النص المفهرس

صفحات 421-440

الحدود
٤٢١ =
رسول الله عَّه عنها ولا دعا بها، وفيما ذكرنا دليل على أن الكتاب
الذي كانوا يكتبونه بأيديهم، ثم يقولون هذا من عند الله، هي كتب
أحبارهم وفقهائهم ورهبانهم، كانوا يصنعون لهم كتبا من آرائهم
وأهوائهم ويضيفونها الى الله عز وجل، ولهذا وشبهه من اشكال
أمرهم، نهينا عن التصديق بما حدثونا به، وعن التكذيب بشيء من
ذلك، لئلا نصدق بباطل، أو نكذب بحق- وهم قد خلطوا الحق
بالباطل، ومن صح عنده شيء من التوراة بنقل مثل ابن سلام وغيره
من أحبار اليهود الذين أسلموا، جاز له أن يقرأه ويعمل بما فيه إن لم
يكن مخالفا لما في شريعتنا من كتابنا، وسنة نبينا عَّة، ألا ترى الى
قول عمر بن الخطاب حين قال لكعب إن كنت تعلم انها التوراة التي
أنزلها الله على موسى بن عمران بطور سيناء، فاقرأها آناء الليل وآناء
النهار، وقد أفردنا لهذا المعنى بابا في كراهية مطالعة كتب أهل
الكتاب، ذكرناه في آخر كتاب العلم يشفي الناظر فيه ان شاء الله.
وفي هذا الحديث أيضا دليل على انهم كانوا يكذبون على توراتهم،
ويضيفون كذبهم ذلك الى ربهم وكتابهم، لانهم قالوا إنهم يجدون في
التوراة أن الزناة يفضحون ويجلدون، محصنين كانوا بالنكاح أو غير
محصنين، وفي التوراة غير ذلك من رجم الزناة المحصنين.
وفيه دليل على أن شرائع من قبلنا شرائع لنا، إلا بما ورد في القرآن
أو في سنة النبي محمد عَّ نسخه وخلافه؛ وإنما يمنعنا من مطالعة
التوراة، لأن اليهود الذين بأيديهم التوراة غير مؤتمنين عليها، إنما غيروا
وبدلوا منها ومن علم منها ما قال ابن عمر لكعب الأحبار، جاز له
مطالعتها .
وفيه دليل على ما اليهود عليه من الخبث والمكر والتبديل وفيه إثبات
الرجم والحكم به على الثيب الزاني، وهو أمر أجمع أهل الحق وهم
الجماعة أهل الفقه والاثر عليه، ولا يخالف فيه من بعده أهل العلم

فتح البر
٤٢٢
خلافا، وقد ذكرنا المعنى الذي اختلف فيه أهل العلم منه في باب ابن
شهاب عن عبيد الله، وذلك الجلد مع الرجم وجمعهما على الثيب،
فلا معنى لاعادة شيء من ذلك ههنا.
وفيه أن أهل الكتاب وسائر أهل الذمة إذا تحاكموا الينا ورضوا
بحكم حاكمنا، حكم بينهم بما في شريعتنا كان ذلك موافقا لما عندهم
اومخالفا، وأنزلهم في الحكم منزلتنا، وعلى هذا عندنا كان حكم
رسول الله عَّه بالرجم على اليهوديين، لأنه قد رجم ماعزا وغيره من
المسلمين، ومعلوم أنه إنما رجم من رجم المسلمين بأمر الله وحكمه،
لانه كان لا ينطق عن الهوى، ولا يتقدم بين يدي الله، وإنما يحكم بما
أراه الله، فوافق ذلك ما في التوراة، وقد كان عنده بذلك علم،
فلذلك سألهم عنه والله أعلم، واختلف أهل العلم في أهل الذمة إذا
ترافعوا الينا في خصوماتهم وسائر مظالمهم وأحكامهم، هل علينا ان
نحكم بينهم فرضا واجبا؟ أم نحن في ذلك مخيرون؟ فقال جماعة من
علماء الحجاز والعراق إن الإمام والحاكم مخير: ان شاء حكم بينهم
بحكم الله علينا، إذا تحاكموا الينا، وان شاء ردهم الى حاكمهم، لقول
الله عز وجل: ﴿فَإِن جَاءُ وَكَ فَأَحَكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمٌّ وَ إِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ
فَلَن يَضُرُوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
﴾ [المائدة: (٤٢)].
٤٢
اٌلْمُقْسِطِينَ
وممن قال ذلك مالك، والشافعي في أحد قوليه، وهو قول عطاء،
والشعبي، والنخعي، ذكره عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء.
وذكره وكيع عن سفيان عن مغيرة ، عن ابراهيم، والشعبي، وجملة
مذهب مالك في هذا الباب، ان ترك الحكم بين أهل الذمة أحب إليه،
ويردون الى أهل دينهم، وان حكم بينهم إذا تحاكموا إليه، حكم

