النص المفهرس

صفحات 141-160

١٣٣
مقدمة المؤلف
وَخله ولقبه قيصر (١) أرسل إلى أبي سفيان يطلبه إلى مجلسه ليفحص عن حال
النبي ولو فقال أبو سفيان: إنه يأمرنا بالصلاة ونحوها وهو مذكور في حديث
في أول صحيح البخاري.
فائدة: كل من ملك الروم يقال له قيصر قال المطرز وابن خالويه وآخرون من
الأئمة كل من ملك المسلمين يقال له أمير المؤمنين، ومن ملك الحبشة يقال له
النجاشي، ومن ملك الروم يقال له قيصر، ومن ملك الفرس يقال له كسرى،
ومن ملك الترك يقال له خاقان، ومن ملك القبط يقال له فرعون [٤/ب]، ومن
ملك مصر يقال له العزيز ومن ملك اليمن يقال له تبع ومن ملك حمير يقال له
القَيْلُ بفتح القاف، وقيل: القيل أول درجة من الملك(٢)، انتهى.
سؤال: لم كانت بسم الله الرحمن الرحيم تسعة عشر حرفا؟ فالجواب:
إنما كانت تسعة عشر حرفًا.
قيل: لأن الله تعالى خلق رؤساء الزبانية على جهنم تسعة عشر ملكًا كما
قال الله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾(٣) وأتباعهم لا يحصيهم إلا الله تعالى
فمن قرأ بسم الله الرحمن الرحيم كفاه الله بكل حرف منها واحدًا من الزبانية
التسعة عشر ولم يسلطهم عليه ببركة ذكر اسمه تعالى انتهى قاله في كشف
(١) الكواكب الدرارى (١/ ٥٣).
(٢) إكمال المعلم (٤١٣/٣-٤١٤)، وتهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٦٥) وشرح النووى
على مسلم (٧/ ٢٣).
(٣) سورة المدير، الآية: ٣٠.

١٣٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الأسرار(١)، ذكره النووي في شرح مسلم عن رويفع عن الأعمش عن أبي
وائل عن عبد الله بن مسعود قال: من أراد أن ينجيه الله تعالى من الزبانية
التسعة عشر فليقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ليجعل الله تعالى له بكل حرف
منها وقاية من كل واحد(٢)، قال الله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةً عَشَرَ﴾ وهم
يقولون في أفعالهم ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
تنبيه: الرحمن صفة مبالغة من الرحمة بنيت على فعلان لأن رحمته
وسعت كل شيء، والرحيم يقال لمن كثر منه ذلك، وقال الفارسي: إنما
جيء بالرحيم بعد استغراق الرحمن بمعنى الرحمة لتخصيص المؤمنين به في
قوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾(٣) كما قال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِى
خَلَقَ ٥ خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ ﴾﴾(٤) فخص بعد أن عم لما في الإنسان
من أنواع الحكمة انتهى، قاله الكمال الدميري(6).
تنبيه أيضًا: يتعلق ببسم الله الرحمن الرحيم: قال النووي في شرح
مسلم (٦): قال الكتاب من أهل العربية إذا قيل باسم الله تعين كتبه بالألف
وإنما تحذف الألف إذا كتب بسم الله الرحمن الرحيم بكمالها وقال غيره
(١) كشف الأسرار (لوحة ٤).
(٢) راجع تفسير القرطبي (٩٢/١)، وابن كثير (١٢٠/١).
(٣) سورة الأحزاب، الآية: ٤٣.
(٤) سورة العلق، الآيتان: ١-٢.
(٥) النجم الوهاج (١٨٨/١).
(٦) شرح النووي على مسلم (١١٠/١٣).

١٣٥
مقدمة المؤلف
لكثرة تكررها كذا علله أهل الأدب والكلام الآن على الحمد من وجوه،
أحدها: في حد الحمد، والحمد هو الثناء الكامل على المحمود بذكر صفته
الجميلة وأفعاله الحميدة سواء كان في مقابلة نعمة أم لا .
وقال الإمام فخر الدين في تفسيره (١): هو عبارة عن كل فعل يشعر بتعظيم
المنعم لكونه منعما، والفعل إما بالقلب وهو اعتقاد كونه موصوفا بصفات
الجلال، وإما باللسان وهو أن يذكر ألفاظًا دالة على اتصافه بصفات الكمال، وإما
بالجوارح وهو أن يأتي بأفعال دالة على ذلك انتهى، الثاني: اختلف العلماء هل
الحمد المقيد أفضل أم المطلق؟ فذهب جمع من الخراسانيين إلى تفضيل الأول
كقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَيْنَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَا أَنْ هَدَلِنَا اُللَّهُ﴾(٢)،
وقالوا: من حلف ليحمدن الله بأجل المحامد فطريقه أن يقول: الحمد لله
حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، وذهبت طائفة من متكلمي المغاربة إلى
ترجيح المطلق لتشعب جميع المحامد به، الوجه الثالث: التحميد أكمل من
التسبيح كما قال الإمام فخر الدين، وأجاب عن تقديم التسبيح على التحميد
في قوله عليه الصلاة والسلام سبحان الله والحمد لله بأن الحمد يدل على
التسبيح لأن معنى التسبيح التنزيه من النقائص والتحميد فيه مع ذلك أنه
محسن إلى خلقه فهو أكمل، الوجه الرابع: نبه الإمام فخر الدين. [٥/ أ] في
تفسيره على أن من قال: الحمد لله فتحت له أبواب الجنة الثمانية لأن الحمد
(١) مفاتيح الغيب (١ / ١٩٧).
(٢) سورة الأعراف، الآية: ٤٣.

