النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١ =
المقدمة
قال أبو عمر: هذا عندي لا معنى له، لإجماعهم على أن الإسناد المتصل
بالصحابي، سواء قال فيه: قال رسول الله، وَله، أو أن رسول الله وَ ل قال،
أو: عن رسول الله أنه قال، أو سمعت رسول الله، پټێ، كل ذلك سواء عند
العلماء والله أعلم.
وأما التدليس:
فمعناه عند جماعة أهل العلم بالحديث: أن يكون الرجل قد لقي شيخا
من شيوخه فسمع منه أحاديث لم يسمع غيرها منه، ثم أخبره بعض
أصحابه، ممن يثق به عن ذلك الشیخ، بأحاديث غير تلك التي سمع منه،
فيحدث بها عن الشيخ دون أن يذكر صاحبه الذي حدثه بها، فيقول فيها:
عن فلان، يعني ذلك الشيخ.
وهذا لا يجوز إلا في الإسناد المعنعن، ولا أعلم أحدا يجيز للمحدث أن
يقول: أخبرني، أو حدثني، أو سمعت: من لم يخبره، ولم يحدثه، ولم يسمع
منه، وإنما يقول: اكتبوا ((فلان عن فلان))، كما لو قال مالك: اكتبوا:
مالك عن نافع، أو ابن عيينة يقول: اكتبوا سفيان عن عمرو بن دينار، أو
الثوري، أو شعبة يقول: اكتبوا سفيان أو شعبة عن الأعمش وهو قد سمعه
من رجل وثق به عن الذي حمله عنه.
وهذا أخف ما يكون في الذين لقى بعضهم بعضا، وأخذ بعضهم عن
بعض، وإذا وقع ذلك فيمن لم يلقه فهو أقبح وأسمج.
وسئل يزيد بن هارون عن التدليس في الحديث فكرهه وقال: هو من
التزین.

=
٤٢
فتح البر
باب بيان التدليس،
ومن يقبل نقله ويقبل مرسله وتدليسه،
ومن لا يقبل ذلك منه
قال أبو عمر:
الذي اجتمع عليه أئمة الحديث والفقه في حال المحدث الذي يقبل
نقله، ويحتج بحديثه، ويجعل سنة وحكما في دين الله: هو أن يكون حافظا
إن حدث من حفظه، عالما بما يحيل المعاني، ضابطا لكتابه إن حدث من
كتاب يؤدي الشيء على وجهه، متيقظا غير مغفل، وكلهم يستحب أن
يؤدي الحديث بحروفه؛ لأنه أسلم له، فإن كان من أهل الفهم والمعرفة،
جاز له أن يحدث بالمعنى، وإن لم يكن كذلك لم يجز له ذلك؛ لأنه لا يدري
لعله يحيل الحلال إلى الحرام. ويحتاج، مع ما وصفنا، أن يكون ثقة في دينه،
عدلا جائز الشهادة مرضیا، فإذا كان كذلك، وكان سالما من التدلیس،
کان حجة فيما نقل وحمل من أثر في الدین.
وجملة تلخيص القول في التدليس الذي أجازه من أجازه من العلماء
بالحديث، هو: أن يحدث الرجل عن شيخ قد لقيه وسمع منه، بما لم يسمع
منه وسمعه من غيره عنه، فيوهم أنه سمعه من شيخه ذلك، وإنما سمعه
من غيره، أو من بعض أصحابه عنه، ولا يكون ذلك إلا عن ثقة، فإن
دلس عن غير ثقة فهو تدليس مذموم عند جماعة أهل الحديث، وكذلك إن
دلس عمن لم يسمع منه فقد جاوز حد التدليس الذي رخص فیه من رخص
من العلماء إلى ما ينكرونه ويذمونه ولا يحمدونه. وبالله العصمة لا شريك
له.

٤٣
المقدمة
وكل حامل علم معروف العناية به، فهو عدل محمول في أمره أبدا على
العدالة، حتى تتبين جرحته في حاله، أو في كثرة غلطه، لقوله وَل ﴾ (( يحمل
هذا العلم من كل خلف عدوله))(١).
وسنذكر هذا الخبر بطرقه في آخر هذا الباب إن شاء الله .
قال صالح بن أحمد بن حنبل: حدثنا علي بن المديني، قال: سمعت
عبد الرحمن بن مهدي يقول: قال شعبة يوما: حدثني رجل، عن سفيان،
عن منصور، عن إبراهيم بكذا، ثم قال: ما يسرني أني قلت: قال منصور،
وأن لي الدنيا كلها .
وقد يكون المحدث عدلا جائز الشهادة، ولا يعرف معنى ما يحمل، فلا
يحتج بنقله، قال أحمد بن حنبل: سمعت يزيد بن هارون يقول: قد تجوز
شهادة الرجل ولا يجوز حديثه، ولا يجوز حديثه حتى تجوز شهادته، وقال
أيوب: إن بالبصرة رجلا من أزهدهم وأكثرهم صلاة عييا، لو شهد عندي
شهادة ما أجزت شهادته، یرید فکیف أقبل حديثه؟
وقال ابن مهدي : إني لأدعو الله لقوم قد ترکت حدیثهم.
حدثنا عبد الوارث بن سفیان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا
أحمد بن زهير، حدثنا الوليد بن شجاع، حدثنا سويد بن عبد العزيز، عن
مغيرة، قال: خرجنا إلى شيخ بلغنا أنه يحدث بأحاديث، فلما انتهينا إلى
إبراهيم قال: ما حبسكم؟ قلنا: أتينا شيخا يحدث بأحاديث، قال
إبراهيم: لقد رأيتنا وما نأخذ الأحاديث إلا ممن يعرف وجوهها، وأنا لنجد
الشیخ یحدث بالحدیث یحرف حلاله من حرامه وما یعلم.
(١) سيأتي تخريجه.

