النص المفهرس

صفحات 481-500

٦١ - كتاب
حد السرقة

حد السرقة
٤٨٣
ما سرق من حرز فيه القطع
وما بلغ السلطان فلا تراجع فيه
[١] مالك عن ابن شهاب، عن صفوان بن عبد الله بن صفوان بن أمية أن
صفوان قيل له: إنه من لم يهاجر هلك، فقدم صفوان بن أمية المدينة فنام
في المسجد وتوسد رداءه فجاءه سارق فأخذ رداءه فأخذ صفوان السارق
فجاء به الى رسول الله وَ ل﴿ فأمر به رسول الله وَالقر أن تقطع يده، فقال
صفوان: إني لم أرد هذا يارسول الله، هو عليه صدقة، فقال رسول الله وله
فهلا قبل أن تأتيني به (١).
هکذا روی هذا الحدیث جمهور أصحاب مالك مرسلا، ورواه أبو
عاصم النبيل عن مالك عن الزهري عن صفوان بن عبد الله بن
صفوان عن جده، قال : قيل لصفوان: من لم يهاجر هلك، وساق
الحديث على ما في الموطأ ، ولم يقل أحد فيما علمت في هذا
الحديث عن صفوان بن عبد الله بن صفوان عن جده غير أبي عاصم.
ورواه شبابة بن سوار عن مالك ، عن الزهري عن عبد الله بن
صفوان عن أبيه أن صفوان ألخ.
حدثنا سعيد بن نصر قال: حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا
ابن وضاح قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا شبابة قال
(١) أخرجه من طرق مختلفة عن صفوان بن أمية:
حم: (٤٦٥/٦- (٤٦٥-٤٦٦)-٤٦٦)، د: (٤/ ٤٣٩٤/٥٥٣).
ن: (٤٣٨/٨ - ٤٨٩٣/٤٤٠-٤٨٩٤-٤٨٩٦-٤٨٩٨) وعن عطاء بن أبي رباح مرسلا
(٤٨٩٥/٤٣٩/٨)، جه: (٢ /٢٥٩٥/٨٦٥)، هق: (٢٦٥/٨)، الدارمي: (١٧٢/٢)،
قط: (٢٠٤/٣-٢٠٥)، ك: (٣٨٠/٤) وصححه ووافقه الذهبي.

٤٨٤
فتح البر
حدثنا مالك بن أنس عن الزهري عن عبد الله بن صفوان عن أبيه أن
صفوان قيل له من لم يهاجر هلك، فدعا براحلته فركبها حتى أتى
المدينة فسأل النبي وَ ل* قال: قد قيل لي من لم يهاجر هلك ، فقال
النبي وَّ ذهبت الهجرة فارجع الى بطحاء مكة، فنام صفوان في
المسجد وتوسد رداءه فأخذ من تحت رأسه فجاء بسارقه الى النبي وَال
فأمر به أن يقطع، فقال صفوان بن أمية: يا رسول الله إني لم أرد هذا
ردائي عليه صدقة. يا رسول الله إني لم أرد هذا ردائي عليه صدقة ،
فقال له رسول الله صَله : أفلا قبل أن تأتيني به، ورواه أبو علقمة
الفروي عن مالك، كما رواه شبابة بن سوار عنه بإسناده سواء .
حدثنا بحديث شبابة بن سوار عن مالك خلف بن قاسم ، حدثني
أبو عيسى العباس بن أحمد الأزدي وأبو محمد الحسن بن رشيق،
ونصر بن علي البزار، قالوا: حدثنا أبو العلاء محمد بن احمد بن
جعفر الكوفي قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا شبابة بن
سوار المدائني حدثنا مالك بن أنس عن ابن شهاب فذكره.
وقد ذکر الطحاوي حدیث شبابة عن محمد بن احمد بن جعفر،
عن أبي بكر بن أبي شيبة عن شبابة. عن مالك عن ابن شهاب، عن
عبد اللهبن صفوان، عن أبيه فذكره(١).
هكذا ابن شهاب عن عبد الله بن صفوان عن أبيه.
وقال الطحاوي جائز ان يسمع ابن شهاب هذا الحديث من عبدالله
ابن صفوان بن أمية عن أبيه، ومن صفوان بن عبد الله عن جده.
(١) تقدم تخريجه في حديث الباب.

