أخرى أو فعل به بعض الصحابة أو أكثر العلماء سواء في هذا مرسل سعيد بن المسيب (١) تبيين كذب المفترى (ص ٢٦٦). (٢) طبقات علماء الحديث (٣٢٩/٣ - ٣٣١)، وتاريخ الاسلام (١٠ /٩٥- ٩٦) ٢٢٧ مقدمة المؤلف وغيره هذا هو الصحيح عنده، ولو روي الحديث متصلا ومرسلًا أو مرفوعًا وموقوفا فالذي عليه الفقهاء وأهل الأصول وجماعة من المحدثين أن الحكم للوصل والرفع، وقيل: الإرسال والوقف ونقله الخطيب عن أكثر المحدثين قاله في التنقيح على كتاب المصابيح (١). (١) كشف المناهج (١ / ٥٧). ٢٢٨ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب خاتمة فى المدح والذم عن المقداد بن عَمْرو: أمرنا رسول الله وَّ أن نحثو في وجوه المداحين التراب رواه مسلم(١)، قال النووي(٢): ذكر مسلم في هذا الباب الأحاديث الواردة في النهي عن المدح وقد جاءت أحاديث كثيرة في الصحيحين بالمدح في الوجه قال العلماء وطريق الجمع بينها أن النهي محمول على المجازفة في المدح والزيادة في الأوصاف أو على من يخاف عليه فتنة من إعجاب ونحوه إذا سمع المدح وأما من لا يخاف عليه ذلك لكمال تقواه ورسوخ عقله ومعرفته فلا نهي في مدحه في وجهه إذا لم يكن فيه مجازفة بل إن كان يحصل بذلك مصلحة كنشطه للخير والازدياد منه أو الدوام عليه أو الاقتداء به كان مستحبًّا. قال النووى فى كتاب الأذكار(٣): مدح الإنسان والثناء عليه بجميل صفاته قد یکون في حضور الممدوح، وقد يكون بغير حضوره، فأما الذي في غير حضوره، فلا منع منه إلا أن يجازف المادح ويدخل في الكذب، فيحرم عليه بسبب الكذب لا لكونه مدحا، ويستحب هذا المدح الذي لا كذب فيه إذا ترتب عليه مصلحة ولم يجر إلى مفسدة بأن يبلغ الممدوح فیفتتن به، أو غير ذلك، وأما المدح في وجه الممدوح فقد جاءت فيه أحاديث تقتضي إباحته أو استحبابه، وأحاديثه تقتضي المنع منه، ويجمع بينهما كما تقدم. (١) أخرجه مسلم (٦٨ و٦٩ - ٣٠٠٢). (٢) شرح النووي على مسلم (١٢٦/١٨). (٣) الأذكار (ص ٢٧٦). ٢٢٩ مقدمة المؤلف قوله: (أمرنا رسول الله وَ له أن نحثي في وجوه المداحين التراب) هذا الحديث قد حمله على ظاهره المقداد الذي هو راويه ووافقه طائفة وكانوا يحثون التراب في وجهه حقيقة وقال آخرون معناه خيبوهم فلا تعطوهم شيئا لمدحهم وقيل إذا مدحتم فاذكروا أنكم من تراب فتواضعوا ولا تعجبوا وهذا ضعيف(١) انتهى. قال الخطابى(٢): المراد بالتراب هنا الحرمان فمعنى التراب ههنا الحرمان والخيبة كما يقال ليس في كفه إلاّ التراب، وكان بعض السلف يذهب إلى استعمال الحديث على ظاهره ويرى أن يوضع التراب في كفه، وروي أن المقداد رأى رجلا يمدح رجلا فقام يحشي التراب بكفه في وجهه، وقال الحليمى(٣): إنما أمر بحثو التراب فى وجوه المادحين لأن الأغلب أنهم يكذبون فيغرون الممدوح فإذا حثا التراب في وجه المادح تغبر بذلك وجهه کما غبر وجه الممدوح. انتهى. ٤ - وَعَن معاذ بن جبل أَنْه قَالَ حِين بعث إِلَى الیمن یَا رَسُول الله أوصني، قَالَ: ((أخْلص دينك يكفك الْعَمَلِ الْقَلِيل)) (٤) رَوَاهُ الْحَاكِم من طَرِيق عبيد الله بن زحر عَن ابْن أبي عمرَان وَقَالَ صَحِيحِ الْإِسْنَادِ كَذَا قَالَ. (١) شرح النووي على مسلم (١٢٨/١٨). (٢) معالم السنن (١٣١/٣). (٣) المنهاج (٨/٣). (٤) أخرجه الحاكم في المستدرك (٤ /٣٤١)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٢٤٤/١)، والبيهقي في الشعب رقم (٦٤٤٣)، وقال الحاكم عقبه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ورده الذهبي في التلخيص فقال: غير صحيح، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٢١٦٠)، وضعيف الجامع (٢٤٠). ٢٣٠ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب قوله: معاذ بن جبل، قال أبو الفرج ابن الجوزي كنيته: أبو عبدالرحمن فهو معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري من بني جثم بن الخزرج كان من نجباء الصحابة، أسلم وعمره ثمان عشرة سنة، روى عنه ابن عباس وابن عمر وأنس وعبدالرحمن بن سمرة. [٢٢/ أ] وأبو موسى وطائفة من الصحابة وخلق من التابعين وكان عمر جمع القرآن فى حياة النبى وَله، وجاء عن أنس مرفوعًا إلى النبي وَلاّ: ((أرحم أمتي بأمتي أبو بكر ... )) الحديث. ((وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ)) (١) وقال محمد بن كعب القرظي: قال النبى وَّ: ((يأتي