النص المفهرس

صفحات 561-580

الفرائض والوصية
٥٦١
وعمر بن الخطاب فمذهبهما في ذلك ما تكرر ذكره في كتابنا هذا من
أول الباب وذلك الأخذ بظاهر هذا الحديث في أموال بني النضير،
وفدك وخيبر، ان ذلك يسبل على حسب ما كان رسول الله وَلله، يسبله
في حياته كان ينفق منه على عياله وعامله سنة ثم يجعل باقيه عدة في
سبيل الله وعلى مذهب ابي بكر وعمر في ذلك جمهور أهل العلم من
اهل الحديث والرأي .
وأما عثمان بن عفان فكان يرى ان ذلك للقائم بأمور المسلمين
يصرفه فيما رأى من مصالح المسلمين ولذلك أقطعه مروان، وفعل
عثمان هذا ومذهبه هو قول قتادة الحسن : كانا يقولان في سهم ذي
القربى وسهم رسول الله وَ ل* وصفاياه ان ذلك كان طعمة لرسول الله
وَلَّ ما كان حيا فلما توفي صار لأولي الأمر بعده ويشبه أن يكون من
حجة من ذهب هذا المذهب حديث أبي الطفيل، ومثله اذا أطعم الله
نبيا طعمة فقبض فهي للذي يلي الامر بعده، وقد ذكرنا تأويل هذا
الحديث ومذهب راويه وهو ابو بكر رضي الله عنه، وكيف يسوغ
لمسلم أن يظن بأبي بكر رضي الله عنه منع فاطمة ميراثها من أبيها ؟
وهو يعلم بنقل الكافة، ان ابا بكر كان يعطي الأحمر والأسود
حقوقهم، ولم يستأتر من مال الله لنفسه ولا لبنيه ولا لأحد من عشيرته
بشيء وإنما أجراه مجرى الصدقة اليس يستحيل في العقول أن يمنع
فاطمة ويرده على سائر المسلمين ؟ وقد امر بنيه أن يردوا مازاد في ماله
منذ ولي على المسلمين وقال : انما كان لنا من أموالهم ما أكلنا من
طعامهم ولبسنا على ظهورنا من ثيابهم .
وروى ابو ضمرة أنس بن عياض عن عبيدالله بن عمرو عن
عبدالرحمن بن القاسم عن ابيه عن عائشة ان ابا بكر لما حضرته الوفاة

فتح البر
٥٦٢
قال لعائشة ليس عند آل ابي بكر من هذا المال شيء الا هذه اللقمة
والغلام الصيقل كان يعمل سيوف المسلمين ويخدمنا فإذا مت فادفعيه
الى عمر فلما مات دفعته الى عمر فقال عمر رحمه الله رحم الله ابا
بكر لقد اتعب من بعده.
فإن قيل فكيف سكن أزواج النبي وَلّ بعد وفاته في مساكنهن
اللاتي تركهن رسول الله وَجيل فيها ان كن لم يرثنه؟ وكيف لم
يخرجن عنها ؟ قيل إنما تركن في المساكن التي كن يسكنها في حياة
رسول الله وَلّ لأن ذلك كان من مؤنتهن التي كان رسول الله وَالاله
استثناها لهن كما استثنى لهن نفقتهن حين قال : لا يقتسم ورثتي
دينارا ولا درهما ما تركت بعد نفقة أهلي ومؤونة عاملي فهو
صدقة(١).
وروى حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي
هريرة عن ابي ابكر انه قال: سمعت رسول الله وَّجله يقول : لا نورث
ولكني من أعول من كان رسول الله وَ لّه يعول وأنفق على من كان
رسول الله وح اله ينفق(٢).
وروى الثوري ومالك وابن عيينة عن أبي الزناد عن الاعرج عن ابي
هريرة قال: قال رسول الله وَ ل لا يقتسم ورثتي دينارا ولا درهما وما
(١) خ (٢٧٧٦/٥٠٩/٥)، م (١٧٦٠/١٣٨٢/٣)، د (٢٩٧٤/٣٧٩/٣)،
هق (٣٠٢/٦). ابن سعد (٣١٤/٢). من طرق عن أبي الزناد بهذا الإسناد.
(٢) ت (٤/ ١٦٠٨/١٣٤) وقال: حسن غريب من هذا الوجه.