الحدود
٤٢٣
بحكم الإسلام، وهو مخير في ذلك، ان شاء نظر، وإن شاء لم
ينظر، ولا يعرض لهم في تعاملهم بالربا، ولا في فساد بيع، ولكن
من امتنع منهم من دفع ثمن أو مثمون في البيع حكم بينهم، لان هذا
من التظالم، قال: والذين حكم بينهم رسول الله عَّة لم يكونوا أهل
ذمة. وقال یحیی بن عمر إذا رضي الذمیان بحکمه اخبرهم بما يحكم
به، فان رضياه حكم، وان أبى احدهما ترك، وإن كانا أهل ملتين،
حكم بينهما ولوكره ذلك أحدهما، وقاله سحنون، وذكر العتبي في
كتاب السلطان من المستخرجة، قال عيسى: قال ابن القاسم ان تحاكم
أهل الذمة إلى حكم المسلمين ورضيا به جميعا، فلا يحكم بينهم إلا
برضى من اساقفتهم، فان كره ذلك اساقفتهم، فلا يحكم بينهم، وإن
رضي اساقفتهم بحكم الإسلام، وأبى ذلك الخصمان أو أحدهما، لم
يحكم بينهم المسلمون وقال الشافعي ليس للإمام الخيار في احد من
المعاهدين الذين يجرى عليهم الحكم إذا جاءوه في حد لله، وعليه ان
[التوبة: (٢٩)]. قال المزني هذا
يقيمه، لقول الله: ﴿ وَهُمْ صَغِرُونَ
اشبه من قوله في كتاب الحدود لا يحدون إذا جاءوا الينا في حد لله،
وارفعهم الى أهل دينهم، قال الشافعي: وما كانوا يدينون به فلا يجوز
حكمنا عليهم بابطاله إذا لم يرتفعوا الينا، ولا يكشفوا عما استحلوا،
مالم يكن ضررا على مسلم، اومعاهد، ان مستأمن غيرهم، فان
جاءت امرأة منهم تستعدي بأن زوجها طلقها أو آلى منها، حكمت
عليه حكمي على المسلمين. ذكر عبد الرزاق، عن الثوري، عن
قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، قال كتب محمد بن أبي بكر الى
علي يسأله عن مسلم زنا بنصرانية، فكتب إليه أقم الحد على المسلم،
ورد النصرانية الى أهل دينها، قال عبد الرزاق وأخبرنا معمر، عن ابن
شهاب الزهري، وذكره ابن وهب عن يونس، عن ابن شهاب بمعنى

فتح البر
٤٢٤
واحد، قال مضت أن يردوا في حقوقهم ودعاويهم ومعاملاتهم،
وموازينهم الى أهل دينهم، إلا ان يأتوا راغبين في حد، فيحكم بينهم
فيه بكتاب الله، قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَأَخْكُمْ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ
[المائدة: (٤٢)].
٤٢
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
قال أبو عمر :
وقال آخرون واجب عليه أن يحكم بينهم بما أنزل الله إذا تحاكموا
إليه، وزعموا أن قوله: ﴿ وَأَنِ أَعْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَقَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾.
[المائدة: (٤٩)]. ناسخ للتخيير المذكور في الآية قبل هذا، روي
ذلك عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وهوقول الزهري، وعمر
بن عبد العزيز، والسدي، واحد قولي الشافعي. وقول أبي حنيفة
وأصحابه، إلا أن أبا حنيفة قال إذا جاءت المرأة والزوج، فعليه ان
يحكم بينهما بالعدل، فان جاءت المرأة وحدها ولم يرض الزوج لم
يحكم، وقال أبو يوسف، ومحمد، وزفر: بل يحكم، وكذلك
اختلف أصحاب مالك على هذين القولين إذا شكا احد الزوجين
الذميين وأبى صاحبه من التحاكم بينهما، والمشهور من مذهب مالك
في الذميين يشكو احدهما ويأبى صاحبه من التحاكم عندنا، أنا لا
نحكم بينهما إلا بان يتفقا جميعا على الرضا بحكمنا، فإن كان ظلما
ظاهرا، منعوا من ان يظلم بعضهم بعضا، وقد قال مالك وجمهور
أصحابه في الذمي، أو المعاهد، أو المستأمن، يسرق من مال ذمي، انه
يقطع كما يقطع لو سرق من مال مسلم، لان ذلك من الخيانة، فلا
يقروا عليها، ولا على التلصص.
قال أبو عمر: الصحيح في النظر عندي ألا يحكم بنسخ شيء من
القرآن، إلا ما قام عليه الدليل الذي لا مدفع له ولا يحتمل التأويل ،
وليس في قوله عز وجل: ﴿وَأَنِ أَعْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ﴾ [المائدة: (٤٩)].

٤٢٥
الحدود
دليل على أنها ناسخة للآية قبلها، لأنها يحتمل معناها أن
يكون: وان احكم بينهم بما أنزل الله ان حكمت، ولا تتبع أهواءهم،
فتكون الآيتان مستعملتين غير متدافعتين، واختلف الفقهاء أيضا في
اليهوديين الذميين إذا زنيا هل يحدان ام لا؟ فقال مالك إذا زنىٍ أهل
الذمة، أو شربوا الخمر، فلا يعرض لهم الإمام، إلا أن يظهروا ذلك
في ديار المسلمين ، ويدخلوا عليهم الضرر، فيمنعهم السلطان من
الإضرار بالمسلمين، قال: وإنما رجم رسول الله عَلَّه اليهوديين، لأنه
لم يكن لهم يومئذ ذمة وتحاكموا اليه، وقال أبو حنيفة وأصحابه
يحدان إذا زنيا كحد المسلم، وهو أحد قولي الشافعي، وقال في كتاب
الحدود ان تحاكموا الینا، فلنا أن نحكم أو ندع، فان حكمنا ، حددنا
المحصن بالرجم، لان النبي عَّهُ رجم يهوديين زنيا، وجلدنا البكر
مائة، وغربناه عاما، وقال في كتاب الجزية لا خيار للإمام ولا للحاكم
إذا جاءوه في حد لله، وعليه ان يقيمه عليهم، لقول الله عز وجل:
[التوبة: (٢٩)]. والصغار أن
﴿حَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ
يجري عليهم حكم الإسلام، وهذا القول اختيار المزني، واختار غيره
من أصحاب الشافعي القول الاول، وقال الطحاوي حين ذكر قول
مالك إنمارجم رسول الله عَّة اليهوديين، لأنهم لم تكن لهم ذمة
وتحاكموا اليه، قال: ولو لم يكن واجبا عليهم، لما أقامه النبي بَله،
قال: وإذا كان من لا ذمة له قد حده النبي عَّ في الزنا، فمن له ذمة
أحرى بذلك ، قال ولم يختلفوا ان الذمي يقطع في السرقة.
قال أبو عمر إذا سرق الذمي من ذمي ولم يترافعوا الينا، فلا يعرض
لهم عندنا، وان ترافعوا الينا، حكمنا بحكم الله فيهم، لان هذا من
تظالمهم الذي يجب علينا المنع منه إذا رفع الينا، وإذا سرق ذمي من

