النص المفهرس
صفحات 601-620
الديات والغرامات ابن محمد، حدثنا أبوغسان مالك بن یحیی، حدثنا یزید بن هارون، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن عمرو بن شعيب- ان عمر قال: سمعت رسول الله وَل يقول: ليس لقاتل شيء(١)، قال يزيد بن هارون: وأخبرنا ابن أبي ذئب عن الزهري، عن سعيد بن المسيب ان النبي وَلاّه قضى ان لا يرث قاتل عمدا من الدية شيئا. رواه اسحاق بن عبد الله ابن أبي فروة، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، ان النبي بَّه قال: القاتل لا يرث(٢). وروى احمد بن حنبل، قال حدثني يعقوب بن ابراهيم، قال حدثني أبي عن ابن اسحاق، قال حدثني عبد الله بن أبي نجيح، وعمرو بن شعيب، كلاهما حدثني عن مجاهد ان عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله ◌َخلال يقول: ليس لقاتل شيء(٣). قال احمد: وحدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن رجل سمع عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَله: من قتل قتيلا فإنه لا يرثه وان لم يكن له وارث غيره، وإن كان والده أو ولده، وليس لقاتل ميراث (٤). (١) تقدم تخريجه في الباب نفسه. (٢) ت: (٤/ ٢١٠٩/٣٧٠) وقال: هذا حديث لا يصح لا يعرف إلا من هذا الوجه، وإسحاق ابن عبد الله بن أبي فروة قد تركه بعض أهل الحديث منهم أحمد بن حنبل، جه: (٢٦٤٥/٨٨٣/٢)، ن: في الكبرى وقال: إسحاق متروك كما في التلخيص (٨٥/٣)، قط: (٩٦/٤) و(٢٣٧/٤)، ابن عدي في الكامل (٣٢٨/١)، هق: (٢٢٠/٦) وقال «إسحاق ابن عبد الله لا يحتج به إلا أن شواهده تقويه)) كلهم من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن الزهري بهذا الإسناد (٣) تقدم تخريجه في الباب نفسه (٤) أخرجه عبد الرزاق: (١٧٧٨٧/٤٠٤/٩) ومن طريقه هق: (٦/ ٢٢٠) وقد سمي الرجل المبهم عند البيهقي قال: قال عبد الرزاق وهو عمرو بن برق. وقال فيه الحافظ في "التلخيص" (٨٥/٣): ((وهو ضعيف عندهم)). فتح البر ٦٠٢ روى عبد الواحد بن زياد، عن الحجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رجلا قتل ابنه فغرمه عمر الدية مائة من الإبل، ولم يورثه من الدية ولا من سائر ميراثه شيئا، وقال: لولا أني سمعت رسول الله وَلا يقول: لا يقتل والد بولد لقتلتك(١). وروى أبو بكر بن عياش عن مطرف، عن الشعبي، قال: قال عمر: لا يرث قاتل خطأ ولا عمد. وروى وكيع، عن الحسن بن صالح، عن ليث، عن أبي عمرو العبدي، عن علي ، قال: لا يرث القاتل من المال ولا من الدية شيئا(٢). وروى ابن سيرين، عن عبيدة قال: لم يورث قاتل بعد صاحب البقرة. وروى الشعبي عن علي، وعبد الله وزيد ، قالوا: لا يرث قاتل عمدا ولا خطأ شيئا (٣)، وابن أبي ليلى عن علي مثله، ومجاهد عن عمر مثله، وبهذا قال مجاهد، وطاوس، وجابر بن زيد، وشریح، وابراهيم، وعروة، والحكم بن عتيبة، وسفيان الثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه، والشافعي، وزفر ، وشريك، والحسن بن صالح، ووكيع، ويحيى بن آدم- كل هؤلاء يقول: لا يرث قاتل عمدا ولا خطأ من المال ولا من الدیة شيئا. وقال سعيد بن المسيب وعطاء والحسن والزهري ومكحول ومالك (١) تقدم تخريجه في الباب نفسه. (٢) أخرجه ابن أبي شيبة: (٦/ ٣١٣٩٩/٢٨٠) بهذا الإسناد بلفظ: ((لا يرث القاتل)). (٣) هق: (٢٢٠/٦). الديات والغرامات ٦٠٣ ابن أنس وابن أبي ذئب والاوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وأبو ثور وداود: لا يرث قاتل العمد شيئا ويرث قاتل الخطأ من المال ولا يرث من الدية شيئا. وقالت طائفة من البصريين: يرث من ماله وديته جميعا، وروي عن مجاهد ان قاتل الخطأ يرث من المال دون الدية. فتح البر ٦٠٤ ما جاء في القسامة [٧] مالك، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار أنه أخبره أن عبد الله بن سهل الانصاري ومحيصة بن مسعود خرجا الى خيبر فتفرقا في حوائجهما، فقتل عبد الله بن سهل، فقدم محيصة فأتى هو وأخوه حويصة وعبد الرحمن بن سهل إلى النبي وَجُلّ فذهب عبد الرحمن ليتكلم لمكانه من أخيه، فقال رسول الله وَ له: كبر كبر، فتكلم محيصة وحويصة، فذكرا شأن عبد الله بن سهل، فقال لهم رسول الله وَيُله : أتحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبکم او قاتلكم؟ قالوا: يا رسول الله، لم نشهد ولم نحضر، فقال رسول الله وَُّل تبرئكم يهود بخمسين يمينا، فقالوا: يا رسول الله كيف نقبل أيمان قوم كفار؟ قال يحيى: فزعم بشير أن رسول الله وَله وداه من عنده (١). لم يختلف الرواة عن مالك في ارسال هذا الحديث، وقد رواه حماد بن زيد، وسفيان بن عيينة، والليث بن سعد، وعبد الوهاب الثقفي، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة، وبعضهم يجعل مع سهل بن أبي حثمة رافع بن خديج جميعا عن النبي وَّه وكلهم يجعله عن سهل بن أبي حثمة مسندا. أخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا عبيد الله بن عمرو بن ميسرة، ومحمد بن عبيد المعنى، قالا حدثنا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن (١) هكذا رواه مالك مرسلا وسيأتي موصولا في الحديث بعده. الديات والغرامات ٦٠٥ يسار، عن سهل بن أبي حثمة، ورافع بن خديج - ان محيصة بن مسعود وعبد الله بن سهل انطلقا قبل خيبر فتفرقا في النخل، فقتل عبد الله بن سهل، فاتهموا اليهود، فجاء أخوه عبدالرحمن بن سهل وأنبأ عميه حويصة ومحيصة، فأتوا النبي ◌َّ فتكلم عبد الرحمن في أمر أخيه- وهو أصغرهم، فقال رسول الله وَجله الكبر، الكبر- قال: ليبدأ الاكبر. فتكلموا في أمر صاحبهم، فقال رسول الله وَخلقه: يقسم منكم خمسون على رجل فيدفع برمته، قالوا: أمر لم نشهده- كيف نحلف؟ قال: فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم. قالوا: يارسول الله قوم كفار، قال: فوداه رسول الله وَله من قبله. قال: قال سهل: دخلت مربد التمر فركضتني ناقة من تلك الإبل ركضة برجلها هذا أو نحوه(١). قال أبو داود: رواه مالك وبشر بن المفضل، عن يحيى. فقالا فيه: أتحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم او قاتلكم؟ ولم یذکر بشیر دم وقال عبدة عن یحیی كما قال حماد. قال أبو عمر: في حديث حماد بن زيد هذا دليل واضح على أنه لا يقتل بالقسامة الا واحد، لانه أمرهم بتعيين رجل يقسمون عليه فيدفع اليهم برمته، (١) حم: (٣/٤)، خ: (٦١٤٢/٦٥٦/١٠-٦١٤٣) و(٢٧٠٢/٣٨٢/٥)، م: (١٦٦٩/١٢٩٢/٣[١-٢])، د: (٤٥٢٠/٦٥٥/٤)، ت: (١٤٢٢/٢٢٠/٤)، ن: (٣٧٦/٨-٤٧٢٦/٣٧٧-٤٧٢٧)، طب: في الكبير (٤٤٢٨/٢٨١/٤) و (٥٦٢٥/٦)، قط: (١٠٨/٣-١٠٩)، هق (١١٨/٨- [١١٨-١١٩]-١١٩)، الدارمي (١٨٨/٢-١٨٩)، الحميدي: (٤٠٣/١٩٦/١) و(٣١٧٣/٣٣٨/٦) من طرق عن بشير بن يسار بهذا الإسناد إلا أن أحمد والحميدي والبخاري في روايته الأولى والثانية، ومسلم في روايته الثانية والطبراني في روايته الثانية والثالثة والبيهقي في روايته الأولى والأخيرة والدارقطني في روايته الأولى لم يذكروا رافع بن خديج. فتح البر ٦٠٦ وهو حجة لمالك وأصحابه في ذلك، وكذلك في حديث الزهري عن سهل بن أبي حثمة: تسمون قاتلكم ثم تحلفون عليه خمسين يمينا فيسلم اليكم. ومن جهة النظر فلان الواحد أقل من يستيقن انه قتله، فوجب ان يقتصر بالقسامة عليه. قال أبو داود: ورواه ابن عيينة عن يحيى، فبدأ بقوله: تبرئكم يهود بخمسين يمينا تحلفون - ولم يذكر الاستحقاق . - هكذا قال أبو داود، وليس عندنا حديث ابن عيينة كذلك، وهوعندنا من رواية الحميدي- وهو أثبت الناس في ابن عيينة- على غير ما ذكره: حدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم ابن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل ، قال حدثنا الحميدي، قال حدثنا سفيان، قال حدثنا يحيى بن سعيد، قال أخبرني بشير بن يسار انه سمع سهل بن أبي حثمة يقول: وجد عبد الله بن سهل قتيلا في فقير او قليب من قلب خيبر، فأتى أخوه النبي وَجلال عبد الرحمن بن سهل وعماه حويصة ومحيصة ابنا مسعود، فذهب عبد الرحمن يتكلم، فقال النبي وَّل: الكبر، الكبر، فتكلم محيصة، فذكر مقتل عبد الله بن سهل فقال: يا رسول الله، انا وجدنا عبد الله بن سهل قتيلا، وان اليهود أهل كفر وغدر، وهم الذين قتلوه، فقال رسول الله ګے تحلفون خمسین یمینا وتستحقون صاحبكم أو دم صاحبكم، قالوا: يا رسول الله، كيف نحلف على ما لم نحضر ولم نشهد؟ قال: فتبرئكم يهود بخمسين يمينا، قالوا: كيف نقبل ايمان قوم مشركين؟ قال: فوداه رسول الله وَله من عنده، قال سهل: فلقد ركضتني بكرة منها (١). (١) انظر تخريجه في الحديث الذي قبله. الديات والغرامات ٦٠٧ ورواه الشافعي وغيره جماعة عن ابن عيينة كما قال أبو داود، وأخبرنا محمد بن ابراهيم واحمد بن محمد قالا حدثنا أحمد بن مطرف، قال حدثنا عبيد الله بن يحيى، قال أخبرني أبي عن الليث عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة. قال يحيى : حسبت انه قال: وعن رافع بن خديج انهما قالا: خرج عبد الله بن سهل بن زيد، ومحيصة بن مسعود بن زيد حتى اذا كانا بخيبر تفرقا في بعض ما هنالك، ثم اذا محيصة يجد عبدالله قتيلا، فدفنه ثم أقبل إلى رسول الله وح خلال هو وحويصة بن مسعود، وعبد الرحمن بن سهل وكان أصغر القوم؛ فذهب عبد الرحمن ليتكلم قبل صاحبيه، فقال رسول الله وحّ له كبر للكبر في السن، فصمت وتكلم صاحباه ثم تكلم معهما، فذكروا لرسول الله وقل له مقتل عبد الله بن سهل، فقال: أتحلفون خمسين يمينا فتستحقون صاحبكم او قتيلكم؟ فقالوا: وكيف نحلف ولم نشهد؟ قال: فتبرئكم يهود بخمسين يمينا، قالوا: وكيف نقبل أيمان قوم كفار؟ فلما رأى ذلك رسول الله وَله أعطى عقله(١). وقد رواه بشر بن المفضل، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة، قال: وجد عبد الله بن سهل قتيلا، فجاء أخوه وعماه- وذكر الحديث(١). وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا عبيد بن عبد الواحد، قال حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب، قال حدثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن اسحاق، قال: فحدثني الزهري (١) انظر تخريجه فيما سلف من هذا الباب. فتح البر ٦٠٨ عن سهل بن أبي حثمة؛ قال ابن اسحاق: وحدثني أيضا بشير بن يسار عن سهل بن أبي حثمة، قال: أصیب عبد الله بن سهل بخيير، وكان خرج اليها في اصحاب له يمتار منها تمرا، فوجد في عين قد كسرت عنقه ثم طرح فيها، فأخذوه فغيبوه، ثم قدموا على رسول الله وَخلي فذكروا له شأنه، فتقدم اليه أخوه عبد الرحمن ومعه ابنا عمه حويصة ومحيصة ابنا مسعود، وكان عبد الرحمن من أحدثهم سنا، وكان صاحب الدم، وكان ذا قدم في القوم، فلما تكلم قبل ابني عمه، قال رسول الله وَ له: الكبر، الكبر- فسكت، فتكلم حويصة ومحيصة، ثم تكلم هو بعد فذكروا لرسول الله وَخلال قتل صاحبهم، فقال رسول الله وَجُل: تسمون قاتلكم ثم تحلفون عليه خمسين يمينا فيسلم اليكم، فقالوا: يا رسول الله، ما كنا لنحلف على ما لا نعلم، قال: فيحلفون لکم بالله خمسین یمینا ما قتلوه ولا یعلمون له قاتلا، ثم يبرؤون من دمه، قالوا: يا رسول الله، ما كنا لنقبل أيمان يهود ما فيهم من الكفر أعظم من ان يحلفوا على اثم، قال: فوداه رسول الله وَلّ من عنده مائة ناقة، قال سهل: فوالله ما أنسى بكرة منها حمراء ضربتني وانا احوزها(١). ففي هذه الروايات لمالك وغيره اثبات تبدئة المدعين بالايمان في القسامة، وفي حديث مالك هذا من الفقه اثبات القسامة في الدم، وهو أمر كان في الجاهلية، فأقرها رسول الله وَخلال في الاسلام. ذكر معمر، ويونس، عن الزهري، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار عن رجال أو رجل من أصحاب رسول (١) انظر تخريجه فيما سلف من هذا الباب. الديات والغرامات ٦٠٩ الله وَ له من الانصار ان رسول الله وَلظل أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية(١). ذكره عبد الرزاق عن معمر. وذكره ابن وهب عن يونس قال يونس عن رجل ، وقال معمر: عن رجال، وقال معمر عن الزهري عن ابن المسيب: كانت القسامة في الجاهلية فأقرها رسول الله وَللّه وقضى بها في الانصاري الذي وجد مقتولا في جب اليهود بخيير(٢). وفيه ان القوم اذا اشتركوا في معنى من معاني الدعوى وغيرها، کان