الفرائض والوصية
٥٦٣
تركت بعد نفقة نسائي ومؤونة عاملي فهو صدقة (١). وسيأتي ذكر هذا
الحديث من رواية مالك في باب ابي الزناد من كتابنا هذا ان شاء الله.
قال أهل العلم : فمساكنهن كانت في معنى نفقاتهن في أنها كانت
مستثناة لهن بعد وفاته مما كان له في حياته، قالوا ويدل على صحة
ذلك ان مساكنهن لم يرثها عنهن ورثتهن، قالوا ولو كان ذلك ملكا
لهن، كان لا شك قد ورثه عنهن ورثتهن، قالوا: وفي ترك ورثتهن
ذلك، دليل على أنها لم تكن لهن ملكا، وإنما كان لهن سكناها
حياتهن، فلما توفين جعل زيادة في المسجد الذي يعم المسلمين نفعه
كما فعل ذلك في الذي كان لهن من النفقات في تركة رسول الله
وَلّ، لما مضين لسبيلهن زيد الى أصل المال، فصرف في منافع
المسلمین مما يعم جميعهم نفعه.
وفي حديثنا المذكور في أول هذا الباب من الفقه تفسير لقول الله
عز وجل: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَّ﴾ [النمل: (١٦)]. وعبارة عن قول الله
يَرِثُنِ وَیَرِثُ مِنْ
عز وجل حاكياً عن زكريا: ﴿ فَهَبْ لِ مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا
ءَالِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: (٥ -٦)]. وتخصيص للعموم في ذلك، وأن سليمان
لم یرٹ من داود ما لا خلفه داود بعده وإنما ورث منه الحكمة والعلم،
وكذلك ورث يحيى من آل يعقوب. وهكذا قال أهل العلم بتأويل
القرآن والسنة، واستدلوا مع سنة رسول الله المذكورة، بقول الله
عز وجل: ﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ عِلْمًا﴾ [النمل: (١٥)]. قال المفسرون:
(١) سبق تخريجه في الباب نفسه.
-

فتح البر
٥٦٤
=
يعني علم التوراة، والزبور، والفقه في الدين. وفصل القضاء،
وعلم كلام الطير والدواب، ﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ
وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُودٌّ وَقَالَ بَأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الَطَّيْرِ وَأُوِيِنَا
عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ )
مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾
[النمل: (١٥ - ١٦)]. فورث سليمان من داود النبوة،
والعلم، والحكمة، وفصل القضاء، وعلى هذا جماعة أهل
العلم، وسائر المسلمين، إلّ الروافض، وكذلك قولهم في ﴿ یَرِثُّنی
وَبَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: (٦)]. لا يختلفون في ذلك، إلاَّ ما روى
عن الحسن انه قال: يرثني مالي، ورث من آل يعقوب النبوة والحكمة،
والدليل على صحة ما قال علماء المسلمين في تأويل هاتين الآيتين ما
ثبت عن النبي وَجلو انه قال: إنا معاشر الأنبياء، لا نورث، ما تركنا
صدقة (١). وكل قول يخالفه قول رسول الله وَ له ويدفعه، فهو مدفوع
مهجور. أخبرنا محمد: حدثنا علي بن عمر، قال: حدثنا القاضي أبو
عمر محمد بن يوسف بن يعقوب حدثنا محمد بن إسحاق الصاغاني
حدثنا عبد الله بن أمية النحاس، قال: قرىء على مالك بن أنس عن
ابن شهاب عن مالك بن أوس بن الحدثان،. قال: سمعت عمر بن
الخطاب يقول: حدثنا أبو بكر، أنه سمع رسول الله وَ لآدم
يقول: إنا معاشر الأنبياء ما تركنا صدقة، حدثنا سعيد بن نصر،
قال: حدثنا قاسم بن أصبغ قال: حدثنا محمد بن إسماعيل، قال
حدثنا الحميدي قال: حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: إنا معاشر الأنبياء
لا نورث، ما تركنا فهو صدقة، بعد نفقة نسائي، ومؤنة
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

الفرائض والوصية
١٥٦٥
عاملي(١)، ومما يدلك على أنه أراد بقوله عزوجل: ﴿وورث سليمان
داود﴾ [النمل: ١٦]. النبوة، والعلم والسياسة، ولم يرد المال، لأنه لو
أراد المال لم يقتض الخبر عن ذلك فائدة، لأنه معلوم أن الأبناء يرثون
الآباء أموالهم، وليس معلوما أن كل ابن يقوم مقام أبيه في الملك،
والعلم والنبوة.
وفي هذا الحديث أيضا من الفقه دليل على صحة ما ذهب اليه
فقهاء أهل الحجاز، وأهل الحديث، من تجويز الأوقاف في الصدقات
المحبسات، وأن الرجل أن يحبس ماله، ويوقفه على سبيل من سبل
الخير، يجري عليه من بعد وفاته وفيه جواز الصدقة بالشيء الذي لا
يقف المتصدق على مبلغه، لأن تركته وَّ لم يقف على مبلغ ما تنتهي
اليه وسنوضح ذلك في باب أبي الزناد ان شاء الله.
وفيه أيضا دلالة واضحة على اتخاذ الأموال، واكتساب الضياع وما
يسع الإنسان لنفسه، وعماله، وأهليهم، ونوائبهم، وما يفضل على
الكفاية .
وفي ذلك رد على الصوفية، ومن ذهب مذهبهم في قطع الاكتساب
المباح، وقد استدل بهذا الحديث قوم في أن للقاضي ان يقضي بعلمه،
كما قضى أبو بكر في ذلك بما كان عنده من العلم. وهذا عندي
محمله اذا كانت الجماعة حول القاضي والحاكم يعلمون ذلك، أو
يعلمه منهم من ان احتيج إلى شهادته عند الإنكار كان في شهادته
براءة وثبوت حجة. على المحكوم عليه، والله أعلم. لأن أبا بكر لم
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

فتح البر
٥٦٦٠
ينفرد بالحديث، بل سمعه معه عن النبي وَجَلّ، جماعة غيره، ولو
انفرد به ما كان ذلك بضائر له، ولا قادح في معنى ما جاء به. لأنه
علم لا يحتاج فيه القاضي إلى شهادة، الا ترى ان القاضي اذا قضى
بما علمه من الكتاب والسنة، ليس يحتاج فيه إلى شاهد ولا بينة انه
علم ذلك وقد تقدم فيه قولنا: أن في هذا الحديث أيضا دلالة على
قبول خبر الواحد العدل.

