النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
الحدود
وحديث عبادة بن الصامت عن النبي ◌َّ انه قال : خذوا عني قد
جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب
جلد مائة والرجم بالحجارة (١) . وروى أبو حصين وإسماعيل بن أبي
خالد وعلقمة بن مرثد وغيرهم عن الشعبي قال: أتي علي بزانية
فجلدها يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة ثم قال: الرجم رجمان رجم
سر ورجم علانية فأما رجم العلانية فالشهود ثم الإمام ثم الناس واما
رجم السر فالاعتراف فالإمام ثم الناس(٢).
وحجة الجمهور أن رسول الله عَّه رجم ماعزا الاسلمي، ورجم
يهوديا، ورجم امرأة، ولم يجلد واحدا منهم. وقيل امرأتين.
روى عبد الرزاق عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر سمعه
يقول: رجم رسول الله عَّ﴾ رجلا من أسلم، ورجلا من اليهود،
وامرأة، فدل ذلك على ان الآية قصد بها من لم يحصن من الزناة،
ورجم أبو بكر وعمر ولم یجلدا.
روى الحجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة قال: أخبرنا الحجاج،
عن الحسن بن سعد، عن عبد الله بن شداد، أن عمر رجم في الزنا
رجلا ولم يجلده، وحديث مالك عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن
يسار، عن أبي واقد الليثي - اذ بعثه عمر الى امرأة الرجل التي زعم
أنه وجد معها رجلا - فاعترفت، وأبت أن تنزع ، وتمادت على
الاعتراف، فامر بها عمر فرجمت ولم یذکر جلدا.
(١) سيأتي بسنده في الباب نفسه.
(٢) أخرجه من طرق مختلفة عن الشعبي عن علي به.
حم: (١٠٧/١-١١٦-١٢١-١٤١-١٥٣) خ: (١٢ / ٦٨١٢/١٤٠)، مختصرا ولم يذكر
الجلد، قط: (١٢٣/٣-١٣٦/١٢٤-١٣٧-١٣٨-١٣٩)، هق: (٨/ ٢٢٠).
عبدالرزاق(٣٢٦/٧-٣٢٧-٣٢٨ / ١٣٣٥٠-١٣٣٥١ -١٣٣٥٣ - ١٣٣٥٤ - ١٣٣٥٦) والطحاوي
في " شرح معاني الآثار" (٢/ ٨٠-٨١).

فتح البر
٤٤٢
ورواه الزهري عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي واقد الليثي، ان
ذلك كان من عمر مقدمه الشام بالجابية، وروى ابن وهب عن عبد الله
ابن عمر العمري، عن نافع، أن عمر بن الخطاب رجم امرأة، ولم
یجلدها بالشام.
وروى مخرمة بن بكير عن أبيه، قال: سمعت سعيد بن المسيب،
وسليمان بن يسار، يقولان ان عمر بن الخطاب كان يقول: إن آية
الرجم نزلت، وان رسول الله عَّه رجم، ورجمنا بعده، فقال عمر
عند ذلك: ارجموا الثيب واجلدوا البكر، وسيأتي من معاني الرجم
ذکر صالح في باب یحیی بن سعيد- ان شاء الله.
وأما حديث علي في قصة شراحة، فليس بالقوي، لأنهم يقولون
إن الشعبي لم يسمع منه، وهو مشهور قد رواه ابن أبي ليلى وغيره
عنه (١) . ومن أوضح شيء فيما ذهب اليه جمهور العلماء، حديث
ابن شهاب المذكور في هذا الباب: قوله لأنيس أن يأتي امرأة الآخر،
فإن اعترفت رجمها، فاعترفت فرجمها، ولم يذكروا جلدا.
وأما حديث عبادة بن الصامت، عن النبي ◌ََّّةُ قوله الثيب بالثيب
جلد مائة والرجم، فإنما كان هذا في أول نزول آية الجلد، وذلك ان
الزناة كانت عقوبتهم، إذا شهد عليهم أربعة من العدول في أول
الإسلام، ان يمسكوا في البيوت إلى الموت، أو يجعل الله لهم سبيلا،
فلما نزلت آية الجلد التي في سورة النور: قوله عز وجل: ﴿الزّايَةُ
وَالَّفِىِ فَأَجْلِدُواْ كُلَّ وَجِدٍ مِنْهُمَا مِْتَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: (٢)]. قام بَّرِ فقال: خذوا
عني، قد جعل الله لهن سبيلاً: البكر بالبكر، جلد مائة
(١) انظر الحديث الذي قبله.

