النص المفهرس

صفحات 421-440

الشفعة
٤٢١
سنان وبكار بن قتيبة وأبو أمية محمد بن ابرهيم بن مسلم، ومحمد بن
إسحاق الصاغاني قالوا: حدثنا أبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد،
عن مالك بن أنس عن ابن شهاب عن سعيد وأبي سلمة عن أبي
هريرة: أن النبي وَّه: قضى بالشفعة فيما لم تقع الحدود، فاذا وقعت
الحدود فلا شفعة(١). ورواه أبو قلابة الرقاشي وعبد الدوري ومحمد
ابن العوام الزيادي ومحمد بن سنان القزاز كلهم عن أبي عاصم
باسناده ومعناه، ولفظ أبي قلابة: قضى رسول الله وَلقول بالشفعة فيما
لم يقسم فاذا حدت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة(١)، ورواه
إبراهيم بن هاني بن أبي عاصم عن مالك عن الزهري عن سعيد بن
المسيب عن النبي ◌َّ﴾ مسندا. قال علي بن عمر: وحدثنا أبو علي
الصفار حدثنا أبو داود السجستاني، قال: سمعت أبا جعفر الدارمي
أحمد بن سعيد، قال: قال أبو عاصم: هكذا حدثنا به مالك سنة
ست واربعين، كأنه يقول عن سعيد مرسل، وعن أبي سلمة عن أبي
هريرة، واما رواية يحيى بن أبي قتيلة، فحدثنا عبد الوارث بن
سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أبو بكر عبيد بن
محمد العمري بمصر قال: حدثني أبو إبراهيم يحيى بن أبي قتيلة
المدني عن مالك عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة
ابن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّله ((الشفعة
فيما لم يقسم فاذا وقعت الحدود فلا شفعة(١))). وحدثنا أحمد بن
فتح، قال: حدثنا أحمد بن الحسن الرازي، قال: حدثنا أبو بكر
عبيد الله بن محمد بن عبد العزيز العمري القاضي املاء قال حدثنا أبو
(١) سبق تخريجه في الباب نفسه، انظر ما قبله.

٤٢٢
فتح البر
إبراهيم يحيى بن أبي قتيلة المدني، قال: حدثنا مالك بن أنس عن
الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي
هريرة قال: قال رسول الله وَ﴿ فذكره. حدثنا خلف بن قاسم حدثنا
عبد الله بن جعفر بن الورد وأحمد بن الحسن بن إسحاق. قالا :
حدثنا عبيد الله ابن محمد العمري، قال: حدثنا أبو إبراهيم يحيى بن
أبي قتيلة المدني عن مالك بن أنس عن الزهري عن سعيد بن المسيب
وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وليتى:
((الشفعة فيما لم يقسم فاذا وقعت الحدود فلا شفعة(١)). وأخبرنا
محمد حدثنا علي ابن عمر، حدثنا أبو بكر الشافعي: حدثنا أبو
إسماعيل الترمذي، قال: حدثنا يحيى بن أبي قتيلة حدثنا مالك عن
الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله
((الشفعة فيما لم يقسم فاذا وقعت الحدود فلا شفعة(١)). وأما رواية
ابن وهب على الاتصال فحدثنا خلف بن القاسم وأحمد بن فتح،
قالا: حدثنا أبو أحمد عبد الله بن محمد بن ناصح المفسر قال:
حدثنا أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل الكوفي، قال: حدثنا
يونس بن عبد الاعلى، قال حدثنا ابن وهب قال: أخبرني مالك بن
أنس عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن
عن أبي هريرة: أن رسول الله وَّيقول: قضى بالشفعة فيما لم يقسم فاذا
وقعت الحدود فلا شفعة(١). وقد ذكر الطحاوي ان قتيبة المهرى رواه
عن مالك كما رواه ابن الماجشون وأبو عاصم والله أعلم. وذكر
الدارقطني من رواية أبي يوسف القاضي. ومطرف بن عبد الله المدني
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

الشفعة
٤٢٣
وابن وهب وسعيد بن داود الزبيري بالأسانيد عنهم عن مالك عن
الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي وَه9.
قال أبو عمر :
وأما سائر أصحاب ابن شهاب غير مالك فانهم اختلفوا فيه عليه
ايضا، فرواه عنه محمد بن إسحاق كما ذكرنا عن سعيد عن أبي هريرة
عن النبي ◌ٍّ* لم يذكر أبا سلمة، ورواه ابن وهب عن يونس بن یزید
عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب مرسلا، لم يذكر ابا سلمة وجعله
مرسلا عن سعيد، ورواه ابن جريج عن ابن شهاب عن أبي سلمة او
عن سعيد بن المسيب او عنهما جميعا عن أبي هريرة، قال : قال
رسول الله وَّلو: ((اذا قسمت الارض او حدت فلا شفعة(١))) هكذا
ذكره محمد بن يحيى عن حسن بن الربيع عن ابن ادريس عن ابن
جريج. ولم يروه عبد الرزاق عن ابن جريج. ورواه معمر عن الزهري
عن أبي سلمة عن جابر قال: انما جعل رسول الله وَله الشفعة فيما لم
يقسم فاذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة(٢)، لم يذكر سعيدا
وجعله عن جابر، هكذا رواه عبد الرزاق ومحمد بن ثور وهشام بن
يوسف عن معمر، أخبرنا خلف بن القاسم، قال: حدثنا أبو الميمون
البجلي بدمشق، قال: حدثنا أبو زرعة، قال: قال لي أحمد بن
حنبل: رواية معمر عن الزهري في حديث الشفعة حسنة، قال: وقال
لي يحيى بن معين رواية مالك أحب إلي وأصح في نفسي مرسلا،
عن سعيد وأبي سلمة.
(١) د (٧٨٥/٣-٣٥١٥/٧٨٦)، هق (١٠٤/٦) من طرق عن ابن جريج عن ابن شهاب عن
أبي سلمة أو عن سعيد بن المسيب أو عنهما جميعا عن أبي هريرة عن النبي وَ *
فذكره.
(٢) حم (٢٩٦/٣)، خ (٢٢١٣/٥١٣/٤)، د (٧٨٤/٣-٣٥١٤/٧٨٥)،
ت (٦٥٢/٣-١٣٧٠/٦٥٣)، جه (٨٣٤/٢-٢٤٩٩/٨٣٥) من طريق معمر عن الزهري
عن أبي سلمة عن جابر رضي الله عنه.

