النص المفهرس

صفحات 181-200

البيوع
١٨١
باب منه
[٢٥] مالك، عن محمد بن يحيى بن حبان، وعن أبي الزناد، عن الأعرج، عن
أبي هريرة أن رسول الله وَ لفي نهى عن الملامسة والمنابذة (١).
قال أبو عمر:
قد مضى القول في هذا الحديث، وفي معنى الملامسة والمنابذة، وما
لأهل العلم في ذلك من التفسير، والتوجيه والمعاني- مستوعبة في
باب محمد بن يحيى بن حبان فلا معنى لإعادة ذلك ههنا.
(١) تقدم تخريجه.

١٨٢
فتح البر
ما جاء في النهي عن بيع حبل الحبلة
[٢٦] مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله وَّ نهى عن بيع حبل الحبلة.
وكان بيعاً يتبايعه أهل الجاهلية: كان الرجل يبتاع الجزور الى أن تنتج
الناقة ثم تنتج التي في بطنها (١).
قال أبو عمر:
قد جاء تفسير هذا الحديث كما ترى في سياقه، وان لم يكن تفسيره
مرفوعا فهو من قبل ابن عمر، وحسبك . وبهذا التأويل، قال مالك،
والشافعي، وأصحابهما، وهو الأجل المجهول، ولا خلاف بين العلماء
ان البيع إلى مثل هذا من الأجل لا يجوز، وقد جعل الله الأهلة
مواقيت للناس، ونهى رسول الله وَ لول عن البيع الى مثل هذا من
الأجل، واجمع المسلمون على ذلك، وكفى بهذا علما، وقال آخرون
في تأويل هذا الحديث: معناه بيع ولد الجنين الذي في بطن الناقة،
هذا قول أبي عبيد، قال أبو عبيد عن ابن علية، هو نتاج النتاج وبهذا
التأويل قال أحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه، وقد فسر بعض
أصحاب مالك هذا الحديث بمثل ذلك أيضا، وهو بيع أيضا مجمع
على أنه لا يجوز ولا يحل؛ لأنه بيع غرر ومجهول، وبيع ما لم
يخلق، وقد أجمع العلماء على أن ذلك لا يجوز في بيوع المسلمين،
(١) حم (٢/ ٨٠)، خ (٤/ ٤٤٨ - ٤٤٩ /٢١٤٣)، م (١١٥٣/٣ - ١٥١٤/١١٥٤[٥-٦])،
د (٣ /٦٧٥ / ٣٣٨٠)، ت (١٢٢٩/٥٣١/٣)، جه (٢/ ٢١٩٧/٧٤٠)،
ن (٤٦٣٧/٣٣٨/٧-٤٦٣٨)، البغوي (٢١٠٧/١٣٦/٨).

البيوع
=
١٨٣
وقد روي عن النبي ◌َُّلّ انه نهى عن بيع المجر(١)، وهو بيع ما في
بطون الإناث ونهى عن المضامين والملاقيح وأجمعوا أنه بيع لا يجوز.
قال أبو عبيد: المضامين ما في البطون وهي الأجنة، والملاقيح ما في
أصلاب الفحول. وهو تفسير ابن المسيب، وابن شهاب، ذكر مالك
في موطئه عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، أنه كان يقول: لا
ربا في الحيوان، وإنما نهى من الحيوان عن ثلاث: عن المضامين،
والملاقيح، وحبل الحبلة(٢)، والمضامين: ما في بطون الإناث،
والملاقيح: ما في ظهور الجمال، وقال غيره: المضامين ما في أصلاب
الفحول، والملاقيح: ما في بطون الإناث، وكذلك قال أبو عبيد،
واحتج بقول الشاعر:
ملقوحة في بطن ناب حائل.
وذكر المزني عن ابن شهاب شاهدا بأن الملاقيح ما في البطون لبعض
الأعراب:
منيتني ملاقحا في الابطن تنتج ما تنتج بعد أزمن
(١) البغوي (٢١٠٨/١٣٧/٨)، هق (٣٤١/٥) من طريق أبي عبيد وإسناده ضعيف لضعف
موسى بن عبيدة الربذي وقد تفرد به فيما قاله البيهقي والبزار. قال الحافظ في "التلخيص"
(١٦/٣): ((رواه البيهقي من حديث ابن عمر بسند فيه موسى بن عبيدة الربذي وقال: إنه
تفرد به وإنه ضعف بسببه، ورواه البزار من هذا الوجه مطولا وفيه: والمجر ما في الأرحام،
وأشار الى تفرد موسى به، وهو معترض بما أخرجه عبد الرزاق عن الأسلمي عن عبد الله بن
دينار لكن الأسلمي أضعف من موسى عند الجمهور، وذكر البيهقي أن ابن إسحاق روى عن
نافع عن ابن عمر أيضا)).
(٢) البغوي (١٣٧/٨)، هق (٣٤١/٥)، وذكره الهيثمي في المجمع (٤/ ١٠٧) من حديث ابن
عباس بلفظ: ((نهى عن بيع المضامين والملاقيح وحبل الحبلة)) وقال: ((رواه الطبراني في الكبير
والبزار وفيه ابراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة وثقه أحمد وضعفه جمهور الأئمة)).