٤٤٣
الحدود
وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم بالحجارة، فكان هذا
في أول الأمر، ثم رجم رسول الله عَّه جماعة ولم يجلدهم، فعلمنا
ان هذا حكم احدثه الله نسخ به ما قبله، ومثل هذا كثير في أحكامه
وأحكام رسوله ليبتلي عباده، وإنما يؤخذ بالأحدث فالأحدث من أمر
رسول الله عبّ .
ذكر عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، انه كان ينكر الجلد مع
الرجم، ويقول: رجم رسول الله عٍَّ ولم يجلد(١).
وعن الثوري، عن مغيرة، عن ابراهيم، قال: ليس على المرجوم
جلد، بلغنا أن عمر رجم ولم يجلد (٢).
وفي هذه المسألة، قول ثالث، وهو أن الثيب من الزناة كان شابا
رجم، وان کان شیخا جلد ورجم.
روي ذلك عن مسروق، وقالت به فرقة من أهل الحديث: أخبرنا
احمد بن قاسم بن عبد الرحمن، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال:
حدثنا محمد بن يحيى المروزي، قال حدثنا خلف بن هشام البزار،
قال حدثنا أبو شهاب عن الاعمش، عن مسلم عن مسروق قال:
البكران يجلدان وينفيان سنة، والثيبان يرجمان، والشيخان يجلدان
ويرجمان، فهذا ما لأهل السنة من الأقاويل في هذا الباب.
وأما أهل البدع، فأكثرهم ينكر الرجم ويدفعه، ولا يقول به في
شيء من الزناة ثيبا ولا غير ثيب، عصمنا الله من الخذلان برحمته.
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف: (٣٢٨/٧-١٣٣٥٨/٣٢٩).
(٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف: (١٣٣٥٧/٣٢٨/٧).

فتح البر
٤٤٤
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا بكر بن حماد، قال حدثنا مسدد، قال : حدثنا حماد بن زيد،
عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس قال: سمعت
عمر بن الخطاب يخطب فقال: أيها الناس، ان الرجم حق، فلا
تخدعن عنه، فإن آية ذلك أن رسول الله عَّه، قد رجم ، وأن أبا بكر
قد رجم وإنا قد رجمنا بعدهما، وسيكون قوم من هذه الأمة يكذبون
بالرجم، ويكذبون بالدجال، ويكذبون بطلوع الشمس من مغربها،
ويكذبون بعذاب القبر، ويكذبون بالشفاعة، ويكذبون بقوم يخرجون
من النار بعدما امتحشوا (١).
قال أبو عمر:
الخوارج وبعض المعتزلة يكذبون بهذا كله، وليس كتابنا هذا موضعا
للرد عليهم والحمد لله الذي عافانا مما ابتلاهم به .
وروي عن علي بن حماد بن سلمة، وحماد بن زيد، والمبارك بن
فضالة، وأشهب، وهشام، كلهم باسناده ومعناه، وقال احمد بن
حنبل، حدثنا عفان ، حدثنا حماد بن زيد ، قال : سمعت علي بن
زید یقول: کنا نشبه حفظ یوسف بن مهران، بحفظ عمرو بن دینار.
واختلف الفقهاء في الاحصان الموجب للرجم، فجملة قول مالك
ومذهبه: ان يكون الزاني حرا، مسلما، بالغا، عاقلا قد وطئ وطئا
(١) حم: (٢٩/١-٤٠-٤٧-٥٠-٥٥)، خ: (٦٨٢٩/١٦٥/١٢).
م (١٦٩١/١٣١٧/٣[١٥])، د (٤٤١٨/٥٧٣/٤)، ت (٢٩/٤ - ١٤٣١/٣٠- ١٤٣٢).
ن: في الكبرى (٢٧٣/٤-٧١٥٧/٢٧٤-٧١٥٨-٧١٥٩ - ٧١٦٠).
جه: (٢٥٥٣/٨٥٣/٢)، عبدالرزاق (١٣٣٦٤/٣٣٠/٧).
الدارمي: (١٧٩/٢)، هق: (٢١١/٨).

٤٤٥
الحدود
مباحا في عقد نكاح، ثم زنى بعد هذا، والكافر عنده والعبد لا يثبت
لواحد منهما احصان في نفسه، وكذلك العقد الفاسد، لا يثبت به
إحصان، وكذلك الوطء المحظور، كالوطء في الإحرام أو في الصيام
أو في الاعتكاف، أو في الحيض، لا يثبت بشيء من ذلك إحصان،
إلا أن الأمة والكافرة والصغيرة، يحصن الحر المسلم عنده ولا
يحصنهن، هذا كله تحصيل مذهب مالك وأصحابه، وحد الحصانة في
مذهب أبي حنيفة وأصحابه على ضربين أحدهما احصان يوجب
الرجم، يتعلق بسبع شرائط: الحرية، والبلوغ، والعقل والإسلام،
والنكاح الصحيح، والدخول، والآخر احصان يتعلق به حد القذف،
له خمس شرائط في المقذوف: الحرية، والبلوغ، والعقل والإسلام،
والعفة.
وقد روي عن أبي يوسف في الإملاء، أن المسلم يحصن النصرانية
ولا تحصنه، وروي عنه أيضا، أن النصراني إذا دخل بامرأته النصرانية
ثم أسلما، أنهما محصنان بذلك الدخول.
وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف، قال: قال ابن أبي ليلى: إذا
زنى اليهودي والنصراني بعدما أحصنا فعليهما الرجم، قال أبو
يوسف: وبه نأخذ، وقال الشافعي: إذا دخل بامرأته وهما حران
ووطئها، فهذا إحصان كافرين كانا أو مسلمين.
واختلف أصحاب الشافعي على أربعة أوجه، فقال بعضهم: إذا
تزوج العبد أو الصبي ووطئا، فذلك إحصان، وقال بعضهم: لا يكون
واحد منهما محصنا كما قال مالك: وقال بعضهم: إذا تزوج الصبي،
أحصن إذا وطئ فان بلغ وزنى كان عليهما الرجم، والعبد لا يحصن.
وقال بعضهم: إذا تزوج الصبي لا يحصن، وإذا تزوج العبد
أحصن.