فتح البر
٤٢٦٠
مسلم، كان الحكم حنيئذ الينا، فوجب القطع، والحديث المشهور يدل
على أن رسول الله عَّة إنما رجم اليهوديين، لأنهم تحاكموا اليه، وقد
ذكرنا اختلاف الفقهاء في حد الإحصان الموجب للرجم في كتابنا هذا
عند ذكر حديث ابن شهاب عن عبيد الله، فلا وجه لاعادته ههنا،
وكلهم يشترط في الاحصان الموجب للرجم الإسلام، هذا من شروطه
عند جميعهم ، ومن رأى رجم أهل الذمة منهم إذا احصنوا ، إنما رآه
من أجل أنهم إذا تحاكموا الينا، لزمنا ان نحكم بينهم بحكم الله فينا،
وكذلك فعل رسول الله عَبّه باليهوديين المذكورين في هذا الحديث حين
تحاكموا إليه، وقالت طائفة ممن يرى أن قول الله عز وجل: ﴿ وَأَنِ
أَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اُللَّهُ﴾ [المائدة: (٤٩)]. معنى قوله: ﴿فَإِن جَاءُوَكَ فَعَكُمْ
بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: (٤٢)]. قالوا على الإِمام إذا علم من
أهل الذمة حداً من حدود الله، أن يقيمه عليهم، وإن لم يتحاكموا إليه،
لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَأَنِ أَعْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أَنَزَلَ اُللَّهُ﴾ [المائدة: (٤٩)].
ولم يقل أن تحاكموا إليك، قالوا والسنة تبين ذلك؛ واحتجوا
بحديث البراء في ذلك، وهو ما حدثناه عبد الله بن محمد بن
عبد المؤمن ، قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو داود،
وأخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد، قال حدثنا حمزة بن محمد، قال
حدثنا احمد بن شعيب، قالا حدثنا محمد بن العلاء أبو كريب،
وأخبرنا محمد بن عبد الملك، قال حدثنا أحمد بن محمد بن زياد،
قال حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني قالا جميعا: حدثنا
أبو معاوية، قال حدثنا الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن البراء،
قال مر على رسول الله عَّهُ بيهودي محمم مجلود، فدعاهم فقال
هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا نعم؛ فدعا رجلا من
علمائهم فقال أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا

٤٢٧
الحدود
تجدون حد الزاني في كتابكم؟ فقال اللهم لا؛ ولولا أنك ناشدتني
بهذا لم أخبرك، نجد حد الزاني في كتابنا الرجم؛ ولكنه كثر في
أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الرجل الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف
أقمنا عليه الحد؛ فقلنا تعالوا نجتمع على شيء نقيمه على الشريف
والوضيع، فاجتمعنا على التحميم والجلد، وتركنا الرجم؛ فقال رسول
الله عَّه: اللهم إني أول من أحيا امرك إذا أماتوه، فأمر به فرجم؛
وأنزل الله تعالى: ﴿﴿ يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِى
اُلْكُفْرِ) إلى قوله: ﴿إِنْ أُوْتِثُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوَّهُ فَأَحْذَرُواْ ﴾
[المائدة: (٤١)]. يقول ائتوا محمداً، فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوه،
وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا إلى قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ
[المائدة: (٤٤)]. في اليهود، إلى قوله: ﴿وَمَن
٤٤
فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ
[المائدة: (٤٥)]. في
٤٥
لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
اليهود إلى قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَوْلَئِكَ هُمُ
﴾ [المائدة: (٤٧)]. قال هي في الكفار كلها؛ يعني الآية،
٤٧
اُلْفَسِقُونَ
واللفظ لمحمد بن العلاء، والمعنى واحد متقارب (١)؛ قالوا ففي هذا
الحدیث أنه حکم بینھم ولم یتحاكموا إليه.
قال أبو عمر: لو تدبر من احتج بهذا الحديث ما احتج به منه لم
يحتج به، لأنه في درج الحديث تفسير قوله عز وجل: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ
هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوَّهُ فَأَحْذَرُواْ﴾ [المائدة: (٤١)]. يقول إن أفتاكم
بالتحمیم والجلد فخذوه وإن أفتاکم بالرجم فاحذروا، وذلك دلیل
على أنهم حكموه، لا أنه قصرهم على ذلك الحكم، وذلك بين أيضاً
(١) الحديث أخرجه: حم (٢٨٦/٤)، م (١٣٢٧/٣ /١٧٠٠[٢٨])،
د (٤ / ٥٩٦ - ٥٩٧/ ٤٤٤٨)، جه (٢ / ٧٨٠ -٨٥٥ / ٢٣٢٧-٢٥٥٨)، هق (٨ / ٢٦٤).

