النص المفهرس

صفحات 181-200

١٧٣
مقدمة المؤلف
وقال ابن بطال: هو فصل بين الثناء على الله وبين ابتداء الخبر الذي يريد
الخطيب إعلامه(١)، ويستحب الإتيان بها في خطب الوعظ والجمع والعيد
وغيرها وكذا في خطب الكتب المصنفة والمكاتبات اقتداء برسول الله وَ له.
وذكر ابن بطال أيضا أن رسول الله وَليو كان يقولها في خطبه وشبهها رواه عنه
خمسة وثلاثون صحابيا قاله ابن الملقن في شرح العمدة (٢).
وقال: الحافظ أبو محمد عبد القادر الرهاوي روى عن النبي ◌َ﴾ في خطبه
وكتبه جمع من الصحابة نحو ثلاثين نفسًا (٣)، انتهى.
وقد عقد البخاري لها بابًا في كتاب الجمعة (٤) وذكر فيه أحاديث كثيرة في
ضبط دال أما بعد أربعة أوجه ضم الدال وفتحها من غير تنوين ورفعها منونة
كذا نصبها(٥).
وأما حرف فيه معنى الشرط ولذلك يجاب بالفاء وبعد ظرف زمان
واختلف العلماء في أول من تكلم بهذه الكلمة على خمسة أقوال:
(١) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٢ / ٥١٠).
(٢) اسم الكتاب بالكامل (الإعلام بفوائد عمدة الأحكام) ١/ ١١٥.
(٣) تهذيب الأسماء واللغات (٢٩/٢-٣٠)
(٤) صحيح البخاري، كتاب الجمعة، باب من قال في الخطبة بعد الثناء: أما بعد (٢/ ١٠).
(٥) صناعة الكتاب (ص ١٨٢ -١٨٣)، وتهذيب الأسماء واللغات (٢٩/٣)، وقد نظمها
بعضهم فقال:
جرى الخُلْفُ أما بعد من كان قائلًا لها خمسُ أقوالٍ وداودُ أقربُ
وكانت له فصلَ الخطابِ وبعدَه فَقُسٌ فسحبانُ فكعبٌ فَيْعُرِبُ
انظر: حاشية الباجوري ١ / ٧.

١٧٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
أحدها داود عليه الصلاة والسلام قال: بعض المفسرين أو كثير أنها منهم
فصل الخطاب الذي أوتي داود وَّ وقال: المحققون فصل الخطاب الفصل
بين الحق والباطل(١).
تتمة: قال الزمخشري (٢) وغيره: لما جاء إخوة يوسف لطلب أخيهم أدوا
إليه كتاب يعقوب فيه من يعقوب إسرائيل بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم
خليل الله إلى عزيز مصر أما بعد فإنا [١٢ / أ] أهل بيت موكل بنا البلاء، فأما
جدي فشدت يساره ورجلاه ورمي في النار ليحرق فنجاه الله وجعلها عليه
بردًا وسلامًا، وأما أبي فوضع السكين على قفاه ليقتل ففداه الله، وأما أنا فكان
لي ابن وكان أحب أولادي إلي فذهب به إخوته إلى البرية ثم أتوا بقميصه
ملطخا بالدم وقالوا: قد أكله الذئب فذهبت عيناي من بكائي عليه ثم كان لي
ابن وكان أخوه من أمه و کنت أتسلی به فذهبوا به ثم رجعوا وقالوا إنه سرق
وإنك حبسته لذلك وإنا أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقا فإن رددته علي وإلا
دعوت عليه دعوة تدرك السابع من ولدك، والسلام.
وذكر الشيخ سراج الدين ابن الملقن بسند ضعيف(٣): لما جاء ملك الموت
إلى يعقوب ◌َلَّا، قال له من جملة كلامه (أما بعد)، فإنا أهل بيت موكل بنا
البلاء؛ ولو ثبت هذا لكان أول من تكلم بها يعقوب عليه الصلاة والسلام. انتهى.
وثانيها: قس بن ساعدة الإيادي، قاله الكلبي. وثالثها: كعب بن لؤي، وهذه
(١) شرح النوويّ ٦/ ٣٩٤.
(٢) الكشاف (٢ / ٥٠١)
(٣) ذكره ابن الملقن في التوضيح (٧/ ٥٥٠) وقال: غرائب مالك للدار قطني بسند ضعيف.