فتح البر
١٨٤
وكيف كان فإن بيع هذا كله باطل لا يجوز عند جماعة علماء
المسلمين، وقد نهى رسول الله وَخُلّ عن بيع الملامسة والمنابذة(١) فكيف
بمثل هذا من بيع ما لم يخلق. وهذا كله يدخله المجهول والغرر وأكل
المال بالباطل وفي حكم الله ورسوله تحريم هذا كله فإن وقع شيء من
هذا البيع فسخ ان أدرك فان قبض وفات رد الى قيمته يوم قبض لا يوم
تبايعا بالغا ما بلغ، كانت القيمة أكثر من الثمن أو أقل. وان أصيب
قبل القبض فمصيبته من البائع أبدا، وقد مضى تفسير الملامسة وغيرها
فيما سلف من كتابنا هذا والحمد لله.
(١) تقدم تخريجه من حديث أبي هريرة.

البيوع
١٨٥
لا تلقوا الركبان للبيع
[٢٧] مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ولا في
قال: لا تلقوا الركبان للبيع، ولا يبع بعضكم على بيع بعض؛ ولا
تناجشوا، ولا يبع حاضر لباد، ولا تصروا الابل والغنم؛ فمن ابتاعها بعد
ذلك، فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن رضيها أمسكها، وإن سخطها
ردها وصاعا من تمر (١).
قال أبو عمر:
أما قوله: لا تلقوا الركبان فهو النهي عن تلقي السلع: وقد روي
هذا المعنى بألفاظ مختلفة. فروى الأعرج عن أبي هريرة، عن النبي
وَالخلية : لا تلقوا الركبان - كما ترى .
وروى ابن سيرين: عن أبي هريرة، عن النبي وَّ : لا تلقوا
الجلب(٢).
وروى أبو صالح وغيره عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ ◌ُلو أنه نهى أن
تتلقى السلع حتى تدخل الأسواق(٣).
وروى ابن عباس : لا تستقبلوا السوق، ولا يتلق بعضكم لبعض،
والمعنى في ذلك كله واحد، وقد مضى القول في ذلك، وفي معنى
(١) حم (٢٧٤/٢ -- ٣٩٤ - ٤٢٠-٤٦٥ -٤٨١ -٤٨٤ -٤٩١ -٥٠١ - ٥١٢ -٥٢٥)،
خ (٤ / ٤٥٤ / ٢١٥٠)، م (١٥١٥/١١٥٥/٣[١١])، د (٣٤٤٣/٧٢٢/٣)،
جه (٢١٧٥/٧٣٤/٢)، ن (٧/ ٢٩٠- ٤٤٩٩/٢٩٤-٤٥٠٨)، قط (٧٤/٣)، ٢-٥٢٥)،
هق (٣٤٦/٥).
(٢) سيأتي تخريجه في الباب القادم.
(٣) هو بهذا اللفظ من حديث ابن عمر عند: حم (٢٢/٢ -١٤٢). وحديث أبي هريرة سيأتي
تخريجه .

١٨٦
فتح البر
قوله لا يبع بعضكم على بيع بعض في باب نافع عن ابن عمر، لان
القعنبي ذكر ذلك عن مالك في حديث نافع. وذكر يحيى وغيره من
ذلك ما وصفنا هنالك، وسنزيد المعنيين ههنا بيانا من قول أصحابنا
وغيرهم- إن شاء الله.
فجملة قول مالك في ذلك: إنه لا يجوز أن يشتري أحد من الجلب
والسلع الهابطة الى الاسواق، وسواء هبطت من أطراف المصر، أو من
البوادي - حتى يبلغ بالسلعة سوقها؛ هذا اذا كان التلقي في أطراف
المصر أو قريبا منه، وقيل لمالك: أرأيت ان كان ذلك على رأس ستة
أميال؟ فقال: لا بأس بذلك، والحيوان وغير الحيوان في ذلك كله
سواء.
وروى عيسى وأصبغ وسحنون عن ابن القاسم، ان السلعة اذا تلقاها
متلق واشتراها قبل أن يهبط بها الى السوق؛ قال ابن القاسم: تعرض
السلعة على أهل السلع في السوق، فيشتركون فيها بذلك الثمن لا
زيادة ؛ فان لم يكن لها سوق، عرضت على الناس في المصر،
فيشتركون فيها ان أحبوا؛ فان نقصت عن ذلك الثمن، لزمت
المشتري؛ قال سحنون : وقال لي غير ابن القاسم: يفسخ البيع.
وقال عيسى عن ابن القاسم: يؤدب متلقي السلع اذا كان معتادا
بذلك، وروى سحنون عنه أيضا أنه يؤدب، الا أن يعذر بالجهالة.
وقال عيسى عن ابن القاسم: إن فاتت السلعة فلا شيء عليه .
وروى أشهب عن مالك أنه كره ان يخرج الرجل من الحاضرة الى
أهل الحوائط فيشتري منهم الثمرة مكانها- ورآه من التلقي، ومن بيع
الحاضر للبادي؛ وقال أشهب: لا بأس بذلك- وليس هذا بمتلق،
ولكنه اشترى الشيء في موضعه.
وروى أبو قرة قال: قال لي مالك : إنى لأكره تلقي السلع وأن
يبلغوا بالتلقي أربعة برد.