فتح البر
(٤٢٨
في حديث ابن عمر وغيره. فان قال قائل إن حديث ابن عمر من
حديث مالك وغيره. ليس فيه أن الزانيين حكما رسول الله عَظّةٍ ولا
رضيا بحكمه، قيل له حد الزاني حق من حقوق الله، على الحاكم
اقامته، ومعلوم أن اليهود كان لهم حاكم يحكم بينهم ويقيم حدودهم
عليهم، وهو الذي حكم رسول الله عَّه والله أعلم؛ الاترى الى ما في
حديث ابن عمر ان اليهود جاؤوا رسول الله عليه فقالوا ان رجلا منهم
وامرأة زنيا، ثم حكموا رسول الله عَّةٍ في ذلك، فإذا كان من اليه
اقامة الحد هو الذي حكم رسول الله عَّ ، فلا وجه للاعتبار بحكم
الزانيين فيما ليس لهما ولا لاحدهما، أخبرنا عبدالله بن محمد، قال
حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا أحمد بن سعيد
الهمداني، قال حدثني ابن وهب، قال حدثنا هشام بن سعد، ان زيد
ابن أسلم حدثه عن ابن عمر، قال أتى نفر من يهود فدعوا رسول الله
◌ّ﴾ فأتاهم في بيت المدراس، فقالوا يا أبا القاسم، ان رجلا منا زنى
بامرأة فاحكم، فوضعوا لرسول الله عَّه وسادة فجلس عليها، ثم قال
ائتوني بالتوراة، فأتوه بها فنزع الوسادة من تحته ووضع التوراة عليها،
ثم قال آمنت بك وبمن أنزلك، ثم ذكر قصة الرجم نحوا من حديث
مالك، عن نافع، عن ابن عمر(١).
ففي هذا الحديث ان اليهود دعوا رسول الله عَلَّه وحكموه في
الزانيين منهم، وكذلك حديث مالك عن نافع، عن ابن عمر بنحو
ذلك، وحديث ابن شهاب أيضا في ذلك يدل على ما وصفنا، قرأت
علی عبد الوارث بن سفيان، ان قاسم بن أصبغ حدثھم، قال حدثنا
(١) أخرجه: د (٤٤٤٩/٥٩٧/٤) عن أحمد بن سعيد الهمداني. وقصة الرجم تقدمت في
حديث الباب من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر.

الحدود
٤٢٩
مطلب بن شعيب، قال حدثنا عبد الله بن صالح، قال حدثني
الليث، قال حدثني عقيل، عن ابن شهاب، قال أخبرني رجل من
مزينة ممن يتبع العلم ويعيه، عن سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة قال
بينا نحن عند رسول الله عَّه جاءه اليهود- وكانوا قد شاوروا في
صاحب لهم زنى بعد ما أحصن، فقال بعضهم لبعض: ان هذا النبي
قد بعث وقد علمتم انه قد فرض عليكم الرجم، فذكر حديثا فيه:
فقال لهم يعني رسول الله عَليه يا معشر اليهود، أنشدكم بالله الذي
أنزل التوراة على موسى بن عمران، ماتجدون في التوراة من العقوبة
على من زنى وقد احصن؟ قالوا نجد يحمم ويجلد وسكت حبرهم
وهو في جانب البيت، فلما رأى رسول الله عَّه صمته، ألظ به
ینشده، فقال حبرهم اما اذ نشدتنا، فإنا نجد علیه الرجم فذکر حديثا
فيه: فإني أقضي بما في التوراة، فأنزل الله: ﴿﴿ يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا
يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِ اُلْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَآ
أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكُفِرُونَ
٤٤
[المائدة: (٤١ _ ٤٤)]. فكان رسول الله
عَّه من النبيئين الذين اسلموا ، فحكموا بما في التوراة، على الذين
هادوا؛ وهكذا رواه معمر، عن الزهري، قال حدثني رجل من مزينة
ونحن جلوس عند سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، فذكر الحديث ،
ذكره عبد الرزاق في التفسير، وفي المصنف، وأخبرنا عبد الله بن
محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا
احمد بن صالح، قال حدثنا عنبسة، قال حدثنا يونس قال : قال
محمد بن مسلم: سمعت رجلا من مزينة ممن يتبع العلم ويعيه ونحن
عند ابن المسيب - يحدث عن أبي هريرة قال أتى رجل من اليهود
وامرأة، فقال بعضهم لبعض اذهبوا بنا الى هذا النبي، فانه نبي بعث
بالتخفيف، فان افتی بفتيا دون الرجم قبلناه واحتججنا بها عند الله،

فتح البر
٤٣٠
وقلنا فتيا نبي من أنبيائك، قال: فأتوا النبي عَّ وهو جالس في
المسجد في أصحابه، فقالوا يا أبا القاسم، ما ترى في رجل منهم
وامرأة زنيا؟ فلم يكلمهم بكلمة حتى أتى بيت مدراسهم، فقام على
الباب فقال انشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، ماتجدون في
التوراة على من زنى إذا أحصن؟ قالوا يحمم ويجبه ويجلد والتجبيه ان
يحمل الزانيان على حمار ويقابل أفقيتهما ويطاف بهما، قال وسكت
شاب منهم، فلما رآه النبي عَّه، ألظ به ينشده؛ فقال: اللهم اذ
نشدتنا، فإنا نجد في التوراة الرجم؛ فقال النبي عَّ فبم ارتخصتم امر
الله؟ قال: زنى ذو قرابة من ملك من ملوكنا، فأخر عنه الرجم ثم
زنى رجل في أسرة من الناس، فأراد رجمه، فحال قومه دونه وقالوا
لا يرجم صاحبنا حتى نجئ بصاحبك فترجمه، فاصطلحوا على هذه
العقوبة بينهم فقال النبي عَّ فإني أحكم بما في التوراة، فأمر بهما
فرجما(١).
وقرأت على عبد الوارث بن سفيان، ان قاسم بن أصبغ حدثهم،
قال حدثنا عبيد بن عبد الواحد بن شريك قال حدثنا احمد بن محمد
ابن أيوب، قال حدثنا إبراهيم بن سعد، وأخبرنا عبد الله بن محمد،
قال أخبرنا محمد بن بكر، قال أخبرنا أبو داود، قال حدثنا عبد العزيز
ابن يحيى أبو الاصبغ الحراني، قال حدثني محمد بن سلمة جميعا،
عن محمد بن اسحاق، عن الزهري، قال سمعت رجلا من مزينة
يحدث سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال زنى رجل وامرأة من
اليهود - وقد أحصنا حين قدم رسول الله عَّ المدينة، وكان الرجم
(١) د: (٥٩٩/٤- ٤٤٥٠/٦٠٠-٤٤٥١)، هق: (٢٤٦/٨-٢٤٧)، وفي سنده رجل مجهول.