الفرائض والوصية
١٥٦٧
باب منه
[٥] مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَ لإنه قال:
لا يقتسم ورثتي دنانير، وما تركت بعد نفقة نسائي، ومؤونة عاملي، فهو
صدقة(١).
قال أبو عمر:
الرواية في هذا الحديث: يقتسم برفع الميم على الخبر، اي ليس
يقتسم ورثتي دينارا، لاني لا يأتخلف دينارا ولا درهما ولا شاة ولا
بعيرا، وهذا معنى حديث مسروق عن عائشة، وان ما تخلف عقارا
يجري غلته على نسائه بعد مئونة عامله، وقد بينا هذا في حديث ابن
شهاب والحمد لله.
وهكذا قال يحيى: دنانير، وتابعه ابن كنانة: واما سائر رواة الموطأ،
فيقولون دينارا وهو الصواب: لان الواحد في هذا الموضع أهم عند
أهل اللغة، لانه يقتضي الجنس والقليل والكثير، وممن قال دينارا من
أصحاب مالك: ابن القاسم، وابن وهب، وابن نافع، وابن بکیر،
والقعنبي، وأبو مصعب، ومطرف، وهو المحفوظ في هذا الحديث،
وكذلك قال ورقاء بن عمر، عن أبي الزناد بإسناده وقال ابن عيينة عن
أبي الزناد بهذا الإسناد لا يقتسم ورثتي بعدي ميراثي، ما تركت بعد
نفقة نسائي ومئونة عاملي، فهو صدقة(١).
(١) حم (٢٤٢/٢-٣٧٦ -٤٦٤)، خ (٢٧٧٦/٥٠٩/٣)، م (١٣٨٢/٣ / ١٧٦٠[٥٥])،
د (٣ /٣٧٩ - ٣٨٠/ ٢٩٧٤).

فتح البر
٥٦٨
قال ابن عيينة: يقول لا أورث، وأما قوله مئونة عاملي، فانهم
يقولون: أراد بعامله خادمه في حوائطه، وقيمه، ووكيله، وأجيره،
ونحو هذا، وقد مضى القول في معاني هذا الحديث مستوعبا مبسوطا
ممهدا واضحا في باب ابن شهاب من كتابنا هذا، فلا معنى لإعادة
ذلك ههنا، وبالله التوفيق.

الفرائض والوصية
٥٦٩
ما جاء في تفسير الكلالة
[٦] مالك، عن زيد بن أسلم أن عمر بن الخطاب سأل رسول الله وَلفل عن
الكلالة؟ فقال رسول الله وي ليه: يكفيك من ذلك الآية التي نزلت في الصيف
في سورة النساء(١).
قال أبو عمر:
هکذا رواه يحيى مرسلا، وتابعه أكثر الرواة على ارساله، ووصله
القعنبي، وابن القاسم على اختلاف عنه فقالا فيه: عن مالك، عن
زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب.
ورواه ابن وهب، ومطرف، وابن بكير، وأبو المصعب، ومصعب،
ومعن، وابن عفير، كما رواه يحيى: لم يقولوا عن أبيه. وقد تقدم
القول في رواية أسلم عن مولاه انها محمولة عند أهل العلم على
الاتصال، وقد رواه الحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك،
عن زيد بن أسلم، ان عمر كما قال يحيى وغيره.
حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن اسد، قال: حدثنا احمد
ابن محمد المكي، قال: حدثنا علي بن عبد العزيز. وحدثنا قال:
حدثنا بكر بن علاء القاضي، قال: حدثنا احمد بن موسى الشامي،
قالا جميعا: حدثنا القعنبي، قال: قرأت على مالك، عن زيد بن
أسلم، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب سأل رسول الله وَظله عن
الكلالة؟ فقال رسول الله وَّلو: يكفيك من ذلك الآية التي نزلت في
الصيف في آخر سورة النساء(٢). هكذا قال القعنبي في آخر سورة
(١) هكذا رواه مالك مرسلا، وسيأتي تخريجه موصولا في الباب نفسه.
(٢) أخرجه مختصرا: حم (٢٦/١) بنحوه. م (١٦١٧/١٢٣٦/٣ [٩])،
ن في الكبرى (١١١٣٥/٣٣٢/٦)، وأخرجه مطولا: حم (١٥/١)، م (٣٩٦/١/ ٥٦٧)، =