٤٤
فتح البر
وقال علي بن المديني : سمعت يحيى بن سعيد، يعني القطان، يقول:
ينبغي لصاحب الحدیث أن تكون فيه خصال: ينبغي أن یکون جید الأخذ،
ویفهم ما يقال له، ويبصر الرجال، ويتعاهد ذلك من نفسه.
وقد ذكرنا في باب أخبار مالك بعد هذا الباب قوله فيمن يؤخذ العلم
عنه، ومذهبه في ذلك هو مذهب جمهور العلماء.
والشرط في خبر العدل على ما وصفنا: أن یروی عن مثله سماعًا واتصالاً،
حتى يتصل ذلك بالنبي، وَله .
وأما الإرسال، فكل من عرف بالأخذ عن الضعفاء والمسامحة في ذلك، لم
يحتج بها أرسله، تابعيا كان أو من دونه، وكل من عرف أنه لا يأخذ إلا عن
ثقة فتدليسه ومرسله مقبول .
فمراسيل سعيد بن المسيب، ومحمد بن سيرين، وإبراهيم النخعي
عندهم صحاح، وقالوا: مراسيل عطاء والحسن لا يحتج بها؛ لأنهما كانا
يأخذان عن كل أحد، وكذلك مراسيل أبي قلابة وأبي العالية .
وقالوا: لا يقبل تدليس الأعمش؛ لأنه إذا وقف أحال على غير مليء،
يعنون: على غير ثقة، إذا سألته عمن هذا؟ قال: عن موسى بن طريف،
وعباية بن ربعي، والحسن بن ذكوان.
قالوا: ويقبل تدليس ابن عيينة؛ لأنه إذا وقف أحال على ابن جريج،
ومعمر، ونظائرهما .
أخبرني أبو عثمان سعيد بن نصر، رحمه الله، قال: حدثنا أبو عمر أحمد
ابن دحيم بن خليل، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي،
قال: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حدثنا سفيان بن عيينة يوما، عن زيد
ابن أسلم، عن علي بن الحسين، قال: (( يجزي الجنب أن ینغمس في الماء))

٤٥
المقدمة
قلنا: من دون زيد بن أسلم؟ قال: معمر. قلنا: من دون معمر؟ قال: ذاك
الصنعاني عبدالرزاق.
وروي عن ابن معين قال: كان ابن عيينة يدلس فيقول: عن الزهري،
فإذا قيل له: من دون الزهري؟ فيقول لهم: أليس لكم في الزهري مقنع؟
فيقال: بلى، فإذا استقصى عليه يقول: معمر. اكتبوا لا بارك الله لكم.
قال یحیی بن معین: وکان هشیم مدلسا، وکان الأعمش مدلسا، وكان
الوليد بن مسلم مدلسا .
حدثنا أبو عبد الله محمد بن رشيق، قال: حدثنا أبو الطيب أحمد بن
سليمان بن عمرو البغدادي، قال: حدثنا محمد بن محمد بن سليمان
الباغندي، قال: حدثنا علي بن عبد الله المديني، قال: حدثنا يحيى بن
سعيد القطان، عن سفيان الثوري، قال: حدثنا سليمان الأعمش، عن
إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر، عن النبي وَ ل﴿ قال: (( من بنى لله
مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة)) (١).
قال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد: قال سفيان وشعبة: لم يسمع
الأعمش هذا الحديث من إبراهيم التيمي.
قال أبو عمر:
هذه شهادة عدلین إمامین علی الأعمش بالتدلیس، و أنه کان يحدث
عن من لقیه بما لم يسمع منه، وربما كان بينهما رجل أو رجلان.
فلمثل هذا وشبهه قال ابن معين وغيره في الأعمش : إنه مدلس.
(١) أخرجه الطيالسي (ص ٦٢ رقم ٤٦١) البزار " مختصر زوائد" البزار (٢٦٠/٢٠٩/١)، هق
(٤٣٧/٢) وصححه ابن حبان: الإحسان (١٦١٠/٤٩٠/٤) من طرق عن الأعمش بهذا
الإسناد، وقال الهيثمي في المجمع (٢/ ١٠): رواه البزار والطبراني في الصغير ورجاله ثقات.