١٧٥
مقدمة المؤلف
مشهورة. ورابعها: يعرب بن قحطان. خامسها: سحبان بن وائل، وهو القائل:
لقد علم الحي اليمانون أنني إذا قلت أما بعد، أني خطيبها(١)
قوله: ((زاده الله قربًا منه وعزوفًا)) يقال: عزفت نفسي عن الشيء تعزف
عزوفًا، أي زهدت فيه وانصرفت عنه، ذكره الجوهري في صحاحه (٢).
قوله: ((عن دار الغرور)) الغرور الخديعة، وإنما سميت الدنيا بدار الغرور
لأنها تخدع الناس بزينتها وزخرفها وتشغلهم عن طلب الآخرة والسعي لها.
قوله ((وأسعفه)) يقال أسعفت الرجل في حاجته: إذا قضيتها له(٣).
قوله ((لما وقر عندي من صدق نيته)) أي: تمكن، قال أبو عثمان في كتاب
الأفعال(٤): ووقر الشيء في القلب معناه: تمكن، ذكره الجوهري في صحاحه(٥).
قوله: ((من صدق نيته)) والنية هي القصد، تقول العرب: نوى إلى الله
بحفظه، أي: قصد إلى الله (٦)، وسيأتي الكلام على النية قريبًا مبسوطًا [في
الترغيب في إخلاص النية].
وقوله: ((وإخلاص طويته)) والطوية هي ما يسره الإنسان ويكتمه عن الناس.
(١) انظر صناعة الكتاب (ص ١٧٦)، والإعلام (١/ ١١٥-١١٦).
(٢) الصحاح (٤ / ١٤٠٣).
(٣) مقاييس اللغة (٣/ ٧٣).
(٤) راجع كتاب الأفعال علي بن جعفر بن علي السعدي، أبو القاسم، المعروف بابن القَطَّاع
الصقلي (٣٠٢/٣).
(٥) لم أجده في باب وقر وإنما ذكره في باب وكن (٢٢١٥/٦) فقال: وتقول: وكن الطائر بيضه
یکنه و کنا، أي حضنه. وتوکن، أي تمكن.
(٦) الاعلام (١ / ١٧٧).

١٧٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: ((وأمليت عليه هذا الكتاب صغير الحجم غزير العلم)) أشار بذلك
قدس الله سره إلى أن الهمم تقاصرت عن حفظ المطولات بل والمختصرات،
وصارت على النزر اليسير مقاصرات، وحجم الشيء: ملمسه الناتئ تحت
اليد والجمع حجوم، والكبر: نقيض الصغر لأن ما كثر حجمه أحجم
الطلاب عن تحصيله وما اختصر رغبوا في إجماله وتفصيله، والاختصار
حذف الفضول من كل شيء ومنه قوله وَّه: «أوتيت جوامع الكلم، واختصر
لى [١٢/ب] الكلام اختصارًا))(١)، وجوامع الكلم: قيل القرآن لأن الله تعالى
جمع في ألفاظه اليسيرة معاني كثيرة، وكان ◌َّ يتكلم بجوامع الكلم، قال
الخليل (٢): الكلام يبسط ليفهم ويختصر ليحفظ، فالمبسوط: ما كثر لفظه
ومعناه، والمختصر: ما قل لفظه وكثر معناه(٣).
قوله: ((لأني لو فعلت ذلك)) لخرج هذا الإملاء إلى حد الإسهاب الممل،
يقال: أسهب فهو مسهب بفتح الهاء إذا أمعن في الشيء وأطال (٤).
قوله: ((وأما دقائق العلل فلا مطمع في شيء منها لغير الجهابذة النقاد من
أئمة هذا الشأن)) الجهابذة: جمع جهبذ، ولم توجد هذه اللفظة في أول
(١) أخرجه الدارقطني في سننه (٢٥٤/٥) عن ابن عباس، والبيهقي في الشعب رقم (١٣٦٧)
عن عمر بن الخطاب ◌َّهُ. وأخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رَوْتَهُ أَنَّ رَسُولَ ◌َ
قَالَ: ((فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٌّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ ... )) الحديث. ليس فيه ((واختصر
لي الکلام اختصرا)).
(٢) الفروق اللغوية لأبي هلال العسكري.
(٣) زيادة في المخطوطة المغربية: وكان وّيم يتكلم بجوامع الكلم، قاله الكمال الدميري.
(٤) مجمع بحار الأنوار (١٥٨/٣)

١٧٧
مقدمة المؤلف
الصحاح، وفي القاموس (١) في حرف الذال المعجم، الجهبذ بالكسر الناقد
الجيد، وفي شرح ألفية العراقي (٢): تفسيره بالناقد فقط، ووقع في كلام أبي
شامة عند قول الشاطبي جهابذة النقاد أن الجهابذة جمع جهبذ وهو الحاذق
في النقد والنقاد جمع ناقد يقال نقدت الدراهم إذا استخرجت منها الزائف
وكنى بالجهابذة عن الحاذقين بهذا العلم المتضلعين منه(٣)، قلت: وما حكاه
أبو شامة يقتضي أن الجهبذ الحاذق في النقد لا مطلق الناقد (٤) بخلاف ما وقع
في شرح الألفية للعراقى [كلمات غير واضحة (٥)].
قوله: ((وأنبه على كثير مما مضى في حال الإملاء مما تساهل فيه أبو داود
في السكوت عن تضعيفه، أو الترمذي في تحسينه أو الحاكم في تصحيحه، لا
انتقادًا عليهم، بل مقباسًا لمتبصر في نظائرها)) يقال: اقتبس الرجل: أخذ من
نور غيره قبسا، قاله ابن عطية في تفسيره [في سورة الحديد (٦)].
والقبس: الشعلة من النار، واقتباسها: الأخذ منها؛ قال في القاموس (٧):
القبس محركًا: شعلة نار تقتبس من معظم النار كالمقباس، فمعنى كلام
المنذري، رحمه الله تعالى، مقباسًا لمتبصر، يعني: أن الذي نبهت علیه حال
(١) القاموس المحيط (ص ٣٣٢)
(٢) شرح (التبصرة والتذكرة) ١/ ٢٧٥
(٣) إبراز المعانى من حرز الأمانى (ص ٧٤٣).
(٤) فتح المغيث (١/ ٢٧٥).
(٥) والذى في شرح الألفية المسماة بالتبصرة والتذكرة: الجهبذُ، أي: الناقدُ (٢٧٥/١).
(٦) المحرر الوجيز (٥/ ٢٦٢).
(٧) القاموس المحيط (ص ٥٦٤).