فتح البر
٤٢٤
قال أبو عمر:
كان ابن شهاب رحمه الله اكثر الناس بحثا على هذا الشأن.
فكان ربما اجتمع له في الحديث جماعة، فحدث به مرة عنهم، ومرة
عن أحدهم ومرة عن بعضهم على قدر نشاطه في حين حديثه، وربما
أدخل حديث بعضهم في حديث بعض، كما صنع في حديث الافك
وغيره، وربما لحقه الكسل، فلم يسنده، وربما انشرح فوصل وأسند،
على حسب ما تأتى به المذاكرة، فلهذا اختلف أصحابه عليه اختلافا
کبیرا في احاديثه، ویبین لك ما قلنا: روايته لحديث ذي الیدین، رواه
عنه جماعة فمرة يذكر فيه واحدا، ومرة اثنين، ومرة جماعة ومرة
جماعة غيرها، ومرة يصل ومرة يقطع وحديثه هذا في الشفعة،
حديث صحيح معروف عند أهل العلم مستعمل عند جميعهم لا أعلم
بينهم في ذلك اختلافا. كل فرقة من علماء الامة يوجبون الشفعة
للشريك في المشاع من الأصول الثابتة التي يمكن فيها صرف الحدود،
وتطريق الطرق.
وأوجبت طائفة الشفعة للجار الملاصق لقوله وَ الر في حديث أبي
رافع ((الجار احق بصقبه(١))) وهو حديث يرويه ابن ميسرة عن عمرو بن
الشريد عن أبي رافع عن النبي بَّ، وهذا لفظ مشكل، ليس فيه
تصريح بالشفعة، والصقب القرب. وهو حديث قد اختلف في اسناده
وفي معناه، ولم يثبت فيه شيء. أخبرنا إبراهيم بن شاكر ، قال:
حدثنا عبد الله بن عثمان قال حدثنا سعيد بن عثمان، وأخبرنا أحمد
(١) حم (٦/ ١٠)، خ (٤ / ٥٥٠- ٢٢٥٨/٥٥١)، د (٣٥١٦/٧٨٦/٣)،
ن (٤٧١٦/٣٦٧/٧)، جه (٨٣٣/٢-٢٤٩٥/٨٣٤) من طرق عن ابراهيم بن ميسرة عن
عمرو بن الشريد عن أبي رافع عن النبي وَ لّ فذكره.

الشفعة
٤٢٥
ابن عبد الله بن محمد، قال: حدثني أبي قال: حدثنا محمد بن
قاسم، قال: حدثنا مالك بن عيسى القفصي، قال: حدثنا أحمد بن
صالح، قال حدثنا أبو نعيم، قال حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن،
قال أحمد بن صالح، هو حجازي ثقة، وهو أبو يعلى بن كعب،
قال: سمعت عمرو بن الشريد، يحدث عن الشريد ان رسول الله وَ لآه
قال: ((المرء أحق بصقبه(١)) قلت لعمرو: وما صقبه؟ قال: الشفعة،
قلت: من الناس من يقول: الجوار، قال: ان الناس ليقولون ذلك.
أخبرنا عبد الله بن محمد، حدثنا محمد بن بكر ، حدثنا أبو داود
حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن ابن جريج عن
أبي الزبير عن جابر، قال: انما جعل رسول الله وَلقر الشفعة في كل
شريك ربع او حائط، وذكر الحديث(٢). قال وحدثنا محمد بن يحيى
ابن فارس ثنا حسين بن الربيع، حدثنا ابن ادريس عن ابن جريج عن
ابن شهاب عن أبي سلمة او عن سعيد بن المسيب أو عنهما جميعا عن
أبي هريرة قال: قال رسول الله وح لول: ((اذا قسمت الارض وحدت
فلا شفعة فيها(٣)).
وأوجب آخرون الشفعة بالطريق اذا كان طريقهما واحدا لحديث
يروونه عن جابر عن النبي وَلّ بذلك، قال: ((الجار احق بشفعته ينتظر
(١) حم (٣٨٩/٤) من طريق عبد الله بن عبد الرحمن عن عمرو بن الشريد عن ابيه. ن
(٤٧١٧/٣٦٧/٧)، جه (٢٤٩٦/٨٣٤/٢) من طريق أخرى عن عمرو عن أبيه الشريد بن
سويد رضي الله عنه. انظر الإرواء (٣٧٦/٥ -٣٧٧).
(٢) حم (٣١٦/٣)، د (٧٨٣/٣- ٣٥١٣/٧٨٤)، ن (٧/ ٣٤٧/ ٤٦٦٠) من طريق إسماعيل بن
إبراهيم عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه.
م (١٦٠٨/١٢٢٩/٣ [١٣٤])، ن (٣٦٦/٧-٤٧١٥/٣٦٧) من طريقين آخرين عن ابن
جريج بهذا الإسناد المذكور أعلاه.
(٣) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