٤٦
فتح البر
حدثنا إسماعيل بن عبد الرحمن، حدثنا إبراهيم بن بكر بن عمران،
حدثنا محمد بن الحسين الأزدي، حدثنا عمران بن موسى، حدثنا أبو
موسى الزمن، حدثنا أبو الوليد، قال: سمعت أبا معاوية الضرير يقول:
كنت أحدث الأعمش عن الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن مجاهد،
فيجيء أصحاب الحديث بالعشي فيقولون: حدثنا الأعمش عن مجاهد
بتلك الأحاديث، فأقول: أنا حدثته عن الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن
مجاهد .
قال أبو عمر: التدليس في محدثي أهل الكوفة كثير، قال يزيد بن هارون:
لم أرَ بالكوفة أحدا إلا وهو يدلس، إلا مسعرا، وشريكا.
وذكر إسحاق بن إبراهيم، عن أبي بكر بن عياش، عن الأعمش، قال:
قال لي حبيب بن أبي ثابت: لو أن رجلا حدثني عنك بحديث، ما باليت
أن أرويه عنك.
وروی معاذ بن معاذ، عن شعبة قال : مارأيت أحدا إلا وهو یدلس، إلا
عمرو بن مرة وابن عون .
وقال يحيى بن سعيد القطان: مالك عن سعيد بن المسيب أحب إلي من
الثوري عن إبراهیم؛ لأنه لو کان شيخ الثوري فیه رمق، لبرح به وصاح.
وقال مرة أخرى: كلاهما عندي شبه الريح.
حدثنا خلف بن أحمد ، حدثنا أحمد بن سعيد، حدثنا سعيد بن عثمان ،
حدثنا الخشني، حدثنا أبو موسى الزمن، حدثنا الحسن بن عبد الرحمن،
عن ابن عون، قال: ذكر أيوب لمحمد يوما حديثا عن أبي قلابة فقال: أبو
قلابة رجل صالح، ولكن انظر عمن ذكره أبو قلابة.

٤٧
المقدمة
وحدثنا خلف بن أحمد، حدثنا أحمد بن سعيد، حدثنا الحضرمي،
حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أبي، حدثنا إسماعيل بن علية،
عن أيوب، قال: كان الرجل يحدث محمدا بالحديث فلا يقبل عليه ويقول:
والله ما أتهمك ولا أتهم ذاك، ولكن أتهم من بينكما .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا أحمد بن
زهير، حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حدثنا أبو داود، يعني، الطيالسي،
قال: قال شعبة: كنت أعرف إذا جاء ما سمع قتادة مما لم يسمع، كان إذا
جاء ما سمع يقول: حدثنا أنس بن مالك، وحدثنا الحسن، وحدثنا سعيد
ابن المسيب، وحدثنا مطرف. وإذا جاء مالم يسمع يقول: قال سعيد بن
جبير، وقال أبو قلابة.
وذکر أبو عيسى الترمذي؛ حدثنا حسین بن مهدي البصري، حدثنا عبد
الرزاق، حدثنا ابن المبارك، قال: قلت لهشيم: مالك تدلس، وقد
سمعت كثيرًا. قال: كان كبيراك يدلسان: الأعمش والثوري، وذكر أن
الأعمش لم يسمع عن مجاهد إلا أربعة أحاديث.
وقال : قال أبو عيسى: قلت لمحمد بن إسماعيل البخاري: لم يسمع
الأعمش من مجاهد إلا أربعة أحاديث قال: ريح، ليس بشيء، لقد
عددت له أحاديث كثيرة، نحو من ثلاثين أو أقل أو أكثر، يقول فيها:
حدثنا مجاهد .
قال البخاري : ولا أعرف لسفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت، ولا
عن سلمة بن كهيل، ولا عن منصور، وذكر مشايخ كثيرة، فقال: لا أعرف
لسفيان عن هؤلاء تدليسًا، ما أقل تد ليسه!
قال البخاري : وکان حمید الطویل یدلس.

فتح البر
٤٨
حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن سعيد قال: حدثنا أحمد بن
مطرف، قال: حدثنا سعيد بن عثمان الأعناقي، قال: حدثنا أبو يعقوب
إسحاق بن إسماعيل الأيلي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن زيد بن
أسلم، قال: قال عبد الله بن عمر: ((دخل رسول الله وَ خلال بني عمرو بن
عوف، يعني مسجد قباء يصلي فيه، ودخلت رجال من الأنصار يسلمون
عليه، ودخل معهم صهيب، فسألت صهيبا: كيف كان النبي وَلَه،
يصنع إذا سلم عليه؟ قال: يشير بيده))(١).
قال سفيان بن عيينة: فقلت لرجل: سل زيد بن أسلم، وفرقت أن
أسأله: هل سمعت هذا من ابن عمر؟ فقال له: يا أبا أسامة! أسمعته من
ابن عمر؟ قال زيد: أما أنا فقد رأيته .
قال أبو عمر: جواب زید هذا جواب حیرة عما سئل عنه، وفيه دلیل،
والله أعلم، على أنه لم يسمع هذا الحديث من ابن عمر، ولو سمعه منه
لأجاب بأنه سمعه، ولم يجب بأنه رآه، وليست الرؤية دليلا على صحة
السماع، وقد صح سماعه من ابن عمر لأحاديث، وقد ذكرنا ذلك في أول
بابه من هذا الکتاب، والحمد لله.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال:
حدثنا أحمد بن زهير، قال: حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا شعيب بن
حرب، قال: قال مالك بن أنس: كنا نجلس إلى الزهري، وإلی محمد بن
المنكدر، فيقول الزهري: قال ابن عمر: كذا وكذا، فإذا كان بعد ذلك،
(١) حم (١٠/٢)، الدارمي (٣١٦/١)، ن (١١٨٦/٩/٣)، جه (١٠١٧/٣٢٥/١)، هق
(٢٥٩/٢)، ك (١٢/٣) من حديث سفيان بن عيينة بهذا الإسناد، وقال الحاكم: حديث
صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.