١٧٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الإملاء نور يهتدى به في نظائر الأحاديث الذي تساهل فيها أبو داود
والترمذي وابن حبان والحاكم.
مثال ما تساهل فيه أبو داود: الحديث الذي رواه عنه المصنف في الترهيب
من دخول الحمام وعبارته عن عائشة: ((أن رسول الله وَيّ نهى عن دخول
الحمامات)»(١) رواه أبو داود ولم يضعفه، واللفظ له، والترمذي وابن ماجه؛
فقوله: ((ولم يضعفه)) يعني: سكت عنه، فيقتضي أنه حسن، قال المصنف: رووه
كلهم من حديث أبي عذرة عن عائشة، ثم قال: قال أبو بكر الحازمي (٢): لا
يعرف هذا الحديث إلا من هذا الوجه، وأبو عذرة غير مشهور، فقد وُجد من
أبي داود تساهل حيث لم يضعف هذا الحديث، فبيان المصنف لتضعيفه
مقباسٌ يستضاء به في نظير ذلك من الأحاديث التي في طريقها أبو عُذرة حتى
يقضى عليها بالضعف.
مثال ما تساهل فيه الترمذي: كالحديث الذي رواه عنه المصنف في
الترهيب في ترك السنة، وعبارته عن عمرو بن عوف أن رسول الله وَ اخلال قال
لبلال بن الحارث يومًا: ((اعلم يا بلال ... )) الحديث))(٣)، قال في آخره: رواه
الترمذي وابن ماجه كلاهما من طريق كثير بن عبد الله، قال الترمذي: حديث
(١) أخرجه أبو داود رقم (٤٠٠٩)، والترمذي رقم (٢٨٠٢) وقال: هذا حديث لا نعرفه إلا
من حديث حماد بن سلمة وإسناده ليس بذاك القائم، وابن ماجه رقم (٣٧٤٩)، وأحمد في
مسنده (٤١ / ٤٦٦) رقم (٢٥٠٠٦)، وضعفه الألباني في غاية المرام رقم (١٩١).
(٢) الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار (ص ٢٤١).
(٣) أخرجه الترمذي رقم (٢٦٧٧)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع رقم (٩٦٥).

١٧٩
مقدمة المؤلف
حسن، قال المصنف: [١٣ / أ] بل كثير بن عبد الله واه، فقد تساهل الترمذي
حيث قضى عليه بالحسن فبيان المصنف لتضعيفه مقباس لنظيره من
الأحاديث التي في طريقها كثير بن عبد الله حتى يقضى عليها بالضعف.
ومثال ما تساهل فيه الحاكم كالحديث الذي رواه عنه المصنف في
الترهيب من [الرياء] وعبارته عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم
وساق الحديث ثم قال في آخره: قال الحاكم -واللفظ له -: صحيح
الإسناد(١)، قال المصنف رحمه الله: كيف وعبد الواحد بن زيد الزاهد متروك
الحديث، فقد تساهل الحاكم حيث قضى عليه بالصحة فبيان المصنف
لتضعيفه مقياس يستضاء به في نظير ذلك من الأحاديث التي في طريقها عبد
الواحد بن زيد حتى يقضى عليها بالضعف، هذا ما ظهر لي في معنى كلام
المنذري والله أعلم، قاله الشيخ شمس الدين بن قاسم أيضًا.
قوله زَّةُ: وأنا استمد العون على ما ذكرت من الله القوي المتين العون،
بمعنى الإعانة، والقوي: هو الذي لا يصعب عليه أمر من الأمور، وهو يفعل
ما يختار، وقال في الديباجة: القوي التام القدرة الذي يستحيل عليه العجز
وقوتنا قاصرة (٢).
تنبيه: القوي من العبيد الذي يقوى بقوة الله تعالى على قهر الشيطان
وجنوده التي هي قوى نفسه من الغضب والشهوة والهوى ثم على قهر أعدائه
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك (٣٦٦/٤)، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب
رقم (٢١).
(٢) الأسنى (ص ٢٥٩).

١٨٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
من شياطين الجن والإنس فلا يقاويه شيء من خلق الله إلا قهره، ولا يناويه
أحد إلا غلبه(١).
قوله: المتين، والمتين هو الذي لا يحتاج إلى غيره في الأمور لكمال قوته،
وقال في الديباجة: المتين الشديد القوة الذي لا تلحقه مشقة (٢).
واعلم أن القوة تدل على القدرة التامة، والمتانة تدل على شدة القوة، والله
تعالى من حيث أنه بالغ القدرة تامها قوي، ومن حيث أنه شديد القوة متين،
وذلك راجع إلى معنى القدرة(٣).
تنبيه: المتين من العبيد هو المتصلب في دينه الذي لم يتأثر عمن أراد
إغواءه عن الحق لشدته لكونه أمتن كل متين (٤).
قوله: وأمد أكف الضراعة؛ الضراعة بمعنى التضرع، وأصل الضراعة
الخضوع والتذلل (٥)، قاله في الديباجة؛ وقال القاضي عياض(٦): الضراعة هي
شدة الفاقة والحاجة إلی من احتجت إليه، انتهى.
قوله: وأن ينفع به كاتبه، النفع ضد الضر، يقال: نفعه كذا ينفعه وانتفع به،
(١) معجم اصطلاحات الصوفية (ص ١٣٧).
(٢) الأسنى (ص ٢٦٤).
(٣) المقصد الأسنى (ص ١٢٩).
(٤) معجم اصطلاحات الصوفية (ص ١٣٧).
(٥) المفهم (١٨ / ٦٦).
(٦) مشارق الأنوار (٥٨/٢)

