النص المفهرس

صفحات 561-580

الديات والغرامات
٥٦١,
وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا ضمان على أصحاب البهائم فيما
تفسد وتجني عليه، لا في الليل ولا في النهار إلا أن يكون راكبا أو
سائقا أو قائدا أو مرسلا. وقال الشافعي: الضمان عن البهائم على
وجهين أحدهما: ما أصابت من الزرع بالليل فأفسدته، والوجه الثاني:
اذا كان الرجل راكبا فما أصابت بيدها أو رجلها أو فمها أو ذنبها من
نفس أو جرح، فهو ضامن ، لان عليه منعها في تلك الحال، من كل
ما تتلف به شيئا. قال: وكذلك إذا كان سائقا أو قائدا، وكذلك الإبل
المقطرة بالبعير، لانه قائدها، قال: ولا يجوز في هذا إلا ضمان كل ما
أصابت به الدابة تحت الراكب، أو لا يضمن إلا ما حملها عليه، لا
يصح إلا أحد هذين القولين. فأما من ضمن عن يدها ولم يضمن عن
رجلها، فهو تحكم. قال: وأما ما روي عن النبي وَله من ان الرجل
جبار، فهذا خطأ. لان الحفاظ لم يحفظوه هكذا، قال: ولو اوقفها في
موضع ليس له ان يوقفها فيه، ضمن ولو اوقفها في ملكه، لم يضمن
قال : ولو جعل في داره كلبا عقورا أو حبالة فدخل إنسان فقتله
الكلب، لم يكن عليه شيء قال المزني سواء عندي أذنَ لذلك الانسان
ان يدخل الدار أو لم يأذن، وقال ابن شبرمة وابن أبي ليلى: يضمن ما
أتلفت الدابة برجلها اذا كان عليها أوقادها أو ساقها، كما يضمن ما
أتلفت وهو عليها بغير رجلها كقول الشافعي سواء.
وقال الاوزاعي والليث بن سعد في هذا الباب كله كقول مالك لا
يضمن ما أصابت الدابة برجلها من غير صنعه، ويضمن ما أصابت
بيدها ومقدمها إذا كان راكبا عليها أو سائقا لها أو قائدا.
قال أبو عمر:
من فرق بين الرجل والمقدم في راكب الدابة وسائقها وقائدها

فتح البر
٥٦٢
فحجته انه يمكنه التحفظ من جناية فمها ويدها إذا كان راكبا عليها أو
قائدا لها، ولا يمكنه ذلك من رجلها، ومن حجته أيضا ما روي عن
النبي وَّ انه قال: ((الرجل جبار(١)) وهذا لا يثبته أهل العلم
بالحديث، وله اسنادان، احدهما: رواه الثوري وغيره عن أبي قيس
الأودى عن هزيل بن شرحبيل: ان النبي وَخلال قال ((البئر جبار والرجل
جبار والعجماء جبار وفي الركاز الخمس)) (٢) وهذا حديث مرسل،
هكذا رواه الثوري وغيره عن أبي قيس هذا، ورواه زياد بن عبد
الله البكائي عن الاعمش عن أبي قيس عن هزيل بن شرحبيل عن أبي
هريرة عن النبي وَلّ فوصله وأسنده وليس زياد البكائي ممن يحتج به
إذا خالفه مثل الثوري، وأبو قيس ايضا ليس ممن يحتج به في حكم
ينفرد به، والاسناد الآخر ما رواه سفيان بن حسين الواسطي عن
الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وعد له
(( الرجل جبار(٣)) وهذا حديث لا يوجد عند احد من أصحاب
الزهري إلا سفيان بن حسين، وهو عندهم فيما ينفرد به لا تقوم به
حجة وقد روى معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي وَالثّ
(١) أخرجه من حديث أبي هريرة من طريق سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد بن المسيب
عنه به: د: (٤٥٩٢/٧١٤/٤)، هق: (٣٤٣/٨)، قط: (١٥٢/٣)، وابن عدي في
الكامل: (٤١٥/٣)، قال الدارقطني: ((لم يتابع سفيان بن حسين على قوله: ((الرجل جبار))
وهو وهم لأن الثقات الذين قدمنا أحاديثهم خالفوه، ولم يذكروا ذلك، وكذلك رواه أبو
صالح السمان وعبد الرحمن الأعرج ومحمد بن سيرين ومحمد بن زياد وغيرهم، عن أبي
هريرة ولم يذكروا فيه: الرجل جبار. وهو المحفوظ عن أبي هريرة)).
(٢) هق: (٣٤٤/٨)، قط: (١٥٣/٣)، عبد الرزاق: في المصنف (١٨٣٧٦/٦٦/١٠) قال
البيهقي: (( فهذا مرسل لا تقوم به حجة ورواه قيس بن الربيع موصولا بذكر عن عبد الله بن
مسعود فيه قال: وقیس لا يحتج به.
(٣) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