فتح البر
=٥٧٠
النساء، وقال يحيى في سورة النساء. وقد روي هذا الحديث مسندا
من حديث البراء بن عازب، وسنذكره ان شاء الله .
وفي هذا الحديث دليل على أن العالم اذا سئل عما فيه خبر في
الكتاب أو في السنة، ويكون دليل ذلك الخطاب بينا، أن له أن يحيل
السائل عليه، ويكله الى فهمه فيه اذا كان السائل ممن يصلح لهذا،
ونزل تلك المنزلة .
وفيه دليل على استعمال عموم اللفظ وظاهره، ما لم يرد شيء
يخصه .
واختلف الناس في معنى الكلالة: فأما أهل اللغة، فقال ابن
الأنباري وغيره: قوله كلالة، هو أن يموت الرجل ولا ولد له ولاوالد،
قالوا: وقيل هي مصدر من تكلله النسب أي أحاط به، ومنه سمي
الاكليل، وهو منزلة من منازل القمر لاحاطتها بالقمر اذا احتل بها،
ومنه الاكليل، وهو التاج والعصابة المحيطة بالرأس، سمي بذلك،
لإحاطته بالرأس، فجرى لفظ الكلالة مجرى الشجاعة والسماحة،
والأب والابن طرفا الرجل، فاذا ذهبا، تكلله النسب أي أحاط به،
ومنه قيل روضة مكللة، اذا حفت بالنور. وقال بعضهم: هي اسم
للمصيبة في تكلل النسب، وأنشدوا:
مسكنه روضة مكللة عم بها الايهقان والذرق
يعني نبتین. وقال الخليل: كل الرجل کلالة اذا لم یکن له ولد،
وكلل اذا ذهب، وروضة مكللة بالنور أي محفوفة به. وذكر أبو حاتم
= هق (٢٢٤/٦)، حب: الإحسان (٢٠٩١/٤٤٤/٥)، ابن سعد في الطبقات
(٣٣٥/٣-٣٣٦)، الطيالسي في مسنده (ص١١)، كلهم من طريق قتادة عن سالم ابن ابي
الجعد عن معدان بن أبي طلحة اليعمري أن عمر بن الخطاب خطب يوم الجمعة ...

الفرائض والوصية
١٥٧١
والأثرم عن أبي عبيدة قال: الكلالة: كل من لم يرثه أب أو ابن أو
أخ، فهو عند العرب كلالة، يورث كلالة، مصدر من تكلله النسب،
أي أحاط به وتعطف عليه. قال أبو عبيدة: ومن قرأ يورث كلالة،
فهم العصبة الرجال الورثة، وذكر إسماعيل القاضي كلام أبي عبيدة
هذا الى آخره، ثم قال: ويشبه أن تكون اللغة تحتمل هذا كله- يعني
ما ذكره عن العلماء من قولهم: الكلالة من لا ولد له، ولا والد، الى
سائر ما ذكر، مما سنذكر أكثره في هذا الباب، ثم قال إسماعيل:
فأريد بالآية التي في أول سورة النساء، من لا أب له ولاجد. وأريد
بالآية التي في آخر سورة النساء، من لا ولد له. وإنما أوجب قول من
قال في الكلالة في أول سورة النساء: انه من لا ولد له ولا والد، لأن
الجد في هذا الموضع، يمنع الأخوة للأم، كما منعهم الأب، ولم
يوجب هذا ان الجد يقوم مقام الأب مع الاخوة من الاب، لان البنت
قد منعت الاخوة من الأم، كما منعهم الاب، والجد لا يقوم مقام
الأب مع الاخوة من الاب، وقد يقوم الوارث مقام الوارث في منع
بعض الوارثين، ولا يقوم مقامه في منع كل ما يمنعه الآخر. قال:
وحدثنا أبو المصعب، قال: قال مالك كل من ترك ولدا ذكرا أو ابن
ابن ذكر، فانه لم يورث كلالة، وإن ترك ابنة أو ابنتين، فإن البنتين
ليستا بكلالة، والذي ورث معهما كلالة.
قال أبو عمر:
الكلالة في هذا الموضع عند العلماء بلسان العرب ومعاني كتاب الله
تعالى: هم المتكللون من الورثة برحم الميت، ممن لم يلد الميت، ولا
ولده الميت، وذلك انهم حوالي الميت، وليسوا بآبائه ولا بأبنائه الذين
خرج منهم وخرجوا منه، فهم الإخوة للأب والأم وللأم، ثم بعدهم