اولاهم بان يبدأ بالكلام أكبرهم، فاذا سمع منه، تكلم الاصغر، فسمع منه أيضا ان احتيج إلى ذلك، وهذا ادب وعلم، فان كان في الشركاء في القول والدعوى من له بيان، ولتقدمته في القول وجه، لم یکن بتقديمه بأس ان شاء الله. أخبرنا محمد بن زكرياء، قال حدثنا احمد بن سعيد، قال حدثنا احمد بن خالد، قال حدثنا مروان بن محمد، قال حدثنا أبو حاتم، عن العتبي، قال: قال سفيان بن عيينة: قدم وفد من العراق على عمر ابن عبد العزيز، فنظر عمر الى شاب منهم يريد الكلام ويهش اليه، فقال عمر: كبروا، كبروا- يقول: قدموا الكبار. قال الفتى: يا أمير المؤمنين، ان الأمر ليس بالسن، ولو كان الأمر كذلك، لكان في المسلمين من هو أسن منك، قال: صدقت، فتكلم - رحمك الله، قال: إنا وفد شكر- وذكر الخبر. (١) أخرجه عبد الرزاق (١٨٢٥٢/٢٧/١٠)، م: (١٦٧٠/١٢٩٥/٣). ن (٨/ ٣٧٣/ ٤٧٢١- ٤٧٢٢)، هق: (١٢٢/٨). (٢) أخرجه عبد الرزاق: (١٨٢٥٢/٢٧/١٠)، ومن طريقه: ن: (٤٧٢٣/٣٧٤/٨). فتح البر ٦١٠ وفيه أن المدعين الدم يبدؤون بالايمان في القسامة خاصة، وهو يخص قول النبي وَّ البينة على المدعي، واليمين على المنكر. فكأنه قال بدليل هذا الحديث الا في القسامة، ولا فرق بين ان يجئ ذلك في حديث واحد، او حديثين، لان ذلك كله بسنته وَآلآد . وقد حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أبو يحيى بن أبي مسرة، قال حدثنا مطرف بن عبد الله، قال حدثنا مسلم بن خالد الزنجي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله وَلطل: البينة على المدعي، واليمين على من أنكر الا في القسامة (١). وهذا الحديث وان كان في إسناده لين، فان الآثار المتواترة في حديث هذا الباب تعضده، ولكنه موضع اختلف فيه العلماء، فقال مالك - رحمه الله - لأمر المجتمع عليه عندنا والذي سمعت ممن أرضى في القسامة، والذي اجتمعت عليه الامة في القديم والحديث أن يبدأ بالايمان المدعون في القسامة، قال: وتلك السنة التي لا اختلاف فيها عندنا، والذي لم يزل عليه عمل الناس: أن المبدئين في القسامة اهل الدم الذين يدعونه في العمد والخطأ، لان رسول الله وَخُلّ بدأ الحارثيين في صاحبهم الذي قتل بخيير. (١) رواه ابن عدي (٦/ ٣١٠)، قط: (٢١٨/٤)، والبيهقي كما في التلخيص (٣٩/٤) من حديث مسلم بن خالد عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وقد لينه ابن عبد البر كما هو مسطر عقب هذا الحديث. قلت: علته مسلم بن خالد الزنجي وهو صدوق كثير الأوهام كما في التقريب (١٧٨/٢)، وقال الحافظ في التلخيص ((قال البخاري: ابن جريج لم يسمع من عمرو بن شعيب)) فهذه علة أخرى ورواه: قط: (٢١٧/٤-٢١٨)، ابن عدي: (٣١٠/٦) من حديث عثمان بن محمد عن مسلم بن خالد عن ابن جريج عن عطاء عن أبي هريرة ورواه عبد الرزاق عن ابن جريج وحجاج عن ابن جريج عن عمرو مرسلا كما قال الدارقطني في السنن (٢١٨/٤). الديات والغرامات ٦١١_ وذهب الشافعي في تبدئة المدعين الدم بالايمان- إلى ما ذهب اليه مالك في ذلك على ظواهر هذه الاحاديث المتقدم ذكرها في هذا الباب. ومن حجة مالك والشافعي في تبدئة المدعين الدم باليمين مع صحة الأثر بذلك: قول الله عز وجل: ﴿وَلَكُمْ فِ اَلْقِصَاصِ حَيَوَةٌ ﴾ [البقرة: (١٧٩)]. وقوله عز وجل: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَوَةٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ اَلْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾ [المائدة: (٨٢)]. فالعداوة التي كانت بين الأنصار واليهود بدأ الحارثيين بالايمان، وجعل العداوة سببا تقوى به دعواهم، لانه لطخ يليق بهم في الاغلب لعداوتهم، ومن سنته وَ لور ان من قوي سببه في دعواه، وجبت تبدئته باليمين، ولهذا جاء اليمين مع الشاهد- والله أعلم، مع ما في هذا من قطع التطرق إلى سفك الدماء، وقبض ايدي الاعداء عن اراقة دم من عادوه على الدنيا- والله أعلم. وذهب جمهور أهل العراق الى تبدئة المدعى عليهم بالايمان في الدماء كسائر الحقوق، وممن قال ذلك: أبو حنيفة وأصحابه، وعثمان البتي، والحسن