الحدود
٤٣١
مكتوبا عليهم في التوراة، فتركوه وأخذوا بالتجبيه يضرب مائة بحبل
مطلي بقار، ويحمل على الحمار ووجهه مما يلي دبر الحمار قال فيه
ولم يكونوا من أهل دينه، فخير في ذلك، قال: ﴿فَإِن جَاءُ وَكَ فَأَحَكُم
بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمَّ﴾ [المائدة: (٤٢)]. واللفظ لحديث أبي داود
مختصر(١).
ففي هذه الآثار كلها دليل على أنه إنما حكم في اليهوديين بما حكم
من أجل أنه حكم وتحوکم اليه ورضي به، وفي حديث ابن اسحاق أن
ذلك كان حين قدم المدينة، وذلك يدل على أن اليهود لم يكن لهم
يومئذ ذمة كما قال مالك رحمه الله؛ وعند ابن شهاب أيضا في هذا
الباب عن سالم، عن ابن عمر، قال شهدت رسول الله عَّه حين أمر
برجمهما، فلما رجما رأيته يجافي بيده عنها ليقيها الحجارة. رواه
معمر وغيره عنه؛ والحكم كان فيهم بشهادة لا باعتراف، وذلك
محفوظ من حديث جابر؛ أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد
ابن بكر، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا يحيى بن موسى البلخي،
قال حدثنا أبو اسامة، قال مجالد: أخبرنا عن عامر، عن جابر بن
عبد الله، قال جاءت يهود برجل منهم وامرأة زنيا، فقال ائتوني بأعلم
رجل منكم، فأتوه بابني صوريا فناشدهما كيف تجدان أمر هذين في
التوراة ؟ قالا نجد في التوراة إذا شهد أربعة انهم رأوا ذكره في فرجها
مثل الميل في المكحلة رجما، قال فما منعكما ان ترجموهما؟ قال
ذهب سلطاننا فكرهنا القتل، فدعا رسول الله عَّ بالشهود، فجاء
اربعة فشهدوا انهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة، فأمر
رسول الله عَّ برجمهما (٢).
(١) تقدم تخريجه في الحديث قبله وفي سنده محمد بن إسحاق، مدلس وقد عنعنه.
(٢) م: (١٧٠١/١٣٢٨/٣[٢٨])، د: (٤/ ٦٠٠-٦٠١ / ٤٤٥٢-٤٤٥٥)،
جه: (٢/ ٢٣٢٨/٧٨٠) مختصرا.

فتح البر
٤٣٢
وروى شريك عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة، ان رسول
الله عَّهُ رجم يهوديا ويهودية (١)، انفرد به عن سماك شريك، واما
الرواية عن ابن عباس في ان الآية منسوخة، أعني قوله عز وجل:
فَإِن جَاءُوَكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمَّ﴾ [المائدة: (٤٢)]. فأخبرنا
محمد بن عبد الملك، قال حدثنا احمد بن محمد بن زياد، قال :
حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني، قال حدثنا سعيد بن سليمان، قال
حدثنا عباد، عن سفيان، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس،
قال نسخ من المائدة آيتان: آية القلائد، وقوله عز وجل: ﴿فَإِن
جَآءُ ولَكَ فَعَكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمّ﴾ [المائدة: (٤٢)]. وكان رسول الله وَّل
مخيراً: إن شاء حكم، وإن شاء أعرض عنهم وردهم إلى حكامهم،
فنزلت: ﴿ وَأَنِ أَعْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَقَّبِعْ أَهْوَآءَ هُمْ﴾ [المائدة: (٤٩)].
فأمر رسول الله وَ ي أن يحكم بينهم بما في كتابنا.
قال أبو عمر: هذا خبر إنما يرويه سفيان بن حسين وليس بالقوي،
وقد اختلف عليه فيه: فروي عنه موقوفا على مجاهد وهو الصحيح
من قول مجاهد، لا من قول ابن عباس، أخبرنا احمد بن عبد الله بن
محمد بن علي، أن أباه أخبره، قال حدثنا عبد الله بن يونس، قال
حدثنا بقي بن مخلد، قال حدثنا يحيى بن عبد الحميد، قال حدثنا
يزيد بن هرون، قال حدثنا سفيان بن حسين، عن الحكم، عن
مجاهد، قال لم ينسخ من المائدة إلَّ هاتان الآيتان: ﴿فَإِن جَاءُوَكَ
فَأَعْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: (٤٢)]. نسختها ﴿ وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ
أَنَزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ هُمْ﴾. وقوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحِلُّواْ شَعَتَّبِرَ اللَّهِ
وَلَا الشَّهْرَ أَلْحَرَامَ وَلَا أَلْهَدّىَ﴾ [المائدة: (٢)]. نسختها ﴿فَاقْئُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيّثُ
(١) ت: (١٤٣٧/٣٤/٤)، وقال: حسن غريب. جه (٢٥٥٧/٨٥٤/٢)