١٥٦٣
الديات والغرامات
أنه قال: ((النار جبار))(١) وقال يحيى بن معين أصله ((البئر جبار)) ولكنه
صحفه معمر.
قال أبوعمر :
في قول ابن معين هذا نظر، ولا يسلم له حتى يتضح.
حدثنا محمد بن محمد بن سليمان بن الحارث الواسطي أخبرنا
جعفر بن عبد الواحد. قال: قال لنا ابن عقبة بن عبد الغافر أخبرنا
مسلمة بن علقمة عن داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيب عن أبي
هريرة قال: قال رسول الله وَالقول: ((النار جبار والبئر جبار والمعدن
جبار وفي الركاز الخمس)) (٢) وقد كان الشعبي رحمه الله يفتي بان
الرجل جبار، رواه أبو فروة والشيباني عن الشعبي.
قال أبو عمر:
لا أعلم خلافا عن مالك وأصحابه وسائر فقهاء الأمصار من أهل
الحجاز والعراق والشام ان من اوقف دابته في موضع ليس له أن
يوقفها فيه، ولا يجوز له ذلك من طريق ضيق أو غير ذلك مما ليس له
أن يفعله، فجنت جناية انه ضامنها، وان اوقفها في موضع يعرف
الناس مثله، توقف فيه الدواب، أو يوقف فيه مثل دابته قال ابن
حبيب نحو دار نفسه أو باب المسجد أو دار العالم أو القاضي أو ما
أشبه ذلك فلا ضمان عليه فيما جنت، وكذلك إذا أرسلها في موضع
ليس له أن يرسلها فيه ضمن ما جنت، وأما قوله وَخلال في هذا الحديث
(١) د: (٤٥٩٤/٧١٦/٤) وفي إسناده محمد بن المتوكل العسقلاني، قال المناوي في " الفيض"
(٢٩٣/٦): ((أورده الذهبي في الضعفاء وقال: قال أبو حاتم: لين.
جه: (٢٦٧٦/٨٩٢/٢)، ن: في الكبرى: (٥٧٨٩/٤١٣/٣)، وقط: (١٥٢/٣).
(٢) تقدم تخريجه بألفاظ مختلفة من حديث أبي هريرة.

فتح البر
٥٦٤
((والبئر جبار)) فمعناه انه لا ضمان على رب البئر، وحافرها إذا سقط
فيها إنسان أو دابة أو غير ذلك فتلف وعطب، هذا إذا كان حافر البير
قد حفرها في موضع يجوز له ان يحفرها فيه، مثل ان يحفرها في
فنائه، أو في ملكه، أو في داره أو في صحراء للماشية أو في طريق
واسع محتمل ونحو ذلك، وهذا كله قول مالك والشافعي وداود
وأصحابهم، وقول الليث بن سعد، قال ابن القاسم قال مالك للإنسان
أن يحفر في الطريق بئرًا يحدثها للمطر وله أن يحفر إلى جانب
حائطه مرحاضا وله أن يحدث في داره ميزابا ولا يضمن ما عطب
بشيء من ذلك قال: وما حفره في الطريق مما لا يجوز له لضيق
الطريق أو لغير ذلك ضمن ما عطب به، وقال ابن القاسم أيضا عن
مالك ان حفر في داره بئراً لسارق يرصده ليقع فيه، أو وضع له
حبالات أو شيئا يتلف به السارق، فدخل فعطب فهو ضامن.
قال أبو عمر:
وجه قوله هذا انه لم يحفر البئر لمنفعته، وإنما حفرها قاصدا ليعطب
بها غيره، فهو الجاني حينئذ والله أعلم. وأما الشافعي فلا ضمان عليه
عنده في هذا فيما علمت وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: له ان
يحدث في الطريق ما لا يضر به، قالوا وهو ضامن لما أصابه.
قال أبو عمر:
قوله وَّجله ((والبئر جبار)) يدفع الضمان عن ربها في كل ماسقط فيها
بغير صنيع آدمي، والله أعلم. وأما قوله وَّ في هذا الحديث ((والمعدن
جبار)) فتأويله ان المعادن المطلوب فيها الذهب والفضة تحت الأرض إذا
سقط شيء منها، وانهار على احد من العاملين فيها، فمات انه هدر،
لادية له في بيت المال، ولا غيره، وكذلك من سقط فيها فعطب بعد
حفرها .

الديات والغرامات
٥٦٥
ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها
[٣] مالك عن ابن شهاب عن حرام بن سعد بن محيصة ان ناقة للبراء بن
عازب دخلت حائط رجل فافسدت فيه فقضى رسول الله ويلي ان على اهل
الحوائط حفظها بالنهار، وان ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على
أهلها(١).
هكذا رواه جميع رواة الموطأ فيما علمت مرسلا، وكذلك رواه
أصحاب ابن شهاب عن ابن شهاب أيضا هكذا مرسلا، الا ان ابن
(١) حم: (٤٣٥/٥-٤٣٦)، الطحاوي: "شرح معاني الآثار (٥٠٦٠/٢٠٣/٣)،
هق: (٣٤١/٨)، كلهم من طريق مالك بهذا الإسناد وتابعه الليث بن سعد عن ابن شهاب
به: أخرجه جه: (٢٣٣٢/٧٨١/٢)، وتابعهما سفيان بن عيينة عن ابن شهاب عن سعيد بن
المسيب وحرام بن سعد بن محيصة أن ناقة للبراء أخرجه: حم: (٤٣٦/٥)، هق: (٣٤٢/٨)
وتابعهم الأوزاعي، لكن اختلفوا عليه في سنده فقال أبو المغيرة: ثنا الأوزاعي عن الزهري
عن حرام بن محيصة الأنصاري به مرسلا رواه: هق: (٣٤١/٨)، وقال الفريابي عن
الأوزاعي به إلا أنه قال: ((عن البراء بن عازب)) فوصله رواه أبو داود (٣٥٧٠/٨٢٩/٣)،
ومن طريقه :
هق: (٣٤١/٨)، ك: (٢/ ٤٧-٤٨)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد على خلاف فيه بين
معمر والأوزاعي فإن معمرا قال عن الزهري عن حرام بن محيصة عن أبيه)) ووافقه الذهبي
وكذا قال محمد بن مصعب ثنا الأوزاعي به موصولا رواه :
حم: (٢٩٥/٤)، هق: (٣٤١/٨) وكذا قال أيوب بن سويد ثنا الأوزاعي به رواه الطحاوي
(٥٠٥٩/٢٠٣/٣)، هق: (٣٤١/٨) وتابع الأوزاعي على وصل الحديث عبد الله بن عيسى
عن الزهري عن حرام بن محيصة عن البراء به. رواه :
جه: (٢٣٣٢/٧٨١/٢)، وهق: (٣٤١/٨-٣٤٢) وعبد الله بن عيسى هو ابن عبدالرحمن
ابن أبي ليلى وهو ثقة فيه تشيع كما في التقريب (١/ ٥٢١) فثبت بذلك وصل الحديث برواية
هذين الثقتين: الأوزاعي وعبد الله بن عيسى وهو مقدم على الإرسال لكونه زيادة ثقة وهي
مقبولة. وخالف معمر رواية الجماعة فرواه عبد الرزاق عنه عن الزهري عن حرام بن محيصة
عن أبيه. رواه: حم: (٤٣٦/٥)، د: (٣٥٦٩/٨٢٨/٣)، وهق: (٣٤٢/٨) وقال: وخالفه
وهيب وأبو مسعود الزجاج عن معمر فلم يقولا عن أبيه وقد ذكر ابن عبد البر بسنده عن أبي
داود قوله(( لم يتابع أحد عبد الرزاق على قوله في هذا الحديث عن أبيه)) كما سيأتي خلال
الكلام على هذا الحديث.