١٣٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
لله ثمانية أحرف وأبواب الجنة ثمانية لذلك الخامس في أحكام الحمد لله
وهو ينقسم أربعة أقسام واجب ومندوب ومكروه وحرام، أما الأول: فهو
واجب في الجملة (تعلقا أي يتعلق بأسمع]، وعند المعتزلة عقلا، ومن أمثلة
هذا القسم الابتداء به في الخطبة فإنه ركن فيها، وأما الثاني: وهو المندوب
فمن أمثلته الخُطبة عند الخِطبة وعند العقد وعند ابتداء الدعاء وبعد الأكل
والشرب والعطاس والخروج من الخلاء وعند النوم واليقظة ونحو ذلك،
وأما الثالث وهو المكروه فمن أمثلته الأماكن المستقذرة تنزيها لها كالمزبلة
والمجزرة والأحوال المستكرهة كفرط الشبع والنوم ومدافعة الأخبثين، وقد
نص القرافي(١) - رحمه الله - على كراهة الدعاء في ذلك كله، وما أحسن ما
حكي عن سري السقطي أنه بقي يستغفر الله تعالى ثلاثين سنة في قوله الحمد
لله لوقوع حريق ببغداد أتى على دورها ودکاکینها فبلغه أن دكانه سلم فحمد
الله تعالى على ذلك ثم راجع نفسه وقال: كان الواجب أن يحزنني ما أصاب
إخواني المؤمنين؛ وأما الرابع: فهو حرام على الفرج بوقوع معصية وأوجب
بعض العلماء في الأمور الدنيوية ليكون لها عاقبة محمودة واستحبه في الدينية
لأنها طاعة.
قوله: الله: هو اسم للمعبود بحق الجامع لصفات الإلهية (٢) وهو الباري
سبحانه وتعالى وهو أعظم الأسماء وأجمعها وأكثرها استعمالا ولذلك لم
(١) في الفروق (٢٩٩/٤).
(٢) المقصد الأسنى (ص ٦١).

١٣٧
مقدمة المؤلف
يثن ولم يجمع وذكر في القرآن في ألفين وثلاثمائة وستيناً موطنا وأشهر
الأقوال أنه مشتق(١) قال العلماء: واللام فيه لام الإضافة ولها معان الملك
والاختصاص وغير ذلك(٢) فجاءت هنا إشارة إلى استحقاقه تعالى لذلك
وإخلاص العبودية له دون من سواه انتهى قاله في شرح الإلمام.
وقرن الحمد لله دون أسمائه لأنه اسم الذات بخلاف الرحمن وغيره
فيستحق جميع صفاته الحسنى، قال البندنيجي: وأكثر أهل العلم على أن هذا
الاسم هو الاسم الأعظم ومن خواص هذا الاسم أنك متى حذفت من خطه
حرف بقي دالا عليه تبارك وتعالى فإن حذفت الألف بقي لله، وإن حذفت
اللام الأولى وأبقيت الألف بقي إله، وإن حذفتهما معا بقي: ﴿لَهُ مُلْكُ
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضُِ﴾(٣) وإن حذفت الثلاثة بقي هو الحي القيوم لا إله إلا هو.
قوله: المبدئ المعيد، من أسمائه تعالى لأنه هو الذي أنشأ الأشياء
واخترعها ابتداء من غير سابق مثال قاله في النهاية (٤)، وقال القشيري في شرح
الأسماء الحسنى(٥): المبدئ معناه الموجد لكن الإيجاد إذا لم يكن مسبوقًا
بمثله سمي إبداء وإذا كان مسبوقا بمثله سمي إعادة والله تعالى بدأ خلق
(١) النجم الوهاج (١٨٩/١).
(٢) تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٧٠)، وشرح النووي على مسلم (٥٨/٦).
(٣) سورة البقرة، الآية: ١٠٧.
(٤) النهاية (١ / ١٠٣).
(٥) شرح الأسماء الحسنى (ص ٢٠٣) المقصد الأسنى (ص ١٣١).