معاذ يوم القيامة أمام العلماء برتوة))(٢) وقال ابن مسعود: إن معاذا كان أمة قانتًا لله حنيفا ولم يك من المشركين إنا كنا نشبه معاذًا بإبراهيم، والأمة معلم الخير، والقانت المطيع لله ولرسوله ومعاذ بن جبل كان يعلم الناس الخير ويطيع الله ورسوله(٣). وقال فيه رسول الله وقال: ((نعم الرجل معاذ))(٤)، وقال عمر: عجزت النساء أن تلد مثل معاذ لولا معاذ هلك عمر، قاله في قضية امرأة تأخر حملها سنتين (١) أخرجه الترمذي رقم (٣٧٩٠)، وابن ماجه رقم (١٥٤)، وأحمد في مسنده (٢٤/ ٢٥٢). (٢) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢٩/٢٠) رقم (٤١)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٢٢٨/١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣١١/٩): رواه الطبراني مرسلا، وفيه محمد بن عبد الله بن أزهر الأنصاري ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح. (٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٥٩/١٠) رقم (٩٩٤٣)، والحاكم في المستدرك (٣٩٠/٢). (٤) أخرجه الترمذي رقم (٣٧٩٥)، وأحمد في مسنده (٢٥٣/١٥). ٢٣١ مقدمة المؤلف فاستشاره في رجمها فأشار بتأخيرها فوضعت غلاما قد خرجت ثنيتاه فاعترف أبوه به لشبهه به، فقال: ابني ورب الكعبة(١). وكان معاذ طوالًا حسن الشعر أبيض براق الثنايا، وشهد بدرًا والمشاهد كلها مات في طاعون عمواس سنة سبع عشرة أو ثمان عشرة، وأردفه رسول الله وَله وراءه وقال: ((والله يا معاذ إني لأحبك))(٢) وبعثه إلى اليمن قاضيا بعد غزوة تبوك، وشيعه ماشيا فى مخرجه وكان معاذ راكبًا(٣). قوله: إنه قال حين بعث إلى اليمن يارسول الله أوصني، قال: ((أخلص دینك يكفك العمل القليل)). واليمن: إقليم معروف يشتمل على بلاد كثيرة، قال ابن عبدالبر(٤): بعث رسول الله وَّ معاذ بن جبل قاضيًا إلى اليمن يعلم الناس القرآن وشرائع الإسلام ويقضي بينهم وجعل إليه قبض الصدقات من العمال الذين باليمن ثم أوصاه رسول الله وَيُّه وعهد إليه ثم قال: ((يا معاذ يسر ولا تعسر وبشر ولا تنفر))(٥)؛ وفي حديث أنه قال وَّيليه لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: ((إنك ستأتي (١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه رقم (٢٠٧٦)، والدار قطني في سننه (٥٠٠/٤)، والبيهقي في السنن (٧٢٩/٧). (٢) أخرجه أبو داود رقم (١٥٢٢)، والترمذي رقم (٢٣٥٠)، والنسائي (٥٣/٣). (٣) تهذيب الأسماء واللغات (٩٨/٢ -١٠٠). (٤) الاستيعاب (١٤٠٣/٣). (٥) أصل الحديث في البخاري رقم (٣٠٣٨)، ومسلم رقم (١٧٣٣) عن أبي بردة أن النبي ◌َّ، بعث معاذا وأبا موسى إلى اليمن قال: ((يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا)). ٢٣٢ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب أهل كتاب فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، فإن هم آمنوا بذلك فأخبرهم أن الله فرض صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ... )) الحديث(١)، استدل بعضهم بحديث معاذ هذا على أن الكفار ليسوا بمخاطبين بفروع الشريعة من الصلاة والصوم والزكاة ونحوها لكونه وقَال قال: ((فإن هم أطاعوا لك بذلك فأعلمهم أن عليهم ... )) فدل على أنهم إذا لم يطيعوا لا يجب عليهم، هذا الاستدل ضعيف فإن المراد أعلمهم أنهم مطالبون بالصلوات وغيرها في الدنيا والمطالبة في الدنيا لا تكون إلا بعد الإسلام وليس يلزم من ذلك أن لا يكونوا مخاطبين بها بل يزاد في عذابهم بسببها في الآخرة، والمختار أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة [٢٢/ ب] المأمور به والمنهي عنه، هذا قول المحققين والأكثرين، وقيل: ليسوا بمخاطبين بها، وقيل: مخاطبون بالمنهي دون المأمور (٢) والله أعلم قاله في الديباجة. ٥ - عَن ثَوْبَان قَالَ سَمِعت رَسُول الله وَِّ يَقُول: «طُوبَى للمخلصين أُولَئِكَ مصابيح الهدى تنجلي عَنْهُم كل فتْنَة ظلماء)) (٣) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ. (١) أخرجه البخاري رقم (١٣٩٥، ١٤٩٦، ٤٣٤٧)، ومسلم رقم (١٩). (٢) شرح النووي على مسلم (١٩٨/١). (٣) أخرجه البيهقي في الشعب رقم (٦٤٤٨)، وابن أبي الدنيا في كتاب الإخلاص والنية رقم (١)، وأبو نعيم في الحلية (١٥/١)، وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (٢٢٢٥)، وضعيف الجامع رقم (٣٦٣٦): موضوع.