فتح البر
٥٧٢٠
سائر العصبة يجرون مجراهم، ولذلك قال العلماء: الكلالة من لا
ولد له ولا والد.
وأما ذكر أبي عبيدة الأخ هاهنا مع الأب والابن في شرط الكلالة
حيث قال: هو كل من لم يرثه أب ولا ابن ولا أخ، فذكر الأخ في
ذلك غلط لا وجه له، ولم يذكره في شرط الكلالة غيره، الا ان لقوله
وجها ضعيفا، يخرج على معنى من معاني توريث الجد مع الإخوة،
وهو مع ذلك بعيد في تأويل قول الله تعالى في الكلالة، وسنبين خطأ
قوله ذلك في هذا الباب، بعد ذكر الآثار المرفوعة، وأقاويل الصحابة
فيه ان شاء الله .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، وسعيد بن نصر، قالا: حدثنا قاسم
ابن أصبغ، قال: حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، قال: حدثنا
احمد بن عبد الله بن يونس، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي
إسحاق، عن البراء، قال: جاء رجل إلى النبي وَخلال، فقال: يا رسول
الله، قول الله عز وجل: ﴿يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اَللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِىِ الْكَلَلَةِ﴾؟
قال تجزيك آية الصيف(١) - يقول لانها نزلت في الصيف، قال أبو بكر
ابن عياض: فقلت لا بي إسحاق: هو الرجل يموت ولا يدع ولدا ولا
والدا؟ قال: كذلك ظن الناس. وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال:
حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا محمد بن عبد السلام الخشني،
قال: حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا
(١) أخرجه من طريق أبي بكر بن عياش عن أبي اسحاق عن البراء:
حم (٢٩٣/٤)، د (٣١١/٣-٢٨٨٩/٣١٢)، ت (٣٠٤٢/٢٣٣/٥) وسكت عليه. وعزاه
ابن كثير في تفسيره (٥٦١/١) للإمام أحمد وقال: وهذا إسناد جيد. ونسبه الهيثمي في
المجمع (٢٣١/٤) لأبي يعلى وقال: ((وفيه الحجاج بن أرطاة وهو مدلس)).

الفرائض والوصية
٥٧٣
شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء يقول: آخر آية نزلت:
آية الكلالة، وآخر سورة نزلت: سورة براءة (١).
وحدثنا عبد الوارث، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا
محمد بن عبد السلام الخشني، قال: حدثنا محمد بن بشار، قال:
حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، قال: سمعت محمد بن
المنكدر يقول: سمعت جابر بن عبد الله يقول: دخل على النبي وَله
وأنا مريض، فتوضأ فصبه على، فقلت انه لا يرثني الا كلالة، فنزلت
آية الفرائض(٢).
قال أبو عمر:
قالوا ولم يكن لجابر يومئذ ولد ولا والد، لان والده قتل يوم أحد،
ونزلت آية الكلالة بعد ذلك.
وأخبرنا أحمد بن محمد، وسعيد بن نصر، قالا: حدثنا وهب بن
مسرة. وقال سعيد: حدثنا قاسم بن أصبغ، قالا: حدثنا محمد بن
وضاح، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا سفيان، عن
محمد بن المنكدر سمع جابرا يقول: مرضت، فجاءني رسول الله وَل
يعودني هو وأبو بكر وهما ماشيان، فقلت يا رسول الله، كيف أقضي
في مالي؟ كيف أصنع؟ فلم يجبني حتى نزلت آية الكلالة (٢). وروى
أشعث عن أبي الزبير، عن جابر، انه قال: اشتكيت وعندي سبع
أخوات لي، فدخل على رسول الله وَل فقال: يا جابر، لا أراك ميتا
من وجعك هذا، فإن الله قد أنزل وبين لأخواتك، فجعل لهن
(١) خ (٨/ ٣٤٠-٤٠٣ /٤٦٠٥ -٤٦٥٤)، م (١٢٣٦/٣ - ١٢٣٧ / ١٦١٨ [١٣٠٠١٠])،
د (٣/ ٢٨٨٨/٣١٠). ن فى الكبرى (١١١٣٣/٣٣١/٦).
(٢) أخرجه: حم (٢٩٨/٣-٣٠٧)، خ (١٩٤/٣٩٨/١)،
م (١٢٣٤/٣-١٦١٦/١٢٣٥[٨٠٠٥])، د (٢٨٨٦/٣٠٨/٣)، ت (٤/ ٣٦٤ /٢٠٩٧)،
جه (٢٧٢٨/٩١١/٢).