١٨١
مقدمة المؤلف
والاسم المنفعة، قاله الجوهري (١)، وقال الراغب في مفرداته (٢): النفع ما
يستعان به في الوصول إلى الخيرات وما يتوصل به إلى الخير، فالنفع خير
وضده الضر، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرَّا وَلَا نَفْعًا﴾(٣).
قوله: وأن يرزقني من الإخلاص ما يكون كفيلا لي في الآخرة بالخلاص،
قال القشيري(٤): الإخلاص هو إفراد الحق سبحانه وتعالى في الطاعة بالقصد،
وهو أن يريد بطاعته التقرب إلى الله تعالى دون شيء آخر من تصنّع لمخلوق
أو اكتساب محمدة عند الناس، أو محبة مدح من الخلق أو معنى من المعاني
سوى التقرب إلى الله تعالى، انتهى، وسيأتي الكلام على الإخلاص في الباب
بعده مبسوطًا [١٣ / ب] وتقدم الكلام على الكفالة وإنها الضمان.
قوله: في الآخرة بالخلاص؛ والآخرة هي دار القرار.
سؤال: لم جعل الله الآخرة غائبة عن أبصارنا؟.
قيل: قال أبو محمد السجزي: أراد الله تعالى أن يعمر الدنيا، فلو رأوا
الآخرة لأعجبتهم وتركوا الدنيا فلم يعمروها، وأيضا لو رأوها لما جحدها
أحد، وارتفعت المحبة، وقيل: وسميت الدنيا دنيا لدنوها قبل الآخرة، وقيل:
لدناءتها كما حكى أن عيسى عليه الصلاة والسلام رأى طيرًا حسنًا عليه من
كل لون ثم نزع جلده فصار أقبح شيء، فقال: ما أنت؟ قال: الدنيا؛ فإن قيل:
(١) في الصحاح (١٢٩٢/٣)
(٢) مفردات القرآن (ص ٨١٩)
(٣) سورة الفرقان، الآية: ٣.
(٤) الرسالة القشيرية (٢/ ٣٥٩)

١٨٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
لم مثلها الله عز وجل بالماء في قوله: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرَّا وَلَا
نَفْعًا﴾(١) الآية، قيل: لأن الماء ليس له قرار، وكذلك الدنيا، والآخرة هي دار
القرار أيضًا، فالماء قليله فيه الكفاية، وكثيره مضر، كذلك الدنيا قليلها يكفي
وكثيرها يطغي ولا يغني، وترك القليل والكثير يورث القناعة، وأيضًا الزرع
يفسد بالماء الكثير كذلك القلب يفسد بالمال الكثير، وأيضا الماء كله لا
يكون صافيا كذلك المال يكون حراما وشبهة وحلالا، وأيضا الماء يطهر
النجاسات كذلك المال يطهر دنس الآثام، قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ
صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم﴾ (٢) الآية، وأيضًا الماء يصلح لزاد البادية كذلك
المال يصلح لزاد القيامة والله أعلم، قاله في كشف الأسرار(٣).
قوله (ومن التوفيق ما يدلني على أرشد طريق) تقدم الكلام على التوفيق
وتقدم الكلام أيضا على الرشد والإرشاد وعلى السبل وأنها الطرق.
قوله (وأرجو منه الإعانة) الرجاء: ضد اليأس ممدود، وقد جاء بمعنى
الخوف، قال الله تعالى: ﴿مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ﴾﴾(٤) أي: لا
تخافون عظمة الله(٥).
قوله: (على حزن الأمر وسهله) الحزن: الصعب وهو ضد السهل.
(١) سورة الفرقان، الآية: ٣.
(٢) سورة التوبة، الآية: ١٠٣.
(٣) كشف الأسرار (لوحة ٨ و٩).
(٤) سورة نوح، الآية: ١٣.
(٥) الصحاح (٦ / ٢٣٥٢)، وتهذيب اللغة (١١ / ١٢٤-١٢٥).