٤٨٥
حد السرقة
وذلك غير مستنكر لابن شهاب في أحاديثه عن غير هاذين، ممن
يحدث عنه .
وغير مستنكر سماعه من عبد الله بن صفوان، لان عبد الله
ابن صفوان، قتل مع عبد الله بن الزبير في اليوم الذي قتل فيه من
سنة ثلاث وسبعين، قال: والزهري يومئذ سنه أربع عشرة سنة. لأن
مولده. كان في السنة التي قتل فيها الحسين بن علي رضي الله عنه.
وهي سنة احدى وستين. قال: فإن قال قائل: قد يجوز ان يكون عبد
الله بن صفوان هذا، هوعبد الله بن صفوان بن عبد الله، قيل له ما نعلم
لصفوان بن عبد الله ابنا أخذ عنه شيء من العلم، وإنما عبد الله بن
صفوان هذا هو عبد الله بن صفوان بن أمية.
قال أبو عمر:
قد روى هذا الحديث عطاء وطاووس، عن صفوان بن أمية. ورواه
حماد بن سلمة عن قتادة، وقيس بن سعد، وحبيب المعلم، وحميد
ابن قيس، كلهم عن عطاء.
ورواه حماد أيضا، عن عمرو بن دينار، عن طاوس جميعا، عن
صفوان بن أمية انه كان نائما في المسجد تحت رأسه خميصة فجاء لص
فانتزعها من تحت رأسه وذكر الحديث(١).
ولم يسمعه عطاء من صفوان بن أمية، لان شعبة، وسعد بن أبي
عروبة، روياه عن قتادة عن عطاء عن طارق بن المرقع عن صفوان بن
(١) تقدم تخريجه في حديث الباب

فتح البر
٤٨٦
أمية ان رجلا سرق برده، فرفعه إلى النبي وَجُل فأمر بقطعه فقال
يا رسول الله قد تجاوزت عنه قال أفلا قبل أن تأتيني به أبا وهب
فقطعه رسول الله ◌َّهِ (١).
أخبرناه عبد الله بن محمد بن يحيى وعبد الرحمن بن عبدالله بن
خالد قالا : حدثنا احمد بن جعفر بن مالك قال: حدثنا عبد الله بن
احمد بن حنبل قال: حدثنا أبي قال: حدثنا محمد بن جعفر قال:
حدثنا شعبة، عن قتادة عن عطاء عن طارق بن المرقع عن صفوان بن
أمية فذكره حرفا بحرف.
وذكره النسائي عن عبد اللهبن احمد بن حنبل بإسناده مثله سواء.
وأخبرنا قاسم بن محمد قال: حدثنا خالد بن سعد قال: حدثنا
احمد بن عمرو قال: حدثنا محمد بن سنجر قال: حدثنا مسلم بن
ابراهيم قال: حدثنا وهب، عن عطاء عن ابن طاووس عن أبيه عن
صفوان انه قيل له انه لا يدخل الجنة إلا من قد هاجر، فقال: لا أترك
منزلي حتى آتي النبي وَالّ فاتاه برجل فقال: يا رسول اللهان هذا سرق
خميصة لي والرجل معه فامر النبي وَجُلّ بقطعه فقال: يا رسول الله اني
قد وهبتها له قال فهلا قبل أن تأتيني به .
قال: فقلت يا رسول الله إنهم يقولون لا يدخل الجنة إلا من قد
هاجر فقال لا هجرة بعد فتح مكة ولكن جهاد ونية واذا استنرفتم
فانفروا (١).
وطاوس سماعه من صفوان بن أمية ممكن. لانه ادرك زمن عثمان.
(١) سبق تخريجه في حديث الباب.