فتح البر
٥٦٦
عيينة رواه عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب، وحرام بن سعد بن
محيصة، ان ناقة للبراء دخلت حائطا قوم فذكر مثله بمعناه، وجعل مع
حرام بن سعد، سعيد بن المسيب ورواه ابن أبي ذئب، عن ابن
شهاب، انه بلغه ان ناقة للبراء بن عازب دخلت حائط قوم مثل
حديث مالك سواء(١). ولم يصنع ابن أبي ذئب شيئا لأنه أفسد
إسناده، ورواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن حرام بن محيصة
عن أبيه عن النبي بَّ، ولم يتابع عبد الرزاق على ذلك. وانكروا
عليه قوله فيه عن أبيه(١).
حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال: حدثنا محمد بن بكر
ابن عبد الرزاق التمار قال: سمعت ابا داود يقول: لم يتابع احد عبد
الرزاق على قوله في هذا الحديث عن أبيه.
هكذا قال أبو داود لم يتابع عبد الرزاق، قال محمد بن يحيى
الذهلي: لم يتابع معمر على ذلك، فجعل محمد بن يحيى الخطأ فيه
من معمر، وجعله أبو داود من عبد الرزاق، على ان محمد بن يحيى
لم يرو حديث معمر هذا، ولا ذكره في كتابه في علل حديث
الزهري، الا عن عبد الرزاق لا غير.
ثم قال محمد بن يحيى: اجتمع مالك، والأوزاعي، ومحمد بن
اسحاق، وصالح بن كيسان، وابن عيينة، على رواية هذا الحديث عن
الزهري عن حرام، لم يقولوا عن أبيه، الا معمرا فانه قال فيه عن
أبيه، فيما حدثنا عنه عبد الرزاق، الا ان ابن عيينة جمع الى حرام
سعيد بن المسيب، قال واما حديث كسب الحجام فمحفوظ فيه عن
أبيه، وقال فيه محمد بن اسحاق عن أبيه عن جده، هذا كله كلام
محمد بن يحيى .
(١) انظر التخريج في حديث الباب.

٥٦٧
الديات والغرامات
قال أبو عمر:
هذا الحديث وان كان مرسلا، فهو حديث مشهور، ارسله الائمة،
وحدث به الثقات، واستعمله فقهاء الحجاز، وتلقوه بالقبول، وجرى
في المدينة به العمل، وقد زعم الشافعي انه تتبع مراسيل سعيد بن
المسيب، فألفاها صحاحا، وأكثر الفقهاء يحتجون بها، وحسبك
باستعمال أهل المدينة وسائر أهل الحجاز لهذا الحديث.
حدثني عبد الله بن محمد قال: حدثنا احمد بن ابراهيم بن جامع،
قال: حدثنا المقدام بن داود قال: حدثنا عبد الله بن عبد الحكم، قال
قال مالك: وما أفسدت المواشي والدواب من الزروع والحوائط بالليل
فضمان ذلك على أهلها. وما كان بالنهار فلا شيء على أصحاب
الدواب، ويقوم الزرع الذي أفسدت بالليل على الرجاء والخوف، قال
والحوائط التي تحرس والتي لا تحرس سواء. والمحظر عليه وغير المحظر
سواء. يغرم أهلها ما أصابت بالليل بالغا ما بلغ وان كان أكثر من
قيمتها .
قال مالك فاذا انفلتت دابة بالليل فوطئت على رجل نائم لم يغرم
صاحبها شيئا، وانما هذا في الحوائط والزرع والحرث.
قال واذا تقدم الى صاحب الكلب الضاري او البعير او الدابة فما
أفسدت ليلا أو نهارا فعليهم غرمه، وقال ابن القاسم ما أفسدت الماشية
بالليل فهو في مال ربها. وان كان أضعاف قيمتها، لان الجناية من
قبله، اذ لم يربطها وليست الماشية كالعبيد. حكاه سحنون وأصبغ وأبو
زيد عن ابن القاسم.
وحدثني احمد بن عبد الله بن محمد بن علي قال، حدثني أبي
قال: حدثنا اسلم بن عبد العزيز قال: حدثني المزني قال: قال