١٣٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الناس ثم هو الذي يعيدهم أي يحشرهم والأشياء كلها منه بدأت وإليه تعود
وبه بدأت وبه تعود.
تنبيه: المبدئ من العبيد [٥/ ب] هو الذي أطلعه الله علی إبدائه فهو يشهد
ابتداء الخلق فيبدئ بإذنه ما يبدئ من الخيرات قاله القشيري (١).
قوله: المعيد، المعيد: هو الذي يعيد الخلق ويبعثهم يوم القيامة قاله
القشيري (٢)، وقال في النهاية(٣): المعيد هو الذي يعيد الخلق بعد الحياة إلى
الممات في الدنيا وبعد الممات إلى الحياة يوم القيامة، ومنه الحديث: ((إن
الله يحب الرجل القوي المبدئ المعيد على الفرس المبدئ المعيد)) أي:
الذي أبدأ في غزوه وأعاد فغزى مرة بعد مرة أو جرب الأمور طورًا بعد طور
والفرس المبدئ المعيد هو الذي غزى عليه صاحبه مرة بعد أخرى.
وقيل: هو الذي قد ريض وأدب فهو طوع راكبه ومنه الحديث ((واصلح
لي آخرتي التي فيها معادي)» (٤) أي: ما نعود إليه يوم القيامة، انتهى.
تنبيه: المعيد من العبيد هو الذي أطلعه الله تعالى على إعادته الخلق،
والأمور كلها إليه فيعيد بإذنه ما يجب إعادته عليه ويشهد عاقبته ومعاده في
عافية وسعادة على أحسن ما يكون(٥).
(١) اصطلاحات الصوفية للقاشانى - ص ١٣٨.
(٢) شرح الأسماء الحسنى (ص ٢٠٣).
(٣) النهاية (٣١٦/٣).
(٤) جزء من حديث أخرجه مسلم رقم (٢٧٢٠).
(٥) اصطلاحات الصوفية (ص ١٣٨) للقاشانى.

١٣٩
مقدمة المؤلف
قوله: الغني، قال في النهاية(١): الغني: هو الذي لا يحتاج إلى أحد في
شيء، وكل أحد يحتاج إليه، وهذا هو الغني المطلق، ولا يشارك الله تعالى
فيه غيره، ومن أسمائه ((المغني)) وهو الذي يغني من يشاء من عباده. انتهى.
تنبيه: الغني من العبيد: هو الذي أغناه الله عن جميع الخلائق وأعطاه كلما
احتاج إليه من غير مسألة منه إلا بلسان الاستعداد لتحققه بفقره الذاتي
وافتقاره إليه بجوامع هممه (٢)، انتهى قاله القشيري.
قوله: الحميد، أي المحمود على كل حال فعيل بمعنى مفعول قاله في
النهاية(٣)، وقال القشيري: الحميد هو المحمود المثنى عليه والله تعالى هو
الحميد بحمده لنفسه أزلا وبحمد عباده له أبدا ويرجع بهذا إلى صفات
الجلال والعلو والكمال فالحميد المطلق هو الله تعالى (٤).
تنبيه: الحميد من العبيد من حمدت عقائده وأخلاقه وأعماله من غير
مثنوية وذلك محمد ﴾ ومن يقرب منه من الأنبياء ومن عداهم من الأولياء
والعلماء وكل واحد منهم حميد بقدر ما يحمد به من عقائده وأخلاقه
وأعماله وأقواله (وإذا كان لا يخلوا واحد عن مذمة ونقص وإن كثرت
محامده]، فالحميد المطلق هو الله تعالى(٥) انتهى كلام القشيري.
(١) النهاية (٣/ ٣٩٠).
(٢) اصطلاحات الصوفية للقاشانى، (ص ١٤٥).
(٣) النهاية (١ / ٤٣٦).
(٤) المقصد الأسنى (ص ١٣٠).
(٥) المقصد الأسنى (ص ١٣٠).