حد السرقة
٤٨٧
وذكر يحيى القطان، عن زهير عن ليث عن طاوس قال: أدركت
سبعين شيخا من أصحاب رسول الله ◌َّله. وقد قيل إن طاوس
توفي وهو ابن بضع وسبعين سنة. في سنة ست ومائة.
قال فإذا كان سنه هذا فغير ممكن سماعه من صفوان بن أمية، لأن
صفوان توفي سنة ست وثلاثين.
وقيل كانت وفاته بمكة عند خروج الناس الى الجمل.
وقد روي هذا الحديث عن طاوس وعكرمة عن ابن عباس ذكره
البزار من حديث الأشعث بن سوار عن عكرمة، عن ابن عباس.
ومن حديث زكريا بن اسحاق عن عمرو بن دينار عن طاوس عن
ابن عباس عن النبي وَلّر، وهذا لفظ حديث الأشعث عن عكرمة
عن ابن عباس قال: كان صفوان بن أمية نائما في المسجد فجاءه رجل
فأخذ رادءه من تحت رأسه فاتبعه فادركه فأتى به النبي وَّ فقال: هذا
سرق ردائي من تحت رأسي فأمر به ان یقطع فقال: ان ردائي لم يبلغ
أن يقطع فيه هذا. قال: أفلا قبل أن تأتيني به (١).
قال البزار ورواه جماعة عن عكرمة مرسلا.
وحدثنا محمد بن ابراهيم قال: حدثنا محمد بن معاوية قال: حدثنا
احمد بن شعیب قال : حدثنا احمد بن عثمان بن حکیم قال: حدثنا
عمرو قال: حدثنا أسباط عن سماك عن حميد بن اخت صفوان عن
صفوان بن أمية قال: كنت نائما في المسجد على خميصة لي ثمنها
ثلاثون درهما، فجاء رجل فاختلسها مني، فأخذ الرجل فأتى به النبي
(١) تقدم تخريجه في حديث الباب.

فتح البر
٤٨٨
وَ له فأمر به أن يقطع فأتيته فقلت تقطعه من اجل ثلاثين درهما. انا
امتعه ثمنها قال: فهلا كان قبل ان تأتيني به (١).
وفي حديث مالك من الفقه والمعاني، أن الهجرة كانت قبل الفتح
مفترضة.
وفيه إباحة النوم في المسجد.
وفيه توطی الثياب وتوسدها.
وفيه أن ما جعله الانسان تحت راسه فهو حرز له، وما سرق من
حرز فيه القطع.
واختلف العلماء في السارق من غير حرز، فأما فقهاء الأمصار
بالحجاز والعراق والشام، فانهم اعتبروا جميعا الحرز في وجوب القطع
باتفاق منهم على ذلك.
وقالوا من سرق من غير حرز فلا قطع عليه، بلغ المقدار أو زاد.
والحجة لما ذهب اليه الفقهاء في ذلك قوله وَلاو لا قطع في حريسة
جبل حتى يأويها المراح(٢).
وأجمعوا أن السارق من مال المضاربة والوديعة لا قطع عليه.
وقال ◌َله: لا قطع على خائن ولا مختلس(٣).
(١) تقدم تخريجه في حديث الباب،
(٢) سيأتي في الباب التالي: ((لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة الجبل)).
(٣) أخرجه من حديث جابر: د (٥٥١/٤-٤٣٩٣٠٠٤٣٩١/٥٥٢)، ت (١٤٤٨/٤٢/٤)
وقال: حديث حسن صحيح. ن (٤٦٣/٨-٤٩٨٩٠٠٤٩٨٧/٤٦٤)، جه (٢٥٩١/٨٦٤/٢)
كلهم من طريق ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر. وابن جريج لم يسمع هذا الحديث =