فتح البر
-= ٥٦٨
الشافعي، والضمان عن البهائم بوجهين، احدهما ما افسدت من الزرع
بالليل ضمنه أهلها، وما افسدت بالنهار لم يضمنوا، واحتج بحديث
مالك، عن ابن شهاب، عن حرام بن سعد بن محيصة المذكور في
هذا الباب، وبحديث ابن عيينة فيه على حسب ما اوردناه عنه.
قال والوجه الثاني اذا كان الرجل راكبا فأصابت بيدها، او برجلها،
أو فيها، أو ذنبها، من كسر وجرح فهو ضامن له، لان عليه منعها في
تلك الحال من كل ماتتلف به احدا .
قال أبو عمر: قد مضى القول في ضمان ما جنته البهائم مستوعبا
كافيا مهذبا في باب مارواه ابن شهاب عن سعيد بن المسيب من هذا
الكتاب عند قوله وَل جرح العجماء جبار (١) فاغنى عن اعادته ههنا.
فأما فساد الزروع والحوائط والكروم فقال مالك والشافعي وأهل
الحجاز في ذلك ما ذكرناه عنهم، في هذا الباب، وحجتهم حديث
البراء بن عازب المذكور فيه مع ما دل عليه القرآن في قصة ﴿ وَدَاوُودَ
وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِ الْحَّثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: (٧٨)]. ولا
خلاف بين أهل اللغة أن النفش لا يكون إلاَّ بالليل، وكذلك قال جماعة
العلماء بتأويل القرآن. وقال الله عز وجل لمحمد ◌َّي، عند ذكر من
ذكر من أنبيائه في سورة الأنعام ﴿ أُوْلَيْكَ الَّذِينَ هَدَى اَللَّهُ فَبِهُدَهُمُ
أَقْتَدِةْ﴾ [الأنعام: (٩٠)]. فجاز الاقتداء بكل ما ورد به القرآن من شرائع
الأنبياء، إلاّ أن يمنع من ذلك ما يجب التسليم له، من نسخ في الكتاب
أو سنة واردة عن النبي ◌َ ﴾ بخلاف ذلك تبین مراد الله.
(١) أخرجه عبد الرزاق: (١٨٤٣٨/٨٢/١٠)، وأبو امامة بن سهل بن حنيف معدود في
الصحابة، له رؤية ولم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم كما في التقريب (٨٨/١).

الديات والغرامات
٥٦٩ __
فيعلم حينئذ ان شريعتنا مخالفة لشريعتهم، فتحمل على ما يجب
الاحتمال عليه من ذلك وبالله التوفيق.
وهذه مسألة من مسائل الاصول قد ذكرناها في موضعها، وأوردنا
الاختلاف فيها والله المستعان، لا شريك له.
وقد قال جمهور فقهاء الحجاز بحديث البراء بن عازب في هذا
الباب.
وقال الليث بن سعد، يضمن رب الماشية كلما افسدت بالليل
والنهار، ولا يضمن اكثر من قيمة الماشية، ولا أعلم من أين قال
الليث هذا، الا ان يجعله قياسا على العبد الجاني، انه لا يفتك بأكثر
من قيمته، ولا يلزم سيده جنايته بأكثر من قيمته وهذا ضعيف الوجه.
واختلف فيه عن الثوري، فروى ابن المبارك عنه، ان لا ضمان على
صاحب الماشية، وروى الواقدي عنه في شاة وقعت في غزل حائك
بالنهار، انه يضمن ، وقال الطحاوي تصحيح الروايتين عن الثوري،
انه اذا ارسلها سائبة ضمن، واذا ارسلها محفوظة لم يضمن بالليل ولا
بالنهار .
واختلف اصحاب داود في هذا الباب، فقال بعضهم بقول مالك
والشافعي، وقال بعضهم لا ضمان على رب الماشية والدابة، لا في
ليل ولا في نهار، ولا على الراكب والسائق والقائد، الا ان يتعدى في
ارسالها وربطها في موضع لا يجب له ربطها فيه، او يعنف عليها في
السياق فيضمن بجناية نفسه، واما اذا لم يكن له في ذلك سبب فلا
ضمان عليه، لقوله ولا جرح العجماء جبار (١)، انما معناه على ما
(١) تقدم تخريجه في باب جرح العجماء جبار.