١٤٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: ومن أرشده إلى سبل النجاة ووفقه الرشد والإرشاد، والرشاد:
نقيض الغي، والسبل: الطرق، والنجاة ضد الهلكة.
قوله: ووفقه، التوفيق خلق قدرة الطاعة وتسهيل سبل الخير، وعكسه
الخذلان وهو خلق قدرة المعصية فالموفق في شيء لا يعصي الله فيه، وفي
الحديث ((لا يتوفق عبد حتى يوفقه الله تعالى))(١)، ولما كان التوفيق عزيزًا لم
يذكر في القرآن إلا في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ﴾(٢)، و﴿إِن يُرِيدَآ
إِصْلَحًا يُوَقِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَأْ﴾(٣) و﴿إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّ إِحْسَنَا وَتَوْفِيقًا﴾(٤) وفي أوائل
الإحياء: أن النبي وَلّ قال: ((قليل من التوفيق خير من كثير من العلم))(٥)
وذكره صاحب الفردوس: [٦ / أ] من حديث أبي الدرداء وقال: ((العقل بدل
العلم)) (٦).
لطيفة: اللطف أيضًا من الله التوفيق والعصمة، ومن أسمائه تعالى اللطيف
وهو الرفيق بعباده، قال السهيلي: لما جاء البشير إلى يعقوب وهو يهوذا
(١) النجم الوهاج (١/ ١٩٠).
(٢) سورة هود، الآية: ٨٨.
(٣) سورة النساء، الآية: ٣٥.
(٤) سورة النساء، الآية: ٦٢.
(٥) إحياء علوم الدين (١/ ٣٠)، وقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (ص٤١): لم أجد
لَهُ أصلا، وقد ذكره صَاحب الفردوس من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء وَقَالَ الْعقل بدل الْعلم وَلم
يُخرجهُ وَلَده فِي مُسْنده.
(٦) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٤٩/٦٠). وضعفه الألباني في ضعيف الجامع
(٤١٠٩).

١٤١
مقدمة المؤلف
أعطاه يعقوب في البشارة كلمات كان يرويها عن أبيه عن جده عليهما الصلاة
والسلام وهي: يا لطيفًا فوق كل لطيف ألطف بي في أموري كلها كما أحب
ورضني في دنياي وآخرتي؛ ولما خرج يوسف عَلانه من السجن ودخل على
ملك مصر [الريان بن الوليد] قال: اللهم إني أسألك بخيرك من خيره وأعوذ
بعزتك وقدرتك من شره انتهى قاله الكمال الدميري(١).
قوله: وما هجس وما كمن، أي ما يخطر ويدور في الضمائر من الأحاديث
والأفكار، ومنه قوله في الحديث: ((وما هو إلا شيء هجس في نفسي)) قاله في
النهاية(٢).
قوله: وهو أقرب إلى كل مريد من حبل الوريد أقرب معناه أعلم به من
حبل الوريد لأن أبعاضه وأجزاءه يحجب بعضها بعضًا ولا يحجب علم الله
شيء، وحبل الوريد: هو الوريد أضيف إلى نفسه لاختلاف اللفظين (٣)
والوريدان عرقان بين الأوداج وبين الكتفين(٤) وهما صفحتا العنق تزعم
العرب أنه من الوتين(6)، والوتين عرق مستبطن القلب أبيض غليظ كأنه
قصبة معلق بالقلب يسقي كل عرق في الإنسان(٦) وهو المذكور في قوله
(١) النجم الوهاج (١ / ١٩٠).
(٢) النهاية (٢٤٧/٥).
(٣) تفسير البغوى (٣٥٨/٧).
(٤) قاله أبو زيد تهذيب اللغة (١٤/ ١١٨).
(٥) الصحاح (٢/ ٥٥٠).
(٦) الإبانة (٧/٣).

١٤٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
تعالى: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ اٌلْوَتِينَ ﴾﴾(١)، ويقال لمتعلق القلب من الوتين
النياط وسمي نياطا لتعلقه بالقلب وسمي الوريد وريدا لأن الروح ترده (٢)
وحبل الوريد إذا قطع مات صاحبه(٣) والله أعلم.
قوله: أحمده، وهو أهل الحمد والتمجيد وقال المولى العلامة فخر الدين
محمد الرازي(٤): الحمد لله أولى من أحمد الله لأنه أعم فائدة لأنه تعالى كان
محمودا قبل حمد الحامدين بخلاف الثاني فإنه يفيد حمده فقط والألف
واللام في الحمد لله لاستغراق الجنس أي الحمد على تنوعه لله وهو يقتض
الذم وتقدم على الحمد مبسوطًا.
قوله: وأشكره، الشكر مثل الحمد إلا أن الحمد أعم منه فإنك تحمد
الإنسان على صفاته الجميلة وعلى معروفه ولا تشكره إلا على معروفه دون
طبقاته، والشكر مقابلة النعم بالقول والفعل والنية فيثني على المنعم بلسانه
ويذيب نفسه في طاعته ويعتقد أنه موليها وهو من شكرت الإبل يشكر إذ
إصابت مرعى فسمنت عليه قاله في النهاية(٥)، وقال في شرح الإلمام(٦):
والذي يتحرر أن الشكر يطلق على الفعل والقول جميعا لقوله تعالى:
(١) سورة الحاقة، الآية: ٤٦.
(٢) الإبانة (٧/٣).
(٣) الكواكب الدرارى (١٦٤/١٨).
(٤) تفسير الرازي (١ / ١٩١).
(٥) النهاية (٤٩٣/٢).
(٦) انظر شرح الإلمام بأحاديث الأحكام (١١/١) لابن دقيق العيد.