حد السرقة
٤٨٩ _
وأجمعوا على ذلك وفي إجماعهم على أن لا قطع على خائن ولا
مختلس دليل على مراعاة الحرز.
وقال أهل الظاهر، وبعض أهل الحديث واحمد بن حنبل، في
رواية عنه، کل سارق یقطع سرق من حرز وغیر حرز.
لأن اللهامر بقطع السارق أمرا مطلقا. وبين النبي وَّ المقدار ولم
یذکر الحرز.
قال أبو عمر:
الحجة عليهم ما ذكرنا، وبالله توفيقنا.
واختلف الفقهاء في أبواب من معاني الحرز يطول ذكرها.
فجملة قول مالك والشافعي وأبي حنيفة والثوري وال
وأصحابهم، أن السارق من غير حرز لا قطع عليه.
وجملة قول مالك والشافعي في الحرز، أو الحرز كل
الناس اموالهم، إذا أرادوا التحفظ بها، وهو يختلف باختلاف السّي
المحروز واختلاف المواضع، فاذا ضم المتاع في السوق الى موضع وقعد
عليه صاحبه فهو حرز.
= من أبي الزبير -كما قال أبو داود والنسائي. وله متابعات: ١- سفيان عن أبي الزبير به:
أخرجه: ن (٨/ ٤٩٨٦/٤٦٣)، حب: الإحسان (٤٤٥٨/٣١١/١٠)، وقال النسائي: لم
يسمعه سفيان من أبي الزبير. ٢ - أشعت عن أبي الزبير به: أخرجه: ن (٨ / ٤٦٤ /٤٩٩١)
وقال: أشعت بن سوار ضعيف. ٣- المغيرة بن مسلم عن أبي الزبير به: علقه ابو داود
والترمذي عقب حديث ابن جريج. وأخرجه مسندا: ن (٨ /٤٩٩٠/٤٦٤). وللحديث
شواهد: × أولا حديث عبد الرحمن بن عوف: أخرجه: جه (٢٥٩٢/٨٦٤/٢) وقال
البوصيري في "زوائد ابن ماجه": ((رجال إسناده موثقون)). × ثانيا حديث أنس: ذكره
الزيلعي في "نصب الراية" (٣٦٥/٣) وعزاه للطبراني في المعجم الأوسط"، ونقل قوله:
((ولم يروه عن الزهري الا يونس، ولا عن يونس الا ابن وهب، تفرد به أبو معمر)).

فتح البر
٤٩٠٠
وكذلك إذا جعل في ظرف فأخرج منه، وعليه من يحرزه.
أو كانت إيل قطر بعضها إلى بعض، أو أنيخت في صحراء حيث
ينظر اليها. أو كانت غنما في مراحها أو متاعا في فسطاط أو بيتا
مغلقا على شيء أو مقفولا عليه.
وكل ما تنسبه العامة الى انه حرز على اختلاف أزمانها وأحوالها.
قال الشافعي: ورداء صفوان كان محرزا باضطجاعه عليه، فقطع
النبي ◌َ﴾ سارقه.
قال ويقطع النباش إذا أخرج الكفن من جميع القبر لأن هذا حرز
مثله .
مذهب المالكيين والشافعيين في هذا الباب متقارب جدا. ولا سبيل
الى إيراد مسائل السرقة على اختلاف أنواع الحرز. وقد ذكرناها هنا
جملا تكفي ومن اراد الوقوف على الفروع نظر في كتب الفقهاء وبان
له ما ذكرناه وباللهالتوفيق.
واختلفوا أيضا في السارق يرفع الى الحاكم سرقته بيده فيحكم عليه
بالقطع لثبوت سرقته باقراره. أو بينة عدول قامت عليه فيهب له
المسروق منه ماسرقه، هل يقطع ام لا؟ فقال مالك وأهل المدينة
والشافعي وأهل الحجاز يقطع لان الهبة إنما وقعت بعد وجوب الحد.
فلا يسقط ما قد وجب لله.
كما انه لو غصب جارية ثم نكحها قبل ان يقام عليه الحد لم يسقط
ذلك الحد عنه.
قال الطحاوي ويختلفون في هذه المسألة، لو كانت الهبة قبل أن
يوتى بالسارق الى الإمام فقال أهل الحجاز منهم مالك والشافعي
يقطع، ووافقهم على ذلك ابن أبي ليلى.