البيوع
١٨٧
قال أبو عمر: لا أعلم خلافا في جواز خروج الناس الى البلدان
في الامتعة والسلع، ولا فرق بين القريب والبعيد من ذلك في النظر،
وإنما التلقي تلقي من خرج بسلعة يريد بها السوق؛ وأما من قصدته
الى موضعه فلم تتلق.
وقال الليث بن سعد: أكره تلقي السلع وشرائها في الطريق، أو
على بابك حتى تقف السلعة في سوقها التي تباع فيها؛ فإن تلقى أحد
سلعة فاشتراها ثم علم به، فإن كان بائعها لم یذهب، ردت إليه حتى
تباع في السوق؛ وإن كان قد ذهب، ارتجعت منه وبيعت في السوق،
ودفع اليه ثمنها؛ قال : وإن كان على بابه أو في طريقه، فمرت به
سلعة يريد صاحبها سوق تلك السلعة، فلا بأس أن يشتريها اذا لم
يقصد لتلقي السلع؛ وليس هذا بالتلقي، إنما التلقي أن يعمد لذلك.
قال ابو عمر: أما مذهب مالك والليث ومن قال بمثل قولهما في
النهي عن تلقي السلع، فمعناه - عندهم - الرفق بأهل الأسواق، لئلا
يقطع بهم عما له جلسوا يبتغون من فضل الله ؛ فنهى الناس أن يتلقوا
السلع التي يهبط بها اليهم، لان في ذلك فسادا عليهم.
وأما الشافعي، فمذهبه في ذلك أن النهي إنما ورد رفقا بصاحب
السلع، لئلا يبخس في ثمن سلعته.
قال الشافعي: لا تتلقى السلعة، فمن تلقاها فصاحبها بالخيار اذا
بلغ السوق؛ وقد روي بمثل ما قاله الشافعي خبر صحيح يلزم العمل
به .
حدثنا عبدالله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو
داود، قال حدثنا ابو توبة الربيع بن نافع، قال : حدثنا عبيدالله ابن
صَلى الله
عمرو الرقي، عن أيوب عن ابن سيرين، عن أبي هريرة أن النبي

فتح البر
١٨٨
نهى عن تلقي الجلب، فان تلقاه متلق فاشتراه، فصاحب السلعة
بالخيار اذا وردت السوق(١).
قال ابو عمر: هذه الرواية عن ابن سيرين تبين ما رواه عنه هشام بن
حسان، عن أبي هريرة، قال: قال رسول وَ له: لا تلقوا الجلب،
فمن تلقاه فاشترى منه شيئا، فهو بالخيار اذا أتى السوق(١).
قال ابو عمر: فقوله في خبر هشام: فهو بالخيار - يريد البائع، لئلا
يتناقض الحديثان؛ وهو جائز في اللغة أن يقصده- وان لم يذكره الا
بالمعنى ؛ وقد روينا من حديث هشام نصا كما قال أيوب، - وهو
الصواب، وما خالفه فليس بشيء.
وقال أصحاب الشافعي: تفسير النهي عن التلقي : أن يخرج أهل
الأسواق فيخدعون أهل القافلة، ويشترون منهم شراء رخيصا فلهم
الخيار، لانهم قد غروهم وخدعوهم.
وأما أبو حنيفة وأصحابه فالنهي عن تلقي السلع عندهم إنما هو من
أجل الضرر، فان لم يضر بالناس تلقي ذلك لضيق المعيشة، وحاجتهم
إلی تلك السلع، فلا بأس بذلك.
وقال أبو جعفر الطحاوي لما جعل رسول الله وَ يقول الخيار في السلعة
المتلقاة اذا هبط بها الى السوق، دل على جواز البيع، لانه ثبته وجعل
فيه الخيار؛ قال : وهذا يدل على أن التلقي المكروه اذا كان فيه ضرر،
فلذلك جعل فيه الخيار؛ فان لم يكن فيه، فهو غير مكروه.
وقال ابن خواز بنداد: البيع في تلقي السلع صحيح على قول
الجميع، وإنما الخلاف هو أن المشتري لا يفوز بالسلعة، ويشركه فيها
أهل الأسواق- ولا خيار للبائع، أو أن البائع بالخيار.
(١) سيأتي تخريجه في الباب القادم.