١٤٣
مقدمة المؤلف
﴿أَعْمَلُوْ ءَالَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾(١)، ولقوله عليه الصلاة والسلام حين ذكر له
عمله في قيام الليل ((أفلا أكون عبدا شكورًا))(٢) فالشكر مقابلة النعمة بالقول
والعمل في الاعتقاد، قال الشاعر:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبا
وبينه وبين الحمد عموم وخصوص من وجه، ومنه: الحمد رأس الشكر،
ما شكر الله عبد لا يحمده، كما أن كلمة الإخلاص رأس الإيمان وإنما كان
رأس الشكر لأن فيه إظهار النعمة [والإشادة] بها، [٦/ ب] ولأنه أعم منه فهو
شكر وزيادة، وفي حديث الدعاء: سبحانك اللهم وبحمدك انتهى.
فائدة: قال في تهذيب النفوس الشكر من أعلى المقامات وهو فوق الرضا فإنه
يتضمن الرضا وزيادة، والإيمان نصفان نصف شكر ونصف صبر(٣) وحقيقته في
العبودية ظهور أثر نعمة الله على [لسان] عبده ثناء واعترافا وعلى قلبه شهودًا
ومحبة وعلى جوارحه انقيادًا وطاعة(٤)، وحد الشكر الاعتراف بنعمة المنعم
على وجه الخضوع، وقيل: الثناء على المحسن بذكر إحسانه(٥)، وقال الجنيد:
الشكر أن لا ترى نفسك أهلا للنعمة فشكر العامة على المنعم والملبس وقوت
الأبدان وشكر الخاصة على التوحيد والإيمان وقوت القلوب (٦) انتهى، وقال
(١) سورة سبأ، الآية: ١٣.
(٢) أخرجه البخاري رقم (١١٣٠)، ومسلم رقم (٢٨١٩).
(٣) مدارج السالكين (٢/ ٢٣٢).
(٤) مدارج السالكين (٢/ ٢٣٤).
(٥) مدارج السالكين (٢/ ٢٣٤).
(٦) مدارج السالكين (٢٣٥/٢).

١٤٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
داود عليه الصلاة والسلام: يارب كيف أشكرك وشكري نعمة على من عندك
تستوجب بها شكرًا فقال: [الآن شكرتني يا داود](١).
وفي خبر آخر إسرائيلي: أن موسى عليه الصلاة والسلام قال: يارب
خلقت آدم بيدك وأنفخت فيه من روحك وأسجدت له ملائكتك وعلمته
أسماء كل شيء وفعلت وفعلت، فكيف إطلاق شكرك، فقال الله عز وجل:
((علم أن ذلك مني فكانت معرفته بذلك شكرًا لي))(٢).
وفي أثر إلهي يقول الله تعالى: أهل ذكري أهل مجالستي وأهل شكري أهل
زيادتي وأهل طاعتي أهل كرامتي وأهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي إن ماتوا
فأنا أحييهم وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من
المعايب(٣). وقيل: من كتم النعمة فقد كفرها ومن ذكرها ونشرها فقد
شكرها (٤)، وهذا من قوله {َّله: ((إن الله إذا أنعم على عبد نعمة أحب أن يرى
أثر نعمته على عبده))(٥). وفي هذا قيل (٦):
(١) مدارج السالكين (٢٣٥/٢).
(٢) مدارج السالكين (٢٣٦/٢).
(٣) انظر تفسير الثعلبي (١٩٥/١)، ومدارج السالكين (٢٣٦/٢).
(٤) مدارج السالكين (٢٣٦/٢).
(٥) أخرجه أحمد في مسنده (١٥٩/١٣) رقم (١٩٩٣٣)، والروياني في مسنده رقم (٩١)،
والطحاوي في شرح مشكل الآثار رقم (٣٠٣٧)، والطبراني في المعجم الكبير (١٣٥/١٨) رقم
(٢٨١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣٨٥/٣) رقم (٦٠٩٣)، وصححه الألباني في
صحيح الجامع (١٧١٢).
(٦) بصائر ذوي التمييز (٣/ ٣٤٠) ونسب لأبي تمام.