فتح البر
٤٤٦
وقالوا جميعا: الوطء الفاسد، لا يقع به احصان، وقال مالك:
تحصن الأمة الحر، ويحصن العبد الحرة، ولا تحصن الحرة العبد، ولا
الحر الامة، وتحصن اليهودية والنصرانية المسلم، وتحصن الصبية
الرجل، وتحصن المجنونة العاقل، ولا يحصن الصبي المرأة، ولا
يحصن العبد الامة، ولا تحصنه إذا جامعها في حال الرق، قال: وإذا
تزوجت المرأة خصيا وهي لا تعلم أنه خصى، فوطئها ثم علمت أنه
خصي، فلها ان تختار فراقه، ولا یکون ذلك الوطء إحصانا .
وقال الثوري: لا يحصن بالنصرانية، ولا بالمملوكة، وهو قول
الحسن بن حي، زاد الحسن بن حي: وتحصن المشركة بالمسلم،
ويحصن المشركان كل واحد منهما بصاحبه، وقال الليث بن سعد في
الزوجين المملوكين لا يكونان محصنين حتى يدخل بها بعد عتقهما،
وكذلك النصرانية لا يكونان محصنين حتى يدخل بها بعد إسلامهما،
قال: وإن تزوج امرأة في عدتها فوطئها، ثم فرق بينهما فهو احصان،
وقال الاوزاعي في العبد تحته الحرة إذا زنى فعليه الرجم، وإن كان
تحته أمة وأعتق ثم زنى، فليس عليه الرجم حتى ينكح غيرها، وقال
في الصغيرة التي لم تحصن انها تحصن الرجل، والغلام الذي لم
يحتلم لا يحصن المرأة، قال: ولو تزوج امرأة فإذا هي أخته من
الرضاعة فهذا إحصان .
قال أبو عمر:
إيجاب الأوزاعي الرجم على المملوكة تحت الحر وعلى العبد
تحت الحرة، لا وجه له: لأن الله تعالى يقول: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ
بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: (٢٥)].
والرجم لا يتنصف. وقد قال ◌َ﴿ في الأمة إذا زنت، فاجلدوها. وقال

٤٤٧
الحدود
مالك في حديثه ذلك: ولم يحصن ، وسنبين ذلك بعد تمام القول
في هذا الحديث ان شاء الله وأما قوله في الحديث: وجلد ابنه مائة
جلدة، وغربه عاما، فلا خلاف بين علماء المسلمين، ان إبنه ذلك كان
بكرا، وان الجلد جلد البكر مائة جلدة.
واختلفوا في التغريب، فقال مالك: ينفى الرجل ولا تنفى المرأة ولا
العبد، ومن نفي حرس في الموضع الذي ينفى اليه، وقال الاوزاعي،
ينفي الرجل ولا تنفى المرأة. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لانفي على
زان، وإنما عليه الحد رجلا كان أو امرأة، حرا كان أو عبدا. وقال
الثوري والشافعي والحسن بن حي: ينفى الزاني إذا جلد امرأة كان أو
رجلا. واختلف قول الشافعي في نفي العبد، فقال مرة: استخير الله
في تغريب العبيد، وقال مرة: ينفى العبد نصف سنة، وقال مرة
أخرى: سنة الى غير بلده ، وبه قال الطبري.
قال أبوعمر :
من حجة من غرب الزناة مع حديثنا هذا، حديث عبادة بن
الصامت: البكر بالبكر جلد مائة، وتغريب عام، لم يخص عبدا من
حر، ولا أنثى من ذكر، حدثني احمد بن قاسم، قال: حدثنا قاسم
ابن أصبغ، قال حدثنا الحارث بن أبي اسامة، ومحمد بن الجهم قالا
حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: أخبرنا سعيد بن أبي عروبة، عن
قتادة، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة بن
الصامت(١)، وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن
(١) حم: (٣١٣/٥-٣١٨-٣٢٠-(٣٢٠-٣٢١).
م: (١٣١٦/٣-١٦٩٠/١٣١٧[١٢-١٣- ١٤])، د: (٥٦٩/٤ -٤٤١٥/٥٧١-٤٤١٦).
ت: (١٤٣٤/٣٢/٤) وقال: حسن صحيح، جه: (٢٥٥٠/٨٥٢/٢).
الدارمي (١٨١/٢)، والبيهقي: (٢٢٢/٨).