فتح البر
(٤٢٦
بها وان كان غائبا اذا كان طريقهما واحدا(١)) وهذا الحديث يرويه عبد
الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر، قال: قال رسول الله وَليته:
((الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائبا اذا كان طريقهما
واحدة(١))). حدثناه عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو
داود، حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا هشيم انبانا عبد الملك عن عطاء
عن جابر بن عبد الله فذكره. ويحتمل ان يكون الجار المذكور في هذا
الحديث، هو الشريك في المشاع، والعرب قد تسمى الشريك جارا،
والزوجة جارة، واذا حمل على هذا، لم تتعارض الأحاديث، على
أني أقول: ان حديث عبد الملك هذا في ذكر الطريق، قد انكره يحيى
القطان وغيره، وقالوا: لو جاء بآخر مثله ترك حديثه، وليس عبد
الملك هذا، مما يعارض به أبو سلمة وأبو الزبير، وفيما ذكرنا من
روايتهما عن جابر، ما يدفع رواية عبد الملك هذه، وايجاب الشفعة ،
ايجاب حكم، والحكم إنما يجب بدليل لا معارض له، وليس في
الشفعة اصل لا اعتراض فيه، ولا خلاف الا في الشريك المشاع،
فقف عليه، وفي قول جابر بن عبد الله: انما جعل رسول الله وَليقوم
الشفعة في كل شرك ربع او حائط، ما ينفي الشفعة في غير المشاع من
العقار .
وفي قوله وَّر ((اذا قسمت الأرض وحدت فلا شفعة)) ما ينفي
شفعة الجار وبالله التوفيق، وقد أوجب قوم الشفعة في كل شيء من
(١) د (٧٨٧/٣-٣٥١٨/٧٨٨) من طريق: حم (٣٠٣/٣)، جه (٢٤٩٤/٨٣٣/٢) من طريق
هشيم عن عبدالملك بن ابي سليمان عن عطاء عن جابر رضي الله عنه.
ت (١٣٦٩/٦٥١/٣) وقال: هذا حديث غريب. من طريق أخرى عن عبد الملك بهذا
الإسناد المذكور أعلاه. وصححه الشيخ ناصر في الإرواء (٣٧٨/٥/ ١٥٤٠) ولم يعزه لابن
ماجه .

الشفعة
٤٢٧
الحيوان أو غيره، وسائر المشاع من الأصول وغيرها، وهي طائفة من
المكيين، ورووا في ذلك حديثا من احاديث الشيوخ التي لا أصل لها،
ولا يلتفت إليها، لضعفها ونكارتها. وأبي أكثر فقهاء الحجاز من
الشفعة في شيء من ذلك كله الا أن يكون أصلا مشاعا يحتمل
القسمة، وتصلح فيه الحدود، لحديث ابن شهاب هذا، لأنه ينفي
الشفعة في كل مقسوم بقوله ((فاذا وقعت الحدود فلا شفعة)) وهو
مذهب عمر وعثمان وعمر بن عبد العزيز، وذكر عبدالرزاق عن ابن
جريج عن يحيى بن سعيد: ان عمر بن الخطاب قال: اذا قسمت
الارض وحدت فلا شفعة فيها. قال: وأخبرنا مالك عن محمد بن
عمارة عن أبي بكر بن حزم: ان عثمان بن عفان، قال: اذا وقعت
الحدود، فلا شفعة فيها. قال: وأخبرنا معمر والثوري عن ابرهيم بن
ميسرة عن عمر بن عبد العزيز ، قال: اذا ضربت الحدود فلا شفعة
فيها، قال: وأخبرنا ابن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة، قال: قلت
لطاوس: ان عمر بن عبد العزيز كتب اذا ضربت الحدود، فلا شفعة،
قال طاوس: الجار احق.
قال أبو عمر:
إذا لم تجب الشفعة للشريك اذا قسم وضرب الحدود، كان الجار
الملاصق لم يقسم ولا ضرب الحدود، ابعد من ان يجب ذلك له،
فالشفعة واجبة بهذا الحديث في کل اصل مشاع من ربع او ارض او
نخل او شجر تمكن فيه القسمة والحدود، وهذا في الشريك في المشاع
دون غيره اجماع من العلماء وفي قضاء رسول الله وَّ ر بالشفعة في
المشاع بعد تمام البيع، دليل على جواز بيع المشاع وإن لم يتغير إذا علم
السهم والجزء، والدليل على صحة تمام البيع في المشاع ان العهدة انما