حد السرقة
٤٩١
وقال أبو يوسف في هذا لا يقطع.
وأما أبو حنيفة ومحمد بن الحسن فقالا لا يقطع في شيء من ذلك.
مع وقوع مالكه على السرقة قبل أن يرفع الى الإمام وبعد ان يرفع
اليه .
وحجة أبي يوسف قوله وَّ: فهلا قبل ان تاتيني به! وهذا يدل
على انه لو وهب للسارق رداءه قبل ان ياتيه به لما قطع والله أعلم.
قال أبو عمر:
الحجة قائمة لمالك والشافعي على أبي حنيفة بالحديث المذكور في
هذا الباب لأن رسول الله وَخلال قطع يد السارق الذي سرق ثوب صفوان
ابن أمية بعد ان وهبه له. وقال: هلا قبل ان تاتيني به .
ومعنى قوله عندهم فهلا قبل أن تأتيني به، هلا كان ما أردت من
العفو عنه قبل أن تأتيني به، فان الحدود إذا لم اوت بها ولم أعرفها،
لم أقمها .
واذا أتتني لم يجز العفو عنها ولا لغيري. هذا معناه والله أعلم.
وقد احتج الشافعي بالزاني توهب له الأم التي زنى بها أو يشتريها،
ان ملكه الطارئ لا يزيل الحد عنه، فكذلك السرقة.
ومن حجة أبي حنيفة في قوله متى وهب السرقة صاحبها للسارق
سقط الحد. قوله وَله: ((تعافوا عن الحدود بينكم، فما بلغني من حد
فقد وجب(١))).
(١) أخرجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: د: (٤/ ٤٣٧٦/٥٤٠)،
ن: (٨/ ٤٩٠٠/٤٤١-٤٩٠١)، قط: (١١٣/٣)، البغوي: في شرح السنة:
(٣٣٠/١٠)، ابن عدي في الكامل: (٢٩٨/١)، وك: (٣٨٣/٤) وصححه ووافقه
الذهبي، وله شاهد من حديث ابن مسعود عند: حم: (٤١٩/١-٤٣٨).
=

فتح البر
٤٩٢
قال فهذا الحد قد عفى عنه بالهبة، وقد حصلت ملكا للسارق قبل
أن يبلغ السلطان، فلم يبلغ الحد السلطان إلا وهو معفو عنه.
قال: وما حصل ملكا للسارق استحال أن يقطع فيه، لأنه إنما يقطع
في ملك غيره لا في ملك نفسه.
ومن حجتهم أيضا أن الطارئ من الشبهة في الحدود بمنزلة
ماهو موجود في الحال، قياسا على الشهادات وبالله التوفيق.
قال أبو عمر:
لا أعلم بين أهل العلم اختلافا في الحدود إذا بلغت الى السلطان
لم يكن فيها عفو لا له ولا لغيره، وجائز للناس أن يتعافوا الحدود ما
بينهم، مالم يبلغ السلطان ، وذلك محمود عندهم. وفي هذا كله
دليل على ان لصاحب السرقة في ذلك ما ليس للسلطان. وذلك ما لم
يبلغ السلطان، فاذا بلغ السارق الى السلطان لم يكن للمسروق منه
شيء من حكمه في عفو ولا غيره. لأنه لا يتبعه بما سرق منه إذا وهبه
له.
ألا ترى أنهم قد أجمعوا على أن السارق لو أقر بسرقة عند الإمام
يجب في مثلها القطع. سرقها من رجل غائب أنه يقطع.
وإن لم يحضر رب السرقة.
ولو كان لرب السرقة في ذلك مقال، لم يقطع حتى يحضر.
فیعرف ماعنده فيه.
= ك: (٣٨٢/٤-٣٨٣) وقال: ((صحيح الإسناد)) وسكت عنه الذهبي في التلخيص. هق:
(٣٣١/٨)، كلهم من طريق يحيى الجابر عن أبي ماجدة عن ابن مسعود وفي سنده أبو
ماجدة، قال الذهبي في الميزان (٥٦٧/٤)، ((لا يعرف)) وقال الحافظ في التقريب:
«مجھول).

٤٩٣
حد السرقة
وقد اختلفوا في السارق تدعى عليه السرقة في ثوب هو بيده يدعيه
لنفسه، وصاحب السرقة غائب.
فقال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما. لا يخاصمه في ذلك أحد
إلا رب الثوب، ولا يسمع من غيره في ذلك بينة ولا خصومة في
ذلك بينه وبين من يدعي ذلك عليه حتى يأتي رب الثوب أو وكيله في
ذلك.
وقال ابن أبي ليلى ومالك كل من خاصمه في ذلك من الناس كان
خصما له وسمعت بينته. فإن قبلت قطع وإن لم يأت بمدفع. وهذه
المسائل كلها في معنى الحديث فلذلك ذكرناها وبالله التوفيق.