١٤٥
مقدمة المؤلف
ومن الرزيّة أنّ شكري صامت عما فعلت وأنّ برّك ناطق
أأرى الصنيعة منك ثم أسرّها
إني إذن ليد الكريم السارق
قوله: والشكر لدیه من أسباب المزید، ولدیه بمعنی عنده.
قوله: وأشهد الشهادة تكون بمعنى الحضور ومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا
يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾(١) أي لا يحضرون مواضع الزور كأعياد اليهود والنصارى،
قاله ابن عباس(٢)، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمّْةٌ﴾(٣)
أي من حضر [بمكة] رؤية الشهر فيلصمه قاله المبرد (٤) وتكون بمعنى القول
الملزم عند الحاكم فيكون بمعنى العلم وهو المراد هنا ومعنى أشهد أعلم
صلى الله
وأتبين، روى أبو داود والترمذي بإسناد صحيح عن أبي هريرة أن النبي
وَسِكُمْ
قال: ((كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء)) (٥) أي المقطوعة قاله
في النهاية(٦).
قوله: أن لا إله إلا الله، الإله: هو المعبود بحق وهو من أعظم أسماء الله
(١) سورة الفرقان، الآية: ٧٢.
(٢) تفسير القرطبى (١٣ /٧٩).
(٣) سورة البقرة، الآية: ١٨٥.
(٤) انظر الكامل (٤ / ١٠٤).
(٥) أخرجه أبو داود رقم (٤٨٤١)، والترمذي رقم (١١٠٦) وقال: هذا حديث حسن غريب،
وأحمد في مسنده (٢٠٦/١٤) رقم (٨٥١٨)، وابن حبان رقم (٢٧٩٦)، والبيهقي في
السنن الكبرى (٢٩٦/٣)، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (٤٥٢٠).
(٦) النهاية (١ / ٢٥٢).

١٤٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الحسنى، وقال ◌َّ: ((مفتاح الجنة لا إله إلا الله))(١)، وفي البخاري(٢): قيل
لوهب أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله، قال: بلى ولكن ليس مفتاح إلا وله
أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك)»، وفي رواية
غيره أن ابن عباس ذكر له قول وهب: فقال: صدق ولكن أنا أخبركم عن
الأسنان ما هي، فذكر الصلاة والزكاة [٧/ أ] وشرائع الإسلام(٣).
فائدة: وفي كلمة لا إله إلا الله أسرار، منها: أن جميع حروفها جوف ليس
فيها حرف شفهي إشارة إلى الإتيان بها من خالص الجوف وهو القلب، ومنها:
أنه ليس فيها حرف معجم إشارة إلى التجرد عن كل معبود سواه، ومنها: أنها
اثنا عشر حرفا كشهور السنة منها أربعة حرم وهي الجلالة حرف فرد وثلاثة
سرد وهي أفضل كلماتها كما أن الحرم أفضل السنة فمن قالها مخلصًا كفرت
عنه ذنوب سنة، ومنها: أن الليل والنهار أربع وعشرون ساعة وهي ومحمد
رسول الله أربعة وعشرون حرفًا كل حرف منها يكفر ذنوب ساعة (٤).
فائدة أيضًا: كلمة لا إله إلا الله فيها إثبات بعد نفي فلم كان النفي متقدمًا
على الإثبات، وهل لا قدم الإثبات على النفي، فقيل: الله لا إله إلا هو، وقيل
(١) أخرجه البزار في مسنده رقم (٢٦٦٠) وابن عدى في الكامل (١٧٢/٦) من حديث معاذ
بلفظ ((مفتاح الجنة شهادة أن لا إله إلا الله)). قال البزار: وشهر بن حوشب لم يسمع من
معاذ بن جبل.
(٢) باب ما جاء في الجنائز ومن كان آخر كلامه: لا إله إلا الله (٢/ ٧١).
(٣) النجم الوهاج (١/ ١٩٢).
(٤) النجم الوهاج (١/ ١٩٢).

١٤٧
مقدمة المؤلف
عنه جوابان، الأول: أنه إنما بدئ بالنفي ردًّا على زاعم الشريك ومدعيه لأنه
المناسب في اللسان أن يجاب مدعي الإثبات بالنفي ومدعي النفي بالإثبات،
الجواب الثاني: إنما قدم النفي على الإثبات ليُفَرِّغَ الموحدُ قلبه مما سوى الله
تعالى بلسانه كما فرغه بقلبه ليواطئ اللسان القلب فإذا فرغه أثبت فيه الله
حتی لا یکون مع الله غیره ومتی شغل قلبه بغیرہ لم یصح توحیدہ لأنه ليس
لله شريك والقلب المشغول بغير الله لا يصح شغله بالله في حال شغله بغير الله
إذ المشغول لا يشغل، فالله تعالى يقول: ((من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته
أفضل ما أعطي السائلين)) (١) قاله في كشف الأسرار(٢).
سؤال فيه بشرى: لم كانت لا إله إلا الله أربع كلمات فيظهر في الجواب أنه
لما كان النهار نصفين والليل نصفين كانت الأنصاف الأربعة فكانت
الكلمات بعدد هذه الأنصاف ليكون لمن قالها في اليوم والليلة مغفورا له
ذنوب ما عمل فيها قاله في الكشف أيضًا، قال السمرقندي: في كتاب
الأربعين: ويقال: من قال لا إله إلا الله هدمت عنه أربعة آلاف سيئة كل كلمة
تكفر ألف سيئة (٣).
(١) أخرجه البخاري في كتاب خلق أفعال العباد (ص١٠٩)، وفي التاريخ الكبير (١١٥/٢)،
والبزار في مسنده رقم (١٣٧)، والطبراني في الدعاء رقم (١٨٥٠)، والبيهقي في الشعب
رقم (٥٦٧) من حديث عمر، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة رقم (٤٩٨٩).
(٢) كشف الأسرار (لوحة ٣).
(٣) كشف الأسرار (لوحة ٣).