٤٩
المقدمة
جلسنا إليه فقلنا له: الذي ذكرت عن ابن عمر، من أخبرك به؟ قال: ابنه
سالم.
وقال حبيب بن الشهيد: قال لي محمد بن سيرين: سل الحسن ممن سمع
حديث العقيقة؟ فسألته، فقال: من سمرة.
قال أبو عمر: فهكذا مراسيل الثقات، إذا سئلوا أحالوا على الثقات.
يقولون: لم يسمع الحسن من سمرة غير حديث العقيقة، هكذا قال ابن
معين وغيره، وقال البخاري: قد سمع منه أحاديث كثيرة، وصحح سماعه
من سمرة، فيما ذكر الترمذي أبو عيسى عن البخاري، فالله أعلم.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال:
حدثنا أحمد بن زهير، قال: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حدثنا محمد بن
جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن سليمان الأعمش، قال: قلت لإبراهيم:
إذا حدثتني حديثا فاسنده فقال: إذا قلت: عن عبد الله، يعني ابن
مسعود، فاعلم أنه عن غير واحد، وإذا سميت لك أحدا، فهو الذي
سميت .
قال أبو عمر:
إلى هذا نزع من أصحابنا من زعم أن مرسل الإمام أولى من مسنده؛ لأن
في هذا الخبر ما يدل على أن مراسيل إبراهيم النخعي أقوى من مسانيده؛
وهو لعمري كذلك، إلا أن إبراهيم ليس بعيار على غيره.
أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن شاكر، قال: حدثنا محمد بن يحيى بن عبد
العزيز، قال: حدثنا أسلم بن عبد العزیز، قال: حدثنا الربيع بن سليمان،
قال: حدثنا الشافعي، رحمه الله، قال: حدثنا عمى محمد بن علي بن
شافع، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير، قال: إني

٥٠
فتح البر
لأسمع الحدیث أستحسنه فما يمنعني من ذكره إلا كراهية أن يسمعه سامع
فيقتدي به، وذلك أني أسمعه من الرجل لا أثق به قد حدث به عمن أثق
به، أو أسمعه من رجل أثق به قد حدث به عمن لا أثق به فلا أحدث به .
قال أبو عمر:
هذا فعل أهل الورع والدين، كيف ترى في مرسل عروة بن الزبير، وقد
صح عنه ما ذكرنا ؟ أليس قد كفاك المؤمة؟ ولو كان الناس على هذا المذهب
کلهم، لم يحتج إلى شيء مما نحن فيه.
وفي خبر عروة هذا دليل على أن ذلك الزمان كان يحدث فيه الثقة وغير
الثقة، فمن بحث وانتقد كان إماما، ولهذا شرطنا في المرسل والمقطوع إمامة
مرسله وانتقاده لمن يأخذ عنه، وموضعه من الدين والورع والفهم والعلم.
حدثنا إسماعيل بن عبد الرحمن، حدثنا إبراهيم بن بكر بن عمران،
حدثنا محمد بن الحسين بن أحمد الأزدي الحافظ، قال: حدثنا علي بن
إبراهيم قال: حدثنا الربيع بن سليمان، قال: حدثنا الشافعي، قال:
أخبرني عمي محمد بن علي بن شافع، قال: حدثني هشام بن عروة، عن
أبيه عروة بن الزبير، قال: إني لأسمع الحديث استحسنه، فذكر كلام عروة
کما تقدم حرفا بحرف، إلى آخره، إلا أنه في آخره فأدعه لا أحدث به وزاد
قال الشافعي: كان ابن سيرين، وإبراهيم النخعي، وطاوس، وغير واحد
من التابعين، يذهبون إلى أن لا يقبلوا الحديث إلا عن ثقة يعرف ما يروى
ويحفظ، وما رأيت أحدا من أهل الحديث يخالف هذا المذهب.
قال أبو عمر:
ما أظن قول عروة هذا إلا مأخوذا من قوله الآية: (( من روی عني حديثا
يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين))(١).
(١) سيأتي بعد من حديث المغيرة بن شعبة وسمرة بن جندب.

المقدمة
وذلك أن كل من حدث بكل ما سمع، من ثقة وغير ثقة، لم يؤمن عليه
أن يحدث بالكذب، والله أعلم.
حدثني أحمد بن قاسم، وسعيد بن نصر، قالا: حدثنا قاسم بن أصبغ،
قال: حدثنا محمد بن إسماعيل، أبو إسماعيل الترمذي، قال: حدثنا نعيم
ابن حماد، قال: حدثنا ابن المبارك، قال: سمعت يحيى بن عبيد الله، قال:
سمعت أبي يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله اَل: (( كفى
بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع)) (١). قال ابن المبارك: وأخبرنا إسماعيل
ابن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: سمعت أبا بكر الصديق
يقول: ((إياكم والكذب فإنه مجانب الإيمان)).
وروینا عن الثوري، قال: قال حبيب بن أبي ثابت: الذي یروی الكذب
هو الكذاب.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال:
حدثنا بكر بن حماد، قال حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى القطان، وأخبرنا
عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا أبو علي
الحسن بن سلام السويقي، قال: حدثنا عفان بن مسلم، قالا: حدثنا
شعبة عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: عن سمرة بن جندب،
قال: قال رسول الله ێ: « من روی عنی حدیثًا وهو یری أنه كذب فهو
أحد الكذابين))(٢).
قال أبو عمر:
عند شعبة في هذا إسناد آخر: أخبرنا عبد الوارث بن سفيان، قال:
(١) م (١ / ٥/١٠). د (٥ / ٢٦٥ / ٤٩٩٢).
(٢) حم (١٤/٥)، م (٩/١) في المقدمة. جه (٣٩/١٥/١) في المقدمة. حب: الإحسان
(٢٩/٢١٢/١) من حديث شعبة عن الحكم بهذا الإسناد.