بن صالح، وسفيان الثوري، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، كل هؤلاء قالوا: يبدأ المدعى عليهم على عموم قول رسول الله وَله: البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر (١). حدثنا احمد بن عبد الله، قال حدثنا الميمون بن حمزة، قال حدثنا الطحاوي، قال حدثنا المزني، قال حدثنا الشافعي، قال أخبرنا مسلم ابن خالد، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، ان رسول الله وَ له قال: البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه(١). (١) سيأتي تخريجه في الحديث الذي بعده. فتح البر ٦١٢٠ قال: وهذا على عمومه في سائر الحقوق من الدماء او غيرها، لأنه قد روي ان مخرج هذا الخبر كان في دعوى دم، وذكروا ما حدثناه عبد الوارث بن سفيان، واحمد بن قاسم، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ بمكة، والحارث بن أبي اسامة ، قالا حدثنا يحيى بن أبي بكير، قال حدثنا نافع بن عمر، عن ابن أبي ملیکة، قال: كتبت الى ابن عباس في امرأتين اخرجت احداهما يدها تشخب دما، فقالت: أصابتني هذه- وانكرت الأخرى، فكتب إلى ابن عباس ان رسول الله وَله قال: ان اليمين على المدعى عليه، وقال: لو ان الناس اعطوا بدعواهم لادعى ناس دماء قوم واموالهم، ادعها فاقرأ عليها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَبِكَ لَا خَلَقَ لَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ﴾ [آل عمران: (٧٧)]. فقرأت عليها، فاعترفت فبلغه (٢) فسره(٢) . (١) رواه البغوي (١٠١/١٠/ ٢٥٠١) من طريق الشافعي نا مسلم بن خالد بهذا الإسناد. في إسناده مسلم بن خالد وقد تقدم الكلام عليه في الحديث قبله . ورواه: هق: (٢٥٢/١٠) من طريق الحسن بن سهل ثنا عبد الله بن إدريس ثنا ابن جريج وعثمان بن الأسود عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس مرفوعا ((البينة على المدعي واليمين على من أنكر)) وهو إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير الحسن بن سهل وهو ثقة، كما قال الشيخ الألباني في الإرواء (٢٦٤١/٢٦٦/٨). وأخرجه أيضا: هق (١٠/ ٢٥٢) من طريق الفريابي ثنا سفيان عن نافع بن عمر عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس أن النبي وَّ * قال فذكره بلفظ حديث ابن عبد البر. وقال البيهقي: ((قال أبو القاسم لم يروه عن سفيان إلا الفريابي)) وهو محمد بن يوسف، قال فيه الحافظ في التقريب: ((ثقة فاضل ، يقال أخطأ في شيء من حديث سفيان وهو مقدم فيه مع ذلك عندهم على عبد الرزاق)) والجملة الثانية من الحديث، في الصحيحين وسيأتي تخريجها في الحديث بعده. (٢) خ: (٤٥٥٢/٢٦٩/٨)، م: (١٧١١/١٣٣٦/٣[١])، جه: (٧٧٨/٢ / ٢٣٢١)، هق: (٢٥٢/١٠) من طريق ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس مرفوعا وتابعه نافع بن عمر عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس به، أخرجه مختصرا: خ: (٢٦٦٨/٣٥١/٥)، م: (١٧١١/١٣٣٦/٣ [٢])، د: (٤ / ٣٦١٩/٤٠). ت: (١٣٤٢/٦٢٦/٣) وأخرجه بلفظ ابن عبد البر: ن: (٨/ ٦٤٠ /٥٤٤٠). الديات والغرامات ٦١٣ وحدثنا عبد الوارث، قال حدثنا قاسم، حدثنا محمد بن الجهم، حدثنا عبد الوهاب، قال أخبرنا ابن جريج، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن ابن عباس، أن رسول الله وَّله قال: لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى ناس دماء قوم واموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه(١). قالوا: فهذا عندنا - في جميع الحقوق، وعارضوا الآثار المتقدمة بما حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا الحسن بن علي، قال حدثنا عبد الرزاق، قال أخبرنا معمر، عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، عن رجال من الانصار ان النبي وَجُلاّ قال لليهود: وبدأ بهم: أيحلف منكم خمسون رجلا؟ فأبوا، فقال للانصار استحقوا، فقالوا: نحلف على الغيب يا رسول الله؟ فجعلها رسول الله وَخله على يهود، لانه وجد بين أظهرهم(٢). وأخبرنا عبد الله بن محمد، حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا عبد العزيز بن يحيى الحراني، قال حدثنا محمد بن سلمة، وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا عبيد بن عبد الواحد، قال حدثني احمد بن محمد بن (١) تقدم تخريجه في الذي قبله. (٢) د: (٤٥٢٦/٦٦٢/٤)، هق: (١٢١/٨-١٢٢) من طريق عبد الرزاق عن معمر بهذا الإسناد. وقال البيهقي: ((وهذا مرسل بترك تسمية الذين حدثوهما وهو يخالف الحديث المتصل في البداية بالقسامة وفي إعطاء الدية والثابت عن النبي ◌َُّّر أنه رواه من عنده وقد خالفه ابن جريج وغيره في لفظه)). وقال ابن القيم في "تهذيب سنن أبي داود (عون المعبود ٢٥٣/١٢) ((وهذا الحديث له علة وهي أن معمرا انفرد به عن الزهري وخالفة ابن جريج وغيره)» ثم قال: ((بأن أبا سلمة وسليمان كل منهما من التابعين قد لقي جماعة من الصحابة الا ان الحديث غير مجزوم باتصاله، لاحتمال كون الانصاريين من التابعين والله أعلم. فتح البر ٦١٤ أيوب، قال حدثنا إبراهيم بن سعد جميعا عن محمد بن اسحاق واللفظ لحديث عبد الوارث، قال حدثني محمد بن ابرهيم بن الحارث، عن عبد الرحمن بن بجيد بن قيظي احد بني حارثة، قال: محمد بن ابراهيم: وأيم الله ما كان سهل بأكثر علما منه، ولكنه كان اسن منه- انه قال: والله ما كان الشأن هكذا، ولكن سهل أوهم ما قال رسول الله وَله: احلفوا على ما لا علم لكم به، ولكنه كتب الى يهود حين كلمته الانصار انه قد وجد قتيلا بين أبياتكم فدوه، فكتبوا اليه يحلفون بالله ما قتلوه، ولا يعلمون له قاتلا، فوداه رسول الله وَلآدم من عنده(١). قال أبو عمر: ليس قول عبد الرحمن بن بجيد هذا مما يرد به قول سهل بن أبي حثمة، لان سهلا أخبر عما رأى وعاين وشاهد حتى ركضته منها ناقة واحدة، وعبد الرحمان بن بجيد لم يلق النبي وَ ل ولا رآه ولا شهد هذه القصة. وحديثه مرسل، وليس انكار من انكر شيئا بحجة على من اثبته، ولكن قد تقدم عن سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار- عن رجال من الانصار مخالفة في تبدئة الايمان في هذه القصة وهو حديث ثابت، وكذلك اختلف في حديث سهل بن أبي حثمة أيضا، ولكن الرواية الصحيحة في ذلك ان شاء الله رواية مالك ومن تابعه، عن يحيى بن سعيد وغيره على ما ذكرناه في هذا الباب. (١) د: (٤٥٢٥/٦٦٢/٤)، قال ابن عبد البر كما سيأتي عقب الحديث: عبدالرحمن بن بجيد لم يلق النبي وَل ولا رآه ولا شهد هذه القصة وحديثه مرسل. الديات والغرامات ٦١٥, ومن الاختلاف في حديث سهل: ما حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي، قال حدثنا أبو نعيم، قال حدثنا سعيد، يعني ابن عبيد الطائي، عن بشير بن يسار - ان رجلا من الانصار يقال له سهل بن أبي حثمة أخبره ان نفرا من قومه انطلقوا إلى خيبر فتفرقوا فيها، فوجدوا منهم قتيلا، فقالوا للذين وجدوه عندهم: قتلتم صاحبنا، قالوا: ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا، قال: فانطلقوا إلى النبي وَّ فقالوا يا نبي الله، انطلقنا إلى خيبر، فوجدنا احدنا قتيلا، فقال رسول الله وَ ظله: الكبر، الكبر، فقال لهم: تأتون بالبينة على من قتل، فقالوا: ما لنا بينة، قال: فيحلفون لكم ، قالوا: ما نرضى ايمان يهود. فكره رسول الله وَ الل ان يبطل دمه، فوداه بمائة من ابل الصدقة(١). قال أبو عمر: هذه رواية اهل العراق عن بشير بن يسار في هذا الحديث، ورواية أهل المدينة عنه أثبت ان شاء الله وهم به أقعد، ونقلهم أصح عند أهل العلم؛ وقد حكى الاثرم عن احمد بن حنبل انه ضعف حديث سعيد ابن عبيد هذا عن بشير بن يسار، وقال: الصحيح عن بشير بن يسار ما رواه عنه يحيى بن سعيد، قال احمد: واليه اذهب. وأخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا الحسن بن علي بن راشد، قال حدثنا هشيم، عن (١) خ: (٦٨٩٨/٢٨٣/١٢)، م: (١٦٦٩/١٢٩٤/٣[٥])، د: (٦٦١/٤ /٤٥٢٣)، طب: في الكبير: (٥٦٢٥/٦)، قط: (١١٠/٣)، وهق: (١٢٠/٨) من طريق أبي نعيم عن سعيد بن عبيد الطائي بهذا الإسناد. فتح البر ٦١٦٠ أبي