سوء٠ ٫٠
٤٢٨
فتح البر
تجب على المبتاع، وفي قوله وَّر ((الشفعة فيما لم يقسم)) دليل على ان
ما لا يقسم ولا يضرب فيه حدود، لا شفعة فيه، وهذا ينفي الشفعة
أيضا في الحيوان وغيره مما لا يقسم، ويوجبها في الاصل الثابت في
الارض المشاع دون ما عداه، فان قيل: ان الأحاديث الموجبة للشفعة
للجار وغيره، فيها زيادة حكم على حديث ابن شهاب هذا، فيجب
المصير اليها، قيل له: قد عارضها حديث ابن شهاب لانه ينفي الشفعة
بقوله ((الشفعة في كل شرك لم يقسم)) فاوجب الشفعة في المشاع
وأبطلها في المقسوم، واذا حصلت الآثار في هذا الباب متعارضة
متدافعة، سقطت عند النظر، ووجب الرجوع الى الأصول وأصول
السنن كلها والكتاب، يشهد انه لا يحل إخراج ملك من يد قد ملكته
ملكا صحيحا الا بحجة لا معارض لها، والمشتري شراء صحيحا قد
ملك ملكا تاما، فكيف يؤخذ ماله بغير طيب نفس منه، دون حجة
قاطعة يجب التسليم لها؟ .
وهذا الذي احتججنا له، كله قول مالك وأهل المدينة، والشافعي
وأصحابه وعامة أهل الاثر، الا ان اصحاب مالك اختلفوا في الشفعة
في الثمرة اذا بيعت حصة منها، دون الأصل، فأوجب الشفعة
للشريك فيها ابن وهب وابن القاسم وأشهب ورووه عن مالك. وقال
المغيرة وعبد الملك بن الماجشون وابن أبي حازم وابن دينار: لا شفعة
فيها، ورووه عن مالك أيضا، وهو قول أكثر أهل المدينة، وهو مذهب
الشافعي وأحمد بن حنبل وداود بن علي، وأهل النظر والاثر، وهو
الصحيح عندي. وبالله التوفيق. وقد حكى ابن القاسم عن مالك انه
قال: ما أعلم أحدا قبلي اوجب الشفعة في الثمرة وحسبك بهذا، ولا
خلاف عن مالك وأصحابه انهم لا يوجبون الشفعة في الثمرة اذا بيعت

الشفعة
٤٢٩
مع الأصل واشترطها مشتريها، وهو قول جمهور الفقهاء، لأنها تبع
للأصل، فكأنها شيء منه اذا بيعت معه، وقد ابطل ابن القاسم الشفعة
في الارض دون الرحى، وخالفه اشهب وابن وهب فأوجبا الشفعة في
الرحى مع الأرض، ومعلوم أن الرحى مع أرضها أثبت وأشبه
بالاصول التي وردت الشفعة في مثلها، من الثمرة المبيعة دون أصلها
ومن الثمرة المبيعة مع الأصل التي لا تدخل في الصفقة إلا باشتراط
كسائر العروض المباينة، ويقول اشهب وابن وهب يقول سحنون في
الشفعة في الرحى. واختلف قول مالك وأصحابه في الشفعة في
الحمام، واوجبها بعضهم، ونفاها بعضهم، وكذلك اختلف أصحاب
مالك، ايضا في الشفعة في الكراء وفي المساقاة. واختلف في ذلك
قول مالك أيضا، وحديث النبي ◌َّ المذكور في هذا الباب ينفي
الشفعة في كل ما لا يقع فيه الحدود من المشاع، والقول به نجاة لمن
اتبعه. وبالله التوفيق والرشاد، وقال محمد بن عبد الحكم: لا شفعة
الا في الارضين والنخل والشجر، ولا شفعة في ثمرة، ولا كتابة
مكاتب، ولا في دين، وانما الشفعة في الاصول والارضين خاصة.
وهو قول الشافعي ، وجمهور العلماء، وقد قال مالك لا شفعة في
عين الا ان يكون لها بياض. ولا في بئر ، ولا في عرصة دار، ولا
فحل نخل. وقال محمد بن عبد الحكم: الشفعة في ذلك، لانه من
الاصول.
قال أبو عمر:
هذه الاشياء عند من اوجب الشفعة فيها ، من جنس الأصول
التي قصدت بايجاب الشفعة فيها، قال وجرى ذكر الحدود في ذلك،
لأنه الأغلب فيها، وما لا تأخذه الحدود منها، فتبع لها، حكمه
حكمها، ومن لم يوجب الشفعة في البئر والعين التي قد قسم البياض