٥٢
فتح البر
حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا أبو علي الحسن بن أحمد بن سلام
السویقی، قال : حدثنا عفان بن مسلم، وعلي بن الجعد، قالا: حدثنا
شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي شبيب، عن المغيرة بن
شعبة، عن النبي ◌ُڑ، قال: «من حدث عني بحديث وهو یری أنه كذب
فهو أحد الكذابین))(١). ورواه الثوري عن حبيب بإسناده مثله.
حدثنا عبد الوارث ، قال: حدثنا قاسم، قال: حدثنا أحمد بن زهير،
قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت، عن
ميمون بن أبي شبيب، عن المغيرة بن شعبة، قال: قال رسول الله وَله .
فذكره(٢).
حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد، قال: حدثنا الميمون بن حمزة الحسني،
قال: حدثنا أبو جعفر الطحاوي، قال: حدثنا المزني، وحدثنا عبد الله بن
محمد بن يوسف، قال: حدثنا سليمان بن أيوب، قال: حدثنا أسلم بن
عبد العزيز، قال: حدثنا الربيع بن سليمان، قالا: حدثنا الشافعي، قال:
حدثنا سفيان بن عيينة، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة عن أبي
هريرة، قال: قال رسول الله وَلاير: ((حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج وحدثوا
عني ولا تكذبوا علي))(٣).
قال الشافعي رحمه الله: هذا أشد حديث روي في تخريج الرواية عمن لا
يوثق بخبره، عن النبي ◌َّ؛ لأنه وَ ﴾ معلوم منه أنه لا يبيح اختلاق
(١) م (٩/١) في المقدمة. ت (٣٥٢٦٦٢/٥). جه (٤١/١٥/١).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) أخرجه: حب: الإحسان (١٤ / ١٤٧ / ٦٢٥٤) من طريق سفيان عن محمد بن عمرو بهذا
الإسناد وبهذا اللفظ، وأخرجه: حم (٢/ ٤٧٤-٥٠٢)، د (٣٦٦٢/٦٩/٤)، من طرق عن
محمد بن عمرو به دون قوله (وحدثوا عني .. ). والحديث عند: خ (١٠ / ٧٠٧ /٦١٩٧)،
م (١/ ١٠/ ٣) في المقدمة، من طريق أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ :
«من كذب علي .. )).

المقدمة
٥٣_
الكذب على بني إسرائيل ولا على غيرهم، فلما فرق بين الحديث عن بني
إسرائيل، وبين الحديث عنه، وَله، لم يحتمل إلا أنه أباح الحديث عن بني
إسرائیل عن کل أحد وأنه من سمع منهم شيئا جاز له أن يحدث به عن کل
من سمعه منه، كائنا من كان، وأن يخبر عنهم بما بلغه؛ لأنه- والله أعلم-
ليس في الحديث عنهم ما يقدح في الشريعة ولا يوجب فيها حكما، وقد
كانت فيهم الأعاجيب، فهي التي يحدث بها عنهم، لا شيء من أمور
الديانة، وهذا الوجه المباح عن بني إسرائيل هو المحظور عنه ◌َلقول، فلا
ينبغي لأحد أن يحدث عنه ◌َله إلا عمن يثق بخبره، ويرضى دينه وأمانته؛
لأنها ديانة .
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان وسعيد بن نصر ، قالا: حدثنا قاسم بن
أصبغ قال: حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي، قال: حدثنا محمد بن
عبدالله الأنصاري، قال: حدثنا سليمان التيمي، عن أنس بن مالك،
قال: قال رسول الله ويلي: ((من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من
النار))(١). أخبرنا محمد بن عبد الملك، قال: أخبرنا محمد بن عبد الملك،
قال: أخبرنا ابن الأعرابي، قال: حدثنا سعدان بن نصر، قال: حدثنا
سفیان، عن هشام بن حجیر عن طاوس، قال: كنت عند ابن عباس
وبشیر بن کعب العدوي يحدثه، فقال ابن عباس: عد لحديث كذا وكذا،
فعاد له ثم إنه حدث فقال له ابن عباس عد لحدیث کذا وكذا، فعاد له ثم
إنه حدث، فقال له بشير: ما لك تسألني عن هذا الحديث من بين حديثي
كله أأنكرت حديثي كله وعرفت هذا؟ أو عرفت حديثي كله وأنكرت هذا؟
فقال له ابن عباس: ((إنا كنا نحدث عن رسول الله وَلقول، إذ لم یکن یكذب
(١) خ (١/ ١٠٨/٢٠١). م (٢/١٠/١) في المقدمة. ت (٢٦٦١/٣٥/٥). جه (٣٢/١٣/١)
من حديث أنس، وهو حديث متواتر.