فتح البر
٥٧٤
الثلثين، فكان جابر يقول فيّ نزلت: ﴿يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اَللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى
اُلْكَلَلَةِ(١)﴾. وروى هشام الدستوائي، عن أبي الزبير، عن جابر أنه
حدثه قال: اشتكيت: فذكر مثله إلى آخره سواء(٢) .
حدثني احمد بن قاسم بن عبد الرحمن، قال: حدثنا قاسم بن
أصبغ، قال: حدثنا الحارث بن أبي اسامة، قال: حدثنا إسحاق يعني
ابن الطباع، قال: حدثنا سفيان، عن عمرو، عن طاوس، أن عمر أمر
حفصة ان تسأل رسول الله وَخليه عن الكلالة، فأمهلت حتى لبس ثيابه
ثم سألته، فأمله عليها في كتف، وقال: من أمرك بهذا؟ أعمر؟ ما
أظنه فهمها؟ أولم تكفه الآية التي نزلت في الصيف: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ
يُفْتِيكُمْ فِى الْكَلَلَةِ﴾؟ فأتته حفصة بالكتف، فجعل عمر يقرأ، حتى
انتهى إلى قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّواْ﴾. فقال: اللهم من فهمها،
فإني لم أفهمها(٣).
وروى عبد الأعلى، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة قال: نزلت
آية الكلالة على رسول الله وَجُل وهو في مسير له فالتفت، فاذا هو
بحذيفة إلى جنبه، فلقنه إياها، فنظر حذيفة، فاذا عمر، فلقنه اياها،
فلما كان في خلافة عمر ونظر في الكلالة، لقي حذيفة فسأله عنها،
فقال حذيفة: لقننيها النبي وَجُلّ، فلقنتك كما لقنني، والله لا أزيد على
هذا أبدا (٣).
(١) حم (٣٧٢/٣)، د (٣٠٨/٣ - ٣١٠/ ٢٨٨٧) من طريق هشام الدستوائي عن أبي الزبير عن
جابر .
(٢) عبد الرزاق (١٩١٩٤/٣٠٥/١٠)، ابن مردويه كما في تفسير ابن كثير (٥٦٣/١)، من
طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن طاووس. قال ابن كثير: وهو مرسل.
(٣) البزار: مختصر زوائد البزار (٢/ ١٤٦٢/٨١) من طريق عبد الأعلى بن عبدالأعلى ثنا هشام
ابن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي عبيدة بن حذيفة عن أبيه قال: «نزلت آية الكلالة
.. )) وقال: لا نعلم رواه الا حذيفة ولا له عنه الا هذا الطريق. وقال الهيثمي في المجمع
(١٦/٧): رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير أبي عبيدة بن حذيفة ووثقه ابن حبان . =

الفرائض والوصية
١٥٧٥
حدثني عبد الله بن محمد بن أسد، قال حدثنا حمزة بن محمد،
قال: حدثنا احمد بن شعيب، قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال:
أخبرنا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن قتادة عن سالم بن أبي
الجعد، عن معدان بن أبي طلحة اليعمري، ان عمر بن الخطاب،
خطب يوم الجمعة فقال: إنى لا أدع بعدي شيئا اهم من الكلالة، وما
راجعت رسول الله وَخير في شيء، ما راجعته في الكلالة، وما أغلظ
لي في شيء منذ صاحبته، ما أغلظ لي في الكلالة، حتى طعن
بأصبعه في صدري وقال: يا عمر أما تكفيك آية الصيف التي أنزلت
في سورة النساء(١). وذكر عبدالرزاق عن ابن جريج، وابن عيينة، عن
عمرو بن دينار، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، قال: قال
عمر: لأن أكون سألت النبي وَل عن ثلاث، أحب إلى من كذا، عن
الكلالة وذكر باقي الحديث(٢).
وأخبرنا خلف بن القاسم، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن
إبراهيم الديبلى، قال: حدثنا محمد بن علي بن زيد، قال: حدثنا
= تنبيه: في التمهيد عن محمد بن سيرين عن عبيدة ولعل الصواب عن محمد بن سيرين عن
أبي عبيدة بن حذيفة في الباب نفسه.
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.
(٢) أخرجه: من طريق عمرو بن دينار عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، قال: قال عمر
رضي الله عنه: عبد الرزاق في المصنف (١٩١٨٥/٣٠٢/١٠)،
ك (٢ /٣٠٣) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي بقوله: بل ما
أخرجا لمحمد شيئا ولا أدرك عمر، ولفظه في المصنف: ((لأن أكون سألت النبي ◌َ ◌ّ عن ثلاثة
أحب إلي من حمر النعم: عن الكلالة وعن الخليفة بعده، وعن قوم قالوا: نقر بالزكاة في
أموالنا ولا نؤديها اليك، أيحل قتالهم أم لا؟ قال: وكان أبو بكر يرى القتال)).

فتح البر
=٥٧٦
سعيد بن منصور، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو
حيان التيمي، عن الشعبي، عن ابن عمر، قال: سمعت عمر يقول
على منبر المدينة: وددت أن رسول الله وَله لم يفارقنا حتى يعهد الينا
عهدا ننتهى اليه في الجد، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا(١). وذكر
حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن أبي رافع، عن
عمر أنه قال لابن عباس، وسعيد بن زيد، وابن عمر حين طعن:
اعلموا انه من أدرك وفاتى من سبي العرب من مال الله، فهو حر،
واعلموا أنى لم أقل في الكلالة شيئا واعلموا أنى لم استخلف
أحدا (٢). وذكر عبد الرزاق عن ابن عيينة، عن عاصم بن سليمان،
عن الشعبي، قال: كان عمر يقول: الكلالة من لا ولد له، فلما
طعن، قال: انى لاستحيى من الله ان اخالف أبا بكر، ارى الكلالة
ماعدا الولد والوالد(٣). وروى عبيد الله بن موسى، عن اسرائيل، عن
أبي إسحاق، عن سليمان بن عبيد السلولى، عن ابن عباس، قال:
(١) خ (٥٥٨٨/٥٦/١٠)، م (٣٠٣٢/٢٣٢٢/٤)، د (٧٨/٤-٣٦٦٩/٧٩)، من طرق عن أبي
حیان التيمي بهذا الإسناد.
(٢) حم (١/ ٢٠)، ابن سعد في الطبقات (٣٤٢/٣-٣٤٣)، من طريق حماد بن سلمة بهذا
الإسناد. قال الهيثمي في المجمع (٤/ ٢٢٣): رواه أحمد وفيه علي بن زيد وحديثه حسن
وفيه ضعف. وله شاهد عن ابن عباس: قال: أنا أول من أتى عمر رضي الله عنه قال:
احفظ ثلاثا ... فذكره بمعنى حديث أبي رافع. رواه: أبو يعلى (المقصد العلي في زوائد أبي
يعلى الموصلي (٧١٥/٣١٥/٢) وقال: الهيثمي في المجمع (٢٢٤/٤): رواه أبو يعلى في
الکبیر ورجاله ثقات.
(٣) عبد الرزاق (١٩١٩١/٣٠٤/١٠)، هق (٢٢٤/٦) من طريق سعيد بن منصور، كلاهما عن
ابن عيينة. الدارمي (٣٦٥/٢-٣٦٦) بمعناه، عن يزيد بن هارون، كلهم عن عاصم بهذا
الإسناد.