فتح البر
٤٤٨
أصبغ، قال حدثنا احمد بن زهیر، وبکر بن حماد، قال احمد: حدثنا
أبي، وقال بكر: حدثنا مسدد، قالا حدثنا يحيى القطان عن ابن أبي
عروبة، عن قتادة عن الحسن، عن حطان بن عبد الله، عن عبادة بن
الصامت، قال: قال رسول الله عَّه: خذوا عني، خذوا عني، قد
جعل الله لهن سبيلا: الثيب جلد مائة ورجم بالحجارة، والبكر جلد
مائة ثم نفي سنة (١).
ومن حجتهم أيضا ما حدثناه عبد الرحمن بن مروان، قال حدثنا
الحسن بن علي بن داود، قال حدثنا موسى بن الحسن الكوفي، قال
حدثنا أبو كريب، قال حدثنا ابن ادريس، عن عبيد الله ، عن نافع،
عن ابن عمر، أن رسول الله عَمّه ضرب وغرب، وأن أبا بكر ضرب
وغرب، وأن عمر ضرب وغرب(٢)، وحجة من لم ير النفي على
العبيد: حديث أبي هريرة في الامة، عن النبي ◌َّ ذكر فيه الحد دون
النفي، ومن رأى نفي العبيد، زعم أن حديث الأمة معناه التأديب لا
الحد، وسنوضح القول في ذلك في الباب بعد هذا ان شاء الله.
ومن حجة من لم ير نفى النساء، ما يخشى عليهن من الفتنة، وقد
روي عن أبي بكر وعمر تغريب المرأة البكر. وروي عن علي انه لم ير
نفي النساء وروى عبد الرزاق عن أبي حنيفة، عن حماد عن ابراهيم
قال: قال عبد الله في البكر يزنى بالبكر، يجلدان مائة وينفيان سنة.
قال: وقال علي: حسبهما من الفتنة أن ينفيا (٣)، عبدالرزاق عن
(١) انظر الذي قبله.
(٢) ت: (١٤٣٨/٣٥/٤)، هق (٢٢٣/٨)، وقال الترمذي: ((حديث غريب، رواه غير واحد
عن عبد الله بن إدريس فرفعوه، وروى بعضهم عن عبد الله بن إدريس هذا الحديث عن
عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن أبا بكر ضرب وغرب، وأن عمر ضرب وغرب)).
وصححه إسناده الشيخ الألباني في "الإرواء" (١١/٨-٢٣٤٤/١٢).
(٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف: (١٣٣١٣/٣١٢/٧).

الحدود
٤٤٩
معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب قال: غرب عمر ربيعة بن أمية
ابن خلف في الخمر الى خيبر، فلحق بهرقل فتنصر، فقال عمر: لا
اغرب مسلما بعد هذا أبدا (١)، قالوا: ولو كان النفي حدا لله ماتركه
عمر بعد، ولا كان علي يكرهه وهوقول الكوفيين وأما أهل المدينة،
فعلى ما ذكرنا عنهم ، قال معمر: وسمعت الزهري وسئل الى كم
ينفى الزاني قال : نفاه عمر من المدينة إلى البصرة، ومن المدينة الى
خيبر(٢) . عبد الرزاق عن ابن جريج، قال: سمعت ابن شهاب وسئل
بمثله سواء، أيوب، وعبيد الله بن عمر، عن نافع عن ابن عمر، ان
عمر نفى الى فدك(٣). وأن ابن عمر نفى إلى فدك (٤) الثوري عن أبي
اسحاق ، أن عليا نفى من الكوفة إلى البصرة(٥)، وقال ابن جريج:
قلت لعطاء: نفى من مكة إلى الطائف قال: حسبه ذلك (٦). وأما
قول الرجل أن ابنى كان عسيفا على هذا، فزنى بامرأته مع قول أبي
هريرة فجلد ابنه مائة جلدة، وغربه عاما، فيدل على ان ابن الرجل
المتكلم اقر على نفسه بما لا يؤخذ أبوه، اوصدقه في قوله ذلك عليه،
ولولا ذلك، لما أقام رسول الله عَّه الحد لان من شريعته عَّ ان لا
يؤخذ أحد بإقرار غيره عليه قال الله عز وجل: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ
أَخْرَى﴾ [الأنعام: (١٦٤)]. ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسِ إِلَّا عَلَيَّهَا﴾ [الأنعام:
ج
(١٦٤)]. لا على غيرها. وقال رسول الله و لو لأبي رمثة في ابنه: إنك
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف: (١٣٣٢٠/٣١٤/٧).
(٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف: (١٣٣٢١/٣١٤/٧).
(٣) أخرجه عبد الرزاق في " المصنف» (١٣٣٢٨/٣١٥/٧).
(٤) أخرجه عبد الرزاق في " المصنف» (١٣٣٢٦/٣١٥/٧).
(٥) أخرجه عبد الرزاق في ' المصنف» (١٣٣٢٣/٣١٤/٧).
(٦) أخرجه عبد الرزاق في " المصنف" (٣١٤/٧-١٣٣٢٥/٣١٥)

فتح البر
٤٥٠
لا تجني عليه ولا يجني عليك (١). وهذا كله يوضح لك أنه إنما جلده
بإقراره وكسبه على نفسه، لا بإقرار أبيه عليه، ولولا إقراره بذلك على
نفسه، لكان أبوه قاذفا له، وهذا ما لاخلاف في شيء منه عند
العلماء والحمد لله.
واختلفوا فيمن أقر بالزنى بامرأة بعينها وجحدت هي، فقال مالك
يقام عليها حد الزنا، ولو طلبت حد القذف لأقيم عليه أيضا، قال:
وكذلك لو قالت: زنى بي فلان وأنكر، حدت للقذف ثم للزنا، وبهذا
قال الطبري، وقال أبو حنيفة لا حد عليه للزنا، وعليه حد القذف،
وعليها مثل ذلك إن قالت له ذلك، وقال أبو يوسف، ومحمد
والشافعي : يحد من أقر منهما للزنا فقط، لأنا قد أحطنا علما انهما
يجب عليه الحدان جميعا لانه إن كان زانيا فلا حد على قاذفه، فإذا
أقيم عليه حد الزنا، لم يقم عليه حد القذف، وقال الاوزاعي: يحد
للقذف ، ولا يحد للزنا، وقال ابن أبي ليلى: إذا أقر هو وجحدت
هي، جلد وإن كان محصنا، ولم يرجم.
وفيه رد ما قضي به من الجهالات، قال عّ كل عمل ليس عليه
أمرنا فهو رد (٢)، وقال عمر: ردوا الجهالات الى السنة .
وأجمع العلماء ان الجور البين، والخطأ الواضح المخالف للاجماع
والسنة الثابتة المشهورة التي لا معارض لها، مردود على كل من قضى
به، ذكر مالك عن يحيى بن سعيد، وربيعة، أن عمر بن عبد العزيز
(١) حم (٢٢٨٠٠٢٢٦/٢)، د (٦٣٥/٤-٦٣٦ /٤٤٩٥)، ن (٤٢٣/٨ /٤٨٤٧)،
حب: الإحسان (٥٩٩٥/٣٣٧/١٣)، ك (٤٢٥/٢) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه،
ووفاقه الذهبي.
(٢) أخرجه من حديث عائشة: خ (٢٦٩٧/٣٧٧/٥)، م (١٣٤٣/٣- ١٧١٨/١٣٤٤)، د
(١٢/٥-٤٦٠٦/١٣)، جه (٧/١ /١٤).