حيان التيمي، قال حدثنا عباية بن رفاعة، عن رافع بن خديج، قال: أصبح رجل من الانصار مقتولا بخيبر، فانطلق أولياؤه إلى النبي وَلخلي فذكروا ذلك له، فقال لهم: شاهدان يشهدان على قتل صاحبكم، قالوا: يا رسول الله، لم يكن ثم احد من المسلمين، وانما هم يهود - وقد يجترئون على أعظم من هذا؛ قال: فاختاروا منهم خمسين فاستحلفوهم، فأبوا فوداه رسول الله وَظله من عنده(١). قال أبوعمر: في هذه الاحاديث كلها تبدئة المدعى عليهم بالايمان في القسامة، وفي الآثار المتقدمة عن سهل بن أبي حثمة تبدئة المدعين بالايمان، وقد روى ابن شهاب هذه وهذه وقضى بما في حديث سهل ، فدل على أن ذلك عندهم الأثبت والأولى على ما قال أحمد بن حنبل وعلى ما ذهب اليه الحجازيون والله أعلم. فان قيل: قد روي عن ابن شهاب، عن عراك بن مالك، وسليمان بن يسار . - ان عمر بن الخطاب بدأ المدعى عليهم بالايمان في القسامة، قيل له: المصير الى المسند الثابت أولى من قول الصاحب من جهة الحجة، وفي هذا الحديث حديث يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار نكول الفريقين عن الايمان، وفي ذلك ما يدل على ان الدية انما جعلها رسول الله وَ له من عنده تبرعا، لئلا يبطل ذلك الدم، وذلك ليس بواجب - والله أعلم. وقد روى ابن عبد الحكم عن مالك في قتيل ادعى بعض ولاته انه قتل عمدا، وقال بعضهم: لا علم لنا بمن قتله، ولانحلف- فان دمه يطل، وللفقهاء في القسامة وفيما يوجبها من الاسباب، فيما يجب بها (١) د: (٤ /٦٦١ /٤٥٢٤). ٦١٧ الديات والغرامات من القود او الدية مذاهب نذكرها هنا نحن، ليتبين للناظر في كتابنا معنى القسامة بيانا واضحا- ان شاء الله . قال مالك رحمه الله : القسامة لا تجب الا بأحد امرين: اما ان يقول المقتول دمي عند فلان، أو يأتي ولاة المقتول بلوث من بينة- وان لم تكن قاطعة على الذي يدعى عليه الدم، فهذا يوجب القسامة المدعي الدم على من ادعوه، فيحلف من ولاة الدم خمسون رجلا خمسين يمينا، فان قل عددهم اونكل بعضهم، ردت الأيمان عليهم، الا ان ينكل أحد من ولاة المقتول الذين يجوز عفوهم، فلا يقتل حينئذ احد، ولا سبيل الى الدم اذا نكل واحد منهم، ولا ترد الايمان على من بقي اذا نكل احد ممن يجوز له العفو عن الدم- وان كان واحدا، قال مالك: وانما ترد الايمان على من بقي اذا نكل احد ممن لا يجوز له عفو، فان نكل واحد ممن يجوز له العفو، فانه اذا كان ذلك، ردت الايمان حنيئذ على المدعى عليهم الدم، فيحلف منهم خمسون رجلا خمسين يمينا، فان لم يبلغوا خمسين رجلا، ردت الخمسون يمينا على من حلف منهم حتى تكمل الخمسون يمينا، فان لم يوجد أحد يحلف الا الذي ادعي عليه الدم، حلف وحده خمسين يمينا، قال مالك: لا يقسم في قتل العمد الا اثنان من المدعين فصاعدا يحلفان خمسين يمينا تردد عليهما، ثم قد استحقا الدم وقتلا من حلفا عليه، وكذلك ان كان ولي الدم الذي ادعاه واحدا بدئ به، فحلف وحده خمسين يمينا، فاذا حلف المدعون خمسين يمينا، استحقوا صاحبهم وقتلوا من حلفوا عليه، ولا يقتل في القسامة الا واحد، ولا يقتل فيها اثنان، هذا كله قول مالك في موطئه وموطأ ابن وهب. فتح البر ـ٦١٨ قال أبو عمر: انما جعل مالك قول المقتول: دمي عند فلان شبهة ولطخا، وجب به تبدئة أوليائه بالايمان في القسامة، لان المعروف من طباع الناس عند حضور الموت الانابة والتوبة والتندم على ما سلف من سيئ العمل، ألا ترى إلى قول الله عز وجل: ﴿لَوْلاَ أَخْتَنِىّ إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ [المنافقين: (١٠)]. وقوله: ﴿حَتَّىَ إِذَا فَأَصَّدَقَ وَأَكُنْ مِّنَ الصَّالِحِينَ حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْثُ قَالَ إِنِّ تُبْتُ الْتَنَ﴾ [النساء: (١٨)]. فهذا معهود من طباع الانسان، وغير معلوم من عادته ان يعدل عن قاتله الى غيره ويدع قاتله وما خرج عن هذا، فنادر في الناس لا حكم له، فلهذا وشبهه مما وصفنا ذهب مالك الى ما ذكرنا- والله أعلم. وقد نزع بعض أصحابنا في ذلك بقصة قتيل البقرة، لانه قبل