الفرائض والوصية
٥٧٧
الكلالة ما خلا الولد والوالد(١). وروي عن ابن المديني وغيره، عن
سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: أخبرني الحسن بن محمد
قال: سألت ابن عباس عن الكلالة؟ فقال: ماعدا الولد والوالد، قلت
إن الله يقول: ﴿إِنِ أُمْرُوَأَ هَلَكَ لَيْسََ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: (١٧٦)].؛ فغضب
وانتهرني(٢).
وروى يزيد بن هارون قال: أخبرنا عاصم الأحول عن الشعبي،
قال: سئل ابو بكر عن الكلالة؟ فقال اني سأقول فيها برأيى، فإن يكن
صوابا فمن الله، وان يكن خطأ، فمنى ومن الشيطان، أراها ما خلا
الولد والوالد. فلما استخلف عمر، قال: إني لأستحيى من الله ان أرد
شيئا قاله أبو بكر(٣) .
وروى سفيان، عن عمرو بن مرة، عن مرة قال: قال عمر
وعبد الله: ثلاث لأن يكون النبي ◌َّطل بينهن لنا، احب الينا من الدنيا
وما فيها: الكلالة والخلافة، والربا(٤)، رواه و کیع عن سفيان باسناده،
ولم يذكر فيه عبد الله.
(١) هق (٦/ ٢٢٤) من طريق زكريا بن ابي زائدة عن أبي اسحاق بهذا الإسناد، ثم قال: وكذلك
رواه اسرائيل عن أبي اسحاق.
(٢) عبد الرزاق (١٩١٨٩/٣٠٣/١٠)، الدارمي (٣٦٦/٢)، هق (٢٢٥/٦) من طرق عن
سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن الحسن بن محمد عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(٣) تقدم تخريجه في الباب نفسه.
(٤) جه (٢٧٢٧/٩١١/٢)، ك (٢/ ٣٠٤) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، من
طريق سفيان عن عمرو بن مرة عن مرة بن شرحبيل عن عمر قال البوصيري في الزوائد
(ص٣٦٩): هذا إسناد ثقات الا أنه منقطع قال أبو زرعة وأبو حاتم حديث مرة بن شرحبيل
عن عمر بن الخطاب مرسل، وقال أبو حاتم: لم يدركه، رواه الشيخان وغيرهما من طريق
عبد الله بن عمر عن أبيه فلم يذكر ((الخلافة)) وقالوا مكانها ((الجد)) فلذلك أوردته.

فتح البر
٥٧٨
حدثنا محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن مطرف، قال:
حدثنا سعيد بن عثمان، قال: حدثنا يونس بن عبد الاعلى، قال:
أخبرنا سفيان عن عاصم الاحول، عن الشعبي، أن أبا بكر الصديق،
وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما قالا: الكلالة من لا ولد له ولا
والد. وذكر يحيى بن آدم، عن شريك وزهير وأبى الاحوص، عن
أبي إسحاق، عن سليمان بن عبد، قال: مارأيتهم الا وقد تواطئوا
وأجمعوا على أن الكلالة: من مات وليس له ولد ولا والد. قال
يحيى: وحدثنا عبد الرحيم عن محمد بن سالم، عن الشعبي، قال:
الكلالة ما كان سوى الولد والوالد من الورثة، إخوة وغيرهم من
العصبة، كذلك قال على، وابن مسعود، وزيد بن ثابت. وذكر عبد
الرزاق، عن معمر، عن الزهري وقتادة، عن أبي إسحاق، عن عمرو
ابن شرحبيل، قالوا: الكلالة من ليس له ولد ولا والد. وذكر ابن أبي
حاتم، عن موسى بن الأهوازى، عن أبي هشام الرفاعي، قال:
سمعت يحيى بن آدم يقول: قد اختلفوا في الكلالة، وصار المجتمع
عليه ما خلا الولد والوالد.
قال أبو عمر:
قد فسر مالك الكلالة في موطئه تفسيرا حسنا فقال: الأمر المجتمع
عليه الذي لا خلاف فيه، والذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا، أن
الكلالة على وجهين: أما الآية التي في سورة النساء التي قال الله عز
وجل فيها: ﴿ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَلَةَّ أَوِ أَمْرَأَةٌ وَلَهُ وَأَخُ أَوْ أُخْتٌ
فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَُّ فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى
الثَّلُثِ﴾ [النساء: (١٢)]. فهذه الكلالة التي لا يرث الأخوة للأم فيها
حتى لا يكون ولد ولا والد. قال مالك وأما الآية التي في آخر