٤٥١,
الحدود
كان يقول: مامن طيبة أهون علي منا، ولا كتاب أهون علي ردا،
من كتاب قضيت به، ثم أبصرت أن الحق في خلافه، أو قال في
غيره.
وفي هذا الحديث أيضا، أن إعتراف الزاني مرة واحدة بالزنا،
يوجب عليه الحد ما لم يرجع، ألا ترى إلى قوله عليه: فإن اعترفت
فارجمها، ولم يقل إن اعترفت أربع مرات.
وسنبين هذا في باب مرسل ابن شهاب من هذا الكتاب إن شاء
الله.
وفي هذا الحديث أيضا إثبات خبر الواحد، وإيجاب العمل به في
الحدود، وإذا وجب ذلك في الحدود، فسائر الأحكام أحرى بذلك.
وفيه أن للإمام أن يسأل المقذوف، فأن اعترف، حكم عليه
بالواجب، وإن لم يعترف وطالب القاذف أخذ له بحده، وهذاموضع
اختلف فيه الفقهاء، فقال مالك لا يحد الإمام القاذف حتى يطالبه
المقذوف، إلا أن يكون الإمام سمعه، فيجلده ان كان معه شهود
عدول، قال: ولو أن الإمام شهد عنده شهود عدول على قاذف لم
يقم الحد حتى يرسل الى المقذوف وينظر مايقول، لعله يريد سترا على
نفسه .
وقال أبو حنيفة وأصحابه، والاوزاعي والشافعي : لا يحد إلا
بمطالبة المقذوف.
وقال ابن أبي ليلى: يحده الإمام وإن لم يطالبه المقذوف.
وفيه أن يكون الرسول في حكم الدين واحدا، كما أن الحكم
واحد، وذلك كله قوة في العمل بخبر الواحد، وفي هذا الحديث دليل

فتح البر
٤٥٢
على أن الحاكم يقضي بما يقربه عنه المقر وإن لم يحضره أحد، لأن
رسول اللّه عَّة لم يقل له: احمل معك من يسمع إعترافها.
وفي ذلك ايجاب القضاء بما علم القاضي وهو حاكم، وسيأتي القول
في قضاء القاضي بعلمه، واختلاف العلماء في ذلك، ووجوه اقوالهم
وما نزعوا به في باب حديث هشام بن عروة عن أبيه، عن زينب بنت
أبي سلمة، عن أم سلمة، من كتابنا هذا إن شاء الله ، والله المستعان.

الحدود
٤٥٣
ما جاء في الجلد للبكر وصفة السوط
[٨] مالك، عن زيد بن أسلم، أن رجلا اعترف على نفسه بالزنا على عهد
رسول الله عَّ ، فدعا له رسول الله عَّه بسوط، فأتي بسوط مكسور،
فقال فوق هذا، فاتى بسوط جديد لم تقطع ثمرته، فقال دون هذا، فأتي
بسوط قد ركب به ولان، فأمر به رسول الله عَّه فجلد، ثم قال: أيها الناس
قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله، من أصاب من هذه القاذورة شيئا،
فليستتر بستر الله، فإنه من يبد لنا صفحته، نقم عليه كتاب الله (١).
هكذا روى هذا الحديث مرسلا جماعة الرواة للموطأ، ولا أعلمه
يستند بهذا اللفظ من وجه من الوجوه، وقد روى معمر عن يحيى بن
أبي كثير عن النبي ◌َّ﴾ مثله سواء.
وذكر ابن وهب في موطئه عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، قال:
سمعت عبيد الله بن مقسم، يقول: سمعت كريبا مولى ابن عباس
يحدث، أو يحدث عنه أنه قال: أتى رجل إلى النبي عَّه فاعترف
على نفسه بالزنا، ولم يكن الرجل أحصن، فأخذ رسول الله عَليه
سوطا فوجد رأسه شديدا فرده، ثم أخذ سوطا آخر فوجد رأسه لينا،
فأمر رجلا من القوم فجلده مائة جلدة، ثم قام على المنبر، فقال :
أيها الناس، اتقوا الله واستتروا بستر الله، وقال أنظروا ما كره الله
لكم، أو قال احذروا ما حذركم الله من الاعمال فاجتنبوه، فانه
(١) هق: (٣٢٦/٨) وقال: ((قال الشافعي: هذا حديث منقطع ليس مما يثبت به هو نفسه وقد
رأيت من أهل العلم عندنا من يعرفه، ويقول به فنحن نقول به)). وقال الحافظ في التلخيص:
(٥٧/٤)، بعد أن ذكره: ((ورواه الشافعي عن مالك وقال: هو منقطع، وقال ابن عبد البر:
لا أعلم هذا الحديث أسند بوجه من الوجوه. انتهى. ومراده بذلك من حديث مالك».