١٨٣
مقدمة المؤلف
قوله: (وأتوكل عليه) قال أبو عثمان الحيري: التوكل الاكتفاء بالله
والاعتماد عليه، وقال حمدون: التوكل الاعتصام بالله تعالى، وقال سهل بن
عبد الله أول مقام في التوكل أن يكون العبد بين يدي الله تعالى كالميت بين
يدي الغاسل يقلبه كيف يشاء ولا يكون له حركة ولا تدبير، وسئل يحيى بن
معاذ: متى يكون الرجل متوكلًا؟ قال: إذا رضي بالله وكيلا، وقال أبو تراب
النخشبي: التوكل طرح البدن في العبودية وتعلق القلب بالربوبية والطمأنينة
إلى الكتابة، وقال الأستاذ أبو علي: التوكل ثلاث درجات التوكل ثم التسليم
ثم التفويض، فالمتوكل سكن إلى وعده، وصاحب التسليم يكتفي بعلمه،
وصاحب التفويض يرضى بحكمه(١)، ولذلك أشار الشيخ تقي الدين عبد
الرحمن بن عبد المحسن الواسطي(٢) بقوله:
وَسَلِّمْ وَفَوِّضْ فَالصِّعَابُ تَهُونُ
تَوَكَّلْ عَلَى مَوْلاكَ وَارضَ بِمَا قَضَی
وَإِنْ كُنْتَ تَرْجُو فِي أُمُورِكَ غَيْرَهُ فَذَاكَ جُنُونٌ وَالْجُنُونُ فُنُونُ
فقال في الإحياء(٣): وقال بعضهم: رأيت زرارة بن أوفى بعد موته في
الجنان، فقلت له: أي الأعمال أبلغ عندكم؟ قال: التوكل وقصر الأمل، ثم
روى عن سعيد أنه قال: التوكل جماع الإيمان، وروى ابن أبي الدنيا في كتاب
(١) الرسالة القشيرية (٢٩٩/١).
(٢) هو عبد الرحمن بن عبد المحسن بن عمر بن شهاب، المتوفى (٧٤٤هـ) الإمام المفتي
محدث واسط وعالمها وكبيرها الشيخ تقي الدين أبو الفرج الواسطي الشافعي المعجم
المختص (١٣٧/١-١٣٨) وأعيان العصر (٣٠/٣-٣١).
(٣) الإحياء (٤/ ٤٥٤)

١٨٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
التوكل عن ابن عباس مرفوعا: من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على
الله، ومن سره أن يكون أكرم الناس عند الله [١٤ / أ] فليتق الله، ومن سره أن
يكون أغنى الناس فليكن بما عند الله أوثق منه بما في يده))(١).
وروى عن ابن أبى قدامة الرملي قال: قرأت هذه الآية ﴿وَتَوَكَّلُ عَلَى الْحَىّ
الَّذِى لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ، وَكَفَى بِهِ، بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا ﴾﴾(٢) ثم
قال: لا ينبغي لعبد بعد هذه الآية أن يلجأ إلى أحد غير الله في أمره، ثم قال:
والله لو عامل الله عبدًا بحسن التوكل عليه وصرف النية له بطاعته لاحتاجت
إليه الأمراء، فمن دونهم فكيف يكون محتاجًا وموئله وملجؤه إلى الغني
الحميد(٣)، انتھی.
قوله: واعتصم بحبله، وأما الاعتصام بحبل الله، والاعتصام بالله نوعان:
اعتصام بالله واعتصام بحبل الله، قال الله تعالى: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا
وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾(٤)، وقال تعالى: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَمُكُمْ﴾(٥)، والاعتصام
هو: التمسك بما يعصمك ويمنعك من المحذور والمخوف، فالعصمة:
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب التوكل على الله (٩)، وفي مكارم الأخلاق (٥)، والبيهقي
في الزهد الكبير (٩٨٦)، وقال الألباني في ضعيف الجامع (٥٦٢٧)، والضعيفة (٤٦٠٢):
ضعيف جدًّا.
(٢) سورة الفرقان، الآية: ٥٨.
(٣) التوكل (٣٦) لابن أبي الدنيا وفيه عن أبي قدامة الرملى.
(٤) سورة آل عمران، الآية: ١٠٣.
(٥) سورة الحج، الآية: ٧٨.

١٨٥
مقدمة المؤلف
الحمية والاعتصام الاحتماء، ومنه سميت القلاع العواصم لمنعها وحمايتها،
ومدار السعادة الدنيوية والأخروية على الاعتصام بالله والاعتصام بحبله، ولا
نجاة إلا لمن استمسك بهاتين العصمتين؛ فأما الاعتصام بحبله فإنه يعصم
من الضلالة، والاعتصام به يعصم من الهلكة، والاعتصام بحبل الله يوجب له
الهداية واتباع الدليل، والاعتصام بالله يوجب له القوة والعدة والسلاح،
ولهذا اختلفت عبارات السلف رضي الله عنهم في الاعتصام بحبل الله تعالى
بعد إشارتهم كلهم إلى هذا المعنى، فقال ابن عباس رضي الله عنهما:
الاعتصام بحبل الله هو التمسك بدين الله، وقال ابن مسعود: هو الجماعة(١)،
فإنها حبل الله الذي أمر به، وقال مجاهد وعطاء رضي الله عنهما: الاعتصام
بحبل هو التمسك بعهد الله، وهو اتباع كتابه العزيز وحدوده والتأدب بأدبه،
والحبل يطلق على العهد وعلى الأمان وعلى الوصلة وعلى السبب، وأصله
في استعمال العرب: الحبل في مثل هذه الأمور لاستمساكهم بالحبال عند
شدائد أمورهم، ويصلون بها المتفرق فاستعير اسم الحبل لهذه الأمور(٢).
وأما الاعتصام به فهو التوكل عليه والامتناع والاحتماء به(٣) والله أعلم.
قوله: (وهو حسبي ونعم الوكيل) ختم الخطبة بذلك، لأن الله تعالى وعد
من تحصن بها بالأمن من محل يخشاه، فقال تعالى: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ
(١) مدارج السالكين (٤٥٧/١-٤٥٨).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٢/ ١١).
(٣) مدارج السالكين (٤٥٩/١).