فتح البر
٤٩٤
لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة الجبل
[٢] مالك، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين المكي، أن رسول الله اله
قال: لا قطع في ثمر معلق، ولا في حريسة جبل، فاذا أواه المراح أو
الجرين، فالقطع فيما بلغ ثمن المجن(١).
لم يختلف الرواة فيما علمت في إرسال هذا الحديث في الموطأ،
وهو حديث يتصل معناه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص،
وغيره، وقد ذكرنا بعض طرقه في باب يحيى بن سعيد، عن محمد
ابن يحيى بن حبان، ومضى هناك القول في أكثر معاني هذا الحديث،
ومضى أيضا في باب ابن شهاب أصول مسائل الحرز وما للعلماء في
ذلك.
حدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم
ابن أصبغ، قال حدثنا محمد بن اسماعيل الترمذي، وعبيد بن عبد
الواحد البزار، قالا حدثنا ابن أبي مريم، قال حدثنا يحيى بن أيوب،
والليث بن سعد، قالا حدثنا محمد بن عجلان، عن عمرو بن
شعيب، عن أبيه، عن جده عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه
قال: سئل رسول الله وَلّ عن الثمر المعلق، فقال: من أصاب منه من
ذي حاجة غير متخذ خبئة، فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء، فعليه
(١) هذا حديث مرسل وأخرجه مرسلا وموصولا من حديث رافع بن خديج:
حم (٤٦٣/٣-٤٦٤)و (١٤٠/٤-١٤٢)، د (٤٣٨٨/٥٤٩/٤-٤٣٨٩)،
ت (٤/ ١٤٤٩/٤٢). ن (٨/ ٤٦١ - ٤٩٧٥/٤٦٣-٤٩٨٥٠٠)، جه (٢/ ٨٦٥/ ٢٥٩٣)،
الدارمي: (١٧٤/٢ -١٧٥)، هق: (٢٦٢/٨-٢٦٣)، البغوي في " شرح السنة"
(٢٦٠٠/٣١٧/١٠) مطولا وصححه حب: (الإحسان: (٤٤٦٦/٣١٦/١٠) وسيأتي
تخريجه موصولا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في الحديث الذي بعده.

٤٩٥
حد السرقة
غرامة مثليه(١). وقال عبد الله: غرامة مثله، ثم اتفقا: ومن سرق منه
شيئا بعد أن يأويه الجرين، فبلغ ثمن المجن، فعليه القطع. زاد
الترمذي: ومن سرق دون ذلك، فعليه غرامة مثله والعقوبة.
ورواه ابن وهب عن عمرو بن الحارث ، وهشام بن سعد، عن
عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي وَخَلّ مثله بمعنى
واحد(٢) .
قال أبو عمر:
في هذا الحديث كلمة منسوخة وهي قوله: وغرامة مثليه، لا أعلم
احدا من الفقهاء قال بها إلا ما جاء عن عمر رضي الله عنه في رقيق
حاطب بن أبي بلتعة حين انتحروا ناقة رجل من مزينة(٣). ورواية عن
احمد بن حنبل، ومحمل هذا عندنا على العقوبة والتشديد، والذي
عليه الناس العقوبة في الغرم بالمثل، لقول الله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ
فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: (١٩٤)]. وقوله: ﴿وَ إِنْ عَاقَبْتُمْ
فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهٌِّ﴾ [النحل: (١٢٦)]. وأما العقوبة في البدن
بالاجتهاد، فغير مدفوعة عند العلماء.
(١) أخرجه من طرق عن عمرو بن شعيب به:
حم: (١٨٠/٢-١٨٦ -٢٠٧)، د: (٤ / ٤٣٩٠/٥٥٠)، و (١٧١٠/٣٣٥/٢)،
ت: (١٢٨٩/٥٨٤/٣)، وقال: حسن، جه (٢٥٩٦/٨٦٥/٢)،
ن: (٤٩٧٣/٤٥٩/٨-٤٩٧٤) وفي الكبرى: (٧٤٤٦/٣٤٤/٤-٧٤٤٧)،
هق (٢٦٣/٨-٢٧٨)، قط: (١٩٤/٣-١٩٥)، ك (٣٨١/٤) وقال: ((هذه سنة تفرد بها
عمرو بن شعيب بن محمد عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص، إذا كان الراوي عن عمرو
ابن شعيب ثقة فهو كأيوب عن نافع عن ابن عمر)) ووافقه الذهبي.
(٢) تقدم تخريجه في الحديث الذي قبله.
(٣) أخرجه البغوي في " شرح السنة" (٢٥٩٩/٣١٦/١٠)