فتح البر
٤٥٤
مانؤتى به من امرئ. قال ابن وهب معناه نقيم عليه كتاب الله(١).
وقد ذكرنا الآثار المسندة في الاعتراف بالزنا، التي جاءت في معنى هذا
الحديث في باب مراسيل ابن شهاب من كتابنا هذا.
وأما قوله فيه بسوط لم تقطع ثمرته، فإنه أراد لم يمتهن ولم يلن،
والثمرة الطرف، واذاركب كثيرا بالسوط ذهب طرفه، تقول العرب
ثمرة السوط، وذباب السيف، قال عمارة بن عقيل بن بلال بن
جرير :
مازال عصیاننا لله یسلمنا حتی دفعنا الی یحیی ودینار
عليجين لم تقطع ثمارهما قد طالما سجدا للشمس والنار
ثمارهما - يعنى القلفة - وكذلك قال صاحب العين.
وفي هذا الحديث من الفقه أن من اعترف بالزنا مرة واحدة، لزمه
الحد إذا كان بالغا عاقلا مميزا، ولم ينصرف عن إقراره ذلك ولا رجع
عنه ، وهذا قول مالك والشافعي وأصحابهما، وبه قال عثمان البتى،
وإليه ذهب أبو جعفر الطبري، ومن حجتهم أن هذا الحديث ليس فيه
أكثر من ذكر اعترافه، والاعتراف إذا اطلق، فإنه يلزم كل ماوقع عليه
اسم اعتراف مرة كان أو أكثر من ذلك، ولا وجه لقول من قال: ان
(١) قال الحافظ في التلخيص: (٧٧/٤) بعد ذكره لحديث زيد بن أسلم: ((وله شاهد عند عبد
الرزاق عن معمر عن يحيى بن أبي كثير نحوه، وآخر عند ابن وهب من طريق كريب مولى
ابن عباس بمعناه، فهذه المراسيل الثلاثة يشد بعضها بعضا)». وقال الإمام ابن حزم في '
المحلى. (٢٠٧/١١): ((إن الآثار في هذا الباب كلها مرسلة، وأضعفها حديث مخرمة بن
بكير، لأنه منقطع في ثلاثة مواضع: لأن سماع مخرمة من أبيه لا يصح، وشك ابن مقسم
أسمعه من كريب؟ ثم هو عن کریب مرسل».

٤٥٥
الحدود
الاعتراف كالشهادة، وأنه لا يلزم فيه اقل من اربع مرات في الزنا،
وفي السرقة مرتين، لاجماعهم على انه يلزم في غير الحدود الإقرار
مرة واحدة، وسنذكر اختلافهم في هذه المسألة في باب مراسيل ابن
شهاب ان شاء الله تعالى .
وفي هذا الحديث أيضا أن الحد على الزاني الجلد بالسوط، وذلك
إذا كان بكرا لم يحصن عند جماعة فقهاء الأمصار وعلماء المسلمين.
ومعنى قول الله عز وجل: ﴿الَِّيَّةُ وَالزَِّ فَاجْلِدُ واْكُلَّ وَجِدٍ مِنْهُمَا مِْتَةً جَدَّةٍ﴾
[النور: (٢)]. معناه الأبكار، دون من قد أحصن، وأما المحصن، فجلده
الرجم، إلَّ عند الخوارج، ولا يعدهم العلماء خلافاً، لجهلهم
وخروجهم عن جماعة المسلمين.
وقد رجم رسول الله عَّ المحصنين، فممن رجم ماعز
الاسلمي(١)، والغامدية(١)، والجهنية(١)، والتي بعث اليها أنيسا (١).
ورجم عمر بن الخطاب سخيلة بالمدينة، ورجم بالشام، وقصة الحبلى
التي أراد رجمها، فقال له معاذ بن جبل: ليس لك ذلك، للذي في
بطنها ، فإنه ليس لك عليه سبيل. وعرض مثل ذلك لعثمان بن عفان
مع علي في المجنونة الحبلى، ورجم علي شراحة الهمدانية، ورجم
أيضا في مسيره الى صفين رجلا أتاه مقرا بالزنا. وهذا كله مشهور
عندالعلماء، إلا أنهم اختلفوا في جلد المحصن مع الرجم: فقالت
فرقة يجلد ويرجم، وقال الجمهور يرجم ولا يجلد عليه. وسنذكر
ذلك في حديث ابن شهاب عن عبيد الله، عند قوله عَّ لأنيس
الأسلمى: وائت المرأة ، فإن اعترفت فارجمها، من كتابنا هذا إن
شاء الله.
(١) تقدم ذلك في الأبواب السابقة.