فتح البر
٤٣٠
الذي يسقى منها، ثم نبعت العين بعد ذلك، وفي فحل النخل، فمن
حجته أن ذلك ليس مما تأخذه الحدود، الا أنه يدخل على قائل هذه
المقالة تناقض في ايجابه الشفعة في الثمرة والكراء، وتناقض آخر، في
نفي الشفعة عن عرصة الدار، ولهذه المسائل وجوه يدخل عليها
الاعتراضات، يطول الكتاب بذكرها، واختلف أصحاب مالك أيضا
في الرجل يبيع دينا له على رجل، هل يكون المديان أحق به أم لا؟
ورويت باجازة ذلك آثار عن بعض السلف من أهل المدينة: ان الذي
عليه الدين احق به. وهذا عندي ليس من باب الشفعة في شيء. وإنما
هو من باب لا ضرر ولا ضرار، وإن كان المشتري كالبائع في حسن
التقاضي والبعد من الاذى والجور، فلا قول للمدين في ذلك والى هذا
ذهب إسماعيل بن إسحاق، وهو الصحيح في النظر، وذكر الشفعة
في الدين مجاز، لانه محال ان تجب الشفعة فيما لا يقسم من الاصول
الثابتة عند جمهور علماء المسلمين، والاصل في هذا الباب حديث ابن
شهاب المذكور، وهو ينفي الشفعة في كل ما لا يجوز فيه القسمة
بضرب الحدود من الأصول، وما كان في معنى ما يضرب فيه الحدود
من الاصول، والله أعلم. وفيه ايضا دليل على أن الشفعة تجب لكل
شريك في مشاع من الاصول، واختلف اصحاب مالك في دخول
العصبات على أصحاب السهام في الشفعة، مثل رجل توفي وترك
بنات وعصبة، فباع أحد البنات حصتها من الربع الموروث، فالمشهور
من مذهب مالك وابن القاسم: ان الشفعة تجب في نصيبها من ذلك
لاخواتها، دون العصبات، ولا يدخل العصبة على أهل السهام في
شفعتهم بينهم، ولو باع احد العصبة حصته من ذلك دخل البنات مع
من بقى من العصبة في الشفعة، وقال اشهب: لا يدخل هؤلاء على

الشفعة
٤٣١
هؤلاء ، ولا هؤلاء على هؤلاء، وقال المغيرة وابن دينار: يدخل
هؤلاء على هؤلاء، وهو قول الشافعي، لان العلة في ذلك: الشركة،
ودخول الضرر في الاغلب، وليس للقرابة في ذلك معنى عندهم،
ومسائل الشفعة وفروعها كثيرة جدا، لا يصلح بنا ايرادها في هذا
الكتاب، والله الموفق للصواب، لا شريك له.

٤٣٢
فتح البر
ما جاء في منع الجار جاره
أن يغرز خشبة في جداره
[٢] مالك، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن الاعرج، عن أبي هريرة ان
رسول الله وسلم قال: ((لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره)) ثم
يقول أبو هريرة: مالي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين
أكتافکم(١).
قال أبو عمر:
هكذا روى هذا الحديث جماعة رواة الموطأ عن مالك بهذا
الإسناد كما رواه يحيى، ورواه خالد بن مخلد عن مالك، عن أبي
الزناد ، عن الاعرج، عن أبي هريرة، وقد يحتمل ان يكون عند مالك
بالاسنادين جميعا، ولكنه في الموطأ كما ذكرت لك.
ورواه أكثر أصحاب ابن شهاب عنه عن عبد الرحمن الاعرج
عن أبي هريرة كما رواه مالك، الا معمرا فان عنده فيه عن ابن
شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة:
حدثني سعيد بن نصر، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال حدثنا
إسماعيل بن إسحاق القاضي، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال:
حدثنا هشام الدستوائي، قال: حدثنا معمر، عن الزهري، عن سعيد
ابن المسيب: عن أبي هريرة عن النبي بَّ قال: لا يمنعن أحدكم جاره
أن يغرز خشبة على حائطه(٢).
(١) خ (٢٤٦٣/١٣٨/٥)، م (١٦٠٩/١٢٣٠/٣) من طريق مالك عن ابن شهاب عن
عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه. حم (٣٩٦/٢) من طريق الزهري
عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه فذكره.
(٢) أبو نعيم في الحلية (٣٧٨/٣) من طريق معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي
هريرة عن النبي 38َّ فذكره. وللحديث طرق أخرى عن أبي هريرة رضي الله عنه بعضها
سبق وبعضها سيأتي إن شاء الله.

الشفعة
٤٣٣
وبهذا الاسناد كان هذا الحديث عن عقيل، ورواه محمد بن أبي
حفصة، عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، ولم
يتابع على ذلك عن ابن شهاب- والله أعلم.
وقد ذكر عبد الرزاق عن معمر حديث الأعرج، وهو المحفوظ
ورواه هشام بن يوسف الصنهاجي، عن معمر ، ومالك عن الزهري،
عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة.
فوهم فيه والله أعلم وليس يصح فيه عن مالك ولا عن معمر
ذكر أبي سلمة فيما ذكره الدارقطني، قال: وقد روي عن بشر بن
عمر، عن مالك، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة
والصواب فيه عن مالك، عن ابن شهاب، عن الاعرج، عن أبي
هريرة .
وقال يعقوب : سمعت علي بن المديني يقول: قال لي معن بن
عيسى أتنكر الزهري - وهو يتمرغ في اصحاب أبي هريرة ان يروي
الحديث عن عدة؟.
حدثني أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي، قال: حدثنا
الميموني بن حمزة الحسني، قال: حدثنا أبو جعفر الطحاوي، قال:
حدثني المزني، قال حدثنا الشافعي، قال : حدثنا سفيان بن عيينة،
عن الزهري، عن عبد الرحمن الاعرج: قال سمعت أبا هريرة يقول:
قال رسول الله وَ *: اذا استأذن احدكم جاره ان يغرز خشبة في
جداره، فلا يمنعه(١). فلما حدثهم أبو هريرة، نكسوا رؤوسهم، فقال:
مالي أراكم عنها معرضين، أما والله لأرمين بها بين أكتافكم.
(١) حم (٢/ ٢٤٠)، م (٣/ ١٣٦/١٢٣٠) ولم يسق متنه. د (٣٦٣٤/٤٩/٤)،
ت (١٣٥٣/٦٣٥/٣)، جه (٧٨٢/٢-٢٣٣٥/٧٨٣) من طريق سفيان بن عيينة عن ابن
شهاب الزهري عن عبد الرحمن الأعرج عن ابي هريرة رضي الله عنه.