فتح البر
٤٩٦
وأما قوله في حديث مالك: لا قطع في ثمر معلق، فالثمر المعلق
ماكان في رؤوس الأشجار من ضروب الثمار، ولا قطع على سارقه
عند جمهور العلماء لهذا الحديث، وقد بينا هذا المعنى في باب يحيى
ابن سعید، عن محمد بن یحیی بن حبان.
وأما الحريسة، فذكر أبو عبيد قال الحريسة تفسر تفسيرين، فبعضهم
يجعلها السرقة نفسها، تقول منه حرست أحرس حرسا- إذا سرقت ،
فيكون المعنى أنه ليس فيما سرق من الماشية بالجبل قطع حتى يأويها
المراح.
والتفسير الآخر: أن تكون الحريسة هي المحروسة فيقول: ليس فيما
یحرس بالجبل قطع، لانه ليس بموضع حرز- وإن حرس.
قال مالك، والشافعي في الإبل إذا كانت في مراعيها: لم يقطع من
سرق منها ، فان أواها المراح، قطع من سرقها إذا بلغت ما يجب فيه
القطع، وهو قول أبي حنيفة، وأبي ثور- إذا لم يكن للإبل في مرعاها
من يحرزها ويحفظها، وقولهم في الثمر المعلق: أنه لا يقطع سارقه
حتى يأويه الجرين، فاذا أواه الجرين فسرق منه مايجب فيه القطع،
قطع سارقه، وقد مضى في باب نافع القول في مقدار ما يجب فيه
القطع، وما للعلماء في ذلك من الاقوال والاعتلال، ومضى في باب
ابن شهاب القول في معنى الحرز- ويأتي في باب يحيى بن سعيد عن
محمد بن یحیی بن حبان، کثیر من معاني هذا الباب بأبسط منه ههنا
وأوضح - إن شاء الله.
وقال مالك: إذا أوى الجرين الزرع أو الثمر، أو أوى المراح الغنم،
فعلى من يسرق من ذلك قيمة ربع دينار - القطع. قال مالك: ولا
قطع في ثمر معلق، ولا كثر، والكثر: الجمار، قال: ولا قطع في

حد السرقة
٤٩٧
النخلة الصغيرة ولا الكبيرة، ومن قطع نخلة من حائط، فليس فيها
قطع، وخالفه أشهب في النخلة، فرأى فيها القطع. وأما قوله:
الجرين، فالجرين هو المربد عند أهل المدينة وأهل الحجاز، ويسميه أهل
العراق البيدر، ويقال له بالبصرة: الخوخان، ويسميه أهل الشام:
الأندر، وأما المراح فهو موضع مبيت الغنم الذي تروح إليه وتجتمع فيه
ليلا، وكذلك إن جمعت فيه للحرز نهارا، والله أعلم.

فتح البر
٤٩٨
لا قطع في ثمر ولا في كثر
[٣] مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان أن عبدا سرق
وديا من حائط رجل فغرسه في حائط سيده، فخرج صاحب الودي يلتمس
وديه فوجده، فاستدعى على العبد مروان بن الحكم، فسجن مروان العبد
وأراد قطع يده، فانطلق سيد العبد الى رافع بن خديج، فسأله عن ذلك
فأخبره أنه سمع رسول الله وَهلتر يقول: لا قطع في ثمر ولا في كثر والكثر
الجمار. قال الرجل: فإن مروان بن الحكم أخذ غلاما لي وهو يريد قطعه،
فأنا أحب أن تمشي معي إليه فتخبره بالذي سمعت من رسول الله والتر ،
فمشى معه رافع الى مروان بن الحكم فقال: أخذت غلاما لهذا؟ فقال نعم،
قال: فما أنت صانع به؟ قال: أردت قطع يده، فقال له رافع: سمعت
رسول الله وسلم يقول: لا قطع في ثمر ولا في كثر، فأمر مروان بالعبد
فأرسل(١).
قال أبو عمر:
هذا حديث منقطع، لأن محمد بن يحيى لم يسمعه من رافع بن
خديج، وقد رواه ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن
يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن رافع بن خديج، فإن
صح هذا فهو متصل مسند صحيح، ولكن قد خولف ابن عيينة في
ذلك، ولم يتابع عليه إلا ما رواه حماد بن دليل المدائني عن شعبة،
فإنه رواه عن شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن یحیی بن
حبان، عن عمه، عن رافع بن خديج. وأما غير حماد بن دليل، فإنما
(١) تقدم تخريجه في باب: لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة الجبل.