فتح البر
٤٥٦٠
وفي هذا الحديث من الفقه أيضا، أن الاعتراف بما يوجب الحد يقوم
مقام الشهادة على ما ذكرنا، وهذا مالا خلاف فيه، إلا ما قدمنا ذكره
من العدد في الإقرار.
واختلف الفقهاء في رجوع المقر بالحد بعد إقراره قبل أن يقام عليه
الحد: فقال مالك: يقبل رجوعه عن الإقرار بالزنا والسرقة وشرب
الخمر، ويغرم للمسروق منه ما سرق إن ادعاه، وهوقول الثوري،
والشافعي، وأبي حنيفة، والحسن بن حي.
وقد روي عن مالك أنه إذا ضرب أكثر الحد ثم انصرف اتم علیه،
وروى أبو يوسف عن ابن أبي ليلى، انه لا يقبل رجوعه، وروى عنه
الليث أنه يقبل، وقال عثمان البتى لا يقبل رجوعه، وقال الأوزاعي
في رجل اعترف على نفسه بالزنا اربع مرات وهو محصن ثم ندم
وأنكر أن يكون أتى ذلك، انه يضرب حد الفرية على نفسه، فان
اعترف بسرقة أو شرب خمر أو قتل ثم انكر، عاقبه السلطان دون
الحد.
قال أبو عمر:
الصحيح أنه لا يجلد إذا رجع عن إقراره، لأنه محال أن يقام عليه
حد وهو منكر له بغير بينة، ألا ترى أن الشهود لو رجعوا عن شهادتهم
قبل اقامة الحد عليه، لم يقم، وكذلك لا يتم عليه إذا ابتدئ به، لانه
كل جلدة قائمة بنفسها، فغير جائز ان يقام عليه شيء منها بعد
رجوعه، كرجوع الشهود سواء، وليس الإقرار بحد لله، وحق لا
يطالب به آدمي، كالإقرار بالمال للآدميين، لان الإقرار بالحد، توبة لم
تعرف إلا من قبله، فإن نزع عنها، كان كمن لم يأت بها، والكلام في
هذا واضح، وبالله التوفيق.

٤٥٧
الحدود
وفي هذا الحديث أيضا من الفقه، أن الحدود لا تقام إلا بسوط قد
لان، وأما قوله لم تقطع ثمرته، فهذا من الاستعارة، أراد أنه لم
يمتهن. وقوله قد ركب به - يعنى نالته المهنة ولينته.
واختلف الفقهاء في أشد الحدود ضربا: فقال مالك وأصحابه،
والليث بن سعد: الضرب في الحدود كلها سواء.
ضرب غير مبرح، ضرب بين ضربين. وقال أبو حنيفة وأصحابه:
التعزير أشد الضرب، وضرب الزنا أشد من الضرب في الخمر،
وضرب الشارب، اشد من ضرب القاذف. وقال الثوري: ضرب الزنا
أشد من ضرب القذف، وضرب القذف، أشد من ضرب الشرب.
وقال الحسن بن حي: ضرب الزنا أشد من ضرب الشرب و القذف،
وعن الحسن البصري مثله، وزاد: ضرب الشارب أشد من ضرب
التعزير. وقال عطاء بن أبي رباح: حد الزنا أشد من حد الفرية، وحد
الفرية والخمر واحد.
واحتج من جعل الضرب في الحدود كلها واحدا سواء، بورود
التوقيف فيها على عدد الجلدات، ولم يرد في شيء منها تخفيف ولا
تثقيل عمن يجب التسليم له، فوجبت التسوية في ذلك؛ لأن مثل هذا
لا يؤخذ قياسا، وإنما هي عقوبات ورد فيها توقيف عدد، دون كيفية
شدة وتخفيف في نوع الضرب، فالوجه فيها التسوية، لأن من فرق
احتاج الى دليل ولا دليل معه في ذلك إلا التحكم.
ومن حجة من قال: إن الزنا اشد ضربا من القذف، والقذف أشد
من الخمر، لأن الزنا أكثر عددا في الجلدات، فاستحال أن يكون
القذف أبلغ في النكاية، لأن الله قد قصربالعدد فيه عن عدد الزنا،
وكذلك الخمر لم يثبت فيه حد إلا بالإجتهاد ، وسبيل مسائل الإجتهاد
أن لا تقوى قوة مسائل التوقيف.