البيوع
١٨٩
قال ابو عمر: ما حكاه ابن خواز بنداد عن الجميع في جواز البيع
في ذلك مع ما دل عليه الحديث، هو الصحيح؛ لا ما حكاه سحنون
عن غير ابن القاسم- أنه يفسخ البيع، وبالله التوفيق.
وكان ابن حبيب يذهب الى فسخ البيع في ذلك، فان لم يوجد
لبائع، عرضت السلعة على أهل الاسواق واشتركوا فيها ان أحبوها،
وان أبوا منها ردت على مبتاعها- الى كلام كثير، ذكره ؛ وفرق بين
الطعام في ذلك وغيره، وقال: الطعام يوقف للناس كلهم يشترونه
بالثمن - وان كان له أهل راتبون في السوق، ولم يفسخ فيه البيع.
حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
محمد بن وضاح، قال حدثنا ابو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا أبو
أسامة، عن هشام عن محمد، عن أبي هريرة، عن النبي عليه
السلام: قال : لا تلقوا الأجلاب، فمن تلقى منه شيئا فاشتراه،
فصاحبه بالخيار اذا أتى السوق(١).
وأما قوله في الحديث: ولا يبع بعضكم على بيع بعض، فهو كقوله
لا يبع الرجل على بيع أخيه ولا يستام على سومه.
ذكر الحسن بن علي الحلواني قال: حدثنا عفان: قال حدثنا
إسماعيل، قال حدثنا ابن عون، قال: قال محمد بن سيرين : أتدري
متى لا يستام الرجل على سوم أخيه؟ قلت: لا أدري، قال : وأنا لا
أدري: وقال سفيان : هو أن يقول عندي خير منه، وقال مالك :
معنى ذلك الركون.
قال مالك: تفسير قول رسول الله لا يبع بعضكم على بيع بعض-
فيما نرى والله واعلم - أنه انما نهى أن يسوم الرجل على سوم أخيه
(١) سيأتي تخريجه في الباب القادم.

فتح البر
١٩٠
اذا ركن البائع الى السائم، وجعل يشترط وزن الذهب، ويتبرأ من
العيوب، وما أشبه هذا مما يعرف به أن البائع قد أراد مبايعة السائم،
فذلك الذي نهى عنه - والله أعلم.
قال مالك: ولا بأس بالسوم بالسلعة توقف للبيع فيسوم بها غير
واحد، قال ولو ترك الناس السوم عند أول من يسوم بالسلعة، أخذت
بشبه الباطل من الثمن، ودخل على الباعة في سلعهم المكروه
والضرر؛ قال: ولم يزل الأمر عندنا على هذا .
قال ابو عمر: أقوال الفقهاء كلهم في هذا الباب متقاربة المعنى،
وكلهم قد أجمعوا على جواز البيع فيمن يزيد، وهو يفسر لك ذلك؛
ومذهب مالك أن البيع في ذلك يفسخ ما لم يفت، ومذهب الشافعي
وأبي حنيفة أن البيع لازم، والفعل مكروه؛ وذكر ابن خواز بنداد،
قال: قال مالك: لا يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على
خطبته؛ ومتى فعل ذلك، فسخ البيع ما لم يفت، وفسخ النكاح قبل
الدخول .
وقال الشافعي وأبو حنيفة فيمن باع على بيع أخيه: العقد صحيح،
ویکره له ما فعل.
وأجمع الفقهاء أيضا على أنه لا يجوز دخول المسلم على الذمي في
سومه الا الأوزاعي وحده، فإنه قال: لا بأس بدخول المسلم على
الذمي في سومه؛ لقوله وَله: لا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا
يسم على سوم أخيه. وحجة سائر الفقهاء أن الذمي لما دخل في نهيه،
وَخلاء عن بيع الغرر، وبيع ما لم يقبض، والنجش(١)، وربح ما لم
يضمن، ونحو كذلك؛ كان كذلك في السوم على سومه، واذا اطلق
(١) سيأتي في باب ما جاء في النهي عن النجش".

البيوع
١٩١
الكلام على المسلمين، دخل فيه أهل الذمة؛ والدليل على ذلك
اتفاقهم على كراهية سوم الذمي على الذمي، فدل على أنهم مرادون.
وكان ابن حبيب يقول: إنما نهى ان يشتري الرجل على شراء
الرجل، وأما ان يبيع على بيعه فلا ؛ قال : لانه لا يبيع أحد على بيع
أحد، قال : وإنما هو أن يشتري مشتر على شراء مشتر، قال: والعرب
تقول: بعت الشيء في معنى اشتريته، وأنشد أبياتا في ذلك؛ وجعل
البيع فيه صحيحا، وفاعله عاصيا؛ أمره بالتوبة والاستغفار، وان
يعرض السلعة على أخيه الذي دخل فيها عليه، فإن أحبها أخذها.
قال ابو عمر: لا أدري وجها لانكاره أن يراد بذلك البيع،
والعرب- وان كان يعرف من لغتها أن تقول: بعت، بمعنى اشتريت؛
فالذي هو أعرف وأشهر عنها، أن تقول : بعت بمعنى بعت: وأي
ضرورة بنا الى هذا- والمعنى فيه واضح على ما قال مالك وغيره،
وبالله العون والتوفيق.
وأما قوله: لا تناجشوا، فقد مضى القول في معناه عند ذكر حديث
مالك عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي وبَجُلّ أنه نهى عن النجش،
ولا يختلف الفقهاء ان المناجشة معناها أن يدس الرجل الى الرجل
ليعطي بسلعته عطاء وهو لا يريد شراءها، ليعتبر به من أراد شراءها
من الناس، أو يفعل ذلك هو بنفسه في سلعته اذا لم يعلم أنها له.
واختلفوا في هذا البيع، فقال مالك: من اشترى سلعة منجوشة،
فهو بالخيار اذا علم، وهو عيب من العيوب؛ وهذا تحصيل مذهب
مالك عند المصريين والعراقیین من أصحابه، ذكر ذلك ابن خواز بنداد
وغيره عن مالك، وقال الشافعي وابو حنيفة: ذلك مكروه والبيع
لازم.