الفرائض والوصية
٥٧٩
سورة النساء: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِىِ الْكَلَلَةِ إِنِ أَمْرُوا هَكَ لَيْسَ
لَمُ وَلَدٌ وَلَهُ: أُخْتٌّ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَفْ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لََّا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا
أَثْتَتَيْنِ فَلَهُمَا اُلُّلُثَانِ مَِّا تَرَهُ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةَ رِّجَالًا وَنِسَآءَ فَلِلَذَّكَرٍ مِثْلُ حَظِّ
١٧٠
اُلْأُنْثَيَنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُواْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ
[النساء: (١٧٦)]. قال: فهذه الكلالة التي يكون فيها الإِخوة عصبة، إذا لم
يكن ولد، فيرثون مع الجد في الكلالة، قال: والجد يرث مع الإخوة،
لأنه أولى بالميراث منهم، وذلك انه يرث مع ذكور بني المتوفى
السدس، ولا يرث الاخوة معهم شيئا، قال وكيف لا يأخذ مع الإخوة
وهو يحجب بنى الام عن الميراث، وبنو الام يأخذون مع الإخوة
الثلث .
قال أبو عمر:
ذكر الله عز وجل في كتابه الكلالة في موضعين، ولم يذكر في كلا
الموضعين وارثا غير الاخوة، فأما الآية التي في صدر سورة النساء
قوله: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَلَةٌ أَوِ أَمْرَأَةٌ وَلَهُ{أَخُ أَوْ أُخْتُ فَلِكُلِّ
وَحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسَُّ فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِي
الثَُّثِ﴾. فقد أجمع العلماء أن الإِخوة في هذه الآية، عني بهم
الإِخوة للأم، ولا خلاف بين أهل العلم، ان الإِخوة للأب والأم
أو للأب ليس میراثهم هكذا.
وقد روي عن بعض الصحابة أنه كان يقرأ: وله أخ أو أخت من
أم. فدل هذا مع ذكرنا من اجماعهم على أن المراد في هذه الآية،
الاخوة للام خاصة:
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال: أخبرنا إسماعيل بن
محمد الصفار، قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق، قال: أخبرنا إبراهيم

فتح البر
٥٨٠
ابن عبد الله، قال: أخبرنا هشيم، قال: أخبرنا يعلى بن عطاء، عن
القاسم بن ربيعة بن قائف، قال: سمعت سعدا يقرأ: وإن كان رجل
يورث كلالة او امرأة وله أخ أو أخت من أمه. ورواه شعبة عن يعلى
ابن عطاء، مثله باسناده سواء. وأما الآية التي في آخر سورة النساء
قوله تعالى: ﴿يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِىِ الْكَلَلَةِ﴾ الآية إلى
قوله: ﴿وَإِن كَانُّوَأَ إِخْوَةُ رِّجَالًا وَنِسَآءَ فَلِلَّذَّكَرٍ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾. فلم
يختلف علماء المسلمين قديما وحديثا، ان ميراث الإخوة للأم ليس
هكذا، فدل إجماعهم على أن الإخوة المذكورين في هذه الآية هم
اخوة المتوفى لأبيه وأمه او لأبيه، ودلت الآيتان جميعا ان الإخوة
كلهم كلالة، وانهم اذا ورثوا المتوفى فانه يورث كلالة، وهذا ما لا
خلاف فيه، ولهذا والله أعلم قال من قال من الصحابة: ان وراثة من
عدا الوالد والولد كلالة، لان الإخوة اذا كانوا كلالة، كان من هو
ابعد منهم أولی أن یسمی کلالة.
وقد اختلف الناس في المسمى بالكلالة، أهو الميت الذي لا ولد له
ولا والد، أم ورثته؟ فقال اكثر المدنيين والكوفيين: الكلالة: الورثة
الذين لا ولد فيهم ولا والد. وقال البصريون: الكلالة: الميت الذي لا
ولد له ولا والد. وروى ذلك عن ابن عباس. وقال أبو زيد: الكلالة:
الميت الذي لا ولد له ولا والد، والحي الذي ليس بولد الميت ولا والد
وهو يرثه، هذا یورث بالکلالة، وهذا يرث بالكلالة.
وروي عن عمر بن الخطاب روايتان: إحداهما ان الكلالة من لا
ولد له ولا والد، والاخرى من لا ولد له خاصة وقد ذكرنا ذلك.
وروي عن عطاء قول شاذ: قال: ان الكلالة المال.