٥٤
فتح البر
عليه، فلما ركب الناس الصعب والذلول، تركنا الحديث عنه))(١). وفي هذا
الحدیث دلیل علی أن الكذب على النبي پڑ قد کان أحس به ابن عباس في
عصره.
وقال رجل لابن المبارك: هل يمكن أن يكذب أحد على رسول الله وَ ليه؟
فانتهره، وقال: وما ذا من الكذب!
وقال حماد بن زيد: وضعت الزنادقة على رسول الله وَّر، اثني عشر ألف
حديث بثوها في الناس.
قال أبو عمر:
تخويف رسول الله ﴾﴾ أمته بالنار على الكذب، دليل على أنه كان يعلم
أنه سیكذب عليه له . .
حدثنا خلف بن قاسم، حدثنا أحمد بن الحسين بن إسحاق الرازي،
حدثنا أبو الزنباع روح بن الفرج القطان، حدثنا یحیی بن عبد الله بن بکیر،
ويزيد بن موهب، قالا: حدثنا الليث بن سعد، قال: حدثني ابن
شهاب، عن أنس بن مالك عن النبي وَّ﴾ قال: ((من كذب علي - قال
حسبت أنه قال متعمدًا - فليتبوأ بيته في النار))(٢) .
حدثنا عبد الوارث بن سفیان، حدثنا قاسم، حدثنا أحمد بن زهير،
حدثنا إبراهيم بن عبد الله الهروي، حدثنا أبو غياث أصرم بن غياث، قال:
حدثني أبو سنان ، عن هارون بن عنترة، قال: قال أبو هريرة: إن هذا
العلم دین، فانظروا عمن تأخذونه.
حدثنا عبد الوارث، حدثنا قاسم، حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا الوليد
(١) م (١ / ١٢ - ١٣) في المقدمة.
(٢) تقدم تخريجه .

المقدمة
٥٥ !
ابن شجاع، حدثنا ابن المبارك، عن ابن لهيعة، عن خالد بن يزيد، عن
عامر بن سعد، أن عقبة بن نافع قال لبنيه: يا بني لا تقبلوا الحديث عن
رسول الله اَللّه إلا من ثقه. وروينا عن ابن معين أنه قال: كان فيما أوصى به
صهيب بنيه أن قال: يا بني لا تقبلوا الحديث عن رسول الله وَّيقول إلا من ثقة.
وقال ابن عون: لا تأخذوا العلم إلا ممن شهد له بالطلب.
وفيما أجاز لنا عبد بن أحمد، وحدثناه عبد الله بن سعيد عنه، قال:
حدثنا علي بن عمر، قال: حدثنا محمد بن مسلم، حدثنا محمد بن هشام
ابن البختري، قال: حدثنا هشام بن هارون، حدثنا الحسين بن خالد، عن
حماد بن زيد، عن شعيب بن الحبحاب، قال: غدوت إلى أنس بن مالك،
فقال: يا شعيب! ما غدابك؟ فقلت: يا أبا حمزة! غدوت لأ تعلم منك،
وألتمس ما ينفعني. فقال: يا شعيب: إن هذا العلم دين فانظر ممن
تأخذه. وقال سعيد بن عبد العزيز: عن سليمان بن موسى، قال: لا يؤخذ
العلم من صحفي .
وقال القاسم بن محمد: أقبح من الجهل أن أقول بغير علم أو أحدث
عن غير ثقة .
حدثنا عبد الوارث، حدثنا قاسم، حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا أحمد بن
يونس ، حدثنا زائدة، حدثنا هشام بن حسان، قال: قال محمد بن
سیرین: انظروا عمن تأخذون هذا الحدیث فإنما هو دینکم.
حدثنا عبد الوارث، حدثنا قاسم، حدثنا أحمد بن زهیر، حدثنا إبراهيم
ابن محمد الشافعي، حدثنا فضيل بن عياض، عن هشام، عن ابن
سيرين، قال: إنما هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذونه(١).
(١) م (١ / ١٤) في المقدمة .