١٤٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
سؤال آخر يتعلق بقول لا إله إلا الله محمد رسول الله فيه بشرى أيضًا: لم
كانت سبع كلمات ولم كانت أربعة وعشرين حرفًا؟ فالجواب إنما كانت لا
إله إلا الله محمد رسول الله سبع كلمات لتكون بعدد أبواب جهنم فمن قالها
كفى شر أبواب جهنم السبعة، قال الإمام فخر الدين: وإنما كانت أربعة
وعشرين حرفا لتكون بعدد ساعات اليوم والليل إذ هي أربع وعشرون ساعة
فمن قالها كتب له بعدد كل حرف عبادة ساعة وغفرت له ذنوب ساعة اليوم
واللیلة أجمع(١)، انتهى.
لطيفة: وجد على حاشية في كتاب الشفا أن ببلاد الهند ريحان أحمر
مكتوب على ورقه لا إله إلا الله محمد رسول الله بأبيض بقلم القدرة (٢)
انتھی.
لطيفة أخرى: حكي في عجائب المخلوقات عن عبد الرحمن بن هارون
المغربي قال: ركبت بحر المغرب فوصلنا إلى موضع يقال له [٧/ ب]
البرطون وكان معنا غلام صقلي معه صنارة فألقاها في البحر فصاد بها سمكة
نحو الشبر فنظرنا فإذا خلف أذنها اليمنى مكتوب لا إله إلا الله وفي قفاها
محمد وخلف أذنها اليسرى محمد رسول الله انتهى، قاله في حياة الحيوان(٣).
قوله: وحده: هو مصدر في موضع نصب على الحال أي منفردا والواحد
(١) كشف الأسرار (لوحة ٣).
(٢) القبور (٢٧٤) لابن أبي الدنيا.
(٣) حياة الحيوان الكبرى للدميري (٤٠/٢).

١٤٩
مقدمة المؤلف
المنفرد الذي لا مثل له ولا نظير له وهو أعظم أسماء الله الحسنى(١).
قوله: لا شريك له، معناه: لا مشارك له في ملكه ولا في ذاته ولا في
صفاته(٢) فالشريك هو [المقارن] في الإيجاد والعدم تعالى عن ذلك، ولقد
أحسن أبو العتاهية في شعره حيث قال (٣):
أَمْ كَيْفَ يَجْحَدُهُ جَاحِدُ
أَیَا عَجَبًا كَيْفَ يُعْصَى الإِلَهُ.
عَلَيْكَ وَتَسْكِينَةٍ شَاهِدُ
وَلِلَّهِ فِي كُلِّ تَحْرِيِكَةٍ
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ (٤)
قوله: شهادة كافلة لي عنده بأعلى درجات أولى التوحيد كافلة، أي ضامن
والكفالة الضمان.
قوله: في دار القرار والتأبيد، ودار القرار هي الآخرة لأنها لا تزول.
وقوله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله هذا اللفظ ورد في صحيح مسلم(٥)
في التشهد، والعرب تقول مررت برجل محمدي أي كثير الخصال الحميدة
وألهم الله أهله أن يسموه ولما علم من حميد صفاته وفي المثل المشهور
الألقاب تنزل من السماء وسمي نبينا محمدًا وَّ لكثرة خصاله المحمودة(٦).
(١) النجم الوهاج (١/ ١٩٣).
(٢) النجم الوهاج (١/ ١٩٣).
(٣) ديوان أبي العتاهية- دار الكتب العلمية ص ٦٢.
(٤) الاعلام بفوائد عمدة الأحكام (١ / ٩٤-٩٥).
(٥) رقم (٤٠٢).
(٦) الكواكب الدرارى (١٤/ ١٣٤).