فتح البر
٥٧٠٠
قدمنا في بعض المتلفات دون بعض لحديث البراء بن عازب. وهو
حديث مشهور وصحيح من حديث الأئمة الثقات مع عمل أهل المدينة
به، وسائر أهل الحجاز، وهم يروون حديث العجماء جرحها جبار(١).
وعنهم نقل ، وليس له مخرج الا عن أهل المدينة، فكيف يجهلون
معناه وهم رواته، مع علمهم وموضعهم من الفقه والفهم، هذا ما لا
يظنه ذو فهم.
وقال أبو حنيفة وأصحابه لا ضمان على ارباب البهائم فيما تفسده
أو تجنی علیه لا في ليل ولا في نهار، الا ان يكون راكبا او سائقا أو
قائدا. وحجتهم في ذلك قوله وَجُلّ العجماء جرحها جبار ومن
حجتهم أيضا ان الذمة بريئة لا يثبت فيها شيء الا بما لا مدفع فيه،
وجعلوا حديث جرح العجماء جبار معارضا لحديث البراء بن عازب.
وليس كما ذهبوا إليه، لان التعارض في الآثار، انما يصح اذا لم يمكن
استعمال احدهما الا بنفي الآخر، وحديث العجماء جرحها جبار
معناه على الجملة لم يخص حديث البراء، وتبقى له احكام كثيرة على
حسب ما ذكرناه فيما سلف من كتابنا هذا. لان رسول الله وَالد لو
جاء عنه في حديث واحد العجماء جرحها جبار نهارا لا ليلا. وفي
الزرع والحوائط والحرث دون غيره لم يكن هذا مستحيلا من القول.
فكيف يجوز أن يقال في هذا متعارض. وانما المتعارض والمتضاد المتنافى
الذي لا يثبث بعضه الا بنفي بعض. وانما هذا من باب المجمل
والمفسر، ومن باب العموم والخصوص. وقد بين ذلك في كتاب
الاصول بما فيه كفاية.
(١) سبق تخريجه في حديث الباب.

الديات والغرامات
٥٧١,
والفرق عند أهل العلم في حديث البراء وحديث أبي هريرة في
العجماء وبين ما تتلفه العجماء ليلا من الزرع والحرث وبين ما تتلفه
نهارا ان أهل المواشي. بهم ضرورة الى ارسال مواشيهم لترعى
بالنهار. ولاهل الزرع حقوق في ان لا تتلف عليهم زروعهم.
والاغلب عندهم ان من له الزرع يتعاهده بالنهار ويحفظه عمن أراده.
لانتشار البهائم للرعي وغيره. فجعل حفظ ذلك بالنهار على أهل
الزرع، لانه وقت التصرف في المعاش والرعي، وحفظ الأموال،
وإرسال الدواب، والمواشي. واذا اتلفت بالنهار من الزرع شيئا
فصاحب الزرع انما أوتِيَ من قبل نفسه حيث لم يحفظه في الوقت
الذي الاغلب من الناس انهم يحفظونه فيه ممن أراده. اذ لو منع الناس
من ترك مواشيهم للرعي من اجل الزرع للحقتهم في ذلك مضرة
ومشقة، فاذا جاء الليل فقد جاء الوقت الذي يرجع كل شيء الى
موضعه، ويرجع أهل الزرع الى منازلهم، ويرد أهل الماشية ماشيتهم
الى مواضعهم لیحفظوها فيها، فاذا تركوها ليلا حتى افسدت فالجناية
من أهل المواشي، لا من أهل الزرع، لان الاغلب ان الناس لا
يحفظون زروعهم بالليل لاستغنائهم عن ذلك. وعلمهم ان المواشي
بالليل ترد الى اماكنها. فاذا فرط صاحب الماشية في ردها الى منزله،
او فرط في ضبطها وحبسها عن الانتشار بالليل حتى اتلفت شيئا،
فعليه ضمان ذلك. الا ان تكون الماشية ضالة او نافرة، فلا يتهيأ
لصاحبها ضمها ولا ردها إلى مكانها. فاذا كان كذلك لم يلزمه ضمان
ما اتلفت بالليل- كما لا يلزمه ضمان ما اتلفت بالنهار. واما السائق
والراكب والقائد فانهم يضمنون ما أصابت الدابة استدلالا بحديث
البراء، لان ذلك في معنى ما اتلفت بالليل، لان الراكب يتهيأ له حفظ
الدابة فعليه حفظها، ولا مشقة عليه في ذلك وكذلك سائقها وقائدها.

فتح البر
٥٧٢
والاغلب ان الناس اذا ركبوا أو ساقوا أو قادوا، منعوا الدابة مما ارادت
من اتلاف أو غيره، فاذا لم يفعلوا ذلك فانما أوتُوا من قبل أنفسهم،
فعليهم الضمان، الا أن تكون الدابة قد غلبت الراكب او القائد او
السائق، فلم يقدر عليها. فاذا كان كذلك فلا غرم عليه، ولا ضمان
يلزمه، لأنه مغلوب عن حفظ ما أمر بحفظه، ولم يمكنه الدفع.
وخبر البراء بن عازب هذا في طرح الضمان عن أهل المواشي، فيما
اتلفت ماشيتهم من زروع الناس نهارا انما معناه عند أهل العلم اذا
أطلقت للرعي، ولم يكن معها صاحبها، واما اذا كانت ترعى ومعها
صاحبها فلم يمنعها من زرع غيره. وقد امكنه ذلك حتى اتلفته فعليه
الضمان، لانه لا مشقة عليه في منعها. وهو في معنى الراكب
والسائق وبالله العصمة والتوفيق.
أخبرنا خلف بن سعید، قال حدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا
احمد بن خالد قال حدثنا اسحق بن ابراهيم قال أنبأنا عبدالرزاق عن
معمر، عن الزهري، عن حرام بن محيصة عن أبيه أن ناقة للبراء
دخلت حائط رجل فأفسدت فيه فقضى النبي وَيُّ على أهل الاموال
حفظها بالنهار وعلى أهل المواشي حفظها بالليل(١).
وبه عن عبد الرزاق، قال: أنبأنا ابن جريج عن ابن شهاب قال،
حدثني أبو امامة بن سهل بن حنيف، ان ناقة دخلت في حائط قوم
فأفسدت فيه فذهب أصحاب الحائط إلى النبي وَّ فقال النبي وَلِيل
على أهل الأموال حفظ اموالهم نهارا(١)، بما معناه عند أهل العلم
حفظ اموالهم بالنهار وعلى أهل الماشية حفظ ماشيتهم بالليل، وعليهم
(١) سبق تخريجه في الباب نفسه.