١٨٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لَّمْ يَمْسَسْهُمْ
(١) (٢)
سوء
وفي البخاري (٣): عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن حسبنا الله ونعم
الوكيل قالها إبراهيم عليّلام حين ألقي في النار، وقالها محمد وَ ل حين قالوا:
﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ﴾ ومعنى حسبنا الله: كافينا، قال النحاس: قول
الإنسان حسبي الله أحسن من حسبنا لما في ذلك من التعظيم(٤).
قوله: ونعم، هو فعل عند أهل البصرة للمدح، كبئس للذم، وفيها أربع
لغات كما في فخذ(٥)، والله أعلم.
قوله: الوكيل، وفي معنى الوكيل [١٤ / ب] عشرة أقوال(٦).
أحدها: المعين. والثاني: الكفيل، ذكرهما الماوردي(٧). والثالث: الموكول
إليه الأمور(٨)، وذكره الواحدي في وسيطه(٩) قال: وهو فعيل بمعنى مفعول.
(١) سورة آل عمران، الآيتان: ١٧٣ -١٧٤.
(٢) الاعلام (١/ ١٣٠)
(٣) صحيح البخاري (٤٥٦٣).
(٤) المجموع (٧٨/١)، والاعلام (١/ ١٣٠).
(٥) الإعلام (١ / ١٣١).
(٦) الإعلام (١ / ١٣١).
(٧) الاعلام (١ / ١٣١).
(٨) ذكره الثعلبي في تفسيره (٣/ ٢١٤).
(٩) التفسير الوسيط (٥٢٣/١).

١٨٧
مقدمة المؤلف
الرابع: المعتمد والملجأ، ذكره أيضًا، الخامس: القائم بالأمور المصلح لما يخاف
من فسادها، قاله ابن عطية (١). السادس: الشاهد والحافظ بالوفاء، قاله الثعلبي (٢).
السابع: الحفيظ ذكره الهروي(٣). الثامن: الكافي. التاسع: الكفيل بالرزق والقيام
على الخلق بما يصلحهم، ذكره البيهقي في الاعتقاد(٤). العاشر: الموكول إليه
تدبيره البرية، ذكره إمام الحرمين في الإرشاد(٥)، والله أعلم.
ولنشرع فيما قصدناه، أسأل الله الكريم إتمامه والنفع به لي ولإخواني
ولجميع المسلمين بسر محمد نَّه وآله الطيبين الطاهرين، آمين.
(١) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (٨٣/٢).
(٢) ذكره الثعالبى في الجواهر الحسان (٣٣٧/٣) و(٢٧٠/٤)
(٣) قال في تهذيب اللغة (٣٤/٢): قال ابن الأنباري: وقيل: الوكيل: الحافظ، وقيل: الوكيل:
الكفيل، فنعم الكفيل الله بأرزاقنا. وقال أبو إسحاق: الوكيل في صفة الله جل وعز: الذي
توكل بالقيام بجميع ما خلق.
(٤) الاعتقاد ص٥٩.
(٥) الارشاد (ص ١٥٣).

١٨٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الترغيب في الإخلاص والصدق والنية
١- عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعت رَسُول اللهِ وَّةِ يَقُول:
((انْطلق ثَلَاثَة نفر مِمَّن كَانَ قبلكُمْ حَتَّى آواهم الْمبيت إِلَى غَار فَدَخَلُوا
فانحدرت صَخْرَة من الْجَبَل فَسدتْ عَلَيْهِمِ الْغَارِ، فَقَالُوا: إِنَّه لا ينجيكم من
هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلَّا أَن تدعوا الله بِصَالِحِ أَعمالكُم، فَقَالَ رجلٍ مِنْهُمْ: اللَّهُمَّ كَانَ
لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كبيران وَكنت لا أغبق قبلهمَا أَهلا وَلَا مَالا فنأى بِي طلب
شجر يَوْمًا فَلم أرح عَلَيْهِمَا حَتَّى نَامَا فحلبت لَهما غبوقهما فوجدتهما نائمين
فَكرِهت أَن أغبق قبلهمَا أَهلا أَو مَالا فَلَبثت والقدح على يَدي أَنْتَظر
استيقاظهما حَتَّى برق الفجْر (زَاد بعض الروَاة والصبية يتضاغون عِنْد قدمي
فَاسْتَيْقَظَا فشربا غبوقهما) اللَّهُمَّ إِن كنت فعلت ذَلِك ابْتِغَاء وَجهك فَفرج عَنَّا
مَا نَحن فِيهِ من هَذِه الصَّخْرَة فانفرجت شَيْئًا لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجِ مِنْهَا، قَالَ
النَّبِيِوََّ: قَالَ الآخر: اللَّهُمَّ كَانَت لي ابنة عَم كَانَت أحب النَّاسِ إِلَيّ فأردتها
عَن نَفسهَا فامتنعت مني حَتَّى ألمت بهَا سنة من السنين فجاءتني فأعطيتها
عِشْرين وَمِائَة دِينَار على أَن تخلي بيني وَبَيْن نَفسهَا فَفعلت حَتَّى إِذا قدرت
عَلَيْهَا قَالَت لا يحل لَك أَن تفض الْخَاتم إِلَّا بِحقِّهِ فتحرجت من الْوُقُوعِ عَلَيْهَا
فَانْصَرَفت عَنْهَا وَهِي أحب النَّاسِ إِلَيّ وَتركت الذَّهَبِ الَّذِي أعطيتُهَا اللَّهُمَّ إِن
كنت فعلت ذَلِك ابْتِغَاء وَجهك فافرج عَنَّا مَا نَحن فِيهِ، فانفرجت الصَّخْرَة غير
أَنْهم لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجِ مِنْهَا، قَالَ النَّبِي ◌َّةٍ وَقَالَ الثَّالِث: اللَّهُمَّ إِنِّي