فتح البر
٤٣٤
هكذا يقول ابن عيينة في هذا الحديث: اذا استأذن ، وكذلك
رواية ابن أبي حفصة، وعقيل، وسليمان بن كثير: اذا سأل احدكم
جاره ان يضع خشبة في جداره، فلا يمنعه.
هكذا روى هؤلاء هذا الحديث على سؤالا الجار جاره.
واستئذانه اياه ان يجعل خشبة على جداره- ولم يذكر معمر،
ومالك بن أنس، ويونس، في هذا الحديث السؤال، والمعنى عندي فيه
واحد - والله أعلم. وسنذكر اختلاف العلماء في ذلك وفي سائر
معنی الحدیث- ان شاء الله.
وروى الليث بن سعد هذا الحديث عن مالك، فقال فيه من سأله
جاره: حدثنا خلف بن قاسم، حدثنا أحمد بن الحسن الرازي، حدثنا
هارون بن كامل.
وحدثنا خلف: حدثنا محمد بن أحمد بن المسور، حدثنا مطلب
ابن شعيب، قالا: حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث بن سعد،
حدثني مالك عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن هرمز الاعرج،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: من سأله جاره أن يغرز
خشبة في جداره، فلا يمنعه(١).
قال الليث: هذا - إن شاء الله - ما لنا عن مالك، وآخره:
حدثنا خلف بن قاسم، حدثنا عبد الله بن عمر بن إسحاق، حدثنا
أحمد بن محمد بن حجاج، قال حدثني محمد بن رمح، ومحمد بن
(١) حب: الإحسان (٢/ ٥١٥/٢٧٠)، من طريق محمد بن رمح عن الليث بن سعد عن مالك
ابن أنس عن ابن شهاب الزهري عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه.
والحديث قد سبق تخريجه من طريق مالك بهذا الإسناد المذكور أعلاه، انظر الحديث الأول
من هذا الباب.

الشفعة
٤٣٥.
سفيان بن زياد العامري، قالا: حدثنا الليث بن سعد عن مالك، عن
ابن شهاب، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول
الله - وَلّ - أنه قال: من سأله جاره أن يغرز خشبة في جداره، فلا
يمنعه(١).
وحدثنا خلف، حدثنا عبد الله بن جعفر بن الورد، حدثنا يحيى
ابن أيوب بن بادي، حدثنا سعيد بن كثير بن عفير، حدثنا مالك، عن
ابن شهاب، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَ له قال:
من سأله جاره أن يغرز خشبة في جداره، فلا يمنعه(١).
قال سعيد بن عفير: سمعته من الليث، عن مالك، ومالك
حي، ثم سمعته من مالك.
قال أبو عمر: لذلك جاء به على لفظ الليث، لا على لفظ
الموطأ؛ قال أبو جعفر الطحاوي: سمعت يونس بن عبد الأعلى
يقول: سألت ابن وهب عن خشبة - أو خشبة - في هذا الحديث،
فقال: سمعت من جماعة خشبة يعني على لفظ الواحد.
قال أبو عمر: قد روي اللفظان جميعا في الموطأ عن مالك، وقد
اختلف علينا فيهما الشيوخ في موطأ يحيى على الوجهين جميعا،
والمعنى واحد، لأن الواحد يقوم مقام الجمع في هذا المعنى - إذا أتى
بلفظ النكرة عند أهل اللغة والعربية، وكذلك اختلفوا علينا في
أكتافكم، وأكنافکم والصواب فيه- ان شاء الله وهو الاكثر - التاء.
واختلف الفقهاء في معنى هذا الحديث، فقال منهم قوم، معناه
الندب الى بر الجار، والتجاوز له والإحسان اليه، وليس ذلك على
(١) سبق تخريجه أنظر ما قبله.
٣٠٠