الديات والغرامات
٥٧٣
ما أفسدته، قال، وأخبرنا معمر عن قتادة عن الشعبي، ان شاة وقعت
في غزل حائك فاختصموا الى شريح فقال الشعبي، انظروه. فانه
سیسألهم ألیلا وقعت فيه أم نهارا؟ ففعل. ثم قال ان كان بالليل
ضمن، وإن كان بالنهار لم يضمن، ثم قرأ شريح ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ
اُلْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: (٧٨)]. قال: فالنفش بالليل. والهمل بالنهار، قال
وأخبرنا معمر عن الزهري قال: النفش بالليل والهمل بالنهار، وقال
معمر وابن جريج بلغنا أن حرثهم كان عنباً .
قرأت على احمد بن عبد الله بن محمد حدثكم الميمون بن حمزة؟
قال: نعم، حدثنا قال حدثنا الطحاوي قال أنبأنا المزني قال حدثنا
الشافعي قال أنبأنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب
وحرام بن سعد بن محيصة ان ناقة للبراء بن عازب دخلت حائط قوم
فأفسدت فيه فقضى رسول الله وَّجله ان على أهل الاموال حفظ اموالهم
بالنهار وعلى أهل الماشية ما افسدت ماشيتهم بالليل، او قال ما
أصابت مواشيهم بالليل(١).
وحدثني عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال: حدثنا محمد بن
بكر بن محمد قال: حدثنا أبو داود قال : حدثنا محمود بن خالد
قال: حدثنا الفريابي عن الأوزاعي عن الزهري عن حرام بن محيصة
عن البراء بن عازب، قال: كانت لنا ناقة ضارية فدخلت حائط قوم
فأفسدت فيه فكلم رسول الله وَلله فقضى ان حفظ الحوائط بالنهار على
أهلها، وان على أهل الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل(٢). قال أبو
داود: وكذلك رواه الوليد عن الاوزاعي. قال: ورواه عبد الرزاق عن
(١) انظر تخريجه في حديث الباب.
(٢) تقدم تخريجه في حديث الباب.

فتح البر
٥٧٤
معمر عن الزهري عن حرام بن محيصة عن أبيه عن النبي وَ الّ قال
ولم يتابع أحد عبد الرزاق على روايته عن حرام بن محيصة عن أبيه
ذكره أبو داود في كتابه المفرد، وفي رواية الأوزاعي عن الزهري في
هذا الحديث كانت لنا ناقة ضارية، ولا أعلم وجها لمن فرق من
أصحابنا بين الضارية وغيرها من جهة الاثر، ولا صحيح النظر، واما
من تقدم اليه بالنهي فلم ينته عن كف عادية ضارية، فمن قبله اتى لا
من قبل ضارية، والله أعلم.

الديات والغرامات
٥٧٥
ما جاء في قتل الجنين في بطن أمه
[٤] مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، أن رسول الله وَالز، قضى في
الجنين يقتل في بطن أمه بغرة: عبد، أو وليدة، فقال الذي قضى عليه: كيف
اغرم ما لا شرب ولا أكل، ولا نطق، ولا استهل، ومثل ذلك بطل، فقال
رسول الله وَلجر: انما هذا من إخوان الكهان(١).
هكذا روى هذا الحديث جماعة الرواة عن مالك في موطئه
مرسلا، ولا أعلم أحدا وصله بهذا الاسناد، الا ما رواه أبو سبرة
المدني، عن مطرف، عن مالك، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة،
عن أبي هريرة. وما ذكره الدارقطني، قال : حدثنا عثمان بن احمد
الدقاق، واحمد بن كامل القاضي، قالا: حدثنا أبو قلابة عبد الملك
ابن محمد، حدثنا أبو عاصم النبيل: الضحاك بن مخلد، حدثنا مالك
ابن أنس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة، عن
أبي هريرة، ان امرأتين من هذيل، رمت احداهما الاخرى، فالقت
جنينا. وقال ابن كامل: ان امرأتين كانتا تحت رجل من هذيل
فتعايرتا، فرمت احداهما الاخرى بحجر، فألقت جنينا. وقالا:
فقضى رسول الله وَقال في الجنين بغرة: عبد او وليدة. هكذا رواه أبو
قلابة، عن أبي عاصم، عن مالك. وانما في الموطأ حديث سعيد
مرسل، وحديث أبي سلمة، عن أبي هريرة.
(١) خ: (٥٧٦٠/٢٦٥/١٠)، ن: (٤٨٣٥/٤١٩/٨) من طريق مالك بهذا الإسناد مرسلا
وسيأتي موصولا من حديث أبي هريرة.