الحدود
٤٣٣
وَجَدْ تُّهُوهُمْ﴾ [التوبة: (٥)]. وحدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن
سفيان، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا ابن وضاح، قال
حدثنا موسى، قال حدثنا ابن مهدي، عن هشيم، عن منصور بن
زاذان، عن الحكم، عن مجاهد في قوله: ﴿فَأَعْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضِّ
عَنْهُمْ﴾ [المائدة: (٤٢)]. قال: نسختها ﴿وَأَنِ أَعْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ ﴾
[المائدة: (٤٩)]. وقد روى يونس بن بكر، عن ابن إسحاق، عن
داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿ فَإِن
جَهُوَكَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًاً
وَإِنْ حَكَمْتَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
٤٢
[المائدة: (٤٢)]. قال نزلت في بني قريظة وهي محكمة وذكر وكيع
عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، والشعبي ﴿ فَإِن جَاءُ وَكَ
فَأَعْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضٌ﴾ [المائدة: (٤٢)]. قالا إن شاء حكم، وإن
شاء لم یحکم، حدثناه عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم
ابن أصبغ، قال حدثنا ابن وضاح، قال حدثنا موسى بن معاوية، قال
حدثنا وكيع فذكره. حدثنا أحمد بن قاسم، قال حدثنا قاسم، قال
حدثنا ابن وضاح، قال حدثنا موسى، قال حدثنا ابن مهدي، عن أبي
عوانة، عن المغيرة، عن ابراهيم والشعبي، قالا : إن شاء حكم، وان
شاء أعرض؛ وقد مضى القول فيمن تابعهم على هذا القول، ومن
خالفهم فيه من العلماء في صدر هذا الباب؛ والوجه عندي فيه التخيير
لئلا يبطل حكم من كتاب الله بغير يقين، لأن قوله: ﴿ وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾
محتمل للتأويل يعني إن حكمت وآية التخيير، محكمة، نص
لا تحتمل التأويل، وذکر عبد الرزاق، وأبو سفيان، ومحمد بن ثور،
عن معمر، عن الزهري في قوله: ﴿فَإِن جَاءُوَكَ فَأَحَكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ
عَنْهُمّ﴾ قال مضت السنة أن يردوا في حقوقهم ومواريثهم إلى

فتح البر
٤٣٤
أهل دينهم، إلا أن يأتوا راغبين في حد ليحكم بينهم فيه، فيحكم
بينهم بكتاب الله عز وجل؛ قال معمر أخبرنا عبد الكريم الجزري، أن
عمر بن عبد العزيز كتب إلى عدي بن أرطاة: إذا جاءك أهل الكتاب
فاحكم بينهم بما في كتاب الله وذكر سنيد عن هشيم، عن العوام، عن
إبراهيم التيمي في قوله: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ ﴾
[المائدة: (٤٢)]. قال: بالرجم.
قال أبو عمر:
حكم رسول الله وَلا خصوص له والله أعلم، بدليل قوله: ﴿ يَكُمُ
◌ِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ﴾ [المائدة: (٤٤)]. وقال عز وجل: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا
مِنْكُمْ شِرْعَةٌ وَمِنْهَاجَأْ﴾ [المائدة: (٤٨)]. ولقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا
عَلَيْكَ الْكِتَبَ يُخْلَى عَلَيَّهِمْ﴾ [العنكبوت: (٥١)].
ولأنا لا نعلم من ذلك ما علمه رسول الله عَّه. ويحتمل أن رسول
الله عَّ إنما حكم في اليهوديين بحكم الله في شريعته، وكان ذلك
موافقا لما في التوراة والحمد لله.

الحدود
٤٣٥
ما جاء في الجلد والتغريب للبكر والرجم للمحصن
[٦] مالك عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة
وزيد بن خالد الجهني، أنهما أخبراه أن رجلين اختصما إلى رسول الله عَظئية.
فقال أحدهما يا رسول الله، اقض بيننا بكتاب الله وقال الآخر وهو
أفقههما أجل يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله وائذن لي في أن أتكلم،
قال تكلم، قال: إن ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته، فاخبرني أن
على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة وبجارية لي، ثم اني سألت أهل
العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأخبروني إنما الرجم
على امرأته، فقال رسول الله عَّه: أما والذي نفسي بيده لأقضين بينكما
بكتاب الله، أما غنمك وجاريتك، فرد علیك وجلد ابنه مائة وغربه عاما،
وأمر أنيسا الاسلمي ان ياتي امرأة الآخر، فإن اعترفت رجمها، فاعترفت
فرجمها، قال مالك: والعسيف الأجير(١).
هكذا قال يحيى، فاخبرني أن على ابني الرجم، فافتديت منه،
وكذلك قال ابن القاسم وهو الصواب والله أعلم. وقال القعنبي،
فأخبروني أن على ابني الرجم، ولا خلاف عن مالك في إسناد هذا
الحديث، إلا أن أبا عاصم النبيل، رواه عن مالك، عن ابن شهاب،
عن عبيد الله. عن زيد بن خالد، لم يذكر أبا هريرة، والصحيح فيه
عن مالك ذكر أبي هريرة مع زيد بن خالد، كذلك عنه عند جماعة
(١) خ: (٢٣١٤/٦١٩/٤-٢٣١٥) مختصرا وأخرجه مطولا في مواضع كثيرة.
م: (٣/ ١٦٩٧/١٣٢٤-١٦٩٨[٢٥])، د: (٤ /٤٤٤٥/٥٩١).
ت: (٤/ ٣٠-٣١ / ١٤٣٣)، ن: (٨/ ٥٤٢٥/٦٣٢) وفي الكبـ
(٧١٩١/٢٨٥/٤-٧١٩٢)، البغوي في "شرح السنة": (٢٥٧٩/٢٧٤/١٠).
طب: في الكبير: (٢٣٣/٥-٢٣٤-٥١٨٨/٢٣٦-٥١٨٩- ٥١٩٠-٥١٩٣-٥١٩٥-٥١٩٦).
ـرى