فتح البر
٤٣٦
الوجوب، وممن قال ذلك مالك، وأبو حنيفة، ومن حجتهم قوله
وقالله: لا يحل مال امرئ مسلم الا عن طيب نفس منه(١).
أخبرني عبد الله بن محمد بن أسد، قال: حدثنا أحمد بن
إبراهيم بن جامع بمصر، قال: حدثنا المقدام بن داود، قال: حدثنا
عبد الله بن عبد الحكم، عن مالك، قال: ليس يقضى على رجل ان
يغرز خشبة في جداره لجاره، وانما نرى ان ذلك كان من رسول الله
وَل على الوصاة بالجار.
قال: ومن أعار صاحبه خشبة يغرزها في جداره ثم أغضبه،
فأراد أن ينزعها، فليس ذلك له، واما ان احتاج الى ذلك لامر نزل
به، فذلك له؛ قال: وان اراد بیع داره فقال: انزع خشبك، فليس
ذلك له.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: معنى الحديث المذكور-عندنا-
الاختيار والندب في اسعاف الجار وبره- اذا سأله ذلك، على نحو قول
الله عز وجل: ﴿ وَالَّذِينَ يَبَغُونَ الْكِتَبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ فَكَاِبُوهُمْ﴾
[النور: (٣٣)].
(١) هذا الحديث ورد عن جماعة من الصحابة منهم عم أبي حرة وأبو حميد الساعدي وعمرو بن
يثربي وعبد الله بن عباس. أما حديث أبي حرة الرقاشي عن عمه أن رسول الله وَ في قال:
فذكره . أخرجه: حم (٧٢/٥)، هق (٦/ ١٠٠). قال الهيثمي في "المجمع" (٤/ ١٧٥):
رواه أبو يعلى وأبو مرة وثقه أبو داود وضعفه ابن معين. أما حديث أبي حميد فأخرجه: حم
(٤٢٥/٥) وفي لفظ: ((لا يحل للرجل أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفسه .. ))فذكره. هق
(١٠٠/٦)، حب: الإحسان (٣١٦/١٣-٥٩٧٨/٣١٧). قال الهيثمي (١٧٤/٤): ((رواه
أحمد والبزار ورجال الجميع رجال الصحيح. أما حديث عمرو بن يثربي؛ فأخرجه :
حم (٤٢٣/٣) و(١١٣/٥)، هق (٩٧/٦)؛ قال الهيثمي في "المجمع" (٤/ ١٧٤ - ١٧٥):
رواه أحمد وابنه من زياداته أيضا؛ والطبراني في الكبير والأوسط ورجال أحمد ثقات. أما
حديث ابن عباس؛ فأخرج: هق (٩٧/٦).
وانظر تفصيل ذلك في الإرواء (١٤٥٩/٢٧٩/٥).

الشفعة
٤٣٧
ولم يختلف علماء السلف، ان ذلك على الندب، لا على
الإيجاب، فكذلك معنى هذا الحديث عندهم، وحملوه على معنى
قوله 38: اذا استأذنت احدكم امرأته الى المسجد، فلا يمنعها (١).
وهذا معناه عند الجميع الحض والندب- على حسبما يراه الزوج
من الصلاح والخير في ذلك.
وقال أصبغ بن القاسم: لا يؤخذ بما قضى به عمر على محمد
ابن مسلمة في الخليج، ولا ينبغي أن يكون أحق بمال أخيه منه، الا
برضاه. قال: وأما ما حكم به لعبد الرحمن بن عوف بتحويل الربيع
من موضعه الى ناحية اخرى من الحائط، فانه يؤخذ به ويعمل بمثله،
لأن مجرى ذلك الربيع كان لعبد الرحمن ثابتا في الحائط، وانما اراد
تحويله الى ناحية هي أقرب عليه، وأرفق بصاحب الحائط فلذلك حكم
له عمر بتحویله.
قال ابن القاسم: سئل مالك عن حديث النبي وَلو: لا يمنعن
أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره. فقال مالك: ما أرى ان
يقضى به، وما اراه الا من وجه المعروف من النبي عليه السلام.
قال ابن القاسم: سئل مالك عن رجل كان له حائط، فأراد جاره
ان يبني عليه سترة يستتر بها منه: قال: لا ارى ذلك له، الا ان يأذن
صاحبه .
وقال آخرون: ذلك على الوجوب- اذا لم تكن في ذلك مضرة
على صاحب الجدار وممن قال بهذا: الشافعي، وأحمد بن حنبل،
وداود بن علي، وأبو ثور، وجماعة من أهل الحديث.
وحجتهم قول أبي هريرة: والله لارمين بها بين أكتافكم. وأبو
هريرة أعلم بمعنى ما سمع، وما كان ليوجب عليهم غير واجب، وهو
(١) سبق تخريجه في صلاة الجماعة، باب "في ذهاب المرأة الى المسجد".

فتح البر
٤٣٨
مذهب عمر بن الخطاب وحكى مالك عن المطلب قاض كان بالمدينة
کان یقضي به.
ومن حجتهم أيضا أن قالوا: هذا قضاء من رسول الله الهول
بالمرفق، وقوله مَله: لا يحل مال امرئ مسلم، الا عن طيب نفس
منه(١). إنما هو على التمليك والاستهلاك، وليس المرفق من ذلك،
وكيف يكون منه والنبي ◌َّ فرق بين ذلك، فاوجب احدهما، ومنع
من الآخر.
واحتجوا أيضا بأن عمر بن الخطاب قضى بذلك على محمد بن
مسلمة للضحاك بن خليفة في ساقية يسوقها الضحاك في أرض محمد
ابن مسلمة، وقال له: والله ليمرن بها ولو على بطنك لامتناعه من
ذلك، ولو لم يكن ذلك واجبا عند عمر، ما أجبره على ذلك؛ ولو
كان من باب لا يحل مال امريء مسلم، الا عن طيب نفس منه، ما
قضی به عمر على رغم محمد بن مسلمة.
وكذلك قضى عمر لعبد الرحمن بن عوف على عبد الله بن زيد
ابن عاصم الانصاري جد عمرو بن يحيى المازني، مثل ما قضى به
للضحاك بن خليفة على محمد بن مسلمة.
وهذا يدلك على ان ذلك من قضاء عمر مستفيض متردد.
روى مالك، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، أن الضحاك
ابن خليفة ساق خليجا له من العريض ، فأراد أن يمر به، في ارض
محمد بن مسلمة ، فأبي محمد، فقال له الضحاك: لم تمنعني وهو
لك منفعة: تشرب منه(٢) اولا وآخرا ولا يضرك، فأبي محمد، فكلم
(١) سبق تخريجه في الباب نفسه.
(٢) ذكره الشيخ ناصر في الإرواء (٢٥٣/٥-١٤٢٧/٢٥٤) وعزاه لمالك في الموطأ وسعيد في
سننه وقال: هذا سند صحيح على شرط الشيخين.