فتح البر
١٩٢٠
وقال ابن حبيب: من فعل ذلك جاهلا أو مجترنا، فسخ البيع ان
أدرك قبل أن يفوت؛ إلا أن يحب المشتري ان يتمسك بالسلعة بذلك
الثمن الذي أخذها به، قال: فإن فاتت في يده، كانت عليه بالقيمة؛
وذلك اذا كان البائع هو الذي دسه، أو كان المعطي من سبب البائع؛
وان لم يكن شيئا من ذلك وكان أجنبيا لا يعرف البائع ولا يعرف
قصته؛ فلا شيء على البائع- والبيع تام صحيح، والفاعل آثم، هذا
کله قول ابن حبيب.
وأما قوله في هذا الحديث : ولا يبع حاضر لباد، فان العلماء
اختلفوا في ذلك؛ فكان مالك يقول: تفسير ذلك: أهل البادية واهل
القرى، فأما أهل المدائن من أهل الريف، فانه ليس بالبيع لهم بأس
ممن يرى أنه يعرف السوم؛ الا من كان منهم يشبه أهل البادية، فاني لا
أحب أن يبيع لهم حاضر؛ وقال في البدوي يقدم فيسأل الحاضر عن
السعر، أكره له أن يخبره؛ ولا بأس أن يشتري له، انما يكره أن يبيع
له؛ فأما أن يشترط له، فلا بأس ؛ هذه رواية ابن القاسم، عنه، قال
ابن القاسم: ثم قال بعد: ولا يبيع مصري لمدني، ولا مدني المصري،
ولكن يشير عليه .
وقال ابن وهب عن مالك: لا أرى أن يبيع الحاضر للبادي، ولا
لأهل القرى؛ وقد حدثنا خلف بن القاسم، قال حدثنا أحمد بن
عبدالله بن محمد بن عبد المؤمن، قال حدثنا المفضل بن محمد
الجندي، قال حدثنا علي بن زياد، قال حدثنا ابو قرة، قال : قلت
لمالك: قول النبي عليه السلام لا يبع حاضر لباد- ما تفسيره؟ قال :
لا يبع اهل القرى لأهل البادية سلعهم. قلت: فان بعث بالسلعة الى
أخ له من أهل القرى - ولم يقدم مع سلعته؟ قال: لا ينبغي له .
قلت له: ومن أهل البادية؟ قال: أهل العمود. قلت له: القرى
المسكونة التي لا يفارقها أهلها يقيمون فيها تكون قرى صغارا في

البيوع
١٩٣
-
نواحي المدينة العظيمة، فيقدم بعض أهل تلك القرى الصغار الى أهل
المدينة بالسلع، فيبيعها لهم أهل المدنية؟ قال: نعم. إنما معنى الحديث
أهل العمود.
وروى أصبغ عن ابن القاسم فيمن فعل ذلك من بيع الحاضر
للبادي، أنه يفسخ بيعه؛ وكذلك روى عيسى عن ابن القاسم، قال:
وان فات، فلا شيء عليه.
وروى سحنون، عن ابن القاسم أنه يمضي البيع، قال سحنون:
وقال لي غیر ابن القاسم انه یرد البيع، وروی سحنون وعيسى عن ابن
القاسم أنه يؤدب الحاضر اذا باع للبادي، قال في رواية عيسى: إن كان
معتادا لذلك.
وروى عبدالملك بن الحسن زونان، عن ابن وهب، انه لا يؤدب -
عالما كان بالنهي عن ذلك أو جاهلا.
قال ابو عمر: لم يختلف قول مالك -والله أعلم- في كراهية بيع
الحاضر للبادي، واختلف قوله في شراء الحاضر للبادي: فمرة قال :
لا بأس أن يشتري له، ومرة قال: لا يشتري له ولا يشير عليه- ذكر
ذلك في كتاب السلطان من المستخرجة، وبه قال ابن حبيب؛ قال:
والبادي الذي لا يبيع له الحاضر هم أهل العمود، وأهل البوادي
والبراري مثل الأعراب؛ قال : وجاء النهي في ذلك إرادة أن يصيب
الناس غرتهم، ثم ذكر عن الخزامي، عن سفيان، عن أبي الزبير، عن
جابر، أن رسول الله وَلاّ قال: لا يبع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق
الله بعضهم من بعض(١)، قال: فأما أهل القرى الذي يعرفون اثمان
(١) أخرجه: حم (٣٠٧/٣-٣١٢-٣٨٦ -٣٩٢)، م (١١٥٧/٣/ ١٥٢٢[٢٠])،
د (٣ / ٣٤٤٢/٧٢١)، ت (١٢٢٣/٥٢٦/٣)، جه (٢ /٧٣٤ /٢١٧٦)،
ن (٧ / ٢٩٣ /٤٥٠٧).