١٨٩
مقدمة المؤلف
اسْتَأْجَرت أجراء وأعطيتهم أجرتهم غير رجل وَاحِد ترك الَّذِي لَهُ وَذهب
فثمرت أجره حَتَّى كثرت مِنْهُ الْأَمْوَالِ فَجَاءَنِي بعد حِين فَقَالَ لي: يَا عبد الله أد
إِلَيّ أجري فَقلت كل مَا ترى من أجرك من الابل وَالْبَقْر وَالْغنم وَالرَّقِيقِ، فَقَالَ
يَا عبد الله: لا تستهزئ بِي فَقلت: إِنِّي لَا أستهزئ بك فَأَخذه كُله فساقه فَلم
يتْرك مِنْهُ شَيْئًا اللَّهُمَّ إِن كنت فعلت ذَلِك ابْتِغَاء وَجهك فافرج عَنَّا مَا نَحن فِیهِ،
فانفرجت الصَّخْرَة فَخَرجُوا يَمْشُونَ))(١).
وَفِي رِوَايَة أَن رَسُولِ اللهِ وَ لَ قَالَ: «بَيْنَمَا ثَلَاثَة نفر مِمَّن كَانَ قبلكُمْ يَمْشُونَ
إِذْ أَصَابَهُم مطر فأووا إِلَى غَار فانطبق عَلَيْهِم فَقَالَ بَعضهم لبَعض إِنَّه وَالله ◌َا
هَؤُلاءِ لَا ينجيكم إِلَّ الصدْق فَلیدع كل رجل مِنْكُم بِمَا يعلم أنه قد صدق فِیهِ
فَقَالَ أحدهم اللَّهُمَّ إِن كنت تعلم أنه كَانَ لي أجِير عمل لي على فرق من أرز
فَذهب وَتَركه وَإِّي عَمَدت إِلَى ذَلِك الْفرق فزرعته فَصَارَ من أمره إِلَى أَن
اشْتريت مِنْهُ بقرًا وَإِنَّهُ أَتَانِ يطْلب أجره فَقلت لَهُ اعمد إِلَى تِلْكَ الْبَقْر فَإِنَّهَا من
ذَلِك الْفرق، فساقها فَإِن كنت تعلم أَنِّي فعلت ذَلِك من خشيتك فَفرج عَنَّا
فانساحت عَنْهُم الصَّخْرَة ... )) فَذكر الحَدِيث قَرِيبًا من الأول. رَوَاهُ الْبُخَارِيّ
وَمُسلمٍ وَالنَّسَائِيّ وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ◌َ الَّةُ
بِاخْتِصَارِ وَيَأْتِي لَفظه فِي برِ الْوَالِدِين إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
(١) أخرجه البخاري (٢٢٧٢، ٢٣٣٣، ٣٤٦٥، ٥٩٧٤)، ومسلم (٢٧٤٣)، وأبو داود
(٣٣٨٧)، والنسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف (٨٤٦١)، وأحمد (١٨٠/١٠)،
وابن حبان (٨٩٧) من حديث ابن عمر. وأخرجه ابن حبان (٩٧١) من حديث أبي هريرة.

١٩٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قَوْله: (وَكنت لا أغبق قبلهمَا أَهلا وَلَّا مَالا) الغبوق: بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَة
هُوَ الَّذِي يشرب بالْعَشِي وَمَعْنَاهُ كنت لا أقدم عَلَيْهِمَا فِي شرب اللَّبن أَهلا وَلَا
غَيرهم، يتضاغون بالضاد والغين المعجمتين أَي يصيحون من الْجُوع،
السّنة: الْعَامِ المقحط الَّذِي لم تنْبت الأَرْض فِيهِ شَيْئًا سَوَاء نزل غيث أم لم
ينزل تفض الْخَاتم هُوَ بَتَشْديد الضَّاد الْمُعْجَمَة وَهُوَ كِنَايَة عَن الْوَطْء الْفرق
بِفَتْحِ الْفَاء وَالرَّاء مكيال مَعْرُوف فانساحت هُوَ بِالسِّين والحاء الْمُهْمَلَتَيْنِ أَي
تنحت الصَّخْرَة وزالت عَنِ الْغَار.
قوله: (وعن ابن عمر)، المراد به عبد الله بن عُمر بن الخطاب- وهو أحد
العبادلة الأربعة، وهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير
وعبد الله بن عمرو بن العاص، هكذا قال الإمام أحمد بن حنبل وسائر
المحدثين قبل الإمام أحمد بن حنبل، فابن مسعود قال: ليس هو منهم(١)،
وقد نظم بعض الفضلاء ذلك في بيتين فقال -عفا الله عنه-(٢):
إِنَّ الْعَبَادِلَةَ الْأَخْيَارَ أَرْبَعَةِ سُبَّلُ الْعِلْمِ لِلْإِسْلَامِ فِي النَّاسِ
ابْنُ الزُّبَيْرِ وَابْنُ الْعَاصِ وَابْنُ أَبِي حَقْصِ الْخَلِيفَةِ وَالْحَبْرُ ابْنُ عَبَّاسِ
ولا يطلق العبادلة اصطلاحًا على غيرهم وإن أطلقه الجوهري في صحاحه(٣)
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٢٦٧/١).
(٢) هو محمد بن عبد المحسن بن الحسن شرف الدين الأرمنتي، قاضي البهنسا انظر أعوان
النصر (٤ /٥٤٥-٥٤٧) والوافي بالوفيات (٢٤/٤-٢٥) وطبقات الشافعية (١٦٦/٩).
(٣) الصحاح (٥٠٥/٢) و(٦/ ٢٥٦٠) وليس فيهم عنده ابن مسعود كما ذكر المصنف تبعا
للنووي في تهذيب الأسماء واللغات (٢٦٧/١).