الشفعة
٤٣٩
فيه الضحاك عمر بن الخطاب، فدعا عمر بن الخطاب محمد بن
مسلمة، فأمره ان يخلي سبيله، فقال محمد: لا، فقال عمر: لم تمنع
أخاك ما ينفعه، وهولك نافع، تسقى به أولا وآخرا وهو لا يضرك؟
فقال محمد: لا والله. فقال عمر: والله ليمرن به ولو على بطنك.
فأمره عمر ان يمز به، ففعل الضحاك.
وروى مالك أيضا عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، أنه كان
في حائط جده- ربيع لعبد الرحمن بن عوف، فأراد عبدالرحمن بن
عوف ان يحوله إلى ناحية من الحائط هي اقرب الى أرضه، فمنعه
صاحب الحائط، فكلم عبد الرحمن عمر بن الخطاب، فقضى
لعبد الرحمن بن عوف بتحويله قال مالك: والربيع: الساقية.
ومما احتج به ايضا من ذهب مذهب الشافعي في هذا الباب،
حديث يروي عن الأعمش، عن أنس، قال: استشهد منا غلام يوم
أحد، فجعلت أمه تمسح التراب عن وجهه وتقول: أبشر، هنيئا لك
الجنة، فقال لها النبي ◌َّطر: وما يدريك، لعله كان يتكلم فيما لا
يعنيه، يمنع ما لا يضره؟(١).
وهذا الحديث ليس بالقوي، لان الاعمش لا يصح له سماع من
أنس، وكان مدلسا عن الضعفاء.
ومما احتج به أيضا من ذهب مذهب الشافعي، ما وجدته في
أصل سماع أبي رحمه الله ان محمد بن أحمد بن قاسم حدثهم،
قال: حدثنا سعيد بن عثمان، قال: حدثنا نصر بن مرزوق، قال
حدثنا أسد بن موسى، قال: حدثنا قيس بن الربيع، عن سماك عن
(١) ت (٤/ ٢٣١٦/٤٨٣) بنحوه وقال: هذا حديث غريب.

٤٤٠
فتح البر
عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله وَله: من ابتنى فليدعم
جذوعه على حائط جاره(١).
قال إسد: وحدثنا قيس بن الربيع، عن منصور بن دينار، عن
أبي عكرمة المخزومي، عن أبي هريرة، إن رسول الله وَله قال: لا
يحل لامرئ مسلم إن يمنع جاره خشبات يضعها على جداره(٢). ثم
يقول أبو هريرة: لاضربن بها بين اعينكم وان كرهتم.
قال أسد: وحدثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن عكرمة، عن
أبي هريرة، أن رسول الله وَّ نهى ان يمنع الرجل جاره ان يضع خشبة
على جداره(٣).
وزعم الشافعي انه لم يرو عن احد من الصحابة خلاف عمر في
هذا الباب، وانكر على مالك تركه لكل ما ادخل في موطئه من الآثار
في باب القضاء بالمرفق وقال: جعل في اول باب القضاء بالمرفق من
موطئه حديث عمرو بن يحيى، عن أبيه، ان رسول الله وَيه- قال: لا
ضرر ولا ضرار(٤). ثم أردف بحديث ابن شهاب عن الأعرج، عن
أبي هريرة، عن النبي ◌َ # المذكور في هذا الباب، وهو حديث ثابت،
(١) حم (٣١٣/١) وصحح إسناده أحمد محمد شاكر، انظر:
حم (٨٤/٤-٨٥ / ٢٣٠٧)، جه (٢ / ٢٣٣٧/٧٨٣)، هق (٦٩/٦) من طرق عن عكرمة عن
ابن عباس رضي الله عنهما بنحوه. قال الألباني في صحيح ابن ماجه (١٨٩٢/٣٩/٢)
صحيح بما قبله: ويعني حديث مجمع بن يزيد وحديث ابي هريرة رضي الله عنهما.
(٢) حم (٢ / ٤٤٧) من طريق منصور بن دينار عن أبي عكرمة المخزومي عن أبي هريرة رضي
الله عنه.
(٣) حم (٣٢٧/٢) من طريق حماد بن سلمة عن أيوب عن عكرمة عن أبي هريرة. حم
(٢/ ٢٣٠)، خ (١٠/ ١١١/ ٥٦٢٧) من طريقين آخرين عن أيوب بهذا الإسناد.
(٤) سبق تخريجه في باب "لا ضرر ولا ضرار في كل شيء".