فتح البر
١٩٤
سلعهم وأسواقها، فلم يعنوا بهذا الحديث؛ قال: فاذا باع الحاضر
للبادي، فسخ البيع؛ لان عقده وقع منهيا عنه، فالفسخ أولى به.
قال : وكذلك أخبرني أصبغ، عن ابن القاسم، قال عبدالملك بن
حبيب: والشراء للبادي مثل البيع، ألا ترى الى قوله عليه السلام : لا
يبع بعضكم على بيع بعض، إنما هو : لا يشتري بعضكم على شراء
بعض؛ قال: فلا يجوز للحضري أن يشتري للبدوي، ولا یبيع له؛
ولا أن يبعث البدوي الى الحضري بمتاع فيبيعه له الحضري، ولا يشير
عليه في البيع- إن قدم عليه.
قال أبو عمر: قال الليث بن سعد: لا يشير الحاضر على البادي،
لانه اذا أشار عليه، فقد باع له؛ لان شأن أهل البادية أن يرخصوا على
أهل الحضر، لقلة معرفتهم بالسوق؛ فنهى رسول الله وَخلاله عن البيع
له. قال : ولا بأس ان يبتاع الحاضر للبادي، وأما أهل القرى، فلا
بأس أن يبيع لهم الحاضر.
وقال الأوزاعي : لا يبع حاضر لباد، ولكن لا بأس أن يخبره
بالسعر.
وقال ابو حنيفة وأصحابه: لا بأس أن يبيع الحاضر للبادي ومن
حجتهم ان هذا الحديث قد عارضه قوله {وَ له الدين النصيحة لكل
مسلم(١).
(١) أخرجه من حديث تميم الداري: حم (١٠٢/٤)، م (٥٥/٧٤/١[٩٥]).
د (٥/ ٢٣٣ /٤٩٤٤)، ن (١٧٦/٧ - ١٧٧/ ٤٢٠٨-٤٢٠٩).
وأخرجه من حديث أبي هريرة: حم (٢٩٧/٢)، ت (١٩٢٦/٢٨٦/٤) وقال: حسن
صحيح. ن (٧/ ١٧٧ / ٤٢١٠-٤٢١١)، أبو نعيم في الحلية" (٢٤٢/٦) و(١٤٢/٧)
وأخرجه من حديث ابن عمر: الدارمي (٣١١/٢).
وأخرجه من حديث ابن عباس: حم (٣٥١/١)، خ في تاريخه (٤٦١/٢/٣).

البيوع
١٩٥
وقال الشافعي: لا یبع حاضر لباد، فإن باع حاضر لباد فهو عاص
إذا كان عالما بالنهي؛ ويجوز البيع، لقوله وَجُله : دعوا الناس يرزق
الله بعضهم من بعض.
قال ابو عمر: هذا اللفظ يقضي على أن النهي عن بيع الحاضر
للبادي، إنما هو لئلا يمنع المشتري فضل ما يشتريه، وهو موافق للنهي
عن تلقي السلع - على تأويل مالك وأصحابه؛ ومخالف لذلك على
تأويل الشافعي في النهي عن تلقي السلع وهذا لفظ صحيح.
حدثنا عبدالله بن محمد، قال حدثنا محمد بن عمر، قال حدثنا
علي بن حرب، قال حدثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر قال:
قال النبي وَُّله: لا يبع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من
بعض(١).
وحدثنا عبدالله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا
أبو داود، قال حدثنا عبدالله بن محمد النفيلي، حدثنا زهير، قال
حدثنا أبو الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله وَطيار: لا يبع
حاضر لباد، ذروا الناس يرزق الله بعضهم من بعض(١).
وروى ابن عباس، قال: نهى رسول الله وَّل أن يبيع حاضر لباد،
ذكره معمر، عن ابن طاوس، عن ابيه عن ابن عباس، وقال: قلت
له: ما يبيع حاضر لباد؟ قال: لا يكون له سمسارا(٢).
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.
(٢) خ (٤ / ٢١٥٨/٤٦٦)، م (١٥٢١/١١٥٧/٣)، د (٧١٩/٣ - ٣٤٣٩/٧٢٠)،
ن (٢٩٥/٧/ ٤٥١٢)، جه (٧٣٤/٢-٧٣٥ /٢١٧٧).

فتح البر
١٩٦٠
وروى أنس بن مالك، عن النبي عليه السلام، قال : لا يبع حاضر
لباد- وان كان أباه وأخاه(١).
وفي حديث طلحة بن عبيد الله أنه قال للأعرابي حين قدم عليه
بحلوبة له يبيعها: ان النبي عليه السلام : نهى أن يبيع حاضر لباد،
ولكن اذهب الى السوق فانظر من يبايعك: وشاورني حتى آمرك أو
أنهاك (٢)- ذكره حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن سالم
المكي، أن أعرابيا حدثه أنه قدم بحلوبة له على طلحة بن عبيدالله -
فذكره.
حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن عمر، قال حدثنا
علي بن حرب، قال حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد،
قال: إنما نهى رسول الله - و18َ أن يبيع حاضر لباد في زمانه، أراد
أن یصیب الناس بعضهم من بعض، فأما الیوم، فليس به بأس.
قال ابن أبي نجيح: وقال عطاء : لا يصلح ذلك، لان رسول الله
ێ نھی عنه.
وحدثنا عبدالله بن محمد، قال حدثنا محمد بن عمر، قال حدثنا
علي بن حرب قال حدثنا سفيان، عن مسلم الخياط، سمع ابن عمر
ينهى أن يبيع حاضر لباد، قال مسلم: وقال ابو هريرة : لا يبيعن
حاضر لباد.
قال ابو عمر: من فسخ البيع من أهل العلم في المناجشة وبيع
الحاضر للبدوي، وبيع المرء على بيع أخيه، ونحو ذلك من الآثار:
فحجتهم أنه بيع طابق النهي ففسد، وكذلك البيع عندهم بعد النداء
(١) خ (٤ / ٢١٦١/٤٦٩)، م (١٥٢٣/١١٥٨/٣[٢١-٢٢])، د (٣ /٧٢٠/ ٣٤٤٠).
ن (٧ / ٢٩٣ /٤٥٠٦٠٠٤٥٠٤).
(٢) د (٣٤٤١/٧٢١/٣).