فتح البر
= ٥٦
حدثنا أحمد بن قاسم بن عيسى المقري، حدثنا أبو الحسن محمد بن أحمد
ابن سمعون ببغداد، حدثنا محمد بن محمد بن أبي حذيفة، حدثنا ربيعة بن
الحارث، حدثنا محمد بن زياد، حدثنا هشيم، عن المغيرة، عن إبراهيم،
قال: ان هذه الأحاديث دين فانظروا عمن تأخذون دينكم. قال المغيرة: كنا
إذا أتينا الرجل لنأخذ عنه، نظرنا إلى سمته وصلاته. وقد روى جماعة، عن
هشيم عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: كانوا إذا أتوا الرجل ليأخذوا عنه،
نظروا إلى هدیه وسمته وصلاته، ثم أخذوا عنه.
أخبرنا عبد الوارث، حدثنا قاسم، حدثنا أبو إسماعيل الترمذي حدثنا
ابن أبي أويس، قال: سمعت خالي مالك بن أنس يقول: إن هذا العلم
دين فانظروا عمن تأخذون دينكم، لقد أدركت سبعين ... فذكر
الحديث، وهو بتمامه في الباب الذي بعد هذا في أخبار مالك رحمه الله .
حدثنا خلف بن أحمد ، وعبد الرحمن بن يحيى، قالا: حدثنا أحمد بن
سعيد، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن النعمان، حدثنا محمد بن علي بن
مروان، قال: سمعت عفان بن مسلم، قال: سمعت يحيى بن سعيد
القطان يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: سألت شعبة وابن
المبارك والثوري ومالك بن أنس عن الرجل يتهم بالكذب، فقالوا: انشره
فإنه دين.
وروينا عن حماد بن زيد أنه قال: كلمنا شعبة في أن يكف عن أبان بن
أبي عياش لسنه وأهل بيته، فقال لي: يا أبا اسماعيل! لا يحل الكف عنه؛
لأن الأمر دین.
حدثنا خلف بن أحمد ، حدثنا أحمد بن سعيد، حدثنا أبو جعفر محمد بن
عمرو بن موسى العقيلي، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا الحسن بن

المقدمة
علي، قال: سمعت يزيد بن هارون يقول: حدث سليمان التيمي بحديث
عن ابن سیرین، فذكر له الحدیث، فقال له ابن سیرین: ما هذا يا سليمان
اتق الله ولا تكذب علي! فقال سليمان: إنما حدثنا مؤذننا، أين هو؟ فجاء
المؤذن، فقال سليمان: أليس حدثتني عن ابن سيرين بكذا وكذا؟ فقال:
إنما حدثنیه رجل عن ابن سيرين ! .
أخبرنا خلف بن قاسم، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق بن
مهران السراج، قال: حدثنا جعفر بن أحمد بن الفرج الدوري، قال:
حدثنا محمد بن سعيد بن غالب، قال: حدثنا نصر بن حماد، يعني الوراق،
قال: كنا قعودا على باب شعبة نتذاكر الحديث، فقلت: حدثنا إسرائيل ،
عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن عطاء، عن عقبة بن عامر الجهني، قال:
(كنا نتناوب رعية الإبل على عهد رسول الله وَلّر، فجئت ذات يوم والنبي
عليه السلام، حوله أصحابه، فسمعته يقول: من توضأ، ثم صلى ركعتين،
ثم استغفر الله، غفر له. قلت بخ بخ قال: فجذبني رجل من خلفي،
فالتفت، فإذا عمر بن الخطاب فقال: ما لك تبخبخ؟ فقلت: عجبا بها!
قال: لو سمعت التي قبلها كانت أعجب وأعجب. قلت: وما قال؟
قال: قال رسول الله وَ له: من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله،
قيل له: ادخل من أي أبواب الجنة شئت))(١) قال: قال نصر: فخرج علينا
شعبة فلطمني ثم رجع فدخل، قال: فتنحيت ناحية أبكى، ثم خرج
فقال: ما له بعد يبكي؟ فقال له عبد الله بن إدريس: إنك أسأت إليه،
قال: انظر ما يحدث به عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن
(١) الحديث بهذا السند رواه: ك (٣٩٩/٢ -٣٩٩)، من طريق أبي اسحاق بهذا الإسناد، وصححه
ووافقه الذهبي. والحديث أخرجه من طرق أخرى عن عقبة: حم (١٥٣/٤)،
م (٢٣٤/٢٠٩/١)، د (١٦٩/١١٨/١)، هق (٧٨/١) و(٢٨٠/٢).

فتح البر
عطاء، عن عقبة بن عامر، عن النبي وَلقول، أنا قلت لأبي إسحاق: من
حدثك؟ قال: حدثنا عبد الله بن عطاء، عن عقبة بن عامر، عن النبي وَل
فقلت لأبي إسحاق: أو سمع عبدالله من عقبة؟ قال : فغضب ومسعر بن
كدام حاضر، فقال لي مسعر: أغضبت الشيخ، فقلت ليصححن هذا
الحديث أو لأرمين بحديثه، فقال لي مسعر: هذا عبد الله بن عطاء بمكة،
قال شعبة: فرحلت إلى مكة لم أرد الحج، أردت الحديث، فلقيت عبد الله
ابن عطاء، فسألته، فقال: سعد بن إبراهيم حدثني، قال شعبة: فلقيت
مالك بن أنس، فسألته عن سعد، فقال: سعد بن إبراهيم بالمدينة لم يحج
العام، فرحلت إلى المدينة، فلقيت سعد بن إبراهيم بالمدينة، فسألته فقال:
الحدیث من عندکم، حدثني زیاد ابن مخراق، قال شعبة: فلما ذكر زياد بن
مخراق قلت أي شيء هذا؟ بینما هو کوفي، إذ صار مدنيا، إذ صار بصريا،
قال شعبة: فرحلت إلى البصرة، فلقيت زياد بن مخراق، فسألته فقال:
ليس الحديث من بانتك كذا، فقلت: حدثني به، قال: لاترده، قلت:
حدثني به، قال: حدثني شهر بن حوشب ، قلت: ومن لي بهذا الحديث،
لو صح لي مثل هذا عن رسول الله وَالر ، كان أحب إلي من أهلي ومالي ومن
الناس أجمعين. وذكره الدارقطني عن أبي عبيد القاسم بن إسماعيل
المحاملي، ومحمد بن مخلد بن حفص العطار، قالا: حدثنا أبو يحيى محمد
ابن سعيد بن غالب، قال: سمعت نصر بن حماد يقول: كنا قعودًا على باب
شعبة، فذكر مثله إلى آخره.
وقد روي هذا المعنى من وجوه عن شعبة، ولذلك ذكرته عن نصر بن
حماد؛ لأن نصر بن حماد الوراق يروي عن شعبة مناكير تركوه، وقد رواه
الطيالسي عن شعبة .
حدثنا خلف بن أحمد، حدثنا أحمد بن سعید، حدثنا أحمد بن خالد،
حدثنا أحمد بن عبد الله الصنعاني، قال سمعت أبا حفص يعني الفلاس