١٥٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
سؤال: لم كان اسم محمد وَل أربعة أحرف ولم كان [مح م د] ولم كان
على هذا الترتيب والشكل الخاص؟
الجواب: أما الأول وهو أن جعل اسمه أربعة أحرف فقال النيسابوري:
لأنَّ اسم الله تعالى أربعة أحرف فجعل اسمه أربعة أحرف ليوافق اسم الله
تعالى، وقد قرن الله تعالى اسم محمد ◌َّ باسمه في الشهادتين أثنى عليه
بذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾﴾(١) أي لا أذكر إلا وتذكر
معي، وقال حسان في هذا المعنى بمدحه وَلّ:
من الله من مشهود يلوح وَيشْهد
أغر عَلَيْهِ للنبوة خاتم
إِذا قَالَ فِي الْخمسِ الْمُؤَذِّنِ اشْهَدْ
وَضم الْإِلَه اسْم النَّبِي إِلَى اسْمه
فذو الْعَرْشِ مَحْمُودٍ وَهَذَا مُحَمَّد (٢)
وشق لَهُ من اسْمه لیجله
وأما حروف اسمه ومعانيها فقال قوم: إن معنى الميم محق الكفر
بالإسلام أو محو سيئات من أتبعه، وقيل: الميم منة الله على المؤمنين
بمحمد وَّ دل عليه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾(٣)، وقيل:
منذر ومبشر، وقيل: الميم ملك أمته، وقيل: الميم المقام المحمود، وأما
الحاء قيل لحكمه بين الخلق بحكم الله، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ
حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِىّ أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ
(١) سورة الشرح، الآية: ٤.
(٢) البداية والنهاية (٢٨٥/٦)، الخصائص الكبرى (١٣٤/١).
(٣) سورة آل عمران، الآية: ١٦٤.

١٥١
مقدمة المؤلف
وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا ﴾﴾(١)، وقيل: الحاء حياة أمته به، وأما [٨/ أ] الميم الثانية
مغفرة الله لأمته وقيل الميم الثانية منادي الموحدين وقيل ملك به وأما الدال
فهو الداعي إلى الله قال: الله تعالى: ﴿وَدَاعِيًّا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ ﴾(٢)، فهو
دليلهم في الدنيا ودليلهم في الآخرة إلى الجنة ذكره النيسابوري وأما وقوع
هذه الأحرف على هذا الترتيب والشكل الخاص فقيل لأن الله تعالى خلق
الخلق على صورة محمد وَلّ فالميم بمنزلة رأس الإنسان والحاء بمنزلة
اليدين وباطن الحاء كالبطن وظاهرها كالظهر والميم مجمع الإليتين
والمخرج وطرفا الدال كالرجلين شعر:
له اسم صوّر الرّحمن ربّي خلائقه عليه كما تراه
وتحت الرّأس قد خلقت يداه (٣)
له رجلٌ وفوق الرّجل ظهرٌ
وفي اسمه ﴾ عشر خصائص أضاف الله تعالی اسمه إلى نفسه.
والثانية تخليقه الخلق على صورة اسمه.
والثالثة: قرن اسمه مع اسمه.
والرابعة: كتب اسمه على ساق العرش، ويروى أن تعالى لما خلق العرش
اضطرب فلما كتب عليه اسم محمد وَّ سكن، وفيه تنبيه على أن هذا
المخلوق الأكبر لم يسكن حتى كتب عليه اسم هذا المخلوق الأكبر.
(١) سورة النساء، الآية: ٦٥.
(٢) سورة الأحزاب، الآية: ٤٦.
(٣) قال الصالحي في سبل الهدى والرشاد (٤٠٩/١): فيه تكلف.

١٥٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
والخامسة: اشتق اسمه من اسمه المحمود.
والسادسة: جري سفينة نوح باسمه.
والسابعة: وافق اسمه اسم الله تعالى في عدد الحروف.
والثامنة: سخرت الشياطين لسليمان بذكر اسمه.
والتاسعة: تاب الله على آدم باسمه لقوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ،
كَلِمَتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ... ﴾(١) الآية، روي أن آدم ◌َالنَّاً لما رأى اسم محمد ◌َّ
مكتوبا على العرش قال: اللهم إني أسالك بحق محمد أن تتوب علي فتاب
(٢)
عليه (٢).
والعاشرة: كني آدم ◌َالَالما بأبي محمد دون سائر أولاده تكنى بأشرف بنيه
وولد عبده(٣)، قال الواسطي في تفسيره: العبودية أشرف من الرسالة ولهذا
قدم ذكر العبودية في قوله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وقال: أبو علي
الدقاق لا يوجد شيء أشرف من العبودية ولا اسم أتم للمؤمن من الوصف
بها كما قيل أنه قال: لا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أشرف أسمائي، ولذلك دعي
به النبي وَّ في مقام تنزل الوحي ومقام الإسراء(٤).
(١) سورة البقرة، الآية: ٣٧.
(٢) أخرجه الطبراني في المعجم الوسيط رقم (٦٥٠٢)، وفي المعجم الكبير (١٨٢/٢) رقم
(٩٩٢)، والآجري في الشريعة رقم (٩٩٢) وقال الألباني في السلسلة الضعيفة رقم (٢٥):
موضوع.
(٣) كشف الأسرار (لوحة ٣ و٤).
(٤) الرسالة (٣٤٩/٢).