البيوع
١٩٧ _
للجمعة، أو مع الآذان لها : وكان ابو حنيفة والثوري الشافعي وداود
وجماعة من أصحابهم وغيرهم، يذهبون الى أن البيع عند الاذان
للجمعة جائز ماض وفاعله عاص: وكذلك البيوع المذكورة عنها في
الحديث المذكور في هذا الباب، واستدل من ذهب هذا المذهب بأن
النهي عن ذلك لم يرد به نفس البيع، إنما أريد به معنى غير البيع-
وهو ترك الاشتغال عن الجمعة بما يحبس عنها، وسواء كان بيعا أو غير
بيع؛ وجرى في ذلك ذكر البيع. لأنهم كانوا يبتاعون ذلك الوقت،
فنهوا عن كل شاغل يشغل عن الجمعة وعن كل ما يحول بين من
وجبت عليه وبين السعي اليها، والبيع وغيره في ذلك سواء، قالوا:
ولا معنى لفسخ البيع، لأنه معنى غير شهود الجمعة. لأنه قد يبيع
ذلك الوقت ويدرك الجمعة؛ قالوا: ألا ترى أن رجلا لو ذكر صلاة لم
يبق من وقتها الا ما يصليها فيه. كان عاصيا بالتشاغل عنها بالبيع
وجاز بيعه، قالوا : فكذلك من باع بعد أذان الجمعة سواء . قالوا:
وكذلك لو كان في صلاة، فقال له رجل: قد بعتك عبدي هذا بألف،
فقال: قد قبلت، صح البيع - وإن كان منهيا عن قطع صلاته بالقول .
وأما قوله في هذا الحديث: ولا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها
بعد ذلك، فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، ان رضيها أمسكها، وان
سخطها ردها (١) - وصاعا من تمر: فقد اختلف العلماء في القول بهذا
الحديث، فمنهم من قال به، ومنهم من رده - ولم يستعمله.
(١) أخرجه من حديث أبي هريرة: حم (٢٤٢/٢ - ٤١٠- ٤٢٠-٤٦٥)،
خ (٤ / ٢١٤٨/٤٥٤)، م (٣ / ١١٥٨ / ١٥٢٤ [٢٦٠٠٢٣])،
ت (١٢٥١/٥٥٣/٣-١٢٥٢)، جه (٢٢٣٩/٧٥٣/٢)،
ن (٢٩٠/٧-٤٥٠١٠٠٤٤٩٩/٢٩١)، قط (٧٤/٣)، هق (٣١٨/٥-٣٢٠-٣٢١).

فتح البر
١٩٨
وممن قال به : مالك بن أنس، والشافعي وأحمد، وإسحاق،
وجمهور أهل الحديث: ذكر أسد وسحنون عن ابن القاسم أنه قال له:
أيأخذ مالك بهذا الحديث؟ فقال : قلت لمالك: تأخذ بهذا الحديث؟
قال: نعم، وقال مالك: أو لأحد في هذا الحديث رأي؟ قال ابن
القاسم: وأنا آخذ به، الا أن مالكا قال لي: أرى لأهل البلدان اذا نزل
بهم هذا - أن يعطوا الصاع من عيشهم، قال : وأهل مصر عيشهم
الحنطة .
قال ابو عمر: رده أبو حنيفة وأصحابه، وزعم بعضهم أنه منسوخ،
وأنه كان قبل تحريم الربا، وبأشياء لا يصلح لها معنى الا مجرد
الدعوى، وقد روى أشهب عن مالك، نحو ذلك.
ذكر العتبي من سماع أشهب عن مالك أنه سئل عن قول رسول الله
وَ له : من ابتاع مصراة فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها : إن شاء
أمسكها، وإن شاء ردها- وصاعا من تمر؛ فقال: قد سمعت ذلك
وليس بالثابت ولا الموطأ عليه، ولئن لم يكن ذلك أن له اللبن بما
أعلف وضمن : قيل له : نراك تضعف الحديث؟ فقال: كل شيء
يوضع موضعه، وليس بالموطأ ولا الثابت- وقد سمعته.
قال ابو عمر: هذه رواية منكرة، والصحيح عن مالك ما رواه ابن
القاسم؛ والحديث عند أهل العلم بالحديث صحيح من جهة النقل،
رواه جماعة عن أبي هريرة، منهم : موسى بن يسار وأبو صالح
السمان، وهمام بن منبه، ومحمد بن سيرين، ومحمد بن زياد،
بأسانيد صحاح ثابتة؛ فرواية الأعرج قد ذكرناها من حديث مالك.
وحدثنا أحمد بن قاسم بن عيسى، قال حدثنا عبيد الله بن محمد
ابن حبابة، قال حدثنا عبدالله بن محمد البغوي، قال حدثنا جدي،