فتح البر
٤٣٦
رواة الموطأ. منهم: القعنبي، وابن وهب، وابن القاسم، وعبد الله بن
یوسف، وابن بکیر، وأبو مصعب، وابن عفیر .
وأما حديث أبي عاصم. فحدثنا خلف بن قاسم، حدثنا محمد ابن
محبوب بن سليمان الرملي، وأبو الطاهر محمد بن عبد الله القاضي،
قالا: حدثنا أبو مسلم ابراهيم بن عبيد الله الکسی البصري، قال حدثنا
أبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، حدثنا مالك بن أنس، عن بن
شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن زيد بن خالد، أن رجلين أتيا
رسول الله عَّ، فقال أحدهما وذكر الحديث(١).
وقد تابع أبا عاصم على إفراد زيد بهذا الحديث طائفة عن مالك
ذكرهم الدار قطني.
واختلف أصحاب ابن شهاب في ذلك، فرواه معمر، والليث بن
سعد، وابن جريج، ويحيى بن سعيد، عن ابن شهاب باسناد مالك
سواء، عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني. وساقوا الحديث بمعنى
حديث مالك سواء، إلا أن في حديث ابن جريج والليث، بالاسناد
المذكور عن أبي هريرة وزيد بن خالد قالا: ان رجلا من الأعراب جاء
إلى رسول الله عٍَّ فقال: يا رسول الله انشدك الله إلا قضيت بيننا
بكتاب الله. وساقا الحدیث إلى آخره.
ورواه شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، قال: أخبرني عبيدالله
ابن عبد الله، أن أبا هريرة قال: بينما نحن عند رسول الله عَّه قام
رجل من الاعراب فقال يا رسول الله ، اقض بيننا بكتاب الله، فقام
(١) خ: (٢٦٤٩/٣٢٠/٥) و (٦٨٣١/١٩١/١٢)، مختصرا، طب: في الكبير:
(٢٣٦/٥-٢٣٧-٥١٩٤/٢٣٨-٥١٩٧-٥٢٠٠) مختصرا ومطولا.

٤٣٧
الحدود
خصمه فقال صدق يا رسول الله اقض له بكتاب الله وائذن لي فقال له
النبي ◌َّ قل، فقال: إن ابني كان عسيفا على هذا - والعسيف :
الاجير- فزنى بامرأته وساق الحديث بمثل حديث مالك سواء(١).
ورواه عبد العزيز بن أبي سلمة وصالح بن كيسان والليث عن
عقيل عن ابن شهاب، عن عبيد الله عن زيد بن خالد الجهني، قال:
سمعت النبي ◌َّ يأمر فيمن زنا ولم يحصن بجلد مائة وتغريب عام
هكذا مختصرا لم يزيدوا حرفا ولم يذكروا أبا هريرة(٢).
ورواه يحيى بن سعيد ومعمر ومالك وشعيب بن أبي حمزة والليث
ابن سعد وابن جریج عن ابن شهاب بکماله إلا أن شعیبا لم یذکر زید
ابن خالد وجعله عن أبي هريرة وحده فمن انفرد منهم بحديث زيد بن
خالد اختصره ومن ضم إليه أبا هريرة استقصى الحديث وساقه كما
ساقه مالك سواء.
ورواه ابن عيينة عن الزهري عن عبيد الله عن أبي هريرة وزيد بن
خالد وشبل قالوا كنا عند النبي ◌ّه وساق الحديث بتمامه(٣) وذكره
في هذا الحديث شبلا خطأ عند جميع أهل العلم بالحديث ولا مدخل
الشبل في هذا الحديث بوجه من الوجوه. وقال يحيى بن معين، ذكر
صَّ اللّه
عادي
ابن عيينة في هذا الحديث شبلا خطأ لم يسمع شبل من النبي
(١) خ: (٢٨٩/١٣ /٧٢٦٠).
(٢) انظر ما قبله.
(٣) حم: (١١٥/٤-١١٦)، ت: (٣٠/٤-١٤٣٣/٣١)، ن: (٥٤٢٦/٦٣٣/٨).
جه (٢٥٤٩/٨٥٢/٢)، هق (٢١٩/٨-٢٢٢)، الدارمي: (١٧٧/٢)، طب في الكبير:
(٥١٩٢/٢٣٥.٥)، والحميدي في مسنده (٨١١/٣٥٤/٢) وقال الترمذي بعد أن ذكرحديث
أبي هريرة وزيد بن خالد دون ذكر شبل: ((وهذا هو الصحيح، وحديث ابن عيينة غير
محفوظ، وروي عنه أنه قال: شبل بن حامد وهو خطأ إنما هو شبل بن خالد، ويقال أيضا
شبل بن حلید».