المقدمة
٥٩ =
يقول: سمعت أبا داود يقول: كنا عند شعبة فجاء بشر بن المفضل فقال
له: أتحفظ عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن عطاء، عن عقبة بن عامر،
عن النبي ◌ُّ: ما من مسلم يتوضأ؟ فضحك شعبة فقال بشر: إنّا نراك قد
سقط عنك حديث جيد من حديث أبي إسحاق، وتضحك. قال: فقال
شعبة: كنت عند أبي إسحاق فحدث بهذا الحديث، فقال: حدثني عبد الله
ابن عطاء، عن عقبة بن عامر، قال شعبة: وكان أبو إسحاق إذا حدثني
عن رجل لا أعرفه قلت أنت أكبر أم هذا؟ فقال: حدثني ذاك الفتى.
فتحولت، فإذا شاب جالس، فسألته فقال: صدق أنا حدثته، فقلت :
وأنت من حدثك؟ فقال: حدثني نعيم بن أبي هند، فأتيت نعيم بن أبي
هند، فقلت: من حدثك؟ قال: زياد بن مخراق، قال شعبة: فقدمت
البصرة فلقيت زياد بن مخراق فسألته، فقال: حدثني رجل من أهل البصرة
لا أدري من هو، عن شهر بن حوشب .
قال أبو عمر:
هكذا يكون البحث والتفتيش، وهذا معروف عن شعبة، ولهذا وشبهه
قال أبو عبد الرحمن النسائي: أمناء الله عزوجل على حديث رسوله ثلاثة:
مالك بن أنس، وشعبة بن الحجاج، ويحيى بن سعيد القطان.
قال أبو عمر:
الحديث الذي جرى ذكره بين شعبة وبشر بن المفضل من حديث أبي
إسحاق، حدثناہ سعید بن نصر، حدثنا قاسم ، حدثنا ابن وضاح، حدثنا
أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عبد الله
ابن عطاء، عن عقبة بن عامر، قال: كنا مع رسول الله وَّ، في سفر،
فکنا نتناوب الرعية، فلما كانت نوبتي سرحت، ثم رحت فجئت، ورسول
الله ◌َّ يخطب الناس، فسمعته يقول: ما من مسلم يتوضأ فيسبغ

٦٠
فتح البر
الوضوء، ثم يقوم في صلاته، فيعلم ما يقول فيها إلا انفتل وهو كيوم ولدته
أمه من الخطايا لیس علیه ذنب، قال فما ملکت نفسي عند ذلك أن قلت بخ
بخ(١).
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا أحمد بن
زهير، حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، قال: سمعت يحيى بن سعيد
القطان يقول: ما رأيت الكذب في أحد أكثر منه فيمن ينسب إلى الخير
والزهد. وقال عفان: سمعت محمد بن يحيى بن سعيد القطان يقول:
سمعت أبي يقول: ما رأيت الصالحين أكذب منهم في الحديث.
قال أبو عمر:
هذا معناه، والله أعلم، أنه ینسب إلى الخیر ولیس کما نسب إليه، وظن
به، وقد روى عن النبي ◌َّلو أنه قيل له: أيكون المؤمن كذابا؟ قال: لا(٢).
وهذا أيضا على أنه لا یغلب عليه الكذب، أو لا یکذب في دينه ليضل
غيره .
وقد تكلمنا على هذا المعنى في باب صفوان بن سلیم والحمد لله. حدثنا
خلف بن سعيد، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن علي، قال: حدثنا أحمد
ابن خالد، قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، وحدثنا إبراهيم بن شاكر،
قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عثمان، حدثنا سعيد بن حمید وسعید بن
عثمان، قالا: حدثنا أحمد بن عبد الله بن صالح، قال: حدثنا محمد بن
(١) المصدر السابق.
(٢) عزاه ابن الأثير في جامع الأصول (٨١٨٣/٥٩٨/١٠) للإمام مالك في الموطأ فقط.
وهو حديث مرسل. وقد روي بمعناه مرفوعا وموقوفا. والموقوف أشبه، وهو موقوف في حكم
المرفوع. نص على هذا في التعليق على جامع الأصول (٥٩٨/١٠) . ونقل عن ابن عبد البر
قوله: (لا أحفظ مسندا من وجه ثابت وهو حدیث حسن مرسل) وذكره المنذري في الترغيب
والترهيب (٢٣/٢٨/٤) وقال: رواه مالك هکذا مرسلا.