١٩١
مقدمة المؤلف
على ابن مسعود لتقدم وفاته، وإنما خص هؤلاء من العبادلة بالذكر لكونهم
من أصاغر الصحابة وفقائهم وتأخروا وأخذ عنهم العلم والرواية (١)، وأولاد
عمر بن الخطاب زَّاللَّهُ: عبد الله هذا، وحفصة، أمهما بنت مظعون الجمحية
وعبيد الله أمه مليكة الخزاعية(٢)، وعاصم أمه جميلة بنت عاصم(٣) وعبد الله
بن عمر هو القرشي العدوي المدني الصحابي الزاهد ابن الصحابي الزاهد،
أسلم مع أبيه قبل بلوغه، وهاجر قبل أبيه، وأجمعوا على أنه لم يشهد بدرًا
لصغره، وقيل: شهد أحدًا، وقيل: لم يشهدهما، روي له عن رسول الله وَخلود
ألف حديث وستمائة حديث، وثلاثون حديثا اتفق البخاري ومسلم منها
على مائة وسبعين حديثا، وانفرد البخاري بأحد وثمانين حديثا، ومسلم بأحد
وثلاثين حديثًا، روى عنه: أولاده الأربعة: سالم وحمزة وعبد الله وبلال
وخلائق لا يحصون من كبار التابعين (٤).
واعلم أن ابن عمر أحد الستة الذين هم أكثر الصحابة رواية عن رسول الله
وَخلقه، وهم: أبو هريرة ثم ابن عمر ثم أنس بن مالك ثم ابن عباس ثم جابر بن
عبد الله ثم عائشة رضي الله عنهم(٥)، وكان ابن عمر رضي الله عنهما شدید
(١) العدة في شرح العمدة (١٢٣/١-١٢٤)، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام (١ / ٤٦١).
(٢) هی ملیکة بنت جرول.
(٣) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٥) في ترجمة عمر وزاد: وفاطمة وزيد أمهما أم كلثوم بنت
على بن أبي طالب من فاطمة، رضى الله عنهم، ومجبر واسمه عبد الرحمن، وأبو شمحة
واسمه أيضا عبد الرحمن، وفاطمة، وبنات أخر.
(٤) تهذيب الأسماء واللغات (٢٧٨/١ -٢٧٩).
(٥) تهذيب الأسماء واللغات (٢٨٠/١).

١٩٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الاتباع لآثار الرسول وَله حتى إنه كان ينزل منازله، ويصلي في كل مكان
صلى فيه رسول الله وَيّة، وفي كل شيء من الأقوال والأفعال وفي الزهادة في
الدنيا وغير ذلك، وسيأتي الكلام على شدة اتباعه لآثار الرسول وَ له قريبًا إن
شاء الله تعالى، توفي ابن عمر رَقُولَلَهُ بمكة سنة ثلاث وسبعين بعد قتل ابن
الزبير بثلاثة أشهر وقيل بستة أشهر، وقال يحيى بن بكير: توفي. [١٥ / أ] ابن
عمر بمكة بعد الحج، ودفن بالمحصب، قال: وبعض الناس يقول توفي بفخ:
وفخ بالخاء المعجمة موضع بقرب مكة ومناقبه كثيرة مشهورة قاله النووي
في تهذيب الأسماء واللغات(١).
قوله وَله: (انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم)) الحديث، قال أهل اللغة:
النفر من الثلاثة إلى العشرة (٢) لا واحد له من لفظه، وكذلك الزود والرهط
والقوم والنساء وأشباه هذا من الألفاظ لا واحد لها من لفظها(٣)، وعن أبي
عثمان المازري(٤) أن البصريين أضافوا إلى رهط ونفر ولم يضيفوا إلى قوم
وبشر، فقالوا: إن ثلاثة نفر وتسعة رهط، ولم يقولوا: ثلاثة بشر وثلاثة قوم ؛
لأن بشرًا يكون للكثير وقومًا يكون القليل والكثير، ورهطًا ونفرًا لا يكونان
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٢٧٨/١-٢٨١).
(٢) العين (٢٦٧/٨)، الصحاح (٢/ ٨٣٣)، وجامع الأصول (١١/ ٣٣٤).
(٣) شرح النووي على مسلم (٧/ ٥٠)، وكفاية النبيه (٢٢١/٨)، والعدة (٨٠٤/٢)
(٤) كذا في الأصل وإنما هو المازنى أبو عثمان (٢٤٧هـ) بكر بن محمد بن حبيب المازني
النحوي إمام العربية صاحب التصريف. انظر وفيات الأعيان ١: ٩٢ ومعجم الأدباء ٢:
٢٨٠ والسيرافي ٧٤ وإنباه الرواة ١ : ٢٤٦.