٤٩٩
حد السرقة
رواه عن شعبة، عن يحيى عن محمد، عن رافع- كما رواه مالك،
وكذلك رواه الثوري، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، و أبو عوانة
ويزيد بن هارون، وأبو خالد الأحمر، وعبد الوارث بن سعيد،
وأبومعاوية، كلهم عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن
حبان، عن رافع بن خديج.
ورواه ابن جريج، وأبو أسامة، والليث بن سعد، على اختلاف
عنه، عن یحیی بن سعید، عن محمد بن یحیی بن حبان، عن رجل
من قومه، عن رافع بن خديج.
ورواه بشر بن المفضل، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى
ابن حبان، عن رجل من قومه، عن عمه، عن رافع بن خديج.
ورواه اللیث، عن یحیی بن سعید، عن محمد بن یحیی بن حبان،
عن عمة له أن غلاما سرق ودیا- وساق الحديث.
ورواه الدراوردي، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن
حبان، عن أبي ميمون، عن رافع بن خديج، فأما رواية ابن عيينة،
فحدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم بن
أصبغ قال حدثنا محمد بن اسماعيل قال حدثنا الحميدي، قال حدثنا
سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه
واسع بن حبان- ان عبدا سرق وديا من حائط، فجاء به فغرسه في
حائط أهله ، فأتي به مروان بن الحكم، فأراد أن يقطعه، فشهد رافع
ابن خديج أن رسول الله صَ لّه قال: لا قطع في ثمر ولا كثر فأرسله
مروان(١).
(١) تقدم تخريجه في باب لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة الجبل.

فتح البر
٥٠٠
قال الحميدي: قال لنا سفيان: أخبرنا عبد الكريم، قال: اسم الذي
سرق الودي فیل.
قال الحميدي: فقيل لسفيان: ليس يقول أحد في هذا الحديث عن
عمه، فقال: هكذا حفظي، قال الحميدي: فقال لي أبو زيد المدائني:
حماد بن دليل أثبت عليه، فإن شعبة كذا حدثنا عن يحيى بن سعيد،
عن محمد بن يحيى بن حبان ، عن عمه(١).
وقال احمد بن زهير: سمعت يحيى بن معين يقول: حماد بن دليل
ليس به بأس، كان على المدائن قاضيا، ولا أدري من أين أصله.
وأما حديث شعبة من غير رواية حماد بن دليل، فحدثنا عبدالوارث
ابن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن
عبد السلام، قال حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا ابن أبي عدي،
عن شعبة، عن یحیی بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، قال:
سرق غلام من الأنصار نخلا صغارا فأتي به مروان، فأمر به أن يقطع
فقال رافع بن خديج: سمعت رسول الله صَ لَه يقول: لا يقطع السارق
في ثمر ولا كثر. فقلت ليحيى: ما الكثر؟ قال: الجمار، فضربه
وحبسه(١)
وأما رواية الثوري، فحدثنا احمد بن قاسم بن عبد الرحمن، قال
حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا الحر بن أبي أسامة، قال حدثنا أبو
نعيم، قال حدثنا سفيان عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن
حبان، عن رافع بن خديج، قال: قال رسول الله وَيُله : لا قطع في
ثمر ولا كثر (١).
(١) سبق تخريج هذه الأحاديث في باب لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة الجبل.