قوله في قاتله، وفي هذا ضروب من الاعترافات، وفيما ذكرنا كفاية- ان شاء الله . وذكر ابن القاسم عن مالك قال: إذا شهد رجل عدل على القاتل، اقسم رجلان فصاعدا خمسين يمينا، وقال ابن القاسم: والشاهد في القسامة انما هو لوث وليست شهادة، وعند مالك ان ولاة الدم اذا كانوا جماعة لم يقسم الا اثنان فصاعدا، واعتل بعض أصحابه لقوله هذا بأن النبي وَّ انما عرضها على جماعة، والقسامة في قتل الخطأ كهي في العمد لا تستحق بأقل من خمسين يمينا، من اجل ان الدية انما تجب عن دم، والدم لا يستحق بأقل من خمسين يمينا، فالقسامة على الخطأ وان لم يكن يجب بها قتل ولا قود، كالقسامة في قتل العمد، واليمين في القسامة على من سمى انه ضربه، وان من ضربته مات، فان أقسم ولاة المقتول على واحد، لانه لا يقتل بالقسامة أكثر من الديات والغرامات ٦١٩ واحد قتل المحلوف عليه، فان كان معه ممن ادعى عليه الدم جماعة غيره، ضربوا مائة مائة، وسجنوا سنة، ثم خلي عنهم والدية في قتل الخطأ على عاقلة الذين يقسمون عليه انه مات من فعله به خطأ، قال مالك: وانما يحلفون في قسامة الخطأ على قدر ميراث كل واحد منهم من الدية، فان وقع في الايمان كسور، اتممت اليمين على أكثرهم ميراثا، ومعنى ذلك ان يحلف هذا يمينا وهذا يمينا، ثم يرجع الى الاول فيحلف، ثم الذي يليه حتى تتم الأيمان كلها. وقال مالك: اذا ادعى الدم بنون أو إخوة، فعفا أحدهم عن المدعى عليه، لم يكن الى الدم سبيل، وكان لمن بقي منهم أنصباؤهم من الدية بعد أيمانهم، قال ابن القاسم: لا يكون لهم من الدية شيء الا أن يكونوا قد اقسموا ثم عفا بعضهم، فاما اذا نكل احدهم عن القسامة، لم يكن لمن بقي شيء من الدية. ولاصحاب مالك في عفو العصبات مع البنات، وفي نوازل القسامة مسائل لا وجه لذكرها ههنا. وقال مالك في الموطأ: انما فرق بين القسامة في الدم وبين الأيمان في الحقوق، ان الرجل اذا داين الرجل استثبت عليه في حقه، وأن الرجل اذا أراد أن يقتل الرجل لم يقتله في جماعة من الناس، وإنما يلتمس الخلوة، قال: فلو لم تكن القسامة الا فيما ثبت بالبينة وعمل فيها كما يعمل في الحقوق، هلكت الدماء وبطلت، واجترأ الناس عليها اذا عرفوا القضاء فيها، ولكن انما جعلت القسامة الى ولاة المقتول يبدؤون فيها، ليكف الناس عن الدم، وليحذر القاتل ان يؤخذ في ذلك بقول المقتول. وقال الشافعي: اذا وجد القتيل في دار قوم محيطة او قبيلة وكانوا اعداء للمقتول، وادعى أولياؤه قتله، فلهم القسامة، وكذلك الزحام فتح البر ٦٢٠ اذا لم يفترقوا حتى وجدوا بينهم قتيلا، او في ناحية ليس الى جانبه الا رجل واحد، أويأتي شهود متفرقون من المسلمين من نواح لم يجتمعوا فيها، يثبت كل واحد منهم على الانفراد على رجل انه قتله، فتتواطأ شهادتهم، ولم يسمع بعضهم بشهادة بعض وان لم يكونوا ممن يعدل، او شهد رجل عدل انه قتله، لان كل سبب من هذا يغلب على عقل الحاكم- انه كما ادعى وليه، فللولي حينئذ ان يقسم على الواحد وعلى الجماعة، وسواء كان جرح او غيره، لانه قد يقتل بما لا اثر له، قال لا ينظر الى دعوى الميت. وقال الاوزاعي: يستحلف من أهل القرية خمسون رجلا خمسين يمينا: ما قتلنا، ولا علمنا قاتلا، فان حلفوا بروا، وان نقصت قسامتهم، وليها المدعون، فاحلفوا بمثل ذلك عن رجل واحد فإن حلفوا استحقوا وإن نقصت قسامتهم أو نكل رجل منهم لم يعطوا الدم، وعقل قتيلهم اذا كان بحضرة الذين ادعي عليهم في ديارهم. وقال الليث بن سعد: الذي يوجب القسامة: ان يقول المقتول قبل موته، فلان قتلني، او يأتي من الصبيان او النساء او النصارى ومن أشبههم ممن لا يقطع بشهادته انهم رأوا هذا حين قتل هذا، فان القسامة تكون مع ذلك. وقال أبو حنيفة: اذا وجد قتيل في محلة وبه اثر وادعى الولي على أهل المحلة انهم قتلوه، او على واحد منهم بعينه، استحلف من أهل المحلة خمسون رجلا بالله ما قتلنا، ولا علمنا قاتلا- يختارهم الولي، فان لم يبلغوا خمسين، كرر عليهم الايمان ثم يغرمون الدية، وان نكلوا عن اليمين، حبسوا حتى يقروا او يحلفوا وهو قول زفر.