فتح البر
-= ٤٥٨
=
ومن حجة من لم يبلغ بالتعزير الحد في العدد ولا في الإيجاع،
عدم النص فيه، وان عرض المسلم ودمه محظوران محرمان لا يحلان
إلا بيقين لا شك فيه، مع ما روي عن النبي ◌َّ أنه قال: لا يجلد
أحد فوق عشر جلدات، إلا في حد من حدود الله. رواه أبو بردة
الأنصاري، عن النبي ◌َّهُ، من حديث بكير بن الاشج، عن سليمان
ابن يسار، عن عبد الرحمن بن جابر ، عن أبي بردة الأنصاري(١).
وذكر عبد الرزاق عن قيس بن ربيع، قال: حدثني أبو حصين،
عن حبيب بن صهبان، قال: سمعت عمر يقول: ظهور المسلمين
حمى الله، لا يحل لاحد ان يجرحها إلا في حد، قال: ولقد رأيته
یقید من نفسه(٢)
وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج، عن إسماعيل بن أيوب، عن
أبيه، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث أنه قال: لا يبلغ
بالعقوبة الحدود(٣). وعن ابن جريج أيضا، عن عمر بن عبد العزيز
نحوه (٤).
واحتج من رأى التعزير أشد الحدود ضربا، بما حدثني محمد بن
إبراهيم، قال: حدثنا احمد بن مطرف، قال: حدثنا سعيد بن عثمان،
(١) حم: (٤٦٦/٣) و(٤٥/٤)، خ: (٦٨٤٨/٢١٥/١٢)،
م: (١٧٠٨/١٣٣٢/٣ [٤٠])، د: (٦٢٩/٤-٤٤٩١/٦٣١-٤٤٩٢).
ت: (١٤٦٣/٥١/٤)، جه (٢٦٠١/٨٦٧/٢)، الدارمي: (١٧٦/٢).
قط (٣٧١/٢٠٧/٣)، هق: (٣٢٧/٨)
(٢) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف» (١٣٦٧٥/٤١٣/٧)، طب: في الكبير عن عصمة
رضي الله عنه مرفوعا بلفظ: ((ظهر المؤمن حمة إلا بحقه)»: (١٧/ ٤٧٦/١٨٠)، وذكره
الهيثمي في المجمع: (٢٥٦/٦) وقال: ((رواه الطبراني وفيه الفضل بن المختار وهو ضعيف،
وضعفه العجلوني في " كشف الخفاء: (٥١/٢-١٦٩٤/٥٢).
(٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف: (١٣٦٧٦/٤١٣/٧).
(٤) أخرجه عبد الرزاق في المصنف: (١٣٦٧٨/٤١٤/٧).

٤٥٩
الحدود
قال : حدثنا اسحاق بن إسماعيل الايلى، قال: حدثنا سفيان بن
عيينة، عن جامع بن أبي راشد، عن أبي وائل شقيق بن سلمة
الأسدي، قال : كان رجل له على أم سلمة دين فكتب اليها كتابا
يحرج عليها ، فامر به عمر بن الخطاب أن يجلد ثلاثين جلدة، كلها
تبضع اللحم، وتحدر الدم، قال سفيان: لانها أمه، ولا ينبغي للرجل
أن يضيق على أمه، ونحو هذا.
وبما رواه شعبة عن واصل، عن المعرور بن سويد، قال: أتى عمر
ابن الخطاب بامرأة زنت، فقال: أفسدت حسبها، اضربوها حدها، ولا
تخرقوا عليها جلدها (١).
قال: فهذان الحديثان يدلان على أن عمر رضي الله عنه، کان یری
الضرب في التعزير ، اشد منه في الزنى، قالوا: وكذلك لا محالة
سائر الحدود.
قال أبو عمر:
من قال أن الحدود کلها سواء، إلاّ في العدد، جعل قوله:
وَلَا
تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ [النور: (٢)]. في إسقاط الحد، لا في صفة الضرب،
وضرب الزنى أخف عندهم، فإنهم يقولون ضرباً غير مبرح، لا يشق
جلداً، ولا سوطاً فوق سوط.
واحتج من قال: ضرب القذف أشد الضرب، بما أخبرني به أبو
محمد عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال: حدثنا محمد بن یحیی
ابن عمر، قال: حدثنا علي بن حرب، قال: حدثنا سفيان بن عيينة،
(١) أخرجه عبد الرزاق في" المصنف" (٣٧٤/٧-١٣٥٣٠/٣٧٥).
هق: (٣٢٧/٨- ٣٣٠).

فتح البر
٤٦٠
عن سعد بن ابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، قال: لما
جلد أبو بكرة، أمرت جدتي أم كلثوم بنت عقبة بشاة فسلخت، ثم
ألبس مسكها، قال: فهل ذلك إلا من ضرب شديد؟!(١) هكذا قالت
جدتي وإنما هي أم ابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، جدة سعد بن
ابراهيم: حدثناخلف بن قاسم، حدثنا محمد بن القاسم بن شعبان،
حدثنا الحسين بن محمد بن الضحاك، حدثنا أبو مروان محمد بن
عثمان العثماني، حدثنا إبراهيم بن سعد بن ابراهيم، عن أبيه عن
جده، قال: لما جلد أبو بكرة، أمرت أمه بشاة فذبحتها، ثم جعلت
جلدها على ظهره، وما ذاك إلا من ضرب شديد. وكان أبي يرى ان
ضرب القذف شديد(١).
وعن علي بن أبي طالب: أنه قال لقنبر في العبد الذي اقر عنده
بالزنى: اضربه كذا وكذا، ولا تنهك.
قال أبو عمر:
فيما روي عن عمر وعلي - رضي الله عنهما في هذا الباب من صفة
ضرب الزاني دليل على أن قوله عز وجل: ﴿ وَلَا تَأْخُذُ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِ دِ
اللَّهِ﴾ [النور: (٢)]. إنما أريد به أن لا تعطل الحدود، وأن لا
يأخذ الحكام رأفة على الزناة، فيعطلوا حدود الله ولا يحدوهم، وهذا
قول جماعة أهل التفسير. وممن قال ذلك الحسن، ومجاهد، وعطاء،
وعكرمة، وزيد بن أسلم، وقال الشعبي، والنخعي، وسعيد بن جبير
((لا تأخذكم، بهما رأفة)) قالوا: في الضرب والجلد.
وذكر إسماعيل القاضي قال: حدثنا محمد بن أبي بكر، قال:
(١) أخرجه: هق: (٣٢٦/٨)، عبد الرزاق في: "المصنف": (٣٦٨/٧/ ١٣٥١٠).