فتح البر
٥٧٦
وقد وصل حديث سعيد ثقات من أصحاب ابن شهاب وغيره،
وهو حديث اختصره مالك، فذكر منه دية الجنين التي عليها الأمر
المجتمع عليه عنده، وترك قصة المرأة، اذ ضربت فألقت الجنين
المذكور، لأن فيه من رواية ابن شهاب اثبات شبه العمد، والزام
العاقلة الدية، وهذا شيء لا يقول به مالك، لانه وجد الفتوى والعمل
بالمدينة على خلافه، فكره ان يذكر في موطأه، بمثل هذا الإسناد
الصحيح مالا يقول به، ويقول به غيره، وذكر قصة الجنين لاغير، لأنه
أمر مجتمع عليه في الغرة.
وهذا الحديث عند ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وعن أبي
سلمة جميعا، عن أبي هريرة، عن النبي وَلّ : فطائفة من أصحابه
یحدثون به عنه هكذا وطائفة یحدثون به عنه، عن سعيد بن المسيب،
عن أبي هريرة، ولا يذكرون أبا سلمة. وطائفة يحدثون به عنه عن
أبي سلمة، عن أبي هريرة، ولا يذكرون سعيدا، ومالك أرسل عنه
حديث سعيد هذا، ووصل حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن
النبي وَّ، الا أنه لم يذكر قصة المرأة، لا في حديث سعيد هذا
المرسل، ولا في حديث أبي سلمة، واقتصر منهما على ذكر قصة
الجنين وديته لا غير، لما ذكرنا من العلة، ولما شاء الله مما هو أعلم به.
والحديث محفوظ لابي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي وَخَلّ، من
حديث ابن شهاب وغيره، ولسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن
النبي ◌َُّلّ، من حديث ابن شهاب. وهو حديث صحيح، رواه جماعة
من الصحابة، عن النبي وَل*، منهم: عمر بن الخطاب، وابن عباس،
وجابر، والمغيرة بن شعبة، وأبو هريرة، وحمل بن مالك بن النابغة،
ومحمد بن مسلمة، الا أن محمد بن مسلمة حديثه في الجنين لا غير،

الديات والغرامات
٥٧٧
ولسنا نذكر ههنا الا حديث أبي هريرة خاصة، لانه لم يرو مالك
غيره.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن اسد، قال: حدثنا سعيد بن السكن،
قال: حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا البخاري، قال: حدثنا
احمد بن صالح، قال : حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن
ابن شهاب، عن ابن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا
هريرة، قال: اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت احداهما الاخرى
بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى النبي وَخُلّ، فقضى ان دية
جنينها غرة: عبد او وليدة، وقضى ان دية المرأة على عاقلتها(١).
قال البخاري: وحدثنا عبد الله بن يوسف، قال : حدثنا الليث عن
ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَاجله
قضى في جنين امرأة من بني لحيان بغرة: عبد أو أمة، ثم ان المرأة
التي قضى عليها بالغرة، توفيت، فقضى رسول الله وَجل ان ميراتها
لبنيها وزوجها، وان العقل على عصبتها(٢).
(١) حم: (٥٣٥/٢)، خ: (٦٩١٠/٣١٢/١٢)، م: (١٣٠٩/٣ - ١٣١٠ / ١٦٨١ [٣٦])،
د: (٧٠١/٤-٤٥٧٦/٧٠٣)، ن: (٤٨٣٣/٤١٨/٨)، هق: (١٠٥/٨-١١٤)،
الدارمي: (١٩٧/٢) من طريق ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبدالرحمن
عن أبي هريرة ورواه: حم: (٥٣٩/٢)، خ: (٦٩٠٩/٣١٢/١٢)،
م: (١٦٨١/١٣٠٩/٣[٣٥])، د: (٤/ ٧٠٣-٤٥٧٧/٧٠٤)، ن: (٤٨٣٥/٤١٩/٨)،
والطحاوي (٢٠٥/٣/ ٥٠٧٢) من طريق ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة.
ورواه: حم: (٢٣٦/٢-٢٧٤-٤٣٨-٤٩٨)، خ: (٥٧٥٩/٢٦٥/١٠)،
م: (١٦٨١/١٣٠٩/٣[٣٤])، ن: (٤١٨/٨-٤١٩ / ٤٨٣٤)،
الطحاوي: (٥٠٧١/٢٠٥/٣)، هق: (١١٣/٨) من طريق ابن شهاب عن أبي سلمة عن
أبي هريرة وأخرجه: جه: (٢/ ٢٦٣٩/٨٨٢) من طريق محمد بن بشر عن محمد بن عمرو
عن أبي سلمة عن أبي هريرة، قط: (١١٤/٣-١١٥) من طريق عيسى بن يونس عن محمد
ابن عمرو به، وابن أبي شيبة: (٢٧٢٦٨/٣٩١/٥) من طريق عبد الرحيم بن سليمان عن
محمد بن عمرو به وفيه قضية الجنين فقط .
(٢) سبق تخريجه في الحديث الذي قبله.

فتح البر
(٥٧٨
أخبرنا أبو محمد: عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال : حدثنا
محمد بن بكر، قال : حدثنا أبو داود، قال: حدثنا وهب بن بيان
وأبي السرح، قالا : حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن
شهاب، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي
هريرة، قال: اقتتلت امراتان من هذيل، فرمت إحداهما الاخرى
بحجر، فقتلتها، فاختصموا إلى رسول الله وَ جله، فقضى رسول الله
وَ ظله، بان دية جنينها غرة: عبد أو وليدة، او قضى بدية المرأة على
عاقلتها، وورثها ولدها ومن معه، فقال حمل بن النابغة الهذيلي: يا
رسول الله، کیف اغرم من لا شرب ولا أکل، ولا نطق ولا استھل،
فمثل ذلك يطل؟ فقال رسول الله وَ له: انما هذا من إخوان الكهان من
أجل سجعه الذي سجع(١).
قال أبو داود: وحدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا الليث بن سعد،
عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، في هذه القصة،
قال: ثم ان المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت، فقضى رسول الله
وَ لخير ، ان ميراثها لبنيها، والعقل على عصبتها(١).
قال أبو عمر: فقد ذكرنا ما يجب من القول في قصة قتل المرأة،
والاختلاف في ذلك من جهة الاثر، واختلاف العلماء في ديتها
وقتلها، وما لهم في شبه العمد من الاقاويل والوجوه، في كتاب ((
الأجوبة ، عن المسائل المستغربة)) فمن أراده نظر اليه وتأمله هناك. ولم
نذكر ههنا شيئا من ذلك، لانه ليس في حديث مالك ذكر قتل المرأة
وانما فيه قصة الجنين. ونحن نذكر ما للعلماء في ذلك من الأقوال
والوجوه ههنا، وبالله عوننا وتوفيقنا.
(١) سبق تخريجه في الحديث الذي قبله.