فتح البر
٤٣٨
شيئا وقال محمد بن يحيى النيسابوري وهم ابن عيينة في ذكر شبل
في هذا الحديث وإنما ذكر شبل في حديث خالد : الأمة إذا زنت قال:
ولم يقم ابن عيينة اسناد ذلك الحديث أيضا وقد أخطأ فيهما جميعا .
قال أبو عمر: سنذكر ما صنع ابن عيينة وغيره من أصحاب ابن
شهاب في حديث الأمة إذا زنت بعد إكمالنا القول في حديثنا هذا
بعون الله. واما قول مالك: العسيف الاجير فإنه ههنا كما قال أبو
عمرو الشيباني في نهي النبي ◌َّ عن قتل العسفاء والوصفاء إذا بعث
السرية قال: العسفاء الاجراء وقد يكون العسيف العبد، ويكون
السائل قال المرار الجلي يصف كلبا :
من عسيف يبتغي الخير وحر
ألف الناس فيما ينجهم
قال أبو عبيد: وقد يكون الاسيف الحزين ويكون العبد وأما في هذا
الحديث فالعسيف المذكور فيه الاجير كما قال مالك ليس فيه اختلاف.
وفي هذا الحديث ضروب من العلم منها أن أولى الناس بالقضاء
الخليفة إذا كان عالما بوجوه القضاء. ومنها أن المدعى أولى بالقول
والطالب أحق أن يتقدم بالكلام وإن بدأ المطلوب ومنها ان الباطل من
القضايا مردود وما خالف السنة الواضحة من ذلك فباطل ومنها ان
قبض من قضي له ما قضي له به إذا كان خطأ وجورا وخلا فالسنة
الثابتة، لا يدخله قبضه في ملكه، ولا يصحح ذلك له وعليه رده.
ومنها ان للعالم أن يفتي في مصر فيه من هو أعلم منه إذا أفتى بعلم،
ألا ترى أن الصحابة كانوا يفتون في عهد رسول الله عليه، روى
عكرمة بن خالد عن ابن عمر أنه سئل عمن كان يفتي في زمان رسول
الله عَّ فقال أبو بكر وعمر ولا أعلم غيرهما وقال القاسم بن محمد
كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي يفتون على عهد رسول الله عز لتهم.

٤٣٩
الحدود
وروى موسى بن ميسرة عن محمد بن سهل بن أبي حثمة عن أبيه
قال: كان الذين يفتون على عهد رسول الله عَّة ثلاثة من المهاجرين
عمر وعثمان وعلي وثلاثة من الأنصار، أبي بن كعب ومعاذ بن جبل
وزید بن ثابت.
وفيه أن يمين رسول الله عٍَّ كانت: والذي نفسي بيده، وفي ذلك
رد على الخوارج والمعتزلة.
وأما قوله في الحديث لأقضين بينكما بكتاب الله فلأهل العلم في
ذلك قولان:
أحدهما أن الرجم في كتاب الله على مذهب من قال ان من القرآن
ما نسخ خطه وثبت حكمه وقد أجمعوا أن من القرآن ما نسخ حكمه
وثبت خطه وهذا في القياس مثله .
وقد ذكرنا وجوه نسخ القرآن في باب زيد بن أسلم من كتابنا هذا
فأغنى ذلك عن ذكره ها هنا ومن ذهب هذا المذهب احتج بقول عمر
ابن الخطاب الرجم في كتاب الله حق على من زنى من الرجال والنساء
إذا احصن. وقوله لولا ان يقال أن عمر زاد في كتاب الله لكتبتها
الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، فانا قد قرآنها وسنبين ما
لأهل العلم من التأويل في قول عمر هذا بما يجب في باب يحيى
ابن سعید من كتابنا هذا ان شاء الله.
من حجته أيضا ظاهر هذا الحديث قوله عليه والذي نفسي بيده
لأقضين بينكما بكتاب الله ثم قال لأنيس الأسلمي إن اعترفت المرأة
بهذا فارجمها فرجمها وأهل السنة والجماعة مجمعون على أن الرجم
من حكم الله عز وجل على من أحصن.

فتح البر
٤٤٠
والقول الآخر أن معنى قوله عليه السلام لأقضين بينكما بكتاب الله
عز وجل اي لاحكمن بينكما بحكم الله ولأقضين بينكما بقضاء الله
ج
وهذا جائز في اللغة قال الله عز وجل: ﴿كِنَبَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: (٢٤)].
أي حكمه فيكم وقضاؤه عليكم على أن كل ما قضى به رسول الله وَله
فهو حكم الله. قال الله عز وجل: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهُ﴾
[النساء: (٨٠)]. وقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَّ ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى
٤
[النجم: (٣، ٤)].
وقد ذكرنا قبل أن من الوحي قرآنا وغير قرآن. ومن حجة من قال
بهذا القول قول علي بن أبي طالب في شراحة الهمدانية : جلدتها
بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله عَّ. وهذا لفظ حديث قتادة عن
علي وهو منقطع وفيه أن الزاني إذا لم یحصن حده الجلد دون الرجم،
وهذا لا خلاف بين أحد من أمة محمد ع﴾ فيه.
قال الله عز وجل: ((الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة
جلدة)) فأجمعوا أن الأبكار داخلون في هذا الخطاب واجمع فقهاء
المسلمين وعلماؤهم من أهل الفقه والاثر من لدن الصحابة الى يومنا
هذا ان المحصن حده الرجم. واختلفوا هل عليه مع ذلك جلد ام لا،
فقال جمهورهم لا جلد على المحصن وإنما عليه الرجم فقط وممن قال
ذلك مالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم والثوري والأوزاعي
والليث بن سعد والحسن بن صالح وابن أبي ليلى وابن شبرمة واحمد
واسحاق وأبو ثور والطبري كل هؤلاء يقولون لا يجتمع جلد ورجم.
وقال الحسن البصري واسحاق بن راهويه وداود بن علي: الزاني
المحصن يجلد ثم يرجم وحجتهم عموم الآية في الزنا بقوله:
﴿ اَلَِّيَةُ وَلَِّ فَأَجْلِدُواْ كُلَّ وَجِدٍ مِنْهُمَا مِْتَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: (٢)]. فعم الزناة ولم
یخص محصناً من غیر محصن .