البيوع
١٩٩
قال حدثنا يزيد بن هارون، قال حدثنا شعبة، عن محمد بن زياد،
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَظله: من اشترى مصراة، فهو
بالخيار - ثلاثا؛ وإن ردها، رد معها صاعا من تمر (١).
وحدثنا أحمد بن قاسم بن عيسى، قال حدثنا : عبيد الله بن
حبابة، قال حدثنا البغوي، قال حدثنا علي بن الجعد، قال حدثنا أبو
جعفر الرازي، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال : قال
رسول الله ◌َله : من اشترى مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام، فإن ردها
رد معها صاعا من تمر لا سمراء(١).
وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا ابن
وضاح، قال حدثنا ابو بكر بن أبي شيبة، قال : حدثنا أبو أسامة،
عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله
وَلير، فذكره حرفا بحرف(١)، وزاد: لا سمراء - يعني الحنطة.
قال ابو عمر: أما قوله في حديث أبي الزناد: ولا تصروا الإبل
والغنم، فمن ابتاعها - يريد من ابتاع المصراة من الإبل والغنم،
والمصراة هي المحفلة، سميت بمصراة لان اللبن صري في ضرعها أياما
حتى اجتمع وكثر. ومعنى صري حبس، فلم تحلب حتى عظم ضرعها
به ليغتر المشتري بذلك، ويظن أن تلك حالها ؛ وأصل التصرية حبس
الماء وجمعه، تقول العرب: منه صريت الماء اذا حبسته، وليس هذا
اللفظ من الصرار والتصرير؛ ولو كان منه، لكانت مصرورة لا
مصراة؛ وإنما قيل للمصراة المحفلة، لان اللبن اجتمع في ضرعها
فصارت حافلا، والشاة الحافل: الكثيرة اللبن، العظيمة الضرع؛ ومنه
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

فتح البر
٢٠٠
قيل: مجلس حافل ومحتفل - اذا كثر فيه القوم. وهذا الحديث أصل
في النهي عن الغش، وأصل فيمن دلس عليه بعين، أو وجد عيبا بما
ابتاعه- أنه بالخيار في الاستمساك أو الرد؛ وهذا مجتمع عليه بالمدينة
في الرد بالعيوب. كلهم يجعل حديث المصراة أصلا في ذلك.
وأما استعمال الحديث في المصراة على وجهه، فمختلف فيه: قال
به أكثر أهل الحجاز، واستعملوا كثيرا من معانيه؛ ومن أهل العلم
بالعراق والحجاز من يأبى استعمال حديث المصراة.
واختلف الذين أبوا ذلك، فقال منهم قائلون: ذلك خصوص في
المصراة غير مستعمل في غيرها، لان اللبن المحلوب منها فيه للمشتري
حظ، لان بعضه حدث في ملكه فهو غلة له، وذكروا قوله وَالجاه
الخراج بالضمان، والغلة بالضمان (١)، قالوا : والغلة والكسب لما كان
عند الجميع بالضمان، كان رد الصاع خصوصا في المصراة.
أخبرنا عبدالرحمن بن مروان، قال : أخبرنا الحسن بن يحيى، قال
حدثنا عبدالله بن علي بن الجارود، قال حدثنا بحر بن نصر، عن
(١) أخرجه من حديث عائشة: حم (٤٩/٤-١٦١-٢٠٨ -٢٣٧)،
د (٣ /٧٧٧ -٣٥٠٨/٧٧٩-٣٥٠٩)، ت (٥٨١/٣- ١٢٨٥/٥٨٢) وقال: حسن صحيح. جه
(٧٥٣/٢-٢٢٤٢/٧٥٤)، ن (٤٥٠٢/٢٩٢/٧)، قط (٥٣/٣)،
هق (٣٢١/٥-٣٢٢)، ك (١٥/٢) وصححه ووافقه الذهبي. حب: الإحسان
(٤٩٢٧/٢٩٨/١١)، قلت: نقل الحافظ في "التلخيص" (٢٢/٣) تصحيح ابن القطان له.
وأخرجه من طريق مسلم بن خالد الزنجي عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: د
(٣/ ٧٨٠/ ٣٥١٠)، جه (٢٢٤٣/٧٥٤/٢)، ك (٢ / ١٥) وصححه ووافقه الذهبي.
قلت: مسلم بن خالد الزنجي قال فيه الحافظ في التقريب (١٧٨/٢): صدوق كثير الأوهام.
وأخرجه من طريق المقدمي عمر بن علي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعا به:
ت (١٢٨٦/٥٨٢/٣). والمقدمي قال فيه الحافظ في التقريب (٧٢٤/١): ثقة وكان يدلس
تدلیسا شديدا .