الديات والغرامات
١٥٧٩
فمن أحكام الجنين ما أجمع العلماء عليه، ومنها ما اختلفوا فيه،
فمما اجمعوا عليه من ذلك، ان الجنين اذا ضرب بطن أمه، فالقته
حيا، ثم مات بقرب خروجه، وعلم ان موته كان من اجل الضربة،
وما فعل بأمه وبه في بطنها، ففيه الدية كاملة وانه يعتبر فيه الذكر
والانثى، وعلى هذا جماعة فقهاء الأمصار، وفي اجماعهم على ما
ذكرنا، دليل واضح على ان الجنين الذي قضى فيه رسول الله وَالاله ،
بغرة: عبد او امة كانت قد القته امه ميتا. ومع هذا الدليل نصان:
احدهما من جهة الاجماع ان الغرة واجبة في الجنين اذا رمته ميتا وهي
حية. والنص الثاني ما في حديث سعيد بن المسيب، ان رسول الله
وَله، قضى في الجنين يقتل في بطن امه بغرة، والمقتول في بطن أمه
لا تطرحه إلا ميتا لا محالة وان لم تلقه وماتت وهو في جوفها لم
يخرج، فلا شيء فيه، ولا حكم له، وهذا أيضا إجماع لا خلاف
فيه، فان القته ميتا وهي حية، فالحكم فيه ما ثبتت به السنة عن النبي
وَلَّ على ما ذكر في هذا الحديث: عبد، او امة. وقد كان للغرة أصل
معروف في الجاهلية، لمن لم يبلغ بشرفه ان يؤدي دية كاملة، قال
مهلهل بن ربيعة- واسمه عدي، وانما قيل له مهلهل، لانه اول من
أرق الشعر وقصده فيما ذكروا. قال في قتل أخيه كليب بن ربيعة:
كل قتيل في كليب غرة حتى ينال القتل آل مرة
يعني مرة بن هذيل بن شيبان بن ثعلبة، وكان جساس بن مرة قتل
كليب بن ربيعة التغلبي.
واختلف العلماء في الغرة وقيمتها، فقال مالك: الغرة تقوم
بخمسين دينارا، او ست مائة درهم: نصف عشر دية الحر المسلم
الذكر، وعشر دية أمه الحرة، وهو قول ابن شهاب، وربيعة، وسائر

فتح البر
٥٨٠
أهل المدينة. وقال أبو حنيفة وأصحابه، وسائر الكوفيين: قيمة الغرة
خمسمائة درهم، وهو قول ابراهيم، والشعبي. وقال مغيرة: خمسون
دينارا. وقال الشافعي: سن الغرة سبع سنين، او ثمانى سنين، وليس
عليه ان يقبلها معيبة. وقال داود: كل ما وقع عليه اسم غرة.
واختلفوا في صفة الجنين الذي تجب فيه الغرة ما هو فقال مالك: ما
طرحته من مضغة، او علقة، او ما يعلم انه ولد، ففيه الغرة. وقال
الشافعي: لا شيء فيه حتى يتبين من خلقه شيء. قال مالك : اذا
سقط الجنين فلم يستهل صارخا، ففيه الغرة، وسواء تحرك، أو
عطس، ففيه الغرة ابدا، حتى يستهل صارخا، فان استهل صارخا ففيه
الدية كاملة. وقال الشافعي وسائر الفقهاء: اذا علمت حياته بحركة،
او بعطاس، او باستهلال، أو بغير ذلك - مما تستيقن به حياته، ثم
مات ففيه الدية كاملة، وجماعة فقهاء الامصار يقولون في المرأة اذا
ماتت من ضرب بطنها، ثم خرج الجنين ميتا بعد موتها: أنه لا يحكم
فيه بشيء، وانه هدر- اذا القته بعد موتها، الا الليث بن سعد وداود،
فانهما قالا: اذا ضرب بطن المرأة وهي حية، فألقت جنينا ميتا، ففيه
الغرة، وسواء رمته بعد موتها، او قبل موتها، اعتبرا حياة أمه في
وقت ضربها لا غير، وهو قول أهل الظاهر. واما سائر الفقهاء فانهم
اعتبروا حالها في وقت إلقائها للجنين- لا غير، فان ألقته ميتا- وهي
ميتة، فلا شيء فيه عندهم، وان القته ميتا- وهي حية، ففيه الغرة.
واما اذا القته وهي حية، فقد ذكرنا حكمه، وانه لا خلاف ان فيه
الدية. واحتج أبو جعفر الطحاوي على الليث بن سعد لسائر الفقهاء،
بأن قال: قد اجمعوا - والليث معهم . - على أنه لو ضرب بطنها
وهي حية فماتت والجنين في بطنها ولم يسقط، انه لا شيء فيه ما لم
يسقط، فكذلك اذا اسقطته بعد موتها. قال أبو جعفر: ولا يختلفون